كِتَابُ الْإِكْرَاهِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 31642 to 31702
-
9/2329/232
قَالَ (الْإِكْرَاهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا حَصَلَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًّا)
-
قِيلَ الْمُوَالَاةُ تُغَيِّرُ حَالَ الْمَوْلَى الْأَعْلَى عَنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَالِ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى حُكْمِهِ، كَمَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُغَيِّرُ حَالَ الْمُخَاطَبِ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ فَكَانَ مُنَاسِبًا أَنْ يَذْكُرَ الْإِكْرَاهَ عَقِيبَ الْمُوَالَاةِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ الْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ، يُقَالُ أَكْرَهْت فُلَانًا: أَيْ حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ.
-
وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ عَمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمَرْءُ غَيْرَهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ حَمْلًا يَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ فَسَادِ اخْتِيَارٍ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى نَوْعَيْ الْإِكْرَاهِ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ عَدَمِ الرِّضَا وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْقِسْمِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ لَا فِي أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ فَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْإِكْرَاهِ الثَّلَاثَةِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
-
9/2339/233
لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا خَافَ الْمُكْرَهُ تَحْقِيقَ مَا تَوَعَّدَ بِهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْقَادِرِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ لِمَا أَنَّ الْمَنَعَةَ لَهُ وَالْقُدْرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَنَعَةِ.
-
فَقَدْ قَالُوا هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَلَمْ تَكُنْ الْقُدْرَةُ فِي زَمَنِهِ إلَّا لِلسُّلْطَانِ،
-
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ،
-
ثُمَّ كَمَا تُشْتَرَطُ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ لِتَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ خَوْفُ الْمُكْرَهِ وُقُوعَ مَا يُهَدَّدُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَصِيرَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ.
-
قَالَ (وَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ أَوْ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ أَوْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ بِالْحَبْسِ فَبَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَى الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ وَرَجَعَ بِالْمَبِيعِ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ
-
وَقَوْلُهُ (مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ) إشَارَةٌ إلَى كَوْنِ الْمُكْرَهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْخِطَابُ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْأَهْلِيَّةِ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الْأَهْلِيَّةُ ثَابِتَةً كَانَ الْمُكْرَهُ مُخَاطَبًا،
-
وَأَمَّا شَرْطُهُ وَحُكْمُهُ فَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، قَالَ (الْإِكْرَاهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا حَصَلَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ) شَرْطُ الْإِكْرَاهِ حُصُولُهُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى إيقَاعِ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ (سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًّا) وَخَوْفُ الْمُكْرَهِ وُقُوعُهُ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَصِيرَ بِالْإِكْرَاهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ،
-
فَإِذَا حَصَلَ بِشَرَائِطِهِ يَثْبُتُ حُكْمُهُ عَلَى مَا سَيَجِيءُ مُفَصَّلًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُصُولِهِ مِنْ السُّلْطَانِ وَاللِّصِّ (لِأَنَّ تَحَقُّقَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى خَوْفِ الْمُكْرَهِ تَحْقِيقُ مَا تَوَعَّدَ بِهِ،
-
وَلَا يَخَافُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، وَالسُّلْطَانُ وَغَيْرُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ سِيَّانِ) عِنْدَهُمَا (وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ) إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ، لِمَا أَنَّ الْمَنَعَةَ لَهُ وَالْقُدْرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَنَعَةِ، فَقَدْ قَالَ الْمَشَايِخُ رحمهم الله : هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ الْقُدْرَةُ وَلَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِ إلَّا لِلسُّلْطَانِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ أَهْلُ الزَّمَانِ.
-
فَإِذَا (أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ مَا لَهُ أَوْ شِرَاءِ سِلْعَةٍ أَوْ الْإِقْرَارِ بِمَالِهِ أَوْ إجَارَةِ دَارِهِ بِالْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ بِالْحَبْسِ) فَهُوَ إكْرَاهٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ،
-
فَإِنْ فَعَلَ مَا دُعِيَ إلَيْهِ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ (فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَى وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ
-
9/2349/234
الْعُقُودِ التَّرَاضِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
-
الْعُقُودِ التَّرَاضِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
-
9/2359/235
وَالْإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُعْدِمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ أَوْ قَيْدِ يَوْمٍ لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَادَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِكْرَاهُ إلَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا،
-
وَكَذَا الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ لِتَرَجُّحِ جَنَبَةِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَنَبَةِ الْكَذِبِ، وَعِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكْذِبُ لِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ،
-
ثُمَّ إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ جَازَ وَالْمَوْقُوفُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَلَنَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ
-
وَالْإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَعْدَمُ الرِّضَا) وَانْتِفَاءُ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ (فَيَفْسُدُ،
-
وَإِنْ أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ أَوْ قَيْدِ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ إكْرَاهًا لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِ نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ إلَّا إنْ كَانَ الْمُكْرِهُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ) فَهُوَ إكْرَاهٌ (لِ) وُجُودِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ وَهُوَ (فَوَاتُ الرِّضَا) (قَوْلُهُ
-
وَكَذَا الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَعْدَمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ: أَيْ وَالْإِقْرَارُ أَيْضًا يَفْسُدُ بِالْإِكْرَاهِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً فِي غَيْرِ الْإِكْرَاهِ لِتَرَجُّحِ جَنَبَةِ الصِّدْقِ، وَعِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ
-
لِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ
-
فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفٍ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ فَأَقَرَّ بِهِ فَهُوَ إقْرَارٌ كَمَا فِي الْبَيْعِ، إلَّا إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ: أَيْ عِزٍّ وَمَرْتَبَةٍ،
-
فَإِنَّ الشُّرَفَاءَ وَالْأَجِلَّاءَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ ضَرْبِ سَوْطٍ وَاحِدٍ وَحَبْسِ يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَنْكِفُ غَيْرُهُمْ مِنْ ضَرْبِ سِيَاطٍ وَحَبْسِ أَيَّامٍ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لَازِمٌ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ مِنْ حَالِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ (ثُمَّ إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ رحمه الله لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ جَازَ وَالْمَوْقُوفُ) عَلَى الْإِجَارَةِ (قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ) كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (وَلَنَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ) لِأَنَّ الْإِيجَابَ
-
9/2369/236
وَالْفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ جَازَ، وَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ كَمَا فِي سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ وَبِإِجَازَةِ الْمَالِكِ يَرْتَفِعُ الْمُفْسِدُ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الْبَائِعِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ الْعَبْدِ وَحَقُّهُ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ، أَمَّا هَاهُنَا الرَّدُّ لِحَقِّ الْعَبْدِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْأَوَّلِ لِحَقِّ الثَّانِي.
-
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
-
وَمَنْ جَعَلَ الْبَيْعَ الْجَائِزَ الْمُعْتَادَ بَيْعًا فَاسِدًا يَجْعَلُهُ كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ حَتَّى يَنْقَضِ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رَهْنًا لِقَصْدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالْهَازِلِ وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ رحمهم الله جَعَلُوهُ بَيْعًا جَائِزًا مُفِيدًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ
-
وَالْقَبُولَ صَدَرَ مِنْ الْمَالِكِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَصَادَفَ مَحَلَّهُ وَهُوَ الْمِلْكُ (وَالْفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ التَّرَاضِي) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وَتَأْثِيرُ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ لَا غَيْرُ كَانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي بَابِ الرِّبَا (فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ) وَالْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، إنَّمَا لَا يُفِيدُهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَقْدَ فِي حَقِّ حُكْمِهِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ،
-
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْقَبْضِ.
-
(فَلَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ) كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ (جَازَ وَلَزِمَهُ الْقِيمَةُ كَمَا فِي سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ) فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ لَمَا عَادَ جَائِزًا بِالْإِجَازَةِ كَهُوَ. أَجَابَ بِأَنَّ بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ يَرْتَفِعُ الْمُفْسِدُ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ،
-
بِخِلَافِ سَائِرِهَا فَإِنَّ الْمُفْسِدَ فِيهِ بَاقٍ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّ فِيهِ إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ لَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ حَقُّ اسْتِرْدَادِهِ
-
وَهَاهُنَا لَا يَنْقَطِعُ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْبَائِعِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ الْعَبْدِ وَحَقُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِحَاجَتِهِ، أَمَّا هَاهُنَا فَالرَّدُّ لِحَقِّ الْعَبْدِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْأَوَّلِ لِحَقِّ الثَّانِي.
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (وَمَنْ جَعَلَ الْبَيْعَ الْجَائِزَ الْمُعْتَادَ) يُرِيدُ بِهِ بَيْعَ الْوَفَاءِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ بِمَا لَك عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى أَنِّي مَتَى قَضَيْت الدَّيْنَ فَهُوَ لِي، أَوْ يَقُولُ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ بِكَذَا عَلَى أَنِّي إنْ دَفَعْت إلَيْك ثَمَنَك تَدْفَعُ الْعَيْنَ إلَيَّ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ جَعَلُوهُ بَيْعًا جَائِزًا مُفِيدًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِهِ دُونَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ بَيْنَ النَّاسِ
-
لِلْحَاجَةِ
-
إلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ الْبَيْعُ الْجَائِزُ الْمُعْتَادُ.
-
وَمِنْ الْمَشَايِخِ (مَنْ جَعَلَهُ بَيْعًا فَاسِدًا وَجَعَلَهُ كَالْبَيْعِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ حَتَّى يُنْقَضَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْفَسَادَ لِفَوَاتِ الرِّضَا) كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رَهْنًا لِقَصْدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) لِأَنَّهُمَا وَإِنْ سَمَّيَا بَيْعًا لَكِنَّ غَرَضَهُمَا الرَّهْنُ وَالْعِبْرَةُ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي،
-
وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا يُطْلَقُ لَهُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَاسْتَهْلَكَهُ مِنْ عَيْنِهِ، وَالدَّيْنُ سَاقِطٌ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ وَفَّى بِالدَّيْنِ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ إذَا هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ.
-
(وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بَيْعًا بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالْهَازِلِ) لِأَنَّهُمَا تَكَلَّمَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَلَيْسَ
-
9/2379/237
عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ
-
قَالَ (فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ طَوْعًا فَقَدْ أَجَازَ الْبَيْعَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِجَازَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ
-
وَكَذَا إذَا سَلَّمَ طَائِعًا، بِأَنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ لَا عَلَى الدَّفْعِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِجَازَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الْهِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ وَدَفَعَ حَيْثُ يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرِهِ الِاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ بِالدَّفْعِ وَفِي الْبَيْعِ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، فَدَخَلَ الدَّفْعُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ.
-
قَالَ (وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ) لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
-
قَالَ (وَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَيْرِ مُكْرَهٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) مَعْنَاهُ وَالْبَائِعُ مُكْرَهٌ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ
-
قَصْدَهُمَا، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ،
-
وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ عَلَى صَاحِبِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ (هُوَ الْمُعْتَادُ) أَنَّهُمْ فِي عُرْفِهِمْ لَا يَفْهَمُونَ لُزُومَ الْبَيْعِ بِهَذَا الْوَجْهِ، بَلْ يُجَوِّزُونَهُ إلَى أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي وَبَقِيَ الْمُشْتَرِي يَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ،
-
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، وَلِهَذَا سَمَّوْهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ لِأَنَّهُ وَفَّى بِمَا عَهِدَ مِنْ رَدِّ الْمَبِيعِ.
-
قَالَ (فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ طَوْعًا إلَخْ) إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ طَوْعًا فَقَدْ أَجَازَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الْإِجَازَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ كَانَ إجَازَةً، وَدَلَالَةُ الْإِجَازَةِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِجَازَةِ فَكَذَا إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ طَائِعًا بِأَنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ لَا عَلَى الدَّفْعِ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الْإِجَازَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ كُرْهًا وَدَفَعَ طَائِعًا حَيْثُ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا: أَيْ فَاسِدًا يُوجِبُ الْمِلْكَ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ فَسَادَ السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ،
-
فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرَهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ وَفِي الْبَيْعِ بِالْعَقْدِ فَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْهِبَةِ إكْرَاهًا عَلَى الدَّفْعِ دُونَ الْبَيْعِ (وَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ الثَّمَنَ (مُكْرَهًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ، وَعَلَى الْمُكْرَهِ رَدُّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ) فَيَكُونُ الثَّمَنُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي وَالْقَبْضُ مَتَى كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ إنَّمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا كَانَ لِلتَّمَلُّكِ، وَهَاهُنَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى قَبْضِهِ.
-
(وَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ، وَالْبَائِعُ مُكْرَهٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ لِعَدَمِ الرِّضَا.
-
9/2389/238
(وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهَ إنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ كَالْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ،
-
فَلَوْ ضَمِنَ الْمُكْرَهُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي نَفَذَ كُلُّ شِرَاءٍ كَانَ بَعْدَ شِرَائِهِ لَوْ تَنَاسَخَتْهُ الْعُقُودُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ،
-
وَلَا يَنْفُذُ مَا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ إلَى وَقْتِ قَبْضِهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْمُكْرَهَ عَقْدًا مِنْهَا حَيْثُ يَجُوزُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ وَهُوَ الْمَانِعُ فَعَادَ الْكُلُّ إلَى الْجَوَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ