فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَةِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 2663 to 2831
-
1/3231/323
وَالْإِخْفَاءِ دُونَ ذِكْرِ الْقَدْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَكْسُ مُتَعَيِّنًا؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ، وَالْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ رَاجِعٌ إلَى الصِّفَةِ وَالذَّاتِ قَبْلَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ مِنْ صِفَاتِ الْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَالْقَدْرُ يَعُمُّهُ وَالْقَاصِرُ أَيْضًا، فَكَانَ الِابْتِدَاءُ
-
1/3241/324
قَالَ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إنْ كَانَ إمَامًا) وَيُخْفِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ
-
بِذِكْرِ صِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ الْكَامِلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ أَوْلَى (ثُمَّ الْمُصَلِّي إنْ كَانَ إمَامًا يَجْهَرُ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَيُخْفَى فِي الْأُخْرَيَيْنِ
-
1/3251/325
هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ (وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْجَهْرُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ
-
هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ،
-
ثُمَّ الْجَهْرُ فِيمَا يُجْهَرُ وَالْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا أَخْفَيْنَا عَلَيْكُمْ.
-
وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا يَجْهَرُ وَعَلَى الْمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافِتُ. وَبِالْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ فَإِنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ إظْهَارُهُمَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَلِهَذَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الِابْتِدَاءِ إلَّا أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا لَغَوْا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَغَلَّطُوهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَرَكَ الْجَهْرَ فِيهِمَا بِهَذَا الْعُذْرِ» وَالْعُذْرُ وَإِنْ زَالَ بِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بَقِيَتْ الْمُخَافَتَةُ كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ.
-
وَأَمَّا «فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فَالْكُفَّارُ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ وَنِيَامًا فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ» عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ) ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ فَلَمَّا تَجَاذَبَ مُوجِبُ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ دَفْعًا لِمَا يُقَالُ فَائِدَةُ الْجَهْرِ الْإِسْمَاعُ وَلَا إسْمَاعَ هَاهُنَا إذْ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ يَسْمَعُهُ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفَائِدَةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي إسْمَاعِ الْغَيْرِ بَلْ مِنْ فَائِدَتِهِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ
-
1/3261/326
(وَيُخْفِيهَا الْإِمَامُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَفِي عَرَفَةَ خِلَافُ مَالِكٍ رحمه الله ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ
-
(وَيَجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) لِوُرُودِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ
-
فَيَجْهَرُ لِذَلِكَ، أَوْ بَيَانٌ لِلْحَكَمِ وَهُوَ أَلَّا يَجْهَرَ هَاهُنَا كُلَّ الْجَهْرِ إذْ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ يَسْمَعُهُ بَلْ يَأْتِي بِأَدْنَى الْجَهْرِ، فَكَانَ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ.
-
(وَيُخْفِي الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَفْسِيرِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا قِرَاءَةَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» " أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَفْسِيرِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله عنه : " بِمَ عَرَفْتُمْ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟
-
قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ". وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ أَحْيَانًا» . وَقَالَ مَالِكٌ: يَجْهَرُ الْإِمَامُ فِيهِمَا فِي عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هُنَاكَ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَيُجْهَرُ فِيهَا كَمَا فِي الْجُمُعَةِ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ) وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالْفَائِقِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.
-
وَلَئِنْ سُلِّمَ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ خَصَّ مِنْهُ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْجُمُعَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَصْحَابَنَا مَلَئُوا كُتُبَهُمْ بِهِ، وَنَقَلُوا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُفَسِّرُهُ بِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ إسْنَادُهُ لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ.
-
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ بِمَخْصُوصَةٍ؛ لِأَنَّ «الْجُمُعَةَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا» فَكَانَ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا، وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ،
-
وَكَذَا فِي الْأَعْيَادِ وَمِنْهُ عُرِفَ حُكْمُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. (وَالنَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ) أَيْ الشَّائِعُ الْمُنْتَشِرُ مَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
-
1/3271/327
بِالْجَهْرِ، وَفِي التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ يُخَافِتُ وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ اعْتِبَارًا بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُ فَيَكُونُ تَبَعًا
-
(مَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَضَى الْفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِجَمَاعَةٍ (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا وَلَا يَتَخَيَّرُ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ
-
كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ حَتَّى تُسْمَعَ قِرَاءَتُهُ (وَفِي التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ يُخَافِتُ وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ اعْتِبَارًا بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ أَفْضَلُ؛
-
لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ كَذَلِكَ. وَرَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي تَهَجُّدِهِ يُؤْنِسُ الْيَقْظَانَ وَلَا يُوقِظُ الْوَسْنَانَ» .
-
وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ.
-
وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُهُ:
-
(وَمَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ، إلَى قَوْلِهِ: مَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ) وَالصَّوَابُ ذِكْرُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلِ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْمُصَنِّفُ الْتَزَمَ ذِكْرَ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتْ حَتْمًا هُوَ الصَّحِيحُ) مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَالتُّمُرْتَاشِيُّ وَالْمَحْبُوبِيُّ فِي شُرُوحِهِمْ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا الْجَهْرُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ
-
1/3281/328
إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا
-
(وَمَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ السُّورَةَ وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَمْ يُعِدْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ،
-
وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ.
-
عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ، وَفِي الدَّاءِ الْمُنْفَرِدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ كَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ،
-
وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْجَهْرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا، وَسَبَبُ الْأَوَّلِ الْجِمَاعُ وَالْفَرْضُ هَاهُنَا عَدَمُهُ، وَسَبَبُ الثَّانِي الْوَقْتُ وَالْفَرْضُ عَدَمُهُ فَتَعَيَّنَ الْإِخْفَاءُ، وَمُنِعَ بِأَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي ذَلِكَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُوَافَقَةُ الْقَضَاءِ الْأَدَاءَ سَبَبًا لِلْجَوَازِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ.
-
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سَبَبَيْ الْجَهْرِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ انْتَفَى كُلُّ مِنْهُمَا فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ،
-
وَأَمَّا مُوَافَقَةُ الْقَضَاءِ الْأَدَاءَ فَلَيْسَ عَلَى سَبَبِيَّتِهَا إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهَا فَجَعْلُهَا سَبَبًا يَكُونُ إثْبَاتَ سَبَبٍ بِالرَّأْيِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ يَنْزِعُ إلَى الشَّرِكَةِ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَلَعَلَّ هَذَا حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ حَتْمًا هُوَ الصَّحِيحُ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ هُوَ الصَّحِيحُ دِرَايَةً لَا رِوَايَةً،
-
فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَلَى الْجَوَازِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
-
(وَمَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ السُّورَةَ وَلَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ لَمْ يُعِدْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ) يَعْنِي بِهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا نَذْكُرُهُ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبٌ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ إحْدَاهُمَا سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَقَضَاهَا فِي الشَّفْعِ الثَّانِي أَوْ لَمْ يَقْضِ، وَالْوَاجِبُ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ؛
-
لِأَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَا لَهُ مَشْرُوعًا لِيُصْرَفَ إلَى مَا عَلَيْهِ، وَالسُّورَةُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ
-
1/3291/329
وَلَهُمَا وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّورَةُ،
-
فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ السُّورَةَ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ،
-
ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَفِي الْأَصْلِ بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ مُرَاعَاةُ مَوْضُوعِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
-
غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ (وَلَهُمَا) وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ (أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّورَةُ،
-
فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ) إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ ثُمَّ يَقْضِي الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ السُّورَةِ (وَهُوَ خِلَافُ الْمَوْضُوعِ) وَنُوقِضَ بِتَرَتُّبِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عَلَى السُّورَةِ الَّتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُرَتِّبُ الْفَاتِحَةَ عَلَى السُّورَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ لَا مَحَالَةَ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْفَاتِحَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي تَجْعَلُهَا كَالْوَاقِعَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَلْنُقَدِّرْ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَ السُّورَةِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهَا فَتَكُونُ السُّورَةُ مُتَرَتِّبَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ دُونَ الْعَكْسِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَقْدِيرَهَا كَالْوَاقِعَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لِضَرُورَةِ تَدَارُكِ الْفَارِطِ إنْ أَمْكَنَ، وَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ لِاسْتِلْزَامِهِ تَغَيُّرَ الْمَحْسُوسِ، وَالضَّرُورِيُّ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ تَغَيُّرُ الْمَحْسُوسِ
-
(بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ السُّورَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ) وَهُوَ تَرَتُّبُ السُّورَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا، وَلِهَذَا لَوْ قَرَأَ فِيهِمَا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَقَوْلُهُ:
-
(ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ) ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ بَلْ آكَدُ، وَفِي الْأَصْلِ بِلَفْظِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا تَرَكَ السُّورَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهَا.
-
أَمَّا وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ،
-
وَأَمَّا وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ فَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ (؛ لِأَنَّهَا) أَيْ السُّورَةَ (إنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْ الْفَاتِحَةِ فَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِالْفَاتِحَةِ الْأُولَى) لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بِالْفَاتِحَةِ الثَّانِيَةِ (فَلَمْ يُمْكِنْ مُرَاعَاةُ مَوْضُوعِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) وَلَمْ يَذْكُرْ الشِّقَّ الْآخَرَ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ لِبُعْدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى
-
1/3301/330
(وَيَجْهَرُ بِهِمَا) هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ، وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى،
-
ثُمَّ الْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ رحمه الله لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً بِدُونِ الصَّوْتِ.
-
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ.
-
غَيْرِ مَشْرُوعٍ آخَرَ وَهُوَ تَقْدِيمُ السُّورَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ. وَقَوْلُهُ: (وَيَجْهَرُ بِهِمَا هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَاتِحَةِ مُؤَدٍّ فَيُرَاعَى صِفَةُ أَدَائِهَا، وَفِي السُّورَةِ قَاضٍ فَيَجْهَرُ بِهَا كَمَا كَانَ يَجْهَرُ فِي الْأَدَاءِ،
-
وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَلْتَحِقُ بِمَحَلِّ الْأَدَاءِ.
-
وَعَمَّا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ لِمَا قُلْنَا،
-
فَلَوْ جَهَرَ بِالسُّورَةِ كَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ صُورَةً وَحَقِيقَةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَوَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ،
-
فَإِمَّا أَنْ يُخْفِيَهُمَا كَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَفِي ذَلِكَ تَغْيِيرُ صِفَةِ الْوَاجِبِ وَهُوَ السُّورَةُ لِأَجْلِ مُرَاعَاةِ صِفَةِ سُنَّةٍ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَقْوَى لِلْأَدْنَى،
-
وَإِمَّا أَنْ يَجْهَرَ بِهِمَا وَفِيهِ تَغْيِيرُ صِفَةِ النَّفْلِ لِأَجْلِ صِفَةِ الْوَاجِبِ فَهُوَ أَوْلَى. قَالَ (ثُمَّ الْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ) اعْلَمْ أَنَّ أَجْزَاءَ الْكَلِمَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةِ عَلَى اللِّسَانِ عَلَى نَوْعَيْنِ: كَلَامٌ، وَقِرَاءَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ إفَادَةُ النِّسْبَةِ لِلْمُخَاطَبِ أَوْ لَا:
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْكَلَامُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْقِرَاءَةُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ: جَهْرٍ، وَمُخَافَتَةٍ.
-
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا، فَذَهَبَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ إلَى أَنَّ الْمُخَافَتَةَ هُوَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ مَجْمَجَةٌ وَدَنْدَنَةٌ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَلَا قِرَاءَةٍ (وَالْجَهْرُ هُوَ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ) فَهُوَ كَمَا تَرَى جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَوْعَيْهِ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَسْمُوعَةِ وَقَالَ (؛
-
لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ بِدُونِ الصَّوْتِ لَا تُسَمَّى قِرَاءَةً) يَعْنِي لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَفِيهِ نَظَرٌ،
-
فَإِنَّ مَنْ رَأَى الْمُصَلِّي الْأُطْرُوشَ مِنْ بَعِيدٍ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ يُخْبِرُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ.
-
(وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ) وَقَالَ (لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ) فَإِنَّ الْأُطْرُوشَ يَتَكَلَّمُ وَلَا يَسْمَعُ، وَهُوَ كَمَا تَرَى جَعَلَ الْمُخَافَتَةَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمُبْصَرَةِ وَالْجَهْرَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَسْمُوعَةِ.
-
1/3311/331
وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا.
-
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
-
(وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ آيَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ،
-
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ يُوجَدُ بِهَا تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَلَا تُسَمَّى قِرَاءَةٌ لِعَدَمِ الصَّوْتِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ مُطْلَقًا قِرَاءَةً بَلْ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ بِاللِّسَانِ قِرَاءَةٌ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ. قَوْلُهُ: (وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ) قِيلَ يَعْنِي فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ بِقَوْلِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ،
-
وَقِيلَ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ أَوَّلَ هَذَا الْكَلَامَ نُصْرَةً لِأَبِي جَعْفَرٍ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَقَرَأَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ لَا غَيْرَهُ، وَبِقَوْلِهِ وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَسْمَعَ نَفْسَهُ لَا غَيْرُ وَإِنْ شَاءَ أَسْمَعَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى تَأْوِيلٌ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ مَا يَحْتَمِلُهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ) يَعْنِي إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ حُرٌّ وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ خِلَافًا لِلْهِنْدُوَانِيِّ،
-
وَكَذَا إذَا جَهَرَ بِهِمَا وَخَافَتْ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ الشَّرْطِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَمْ يَقَعَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَصْلًا وَتَأَخَّرَا إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَعِنْدَ الْهِنْدُوَانِيِّ يَقَعَانِ فِي الْحَالِ، وَعَلَى هَذَا التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَوُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
-
قَالَ (وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَضَرِ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ، وَقِسْمٌ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ، وَقِسْمٌ يَدْخُلُ بِهِ فِي حَدِّ الِاسْتِحْبَابِ.
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّفَرِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي فِي عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ أَوْ أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ، وَالْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا خَلَا أَنَّ لِلْعَجَلَةِ تَأْثِيرًا فِي التَّخْفِيفِ (وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آيَةٌ) وَاحِدَةٌ إنْ كَانَتْ
-
1/3321/332
وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَارِئًا بِدُونِهِ فَأَشْبَة قِرَاءَةَ مَا دُونَ الْآيَةِ.
-
وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ
-
كَلِمَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَبِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً كَمُدْهَامَّتَانِ أَوْ حَرْفًا وَاحِدًا كص ون وق، فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ (وَقَالَا ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَةِ (لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يُسَمَّى قَارِئًا بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ الْمَذْكُورِ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ (فَأَشْبَهَ) قِرَاءَتَهُ (قِرَاءَةَ مَا دُونَ الْآيَةِ) وَقِرَاءَةُ مَا دُونَ الْآيَةِ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ فَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْآيَةِ، وَحَقِيقَةُ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ وَإِنْ كَانَتْ قُرْآنًا حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يَنْطَلِقُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فَيُصَارُ إلَيْهِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ) بَيْنَ آيَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ قُرْآنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا
-
1/3331/333
إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ وَالْآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ
-
(وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَأَيِّ سُورَةٍ شَاءَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ
-
فَلِأَنَّهَا تَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فَتَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ مُطْلَقَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ لَجَازَ بِمَا دُونَ الْآيَةِ كَمَا جَازَ بِالْآيَةِ؛
-
لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَتَنَاوَلُهُمَا تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَلَكِنْ لَمْ يَجُزْ بِمَا دُونَ الْآيَةِ فَكَذَلِكَ بِالْآيَةِ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِطْلَاقِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَالْكَامِلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ قُرْآنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَمَا دُونَ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ قُرْآنًا حَقِيقَةً لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ حُكْمًا حَيْثُ جَازَ قِرَاءَتُهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَلَا يَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: خَارِجٌ، بِمَعْنَى لَمْ يَدْخُلْ؛
-
لِأَنَّهُ أَبْرَزَ الْكَلَامِ مُبْرَزَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ لَا الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَلِهَذَا قَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَنَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِخْرَاجِ بَلْ بِطَرِيقِ أَنَّ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَهُ زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ قَرَّرْنَاهَا فِي التَّقْرِيرِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَالْآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ) أَيْ فِي مَعْنَى مَا دُونَ الْآيَةِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِدَفْعِ مَنْ عَسَى أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ فَتَلْحَقُ الْآيَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ حَتَّى تَلْحَقَ بِهِ.
-
قَوْلُهُ: (وَفِي السَّفَرِ) إنَّمَا قَدَّمَ الْكَلَامَ فِي السَّفَرِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَهُوَ أَلْيَقُ بِالتَّأْخِيرِ، إمَّا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ
-
1/3341/334
فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى، وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ
-
(وَيَقْرَأُ فِي الْحَضَرِ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ خَمْسِينَ آيَةً سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَيُرْوَى مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ وَمِنْ سِتِّينَ إلَى مِائَةٍ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ.
-
قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ فَكَانَ أَنْسَبَ لِذِكْرِ قِرَاءَةِ الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ،
-
وَإِمَّا؛ لِأَنَّ شُعَبَ بَحْثِ الْحَضَرِ كَثِيرَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ بَحْثِ السَّفَرِ لِيَدْخُلَ فِي بَحْثِ الْحَضَرِ عَلَى فَرَاغٍ، وَكَلَامُ فِي السَّفَرِ ظَاهِرٌ. وَالْأَمَنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: هُوَ الْأَمْنُ. وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مَظِنَّةَ التَّخْفِيفِ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَخُفِّفَ فِي الْقِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ فِي حَالِ الْأَمْنِ؛
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَثَّرَ فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى.
-
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّعْلِيلُ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي طَرَفِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْوَاثِ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ هَاهُنَا بِوُجُودِ التَّخْفِيفِ مَرَّةً عَلَى التَّخْفِيفِ ثَانِيًا وَأَبَى ذَلِكَ هُنَاكَ. أُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِتَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ عَمَلٌ بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْأَصْلِ كَانَ ظُهُورُ تَأْثِيرِهِ فِي الْوَصْفِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِلْأَصْلِ،
-
بِخِلَافِ الْأَرْوَاثِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ عَمِلَتْ فِي صِفَةِ التَّخْفِيفِ مَرَّةٌ فَكَفَتْ مُؤْنَتُهَا بِهَا فَلَا تَعْمَلُ ثَانِيَةً.
-
(وَيَقْرَأُ فِي الْحَضَرِ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ خَمْسِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ) وَيُرْوَى مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَيُرْوَى مِنْ سِتِّينَ إلَى مِائَةٍ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَتْ الْآثَارُ. قَالَ «مُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ: تَلَقَّنْت سُورَةَ ق وَاقْتَرَبَتْ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَثْرَةِ قِرَاءَتِهِ لَهُمَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» وَقِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً، وَاقْتَرَبَتْ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ أَوْ سِتٌّ وَخَمْسُونَ آيَةً.
-
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَالْأُولَى ثَلَاثُونَ وَالثَّانِيَةُ إحْدَى وَثَلَاثُونَ» فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفَتْ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِيهَا، وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَقَادِيرَ أَيُّهَا كَانَتْ إنَّمَا تَكُونُ فِي رَكْعَتَيْنِ لَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَكُونَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عِشْرُونَ.
-
1/3351/335
وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّاغِبِينَ مِائَةً وَبِالْكَسَالَى أَرْبَعِينَ وَبِالْأَوْسَاطِ مَا بَيْنَ خَمْسِينَ إلَى سِتِّينَ،
-
وَقِيلَ يَنْظُرُ إلَى طُولِ اللَّيَالِي وَقِصَرِهَا وَإِلَى كَثْرَةِ الْأَشْغَالِ وَقِلَّتِهَا.
-
قَالَ (وَفِي الظُّهْرِ مِثْلَ ذَلِكَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ، وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ دُونَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَالِ (وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ سَوَاءٌ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ دُونَ ذَلِكَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ رضي الله عنه إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ اقْرَأْ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ
-
قَوْلُهُ: (وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ) يَعْنِي بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الظُّهْرِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ مَا قَرَأَ فِي الْفَجْرِ (لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ) وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ الم السَّجْدَةَ» . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَرَأَ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ» ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ فِي الظُّهْرِ مَا قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ دُونَهُ؛
-
لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَالِ) وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَهُوَ نَحْوُ سُورَةِ الْمُلْكِ» .
-
وَقَوْلُهُ: (وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ سَوَاءٌ) يَعْنِي فِي سَعَةِ الْوَقْتِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ» وَلِحَدِيثِ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ قَوْمَهُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَطْوِيلَ قِرَاءَتِهِ فِي الْعِشَاءِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» (وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَطِوَالِ الْمُفَصَّلِ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ إلَى سُورَةِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْأَوْسَاطِ مِنْهَا إلَى لَمْ يَكُنْ، وَالْقِصَارِ مِنْهَا إلَى الْآخِرِ» وَقِيلَ طِوَالُهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى عَبَسَ،
-
1/3361/336
وَلِأَنَّ مَبْنَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْعَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا.
-
وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأْخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ بِالتَّطْوِيلِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُسْتَحَبٍّ فَيُوَقِّتُ فِيهِمَا بِالْأَوْسَاطِ
-
(وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ) إعَانَةً لِلنَّاسِ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ.
-
قَالَ (وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ سَوَاءٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» وَلَهُمَا أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْقِرَاءَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْمِقْدَارِ،
-
بِخِلَافِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ
-
وَأَوْسَاطُهُ مِنْ كُوِّرَتْ إلَى وَالضُّحَى، وَالْقِصَارُ مِنْهُ إلَى الْآخِرِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَفِيهِ إعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُطِيلُ فِي غَيْرِهَا عِنْدَهُمَا.
-
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِمَا رَوَى) أَبُو قَتَادَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» . وَلَهُمَا أَنَّ رَكْعَتَيْ الصَّلَاةِ اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْقِرَاءَةِ) لِكَوْنِهَا رُكْنًا فِي الْجَمِيعِ، وَكُلُّ مَا كَانَا كَذَلِكَ يَسْتَوِيَانِ فِي الْمِقْدَارِ إلَّا بِعَارِضٍ غَيْرِ اخْتِيَارِيٍّ؛
-
لِأَنَّ سَبَبَ الْحُدُوثِ مُتَّحِدٌ وَسَبَبُ التَّفَاوُتِ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَقُلْنَا بِعَارِضٍ غَيْرِ اخْتِيَارِيٍّ لِيُخْرِجَ صَلَاةَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ تَطْوِيلَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلِئَلَّا يَرُدَّ مَا يُقَالُ فِي جَانِبِ مُحَمَّدٍ: إنَّ مَعْنَى تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، إلَّا أَنَّ الْغَفْلَةَ فِي الْفَجْرِ بِسَبَبِ النَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ بِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْكَسْبِ؛
-
لِأَنَّ غَفْلَتَهُمْ تِلْكَ بِاخْتِيَارِهِمْ،
-
بِخِلَافِ النَّوْمِ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي التَّطْوِيلِ بِالْآيَاتِ إنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً أَوْ مُتَقَارِبَةً مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ وَالْحُرُوفُ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ فَالْمُعْتَبَرُ بِالْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي مِقْدَارِ زِيَادَةِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الثُّلُثَ وَالثُّلُثَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى
-
1/3371/337
وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ
-
(وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا) بِحَيْثُ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِهَا لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِمَا فِيهِ مِنْ
-
وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الثَّانِيَةِ بِعَشْرِ آيَاتٍ أَوْ عِشْرِينَ، وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَالْجَوَازُ وَإِنْ كَانَ التَّفَاوُتُ فَاحِشًا بِأَنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِأَرْبَعِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ.
-
وَأَمَّا إطَالَةُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فَمَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ أَطْوَلُ بِآيَةٍ» ، وَلَمَّا قَالَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ وَهَذَا فِي الْفَرَائِضِ،
-
وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ زِيَادَةَ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ،
-
وَقِيلَ لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّوَافِلِ أَسْهَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا جَازَتْ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا يَتَرَاءَى أَنَّهُمَا فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ وَضْعًا وَبَيَانًا. أَمَّا الْوَضْعُ فَلِأَنَّ الْأُولَى مِنْ مَسَائِلِ الْقُدُورِيِّ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ الْتَزَمَ الْإِتْيَانَ بِهِمَا إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَتَانِ.
-
وَأَمَّا الْبَيَانُ فَلِأَنَّ مَعْنَى الْأُولَى لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ مُطْلَقًا تَعْيِينُ قِرَاءَةِ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ عَيَّنَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَقَالَ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ. قُلْنَا إنَّهُ بَاطِلٌ (لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا) مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ لَا يُقَالُ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَا تَتَعَيَّنُ رُكْنًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛
-
لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ مِنْ لَفْظِ الْهِدَايَةِ، وَهَاهُنَا ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ لَفْظِ الْقُدُورِيِّ، وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ يُكْرَهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلَ الم السَّجْدَةَ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَالْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَؤُهُمَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» فَكَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَقُلْنَا إنَّ فِي ذَلِكَ هَجْرَ الْبَاقِي وَإِيهَامَ التَّفْضِيلِ بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ شَكَا الرَّسُولُ ﷺ قَوْمَهُ قُرَيْشًا إلَى رَبِّهِ بِاِتِّخَاذِهِمْ الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَهُوَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ لَوْلَا رِوَايَةُ الْجَوَازِ بِغَيْرِهَا فَمَعَهَا يَكُونُ مَكْرُوهًا.
-
لَا يُقَالُ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ هَجْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْضِيلٌ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ
-
1/3381/338
هَجْرِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ
-
(وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْفَاتِحَةِ.
-
لَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ.
-
وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»
-
يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ ق» وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَقَامَ بِتَبُوكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ الْفَاتِحَةَ،
-
وَإِذَا زُلْزِلَتْ» فَعُلِمَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَا وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي اسْتِحْبَابِ الْمُوَاظَبَةِ مُخَالَفَةٌ لَهُ عليه الصلاة والسلام وَحَمْلٌ لِصَلَاتِهِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ،
-
وَلَا كَرَاهَةَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. نِعْمَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا كَمَا فَعَلَهُ عليه الصلاة والسلام قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ لِتَبَرُّكِهِ بِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
-
(وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ
-
1/3391/339
وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ
-
أَوْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَفِي الرَّكَعَاتِ الَّتِي لَا جَهْرَ فِيهَا،
-
وَكَذَا فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِهِ: قَالَ أَصْحَابُهُ:
-
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمُقْتَدِي الْفَاتِحَةَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ.
-
وَلَنَا قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» حَدَّثَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُوسَى ابْنِ عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه . لَا يُقَالُ: هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَيَسْلَمُ اسْتِدْلَالُهُ بِالْقِيَاسِ سَالِمًا.؛
-
لِأَنَّا نَقُولُ. بِالْمُوجِبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنْ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ أَوْ لَا، وَحَدِيثُهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ، وَحَدِيثُنَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فَعَمِلْنَا بِهِ حَذَرًا عَنْ الْإِلْغَاءِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إجْمَاعُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ثَمَانِينَ نَفَرًا مِنْ كِبَارِ
-
1/3401/340
الصَّحَابَة مَنْعَ الْمُقْتَدِي عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ.
-
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَدْرَكْت سَبْعِينَ بَدْرِيًّا كُلُّهُمْ يَمْنَعُونَ الْمُقْتَدِي عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ لَيْسَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ، وَأَيْضًا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ كَخِلَافِ الْأَكْثَرِ.
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ إجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ وَكِبَارِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْهَوْنَ عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَشَدَّ النَّهْيِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم .
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُجُوعُ الْمُخَالِفِ ثَابِتًا فَيَتِمُّ الْإِجْمَاعُ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَوْ ثَبَتَ نَهْيُ الْعَشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ رَدُّ أَحَدٍ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَوَفُّرِ
-
1/3411/341
وَهُوَ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ حَظَّ الْمُقْتَدِي الْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاعُ قَالَ عليه الصلاة والسلام «وَإِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا» وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله ،
-
وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ
-
الصَّحَابَةِ كَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْقِرَاءَةُ رُكْنٌ.
-
وَتَقْرِيرُهُ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ (بَيْنَهُمَا) لَكِنْ حَظُّ الْمُقْتَدِي (مِنْهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْعَبَّاسِ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَءُوا خَلْفَهُ فَخَلَطُوا عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ فَنَزَلَتْ» . وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» الْحَدِيثَ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيُسْتَحْسَنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ) لِمَا رَوَى مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ) وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَفِي فِيهِ جَمْرَةٌ» وَقَالَ: وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَيْتَ فِي فَمِ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ حَجَرًا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا
-
1/3421/342
(وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ فَرْضٌ بِالنَّصِّ، وَالْقِرَاءَةُ وَسُؤَالُ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ النَّارِ كُلُّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِهِ
-
مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مُرَادًا.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ) أَيْ إلَى الْجَنَّةِ (وَالتَّرْهِيبِ) أَيْ مِنْ النَّارِ، وَدَلِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ، وَهَلْ يَسْأَلُ وَيَتَعَوَّذُ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ أَوْ لَا؟ لَمْ يَذْكُرْهُ هَاهُنَا،
-
فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا فِي الْفَرْضِ وَلَا فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَوْمِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ إذَا كَانَ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي التَّطَوُّعِ فَهُوَ حَسَنٌ لِحَدِيثِ «حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ اللَّهَ
-
1/3431/343
وَكَذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ، (وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام ) لِفَرْضِيَّةِ الِاسْتِمَاعِ
-
الْجَنَّةَ، وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ»
-
(وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَطِيبُ فِي الْخُطْبَةِ) يَسْتَمِعُ الْقَوْمُ وَيُنْصِتُوا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا،
-
وَمَنْ لَغَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ»
-
وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَمِعُونَ وَيُنْصِتُونَ. سَأَلَ أَبُو يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ هَلْ يَذْكُرُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَمِعُوا وَيُنْصِتُوا، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَذْكُرُونَ وَلَا يُصَلُّونَ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي الْعِبَارَةِ وَاحْتَشَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَ لَا يَذْكُرُونَ لَا يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ أَحَبَّ؛
-
لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ
-
1/3441/344
إلَّا أَنْ يَقْرَأَ الْخَطِيبُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ، فَيُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّانِي عَنْ الْمِنْبَرِ، وَالْأَحْوَطُ هُوَ السُّكُوتُ إقَامَةً لِفَرْضِ الْإِنْصَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.