بَابُ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ)
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 15673 to 15700
-
5/1935/193
يُرِيدُ بِالْغَيْرِ الْغُسْلَ وَالْكِسْوَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ إنْ ضَرَبْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَمَاتَ فَضَرَبَهُ فَهُوَ عَلَى الْحَيَاةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ يَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ) وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ لِانْتِفَاءِ الْإِيلَامِ فِيهِ، وَنُوقِضَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ فَقَدْ بَرَّ أَيُّوبُ عليه السلام فِي يَمِينِهِ بِالضَّرْبِ بِهَذَا الَّذِي ذُكِرَ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِيلَامُ لِمَا أَنَّ الضِّغْثَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُزْمَةِ الصَّغِيرَةِ مِنْ رَيْحَانٍ أَوْ حَشِيشٍ فَلَمْ يَكُنْ لِمَجْمُوعِهِ إيلَامٌ فَكَيْفَ لِأَجْزَائِهِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمًا ثَابِتًا بِالنَّصِّ فِي حَقِّ أَيُّوبَ عليه الصلاة والسلام خَاصَّةً إكْرَامًا لَهُ فِي حَقِّ امْرَأَتِهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهَا لِعَدَمِ جِنَايَتِهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْزَاءِ الضِّغْثِ إيلَامٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي تَفْسِيرِ الضِّغْثِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الضِّغْثَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَبْضَةِ مِنْ الشَّجَرِ فَجَازَ أَنْ يُصِيبَهَا أَلَمُ أَجْزَائِهَا فَكَانَ حُكْمُهُ بَاقِيًا فِي شَرِيعَتِنَا أَيْضًا، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي الْكَشَّافِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ:
-
وَمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَن فُلَانًا مِائَةَ سَوْطٍ فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً إنْ وَصَلَ إلَيْهِ كُلُّ سَوْطٍ بِحِيَالِهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَالْإِيلَامُ شَرْطٌ فِيهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الضَّرْبِ الْإِيلَامُ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ
-
5/1945/194
وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُ الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ
-
قَوْلُكُمْ الْإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ يُشْكِلُ بِعَذَابِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ الصَّالِحِيِّ،
-
فَإِنَّ الْمَيِّتَ عِنْدَهُ يُعَذَّبُ مِنْ غَيْرِ حَيَاةٍ وَلَا يَشْتَرِطُ الْحَيَاةَ لِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ. وَقَوْلُهُ
-
(وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ) يَعْنِي إنْ قَالَ إنْ كَسَوْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَكَسَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ.
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ) أَيْ الْكِسْوَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِكْسَاءِ (التَّمْلِيكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُ الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ
-
5/1955/195
إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ السَّتْرَ،
-
وَقِيلَ بِالْفَارِسِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى اللُّبْسِ
-
(وَكَذَا الْكَلَامُ وَالدُّخُولُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ
-
(وَلَوْ قَالَ: إنْ غَسَّلْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَغَسَّلَهُ بَعْدَ مَا مَاتَ يَحْنَثُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ هُوَ الْإِسَالَةُ وَمَعْنَاهُ التَّطْهِيرُ
-
إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ) أَيْ الْكِسْوَةِ (السَّتْرَ) فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ لِأَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (وَقِيلَ بِالْفَارِسِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى اللُّبْسِ) دُونَ التَّمْلِيكِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبُو اللَّيْثِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ فُلَانًا فَأَلْبَسَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ حَنِثَ لِأَنَّ الْإِلْبَاسَ عِبَارَةٌ عَنْ السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ وَالْمَيِّتُ مَحَلٌّ لِذَلِكَ.
-
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْكَلَامُ وَالدُّخُولُ) يَعْنِي إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا أَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ فَكَلَّمَهُ أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا مَاتَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ
-
5/1965/196
وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ
-
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْإِيلَامُ،
-
(وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي حَالِ الْمُلَاعَبَةِ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُمَازَحَةً لَا ضَرْبًا
-
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ حَيْثُ سَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَقَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟» أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ .
-
وَقَوْلُهُ (وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ) يَعْنِي التَّطْهِيرَ (فِي الْمَيِّتِ) أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ يَحْمِلُ مَيِّتًا مُسْلِمًا لَمْ يُغَسَّلْ لَا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَغْسُولًا جَازَتْ
-
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ) يَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ (وَقَدْ تَحَقَّقَ الْإِيلَامُ) مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي حَالِ الْمُلَاعَبَةِ) وَإِنْ أَوْجَعَهَا وَآلَمَهَا لِأَنَّهُ يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ مُمَازَحَةً لَا ضَرْبًا، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَقَالَ فِيهِ:
-
وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْكُوزَ لَا مَاءَ فِيهِ فَحَلَفَ وَقَالَ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ حَنِثَ بِالِاتِّفَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى شُرْبِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ فِي الْكُوزِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،
-
وَإِنْ أَحْدَثَ فِي الْكُوزِ مَاءً فَلَيْسَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الشُّرْبُ لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ إذْ الْحَادِثُ غَيْرُهُ،
-
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ إذْ كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِ فُلَانٍ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ فِي فُلَانٍ،
-
فَإِذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ فُلَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ وَكَانَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ مُتَوَهَّمًا، وَالْعَادِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْعَادَةِ كَالْإِرَادِيِّ مَنْسُوبٌ إلَى الْإِرَادَةِ،
-
فَإِنَّ تَاءَ التَّأْنِيثِ تُحْذَفُ فِي النِّسْبَةِ.
-
5/1975/197
(وَمَنْ قَالَ: إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِيهِ وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ فَيَنْعَقِدُ ثُمَّ يَحْنَثُ لِلْعَجْزِ الْعَادِيِّ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ كَانَتْ فِيهِ وَلَا تُتَصَوَّرُ فَيَصِيرُ قِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلُ الْعِلْمِ هُوَ الصَّحِيحَ.