Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

كِتَابُ الْمَعَاقِلِ

العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 38843 to 39693

  1. 10/39410/394

    لَمَّا كَانَ مُوجِبُ الْقَتْلِ الْخَطَإِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا بُدٌّ، فَذَكَرَهَا وَأَحْكَامَهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَقَالَ (الْمَعَاقِلُ جَمْعُ مَعْقُلَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْقَافِ وَبَيَّنَ مَعْنَاهَا، وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ دِيَةٍ) مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى الْعَاقِلَةِ) خَبَرُهُ. وَقَوْلُهُ (وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ) يَعْنِي ابْتِدَاءً،

  2. فَإِنَّ مَا يَجِبُ مِنْهَا بِسَبَبِ الصُّلْحِ أَوْ الْأُبُوَّةِ فَهِيَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.

  3. 10/39510/395

    الْعَقْلَ وَهُوَ الدِّيَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الدِّيَاتِ. وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه لِلْأَوْلِيَاءِ «قُومُوا فَدُوهُ» وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ لَا وَجْهَ إلَى الْإِهْدَارِ وَالْخَاطِئُ مَعْذُورٌ،

  4. وَكَذَا الَّذِي تَوَلَّى شِبْهَ الْعَمْدِ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ فَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ، وَفِي إيجَابِ مَالِ عَظِيمٍ إجْحَافُهُ وَاسْتِئْصَالُهُ فَيَصِيرُ عُقُوبَةً فَضَمَّ إلَيْهِ الْعَاقِلَةَ تَحْقِيقًا لِلتَّخْفِيفِ. وَإِنَّمَا خُصُّوا بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَرَ لِقُوَّةٍ فِيهِ وَتِلْكَ بِأَنْصَارِهِ وَهُمْ الْعَاقِلَةُ فَكَانُوا هُمْ الْمُقَصِّرِينَ فِي تَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتِهِ فَخُصُّوا بِهِ.

  5. قَالَ (وَالْعَاقِلَةُ أَهْلُ الدِّيوَانِ إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ يُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَأَهْلُ الدِّيوَانِ أَهْلُ الرَّايَاتِ وَهُمْ الْجَيْشُ الَّذِينَ كُتِبَتْ أَسَامِيهمْ فِي الدِّيوَانِ وَهَذَا عِنْدَنَا.

  6. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْعَشِيرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ وَلِأَنَّهُ صِلَةٌ وَالْأَوْلَى بِهَا الْأَقَارِبُ. وَلَنَا قَضِيَّةُ عُمَرَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ جَعَلَ الْعَقْلَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ بَلْ هُوَ تَقْرِيرُ مَعْنًى لِأَنَّ الْعَقْلَ كَانَ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ وَقَدْ كَانَتْ بِأَنْوَاعٍ: بِالْقَرَابَةِ وَالْحِلْفِ وَالْوَلَاءِ وَالْعَدِّ.

  7. وَفِي عَهْدِ عُمَرَ رضي الله عنه قَدْ صَارَتْ بِالدِّيوَانِ فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِهِ اتِّبَاعًا لِلْمَعْنَى وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ الْيَوْمَ قَوْمٌ تَنَاصُرُهُمْ بِالْحِرَفِ فَعَاقِلَتُهُمْ أَهْلُ الْحِرْفَةِ،

  8. وَإِنْ كَانَ بِالْحِلْفِ فَأَهْلُهُ وَالدِّيَةُ صِلَةٌ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ إيجَابَهُمْ فِيمَا هُوَ صِلَةٌ وَهُوَ الْعَطَاءُ أَوْلَى مِنْهُ فِي أُصُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام

  9. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي الدِّيَةَ بِتَأْوِيلِ الْعَقْلِ. وَقَوْلُهُ

  10. (وَكَذَا الَّذِي تَوَلَّى شِبْهَ الْعَمْدِ) وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ الصَّغِيرِ حَتَّى قَتَلَهُ.

  11. وَقَوْلُهُ (وَفِي إيجَابِ مَالٍ عَظِيمٍ إجْحَافُهُ) فَسَّرَ الْإِجْحَافَ بِقَوْلِهِ وَاسْتِئْصَالُهُ. وَقَوْلُهُ (إنَّمَا قَصَرَ) يَعْنِي: أَنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا قَصَرَ حَالَةَ الرَّمْيِ فِي التَّثَبُّتِ وَالتَّوَقُّفِ. وَقَوْلُهُ (وَتِلْكَ) أَيْ الْقُوَّةُ، وَقَوْلُهُ (كَتَبَ أَسَامِيهمْ فِي الدِّيوَانِ) الدِّيوَانُ: الْجَرِيدَةُ، مِنْ دَوَّنَ الْكُتُبَ إذَا جَمَعَهَا؛ لِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ الْقَرَاطِيسِ مَجْمُوعَةٌ.

  12. وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ: أَيْ رَتَّبَ الْجَرَائِدَ لِلْوُلَاةِ وَالْقَضَاءِ، وَيُقَالُ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ: أَيْ مِمَّنْ أَثْبَتَ اسْمَهُ فِي الْجَرِيدَةِ. وَقَوْلُهُ (مِنْ عَطَايَاهُمْ) الْعَطَاءُ اسْمُ مَا يُعْطَى وَالْجَمْعُ أَعْطِيَةٌ، وَالْعَطَايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ، وَقَوْلُهُ (وَذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ بَلْ هُوَ تَقْرِيرُ مَعْنًى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ.

  13. وَقَوْلُهُ (بِالْحَلِفِ) الْحَلِفُ بِكَسْرِ الْحَاءِ: الْعَهْدُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَحَالَفُوا عَلَى التَّنَاصُرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ وَقَوْلُهُ (وَالْوَلَاءِ) أَيْ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ.

  14. وَقَوْلُهُ (وَالْعَدِّ) هُوَ مِنْ الْعَدِيدِ وَهُوَ أَنْ يُعَدَّ فِيهِمْ يُقَالُ فُلَانٌ عَدِيدُ بَنِي فُلَانٍ إذَا عُدَّ فِيهِمْ.

  15. 10/39610/396

    وَمَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْعَطَاءِ لِلتَّخْفِيفِ وَالْعَطَاءُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً (فَإِنْ خَرَجَتْ الْعَطَايَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ أُخِذَ مِنْهَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَتَأْوِيلُهُ إذَا كَانَتْ الْعَطَايَا لِلسِّنِينَ الْمُسْتَقْبِلَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  16. وَلَوْ خَرَجَ لِلْقَاتِلِ ثَلَاثُ عَطَايَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْنَاهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلُّ الدِّيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا،

  17. وَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَكُلُّ ثُلُثٍ مِنْهَا فِي سَنَةٍ،

  18. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ خَرَجَتْ الْعَطَايَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) أَيْ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِثْلَ أَنْ تَخْرُجَ عَطَايَاهُمْ الثَّلَاثَ فِي سِتِّ سِنِينَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ سُدُسُ الدِّيَةِ،

  19. وَإِنْ خَرَجَتْ عَطَايَاهُمْ الثَّلَاثُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أُخِذَ مِنْهُمْ الدِّيَةُ فِيهَا. وَقَوْلُهُ (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مِنْ الْأَعْطِيَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْأَخْذِ مِنْ عَطَايَاهُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ (وَتَأْوِيلُهُ) أَيْ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ رحمه الله ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ ذِكْرَ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ.

  20. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْقَضَاءِ وَقَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ جَمِيعَ الدِّيَةِ) وَاضِحٌ.

  21. 10/39710/397

    وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ بِالْعَقْلِ ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَقَلَّ كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الدِّيَةِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ

  22. وَمَا وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ عَلَى الْقَاتِلِ بِأَنْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا فَهُوَ فِي مَالِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.

  23. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : وَمَا وَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ فَهُوَ حَالٌّ، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِلتَّخْفِيفِ لِتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْعَمْدُ الْمَحْضُ.

  24. وَلَنَا أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ وَالشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ مُؤَجَّلًا فَلَا يَتَعَدَّاهُ.

  25. وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَاهُ) أَيْ الْقِيَاسُ يَأْبَى إيجَابَ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِ: يَعْنِي لَا يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ وَهِيَ لَا تَتَنَاقَضُ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ: أَيْ بِإِيجَابِ الْمَالِ مُؤَجَّلًا فِي الْخَطَإِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ.

  26. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخَطَإِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. قُلْنَا: هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَالًا وَجَبَ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً، وَالْمُسَاوَاةُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ غَيْرُ مُلْتَزَمَةٍ، وَكَوْنُ التَّأْجِيلِ لِلتَّخْفِيفِ حِكْمَةً لَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا.

  27. 10/39810/398

    وَلَوْ قَتَلَ عَشَرَةٌ رَجُلًا خَطَأً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ إذْ هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُدَّةُ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ الْمِثْلُ وَالتَّحَوُّلَ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِهِ كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ.

  28. قَالَ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ) لِأَنَّ نُصْرَتَهُ بِهِمْ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي التَّعَاقُلِ. قَالَ (وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَا يُزَادُ الْوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيُنْتَقَصُ مِنْهَا) قَالَ رضي الله عنه : كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ رحمه الله فِي مُخْتَصَرِهِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ رحمه الله عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ.

  29. قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَتَّسِعُ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ) مَعْنَاهُ: نَسَبًا كُلُّ ذَلِكَ لِمَعْنَى التَّخْفِيفِ وَيُضَمُّ الْأَقْرَبُ

  30. وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْوَاجِب الْأَصْلِيَّ الْمِثْلُ) ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ بِالنَّصِّ، وَمِثْلُ النَّفْسِ النَّفْسُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي وَتَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِيفَاءِ النَّفْسِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ تَحَوَّلَ الْحَقُّ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ (فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِهِ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ (كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ) فَإِنَّ قِيمَتَهُ إنَّمَا تَجِبُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ رَدُّ عَيْنَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ مُتَعَذِّرًا، لَكِنْ جُعِلَ الْوَاجِبُ رَدَّ الْعَيْنِ وَتَحَوَّلَ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ لَمَّا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ؛

  31. وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَضْمَنْ الْمَغْرُورُ شَيْئًا وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُودُ مِنْ قَبْلُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ رحمه الله لَا يُزَادُ الْوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيُنْقَصُ مِنْهَا (إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ) فَإِذَا أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ كَانَ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ تِسْعَةٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.

  32. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الْأَصَحُّ) احْتِرَازٌ عَمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رحمهم الله مِمَّا فُهِمَ مِنْ إشَارَةِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ ذَلِكَ غَلَطٌ.

  33. وَقَوْلُهُ (ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ مَعْنَاهُ نَسَبًا) قَالُوا هَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ حُفِظَتْ أَنْسَابُهُمْ فَأَمْكَنَنَا

  34. 10/39910/399

    فَالْأَقْرَبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ: الْإِخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ،

  35. ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ.

  36. وَأَمَّا الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ فَقِيلَ يَدْخُلُونَ لِقُرْبِهِمْ،

  37. وَقِيلَ لَا يَدْخُلُونَ لِأَنَّ الضَّمَّ لِنَفْيِ الْحَرَجِ حَتَّى لَا يُصِيبَ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ وَالْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ لَا يَكْثُرُونَ، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الرَّايَاتِ إذَا لَمْ يَتَّسِعْ لِذَلِكَ أَهْلُ رَايَةٍ ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الرَّايَاتِ: يَعْنِي أَقْرَبَهُمْ نُصْرَةً إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرُ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَيُفَوَّضُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَالِمُ بِهِ،

  38. ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِينَارٍ فَيُسَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ لِأَنَّهُ صِلَةٌ فَيُعْتَبَرُ بِالزَّكَاةِ وَأَدْنَاهَا ذَلِكَ إذْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَهُمْ نِصْفُ دِينَارٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هِيَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ فَيُنْتَقَصُ مِنْهَا تَحْقِيقًا لِزِيَادَةِ التَّخْفِيفِ.

  39. (وَلَوْ كَانَتْ عَاقِلَةُ الرَّجُلِ أَصْحَابَ الرِّزْقِ يُقْضَى بِالدِّيَةِ فِي أَرْزَاقِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ الثُّلُثُ) لِأَنَّ الرِّزْقَ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَطَاءِ قَائِمٌ مُقَامَهُ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا صِلَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،

  40. ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ تَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَكَمَا يَخْرُجُ رِزْقٌ يُؤْخَذُ الثُّلُثُ بِمَنْزِلَةِ الْعَطَاءِ،

  41. وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَخَرَجَ بَعْدَ الْقَضَاءِ يُؤْخَذُ مِنْهُ سُدُسُ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ شَهْرٍ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ رِزْقٍ بِحِصَّتِهِ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْتَوْفِي فِي كُلِّ سَنَةٍ مِقْدَارَ

  42. إيجَابُ الْعَقْلِ عَلَى أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ أَمَّا فِي حَقِّ الْعَجَمِيِّ فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْعَجَمَ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ فَلَا يُمْكِنُنَا إيجَابُ الْعَقْلِ عَلَى أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْقَاتِلِ نَسَبًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رحمهم الله ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ الْمَحَالُّ وَالْقُرَى الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْبَاقِي فِي مَالِ الْجَانِي.

  43. وَقَوْلُهُ (فَيُسَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ) يَعْنِي الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ وَغَيْرَهُمْ لِأَنَّهُ صِلَةٌ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ

  44. . وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ عَاقِلَةُ الرَّجُلِ أَصْحَابَ الرِّزْقِ) قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَطِيَّةِ وَالرِّزْقِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ مَا يُفْرَضُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَالرِّزْقُ مَا يُجْعَلُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُقَاتِلَةً وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ.

  45. 10/40010/400

    الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ أُخِذَ مِنْ رِزْقِ ذَلِكَ الشَّهْرِ بِحِصَّةِ الشَّهْرِ،

  46. وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَرْزَاقٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَأَعْطِيَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فُرِضَتْ الدِّيَةُ فِي الْأَعْطِيَةِ دُونَ الْأَرْزَاقِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ، إمَّا لِأَنَّ الْأَعْطِيَةَ أَكْثَرُ، أَوْ لِأَنَّ الرِّزْقَ لِكِفَايَةِ الْوَقْتِ فَيَتَعَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ وَالْأَعْطِيَاتُ لِيَكُونُوا فِي الدِّيوَانِ قَائِمِينَ بِالنُّصْرَةِ فَيَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ.

  47. قَالَ (وَأُدْخِلَ الْقَاتِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فَيَكُونُ فِيمَا يُؤَدِّي كَأَحَدِهِمْ) لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِ وَمُؤَاخَذَةِ غَيْرِهِ.

  48. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ فِي النَّفْيِ عَنْهُ وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ مَعْذُورًا.

  49. وَقَوْلُهُ (وَأُدْخِلَ الْقَاتِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ) يَعْنِي: إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ عِنْدَنَا أَيْضًا

  50. 10/40110/401

    قُلْنَا: إيجَابُ الْكُلِّ إجْحَافٌ بِهِ وَلَا كَذَلِكَ إيجَابُ الْجُزْءِ،

  51. وَلَوْ كَانَ الْخَاطِئُ مَعْذُورًا فَالْبَرِيءُ مِنْهُ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

  52. (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ فِي الدِّيوَانِ عَقْلٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه : لَا يَعْقِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ لِتَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ، وَالنَّاسُ لَا يَتَنَاصَرُونَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَلِهَذَا لَا يُوضَعُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ خَلَفٌ عَنْ النُّصْرَةِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ الدِّيَةِ

  53. بِخِلَافِ الرَّجُلِ، لِأَنَّ وُجُوبَ جُزْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحَدُ الْعَوَاقِلِ لِأَنَّهُ يَنْصُرُ نَفْسَهُ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيهِمَا، وَالْفَرْضُ لَهُمَا مِنْ الْعَطَاءِ لِلْمَعُونَةِ لَا لِلنُّصْرَةِ كَفَرْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ.

  54. (وَلَا يَعْقِلُ أَهْلُ مِصْرٍ عَنْ مِصْرٍ آخَرَ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ

  55. كَمَا لَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله .

  56. قَالَ (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ فِي الدِّيوَانِ عَقْلٌ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ الدِّيَةِ) قِيلَ إنَّهُ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلَ الْمَعَاقِلِ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ امْرَأَةٍ حَيْثُ أَدْخَلَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ هُنَاكَ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ مَعَ الْعَاقِلَةِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛

  57. لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ قَاتِلَةً حَقِيقَةً وَهُنَاكَ تَقْدِيرُ قَاتِلَةٍ بِسَبَبٍ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ، لَا يُقَالُ: إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ وَهِيَ قَاتِلَةٌ حَقِيقَةً فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهَا وَهِيَ قَاتِلَةٌ تَقْدِيرًا أَوْلَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَسَامَةُ تَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْمُقْسِمِ، إمَّا بِالِاسْتِقْلَالِ أَوْ بِالدُّخُولِ فِي الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ فَيَتَحَقَّقُ اللَّازِمُ

  58. بِخِلَافِ الْقَتْلِ مُبَاشَرَةً فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَلْزِمُ الدِّيَةَ.

  59. فَإِنْ قُلْت: هَذَا الْجَوَابُ يَنْبَنِي عَلَى إيجَابِ الْقَسَامَةِ عَلَيْهَا وَفِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا:

  60. وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٍّ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا امْرَأَةٍ وَعَبْدٍ.

  61. وَقَالَ هَاهُنَا: وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا تَكَرُّرُ الْأَيْمَانِ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ أَلْبَتَّةَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ تُكْمِلْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ خَمْسِينَ كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ، وَمَعْنَاهُ لَا يُكْمِلُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ خَمْسِينَ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ؛

  62. لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا،

  63. وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْقَتِيلُ وُجِدَ فِي قَرْيَتِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْقَتْلِ فَإِنَّهَا تَتَحَقَّقُ مِنْهَا، وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَسَامَةَ إذَا وَجَبَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ تَعَلَّلَ بِالنُّصْرَةِ،

  64. فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا يَدْخُلُ وَمَنْ لَا فَلَا،

  65. فَلَا يَدْخُلُ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ،

  66. وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى وَاحِدٍ تَعَلَّلَ بِتُهْمَةِ الْقَتْلِ.

  67. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا فَلَا فَتَدْخُلُ الْمَرْأَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  68. قَوْلُهُ (وَالْفَرْضُ لَهُمَا مِنْ الْعَطَاءِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ فَرَضَ الْإِمَامُ لِنِسَاءِ الْغُزَاةِ وَذَرَارِيِّهِمْ مِنْ

  69. 10/40210/402

    لِأَهْلِ كُلِّ مِصْرٍ دِيوَانٌ عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِالدِّيوَانِ عِنْدَ وُجُودِهِ،

  70. وَلَوْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ فِي السُّكْنَى فَأَهْلُ مِصْرِهِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ آخَرَ (وَيَعْقِلُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَهْلِ سَوَادِهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لِأَهْلِ الْمِصْرِ، فَإِنَّهُمْ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ اسْتَنْصَرُوا بِهِمْ فَيَعْقِلُهُمْ أَهْلُ الْمِصْرِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقُرْبِ فِي النُّصْرَةِ (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْبَصْرَةِ وَدِيوَانُهُ بِالْكُوفَةِ عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ) لِأَنَّهُ يَسْتَنْصِرُ بِأَهْلِ دِيوَانِهِ لَا بِجِيرَانِهِ.

  71. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِالدِّيوَانِ أَظْهَرُ فَلَا يَظْهَرُ مَعَهُ حُكْمُ النُّصْرَةِ بِالْقَرَابَةِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَقُرْبِ السُّكْنَى وَغَيْرِهِ وَبَعْدَ الدِّيوَانِ النُّصْرَةُ بِالنَّسَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ كَثِيرٌ مِنْ صُوَرِ مَسَائِلِ الْمَعَاقِلِ (وَمَنْ جَنَى جِنَايَةً مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الدِّيوَانِ عَطَاءٌ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أَقْرَبُ إلَيْهِ وَمَسْكَنُهُ الْمِصْرُ عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ الدِّيوَانِ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ) وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الدِّيوَانِ قَرَابَةٌ، قِيلَ هُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَيُقَدَّمُونَ بِنُصْرَتِهِمْ وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ أَهْلُ الدِّيوَانِ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَا يَخُصُّونَ بِهِ أَهْلَ الْعَطَاءِ.

  72. وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ، وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الْقَرَابَةِ وَأَهْلُ الْمِصْرِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَكَانًا فَكَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى النُّصْرَةِ لَهُمْ وَصَارَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ (وَلَوْ كَانَ الْبَدْوِيُّ نَازِلًا فِي الْمِصْرِ لَا مَسْكَنَ لَهُ فِيهِ لَا يَعْقِلُهُ أَهْلُ الْمِصْرِ) لِأَنَّ أَهْلَ الْعَطَاءِ لَا يَنْصُرُونَ مَنْ لَا مَسْكَنَ لَهُ فِيهِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ لَا تَعْقِلُ عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ النَّازِلِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ (وَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَوَاقِلُ مَعْرُوفَةٌ يَتَعَاقَلُونَ

  73. الْعَطَاءِ، وَالْعَطَاءُ إنَّمَا يُدْفَعُ بِنُصْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي حَقِّ الْغُزَاةِ،

  74. ثُمَّ الْغُزَاةُ عَوَاقِلُ لِغَيْرِهِمْ فَكَذَا النِّسَاءُ. وَوَجْهُهُ مَا قَالَهُ أَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعُونَةِ أَيْ: مَعُونَةِ الْإِمَامِ لَهُمَا لَا بِاعْتِبَارِ نُصْرَتِهِمَا غَيْرَهُمَا.

  75. وَقَوْلُهُ (وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أَقْرَبُ إلَيْهِ) يَعْنِي: نَسَبًا. وَقَوْلُهُ (قِيلَ هُوَ صَحِيحٌ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الدِّيوَانِ قَرَابَةٌ. وَقَوْلُهُ (مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ: أَيْ: أَهْلُ الدِّيوَانِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ.

  76. وَقَوْلُهُ (وَصَارَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ) يَعْنِي أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ أَنْ

  77. 10/40310/403

    بِهَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمْ قَتِيلًا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ) لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُعَامَلَاتِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَعَانِي الْعَاصِمَةِ عَنْ الْإِضْرَارِ، وَمَعْنَى التَّنَاصُرِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّهِمْ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عَاقِلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِ) كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى الْعَاقِلَةِ أَنْ لَوْ وُجِدَتْ،

  78. فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ تَاجِرَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لِأَنَّ أَهْلَ دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ هَذَا الْقَتْلِ لَيْسَ بِنُصْرَتِهِمْ.

  79. (وَلَا يَعْقِلُ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ) لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ

  80. يُزَوِّجَ إذَا كَانَ الْأَقْرَبُ غَائِبًا. وَقَوْلُهُ (لَا سِيَّمَا فِي الْمَعَانِي الْعَاصِمَةِ) كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ. وَقَوْلُهُ (فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) أَيْ: لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْعَقْلِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِينَ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَنَا،

  81. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ عَاقِلَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَسَيَجِيءُ.

  82. وَقَوْلُهُ (وَتَمَكُّنُهُ مِنْ هَذَا الْقَتْلِ لَيْسَ بِنُصْرَتِهِمْ) أَيْ لَيْسَ بِسَبَبِ نُصْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إيَّاهُ.

  83. وَقَوْلُهُ (لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ) ؛ لِأَنَّ التَّعَاقُلَ يَبْتَنِي عَلَى الْمُوَالَاةِ وَذَلِكَ

  84. 10/40410/404

    وَالْكُفَّارُ يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُعَادَاةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ظَاهِرَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَاقَلُونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِانْقِطَاعِ التَّنَاصُرِ

  85. وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَلَهُ بِهَا عَطَاءٌ فَحَوَّلَ دِيوَانَهُ إلَى الْبَصْرَةِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

  86. وَقَالَ زُفَرُ: يُقْضَى عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْجِنَايَةُ وَقَدْ تَحَقَّقَ وَعَاقِلَتُهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَصَارَ كَمَا إذَا حُوِّلَ بَعْدَ الْقَضَاءِ.

  87. وَلَنَا أَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقَضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمِثْلُ وَبِالْقَضَاءِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ،

  88. وَكَذَا الْوُجُوبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَتَتَحَمَّلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ،

  89. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ مَنْ يَكُونُ عَاقِلَتَهُ عِنْدَ الْقَضَاءِ،

  90. بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ حِصَّةَ الْقَاتِلِ تُؤْخَذُ مِنْ عَطَائِهِ بِالْبَصْرَةِ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْعَطَاءِ وَعَطَاؤُهُ بِالْبَصْرَةِ،

  91. يَنْعَدِمُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَقَوْلُهُ (وَالْكُفَّارُ يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ) ظَاهِرًا لَا أَلْفَاظًا نَذْكُرُهَا.

  92. وَقَوْلُهُ (وَعَاقِلَتُهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ) الْوَاوُ لِلْحَالِ. وَقَوْلُهُ (لَكِنَّ حِصَّةَ الْقَاتِلِ تُؤْخَذُ مِنْ عَطَائِهِ بِالْبَصْرَةِ) يَعْنِي

  93. 10/40510/405

    بِخِلَافِ مَا إذَا قَلَّتْ الْعَاقِلَةُ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ فِي النَّسَبِ، لِأَنَّ فِي النَّقْلِ إبْطَالَ حُكْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَفِي الضَّمِّ تَكْثِيرُ الْمُتَحَمِّلِينَ لِمَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ فِيهِ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَا إبْطَالُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مَسْكَنُهُ بِالْكُوفَةِ وَلَيْسَ لَهُ عَطَاءٌ فَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْطَنَ الْبَصْرَةَ قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ،

  94. وَلَوْ كَانَ قَضَى بِهَا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ،

  95. وَكَذَا الْبَدْوِيُّ إذَا أُلْحِقَ بِالدِّيوَانِ بَعْدَ الْقَتْلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَبَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِالْبَادِيَةِ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُمْ، وَهَذَا

  96. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ فِي الْعَطَاءِ حَيْثُ تَصِيرُ الدِّيَةُ فِي أَعْطِيَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَضَى بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْضُ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَضَى بِهَا فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْطِيَاتُهُمْ أَمْوَالُهُمْ، غَيْرَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْضَى مِنْ أَيْسَرِ الْأَمْوَالِ أَدَاءً، وَالْأَدَاءُ مِنْ الْعَطَاءِ أَيْسَرُ إذَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْعَطَاءِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُ الْعَطَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْإِبِلِ وَالْعَطَاءُ دَرَاهِمَ فَحِينَئِذٍ لَا تَتَحَوَّلُ إلَى الدَّرَاهِمِ أَبَدًا لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ يُقْضَى ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْعَطَاءِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ.

  97. قَالَ (وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ) لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِمْ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ عليه الصلاة والسلام «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .

  98. قَالَ (وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ يَعْقِلُ عَنْهُ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ) لِأَنَّهُ وَلَاءٌ يُتَنَاصَرُ بِهِ فَأَشْبَهَ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ.

  99. قَالَ (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ وَتَتَحَمَّلُ

  100. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ. وَقَوْلُهُ

  101. (بِخِلَافِ مَا إذَا قَلَّتْ الْعَاقِلَةُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ

  102. بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ لَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إذَا كَانَ الْقَاضِي قَضَى بِدِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ،

  103. بِخِلَافِ مَا إذَا قَلَّتْ الْعَاقِلَةُ بِمَوْتِ بَعْضِهِمْ حَيْثُ يُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ فِي النَّسَبِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهِ أَيْضًا نَقْلَ الدِّيَةِ مِنْ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ الْقَضَاءِ إلَى أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْلِ إبْطَالَ حُكْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَفِي الضَّمِّ تَكْثِيرُ الْمُتَحَمِّلِينَ لِمَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ فِيهِ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَا إبْطَالُهُ.

  104. وَقَوْلُهُ (لَكِنْ يُقْضَى ذَلِكَ) أَيْ الْإِبِلُ مِنْ مَالِ الْعَطَاءِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْإِبِلَ مِنْ مَالِ الْعَطَاءِ.

  105. قَالَ (وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.

  106. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ فِي عَمْدِهِ

  107. 10/40610/406

    نِصْفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ النَّفْسِ، وَلِأَنَّ التَّحَمُّلَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِجْحَافِ وَلَا إجْحَافَ فِي الْقَلِيلِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْكَثِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ الْفَاصِلُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ.

  108. قَالَ (وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي) وَالْقِيَاسُ فِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَيَجِبُ الْكُلُّ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، أَوْ التَّسْوِيَةُ فِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ شَيْءٌ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا، وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَوْجَبَ أَرْشَ الْجَنِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ الرَّجُلِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الدِّيَاتِ، فَمَا دُونَهُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالتَّحْكِيمِ كَمَا يَجِبُ ضَمَانُ الْمَالِ بِالتَّقْوِيمِ فَلِهَذَا كَانَ فِي مَالِ الْجَانِي أَخْذًا بِالْقِيَاسِ.

  109. وَلَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهُ فَصَارَ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ. قِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ،

  110. فَأَمَّا بَدَلُ النَّفْسِ فَتَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَبِيلَةَ إذَا كَانَتْ مِائَةً كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ،

  111. وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ،

  112. وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ بَدَلِ النَّفْسِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالتَّحَمُّلُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ثَابِتٌ بِعِلَّةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ لِلتَّحَمُّلِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِقْدَارٌ لَمْ يُوجَدْ فِي التَّحَمُّلِ لَا النَّصِّ وَلَا عِلَّتُهُ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ.

  113. وَقَوْلُهُ (وَلَا عَبْدًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا» فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رحمه الله : إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَقْتُلَ الْعَبْدُ حُرًّا فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَةِ مَوْلَاهُ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَةِ عَبْدِهِ، إنَّمَا جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ يَفْدِيَهُ.

  114. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ يَقْتُلُهُ حُرٌّ أَوْ يَجْرَحُهُ يَقُولُ: فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي شَيْءٌ إنَّمَا ثَمَنُهُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَذَاكَرْت الْأَصْمَعِيَّ فِي ذَلِكَ فَإِذَا هُوَ يَرَى الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لِجَرْيِهِ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ،

  115. وَلَا يَرَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ جَائِزًا، يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ لَكَانَ الْكَلَامُ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَنْ عَبْدٍ وَلَمْ يَكُنْ وَلَا تَعْقِلُ عَبْدًا، وَمَعْنَى قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ إنَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُقَالُ عَقَلْت

  116. 10/40710/407

    قَالَ (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ وَلَا مَا لَزِمَ بِالصُّلْحِ أَوْ بِاعْتِرَافِ الْجَانِي) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ لَا تَنَاصُرَ بِالْعَبْدِ وَالْإِقْرَارُ وَالصُّلْحُ لَا يَلْزَمَانِ الْعَاقِلَةَ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ عَنْهُمْ. قَالَ (إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمْ وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّهِمْ وَلَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

  117. (وَمَنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ خَطَإٍ وَلَمْ يَرْفَعُوا إلَى الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ سِنِينَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى) لِأَنَّ التَّأْجِيلَ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ فِي الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ فَفِي الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ أَوْلَى (وَلَوْ تَصَادَقَ الْقَاتِلُ وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَى أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِالْكُوفَةِ بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَّبَهُمَا الْعَاقِلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا لَيْسَ بِحَجَّةٍ عَلَيْهِمْ (وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ) لِأَنَّ الدِّيَةَ بِتَصَادُقِهِمَا تَقَرَّرَتْ

  118. الْقَتِيلَ إذَا أَعْطَيْت دِيَتَهُ، وَعَقَلْت عَنْ فُلَانٍ إذَا لَزِمَتْهُ دِيَةٌ فَأَعْطَيْتُهَا عَنْهُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَلَّمْت أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَقَلْته وَعَقَلْت عَنْهُ حَتَّى فَهِمْته. وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَقَلْته يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى عَقَلْت عَنْهُ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا» وَسِيَاقُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا» يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ؛

  119. لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَنْ عَمْدٍ وَعَنْ صُلْحٍ وَعَنْ اعْتِرَافٍ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا

  120. (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ) إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ.

  121. وَأَمَّا إذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ فَقَتَلَهُ خَطَأً كَانَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَقَوْلُهُ (وَالْإِقْرَارُ وَالصُّلْحُ لَا يَلْزَمَانِ الْعَاقِلَةَ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ عَنْهُمْ) إلَّا أَنَّ فِي الْإِقْرَارِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَفِي الصُّلْحِ عَنْ الْعَمْدِ يَجِبُ الْمَالُ حَالًّا إلَّا إذَا شَرَطَ الْأَجَلَ فِي الصُّلْحِ فَيَكُونُ مُؤَجَّلًا.

  122. وَقَوْلُهُ (فَفِي الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ أَوْلَى) يُرِيدُ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مُعَايَنَةٌ. وَفِي الْقَتْلِ مُعَايَنَةً الدِّيَةُ إنَّمَا تَجِبُ

  123. 10/40810/408

    عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالْقَضَاءِ وَتَصَادُقُهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا،

  124. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَطَاءٌ مَعَهُمْ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) لِأَنَّهُ فِي حَقِّ حِصَّتِهِ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ مُقِرٌّ عَلَيْهِمْ.

  125. قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ فَقَتَلَهُ خَطَأً كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا. وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَالِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا يُوجِبُ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْعَبْدِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ،

  126. بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَهَذَا أَوْلَى. وَقَوْلُهُ (وَتَصَادُقُهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا) ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَصَادِقَيْنِ وَلِيُّ الْقَتِيلِ،

  127. وَمِنْ زَعْمِهِ أَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لَا عَلَى الْمُقِرِّ فَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ

  128. (بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ وَالْإِقْرَارُ وَالصُّلْحُ لَا يَلْزَمَانِ الْعَاقِلَةَ فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُ مُوجِبُ الْإِقْرَارِ فِي مَالِ الْمُقِرِّ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ هُنَاكَ فِي مَالِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ تَصَادُقُهُمَا بِقَضَاءِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَيَجِبُ فِي مَالِ الْمُقِرِّ ضَرُورَةً.

  129. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ أَصْلُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَحَوَّلَ بِزَعْمِهِ إلَى عَاقِلَتِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي،

  130. فَإِذَا تَوَى عَلَى الْعَاقِلَةِ بِجُحُودِهِمْ عَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَصْلُهُ دَيْنًا لِدَفْعِ التَّوَى عَنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ صِلَةٌ شُرِعَتْ صِيَانَةً لِدَمِ الْمَقْتُولِ عَنْ الْهَدَرِ، فَبَعْدَمَا تَقَرَّرَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ بِحَالٍ

  131. 10/40910/409

    وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُهُ كَمَا فِي الْحُرِّ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.

  132. قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الْقَاتِلَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَهْلُ نُصْرَتِهِ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَخَصُّ مِنْ بَعْضٍ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَكَذَا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْغَرَامَةِ يَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ.

  133. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلِفٌ وَالْإِتْلَافُ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُهَا تَحْقِيقًا لِلتَّخْفِيفِ عَلَى مَا مَرَّ.

  134. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ عَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ.

  135. (وَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ تَعْقِلُهُ عَاقِلَةُ أُمِّهِ) لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ مِنْهَا دُونَ الْأَبِ (فَإِنْ عَقَلُوا عَنْهُ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْأَبُ رَجَعَتْ عَاقِلَةُ الْأُمِّ بِمَا أَدَّتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي الْقَاضِي لِعَاقِلَةِ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ عِنْدَ الْإِكْذَابِ ظَهَرَ أَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَزَلْ كَانَ ثَابِتًا مِنْ الْأَبِ حَيْثُ بَطَلَ اللِّعَانُ بِالْإِكْذَابِ،

  136. وَمَتَى ظَهَرَ مِنْ الْأَصْلِ فَقَوْمُ الْأُمِّ تَحَمَّلُوا مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى قَوْمِ الْأَبِ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ فِي ذَلِكَ،

  137. وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ وَلَدٌ حُرٌّ فَلَمْ يُؤَدِّ كِتَابَتَهُ حَتَّى جَنَى ابْنُهُ وَعَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ أُمِّهِ ثُمَّ أُدِّيَتْ الْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ يَتَحَوَّلُ وَلَاؤُهُ إلَى قَوْمِ أَبِيهِ مِنْ وَقْتِ حُرِّيَّةِ الْأَبِ وَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ قَوْمَ الْأُمِّ عَقَلُوا عَنْهُمْ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ،

  138. وَكَذَلِكَ رَجُلٌ أَمَرَ صَبِيًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ الدِّيَةَ رَجَعَتْ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي مَالِ الْآمِرِ إنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي بِهَا الْقَاضِي عَلَى الْآمِرِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ الدِّيَاتِ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ.

  139. قَالَ رضي الله عنه : هَاهُنَا عِدَّةُ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ مُتَفَرِّقَةً، وَالْأَصْلُ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: حَالُ الْقَاتِلِ إذَا تَبَدَّلَ حُكْمًا فَانْتَقَلَ وَلَاؤُهُ إلَى وَلَاءٍ بِسَبَبِ أَمْرٍ حَادِثٍ لَمْ تَنْتَقِلْ جِنَايَتُهُ عَنْ الْأَوَّلِ قَضَى بِهَا أَوْ لَمْ يَقْضِ،

  140. وَإِنْ ظَهَرَتْ حَالَةٌ خَفِيَّةٌ مِثْلُ

  141. سَوَاءٌ اسْتَوْفَى مِنْ الْعَاقِلَةِ أَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ.

  142. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي أَوَّلِ فَصْلٍ بَعْدَ بَابِ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ، وَقَوْلُهُ (قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله : إنَّ الْقَاتِلَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ، وَالنُّصْرَةُ بِالْوِلَايَةِ وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ.

  143. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ أَدَّيْت الْكِتَابَةَ) أَيْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ قَوْمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ حَالُ الْقَاتِلِ إذْ تَبَدَّلَ حُكْمًا فَانْتَقَلَ وَلَاؤُهُ إلَى وَلَاءٍ بِسَبَبٍ حَادِثٍ لَمْ تَنْتَقِلْ جِنَايَةً عَنْ الْأُولَى قَضَى بِهَا الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَقْضِ) كَالْمَوْلُودِينَ عَبْدٍ وَحُرَّةٍ إذَا جَنَى ثُمَّ أُعْتِقَ الْعَبْدُ لَا تَتَحَوَّلُ الْجِنَايَةُ عَنْ عَاقِلَةِ الْأُمِّ؛

  144. لِأَنَّ هَاهُنَا تَبَدَّلَ حَالُهُ بِأَنْ انْتَقَلَ وَلَاؤُهُ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَكَالْغُلَامِ إذَا حَفَرَ بِئْرًا قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ أَبُوهُ ثُمَّ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ رَجُلٌ بَعْدَمَا أُعْتِقَ أَبُوهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُمِّ وَلَا يَجْعَلُ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛

  145. لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ الْحَفْرِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ فَيُعْتَبَرُ بِالْمِلْكِ الْحَفْرُ لَوْ وُجِدَ فِي مِلْكٍ ثُمَّ حَدَثَ فِيهِ مِلْكٌ آخَرُ لِلْغَيْرِ قَبْلَ الْوُقُوعِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَوَّلُ إلَى الْمِلْكِ الْحَادِثِ بَلْ تَبْقَى فِي الْمِلْكِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْحَفْرُ؛

  146. فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَقَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ إنْسَانٌ بَاعَهُ ثُمَّ وَقَعَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي إنْسَانٌ فَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي حَادِثٌ بَعْدَ الْحَفْرِ فَكَذَا الْوَلَاءُ الْحَادِثُ بَعْدَ

  147. 10/41010/410

    دَعْوَةِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ حُوِّلَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْأُخْرَى وَقَعَ الْقَضَاءُ بِهَا أَوْ لَمْ يَقَعْ،

  148. وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُ الْجَانِي وَلَكِنَّ الْعَاقِلَةَ تَبَدَّلَتْ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ،

  149. فَإِنْ كَانَ قَضَى بِهَا عَلَى الْأُولَى لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى الثَّانِيَةِ،

  150. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَضَى بِهَا عَلَى الْأُولَى فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا عَلَى الثَّانِيَةِ،

  151. وَإِنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ وَاحِدَةً فَلَحِقَهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ اشْتَرَكُوا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَبَعْدَهُ إلَّا فِيمَا سَبَقَ أَدَاؤُهُ فَمَنْ أَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلَ مُتَأَمِّلًا يُمْكِنُهُ التَّخْرِيجُ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّظَائِرِ وَالْأَضْدَادِ.

  152. (كِتَابُ الْوَصَايَا)

  153. الْحَفْرِ يُعْتَبَرُ بِهِ فَلَا تَتَحَوَّلُ الْجِنَايَةُ وَإِنْ ظَهَرَتْ حَالَةٌ خَفِيفَةٌ مِثْلُ دَعْوَةِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ حُوِّلَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْأُخْرَى وَقَعَ الْقَضَاءُ بِهَا أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ ذَكَرَ صُورَتَهُ فِي الْكِتَابِ، وَكَمَا إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَلَدٍ حُرٍّ وَوَفَاءٍ فَلَمْ يُؤَدُّوا مُكَاتَبَتَهُ حَتَّى جَنَى ابْنُهُ وَهُوَ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مَوْلَاةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ وَالْمُكَاتَبُ لِرَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ فَعَقَلَ عَنْهُ جِنَايَتَهُ قَوْمُ أُمِّهِ ثُمَّ أُدِّيَتْ الْكِتَابَةُ فَإِنَّ عَاقِلَةَ الْأُمِّ يَرْجِعُونَ بِمَا أَدَّوْا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ؛

  154. لِأَنَّ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لِلْوَلَدِ وَلَاءٌ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ حِينَ جَنَى وَأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَتِهِ عَلَى مَوَالِي أَبِيهِ فَلِذَلِكَ يَرْجِعُونَ عَلَى مَوَالِي الْأَبِ وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُ الْجَانِي وَلَكِنَّ الْعَاقِلَةَ تَبَدَّلَتْ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِي صُورَةِ تَحْوِيلِ الدِّيوَانِ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قَبْلُ،

  155. وَإِنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ وَاحِدَةً فَلَحِقَهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ اشْتَرَكُوا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَبَعْدَهُ كَمَا إذَا قَلَّتْ الْعَاقِلَةُ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ أَخْذِ الْبَعْضِ مِنْهُمْ ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ (إلَّا فِيمَا سَبَقَ أَدَاؤُهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ اشْتَرَكُوا: يَعْنِي لَا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ بَلْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ الَّذِينَ أَدَّوْا قَبْلَ ضَمِّ أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ.

  156. (كِتَابُ الْوَصَايَا)

  157. 10/41210/412

    بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ

  158. بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ) إيرَادُ كِتَابِ الْوَصَايَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ ظَاهِرُ الْمُنَاسَبَةِ؛ لِأَنَّ آخِرَ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّ فِي الدُّنْيَا الْمَوْتُ، وَالْوَصِيَّةُ مُعَامَلَةٌ وَقْتَ الْمَوْتِ وَلَهُ زِيَادَةُ اخْتِصَاصٍ بِكِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَالدِّيَاتِ لِمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تُفْضِي إلَى الْمَوْتِ الَّذِي وَقْتُهُ وَقْتُ الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ،

  159. ثُمَّ سُمِّيَ الْمُوصَى بِهِ وَصِيَّةً، وَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَسَبَبُهَا سَبَبُ التَّبَرُّعَاتِ وَشَرَائِطُهَا كَوْنُ الْمُوصِي أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ،

  160. وَأَنْ لَا يَكُونَ مَدْيُونًا، وَكَوْنُ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ، وَأَجْنَبِيًّا عَنْ الْمِيرَاثِ،

  161. وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا، وَكَوْنُ الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي شَيْئًا قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ أَوْ مَعْدُومًا،

  162. وَأَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ. وَرُكْنُهَا أَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْتُ بِكَذَا لِفُلَانٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهَا.

  163. وَأَمَّا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فَفِي حَقِّ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا جَدِيدًا كَمَا فِي الْهِبَةِ وَفِي حَقِّ الْمُوصِي

  164. 10/41310/413

    قَالَ (الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ،

  165. وَلَوْ أُضِيفَ إلَى حَالِ قِيَامِهَا بِأَنْ قِيلَ مَلَّكْتُك غَدًا كَانَ بَاطِلًا فَهَذَا أَوْلَى، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ

  166. لِحَاجَةِ النَّاسِ

  167. إلَيْهَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ،

  168. فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ وَخَافَ الْبَيَانَ يَحْتَاجُ إلَى تَلَافِي بَعْضِ مَا فَرَّطَ مِنْهُ مِنْ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ الْمَآلِيُّ،

  169. وَلَوْ أَنْهَضَهُ الْبُرْءُ يَصْرِفُهُ إلَى مَطْلَبِهِ الْحَالِيِّ،

  170. إقَامَةُ الْمُوصَى لَهُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ كَالْوَارِثِ. وَصِفَتُهَا مَا ذَكَرَهُ

  171. بِقَوْلِهِ (الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) فَقَوْلُهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَرِثُونَ فَرْضٌ، وَلِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ ثَرْوَةٌ وَيَسَارٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ وَالْمَكْتُوبُ عَلَيْنَا فَرْضٌ، وَلَمَّا لَمْ يُفْهَمْ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ نَفْيِ الْوُجُوبِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ قَالَ: وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا؛

  172. لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ،

  173. وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى حَالِ قِيَامِهَا بِأَنْ قَالَ مَلَّكْتُكَ غَدًا كَانَ بَاطِلًا فَهَذَا أَوْلَى، إلَّا أَنَّا

  174. 10/41410/414

    وَفِي شَرْعِ الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ فَشَرَعْنَاهُ،

  175. وَمِثْلُهُ فِي الْإِجَارَةِ بَيَّنَّاهُ، وَقَدْ تَبْقَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي قَدْرِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ

  176. اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ

  177. (وَمِثْلُهُ فِي الْإِجَازَةِ بَيَّنَّاهُ) فِي أَنَّهَا عَقْدٌ يَأْبَى الْقِيَاسُ جَوَازَهَا لِكَوْنِهَا مُضَافَةً إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَانَ جَوَازُهُ بِالِاسْتِحْسَانِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ تَبْقَى الْمِلْكِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ) جَوَابٌ عَنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَقَوْلُهُ (وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ.

  178. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ رحمه الله عَلَى نَسْخِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ وَقَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الْمَوَارِيثَ عَلَى وَصِيَّةٍ نَكِرَةٍ

  179. 10/41510/415

    تَضَعُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ» أَوْ قَالَ «حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ.

  180. ثُمَّ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِمَا رَوَيْنَا، وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  181. قَالَ (وَلَا تَجُوزُ) (بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَ مَا نَفَى وَصِيَّتَهُ

  182. وَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ مَعْهُودَةً فَإِنَّهَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ،

  183. فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ بَاقِيَةً مَعَ الْمِيرَاثِ لَرَتَّبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ عَلَيْهَا، وَبَيَّنَ بِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ بِعَدَدِ الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ بَيَانِ مَا فُرِضَ لِلْوَالِدَيْنِ، وَحَيْثُ رَتَّبَهَا عَلَى وَصِيَّةٍ مُنَكَّرَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ الْمَفْرُوضَةَ لَمْ تَبْقَ لَازِمَةً بَلْ بَعْدَ أَيِّ وَصِيَّةٍ كَانَتْ نَصِيبُهُمَا ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِذَا انْتَسَخَ الْوُجُوبَ انْتَسَخَ الْجَوَازُ عِنْدَنَا.

  184. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَجْهًا آخَرَ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالسُّنَّةِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ (إجْمَاعُ الْأُمَّةِ) وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِجَازَةٍ. وَقَوْلُهُ (وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيهِ) أَيْ: فِي فِعْلِ الْوَصِيَّةِ أَوْ فِي قَدْرِ الْوَصِيَّةِ

  185. (وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) وَهُوَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رحمه الله فِي كِتَابِ الْآثَارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا

  186. 10/41610/416

    بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الزَّوَالِ إلَيْهِمْ وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَالِ فَأَوْجَبَ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُظْهِرْهُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ لِيَتَدَارَكَ مَصِيرَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَظْهَرَهُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَمَّا يَتَّفِقُ مِنْ الْإِيثَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ

  187. أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ لَا، فَقُلْتُ فَبِالنِّصْفِ؟ قَالَ لَا، قُلْتُ: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، لَا تَدَعُ أَهْلَك يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .

  188. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ) ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَظْهَرْهُ وَأَظْهَرَهُ لِلِاسْتِغْنَاءِ. وَقَوْلُهُ (تَحَرُّزًا عَمَّا يَتَّفِقُ مِنْ الْإِيثَارِ) أَيْ احْتِرَازٌ عَمَّا يُوجَدُ مِنْ تَأَذِّي الْبَعْضِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ بِسَبَبِ (إيثَارِ) الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ عَلَى (مَا نُبَيِّنُهُ) يَعْنِي عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ، رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَهُوَ الظُّلْمُ، وَرُوِيَ الْجَنَفُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ

  189. 10/41710/417

    «الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ وَبِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.

  190. قَالَ (إلَّا أَنَّ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ كِبَارٌ) لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ وَهُمْ أَسْقَطُوهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِجَازَتِهِمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ) لِأَنَّهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ إذْ الْحَقُّ يَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ،

  191. بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشٍ.

  192. الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ الْمَيْلُ. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشٍ) دَلِيلُ قَوْلِهِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

  193. وَتَقْرِيرُهُ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ سَاقِطَةً لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا مَحَلًّا وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ فَإِجَازَتُهُمْ مُتَلَاشِيَةٌ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا بَعْدَ الْمَوْتِ مَا أَجَازُوهُ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوصِي.

  194. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُصَادَفَةِ الْمَحَلِّ فَإِنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ ثَبَتَ فِي مَالِ الْمُورَثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ حَتَّى مَنَعَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثَيْنِ، فَلَمَّا مَاتَ ظَهَرَ أَنَّهَا صَادَفَتْ

  195. 10/41810/418

    غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُسْتَنَد عِنْدَ الْإِجَازَةِ، لَكِنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى، وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْحَقِّ،

  196. مَحَلَّهَا فَصَارَتْ كَإِجَازَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ بِسَبَبِ الِاسْتِنَادِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ (غَايَةُ الْأَمْرِ) يَعْنِي: أَنَّ حَقَّهُمْ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ لَكِنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ: يَعْنِي كَمَا فِي الْعُقُودِ الْمَوْقُوفَةِ إذَا لَحِقَتْهَا الْإِجَارَةُ، وَكَثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْغَصْبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ؛

  197. فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهِمَا مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ (وَهَذَا) يَعْنِي مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْإِجَازَةِ (قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى) حِينَ وَقَعَ إذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَلَا يَلْحَقُهَا الِاسْتِنَادُ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ) دَلِيلٌ آخَرُ تَقْرِيرُهُ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ مُجَرَّدُ حَقِّ الْمِلْكِ

  198. 10/41910/419

    فَلَوْ اسْتَنَدَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَنْقَلِبُ حَقِيقَةً قَبْلَهُ، وَالرِّضَا بِبُطْلَانِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ الْحَقِيقَةِ،

  199. وَكَذَا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ وَأَجَازَهُ الْبَقِيَّةُ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.

  200. فَلَوْ اسْتَنَدَ) مِلْكُهُ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ (مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَانْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً) وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِوُقُوعِ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ دَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَقُولُ حَقُّ الْوَارِثِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِ الْمُورَثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ حَتَّى مَنَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ تَصَرُّفَ الْمُورَثِ فِي الثُّلُثَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ إسْقَاطِهِمْ بِالْإِجَازَةِ أَيْضًا.

  201. وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لَانْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمَا مَرَّ،

  202. فَإِنْ قِيلَ: الْوَارِثُ إذَا عَفَا عَنْ جَارِحِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ الِاسْتِنَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَلْبُ الْحَقِّ حَقِيقَةً،

  203. وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْقَلْبُ مَانِعًا. أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْقَلْبَ مَانِعٌ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّبَبُ وَالْجُرْحُ سَبَبُ الْمَوْتِ وَقَدْ تَحَقَّقَ،

  204. بِخِلَافِ الْإِجَازَةِ فَإِنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ، فَقَبْلَ الِاتِّصَالِ لَوْ انْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً وَقَعَ الْحُكْمُ قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ نُبْطِلَ الْعَفْوَ عَنْ الْجَارِحِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ الْحَقِيقَةِ،

  205. وَإِمَّا أَنْ نُجِيزَ الْإِجَازَةَ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْحَقِّ وَفِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِأَحَدِهِمَا، فَقُلْنَا: لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ نَظَرًا إلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَجَازَ الْعَفْوُ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْحَقِّ، وَلَمْ نَعْكِسْ لِكَوْنِ الْعَفْوِ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ. وَقَوْلُهُ (وَالرِّضَا بِبُطْلَانِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ الْحَقِيقَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْإِجَازَةُ إسْقَاطٌ مِنْ الْوَارِثِ لِحَقِّهِ بِرِضَاهُ فَكَانَ كَسَائِرِ الْإِسْقَاطَاتِ وَفِيهِ لَا رُجُوعَ فَكَذَا فِيهَا.

  206. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ ثَمَّةَ حَقًّا وَحَقِيقَةً، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِبُطْلَانِ الْحَقِّ لَا بِبُطْلَانِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِبُطْلَانِهَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهَا وَلَا وُجُودَ لَهَا قَبْلَ السَّبَبِ. وَقَوْلُهُ

  207. (وَكَذَا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ) ظَاهِرٌ.

  208. 10/42010/420

    وَكُلُّ مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ قِبَلِ الْوَارِثِ،

  209. وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنْ الْمُوصِي، وَالْإِجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبْضُ فَصَارَ كَالْمُرْتَهَنِ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّاهِنِ.

  210. وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي) ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ. وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ بِنَفْسِ الْمَوْتِ صَارَ قَدْرُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْمَالِ مَمْلُوكًا لِلْوَارِثِ،؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ بِغَيْرِ قَبُولِهِ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، فَإِجَازَتُهُ تَكُونُ إخْرَاجًا عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَذَلِكَ هِبَةٌ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ.

  211. وَلَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ صَدَرَ مِنْهُ السَّبَبُ، وَكُلُّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ السَّبَبُ يَثْبُتُ مِنْهُ الْمِلْكُ، وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فَالْمُوصَى لَهُ يَتَمَلَّكُ مِنْ الْمُوصِي.

  212. وَقَوْلُهُ (وَالْإِجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ) جَوَابٌ عَنْ جَعْلِ الْإِجَازَةِ إخْرَاجًا عَنْ الْمِلْكِ: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعٌ لِلْمَانِعِ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبْضُ) رَدٌّ لِكَوْنِهَا هِبَةً فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هِبَةً لَكَانَ الْقَبْضُ شَرْطًا وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَصَارَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَالْمُرْتَهِنِ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ فِي كَوْنِ السَّبَبِ صَدَرَ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي يَثْبُتُ مِنْ قِبَلِهِ، فَإِجَازَةُ الْمُرْتَهِنِ رَفْعُ الْمَانِعِ.

  213. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْوَارِثَ إنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَانَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكًا فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ مِنْ جِهَتِهِ.

  214. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَارِثَ كَانَ لَهُ حَقٌّ أَسْقَطَهُ بِالْإِجَازَةِ، وَإِسْقَاطُ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ،

  215. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا كَالْعِتْقِ، وَالْفَائِدَةُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَجَازَ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّ الْإِجَازَةَ صَحِيحَةٌ، وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُوصَى لَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَيُجْبَرُ الْوَارِثُ عَلَى التَّسْلِيمِ بَعْدَهَا عِنْدَنَا،

  216. وَلَوْ كَانَ التَّمْلِيكُ مِنْ جِهَةِ الْوَارِثِ.

  217. 10/42110/421

    قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاتِلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُبَاشِرًا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ» وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَحْرُمُ الْوَصِيَّةُ كَمَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ.

  218. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:

  219. انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لِكَوْنِ الْإِجَازَةِ حِينَئِذٍ هِبَةً. قَالَ (وَلَا تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا إلَخْ) لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِمُبَاشِرِ الْقَتْلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ» (وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ فَيُحْرَمُ الْوَصِيَّةَ كَمَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ) وَرُدَّ بِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ.

  220. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حِرْمَانَ الْقَاتِلِ عَنْ الْمِيرَاثِ بِسَبَبِ مُغَايَظَةِ الْوَرَثَةِ مُقَاسَمَةُ قَاتِلِ أَبِيهِمْ فِي تَرِكَتِهِ وَالْمُوصَى لَهُ يُشَارِكُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَجَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ غَيْرِ مُلْتَزَمٍ، وَلَعَلَّ التَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ كَوْنِهِ قِيَاسًا عَلَى طَرِيقَتِنَا عَسِرٌ جِدًّا، وَسُلُوكُ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَسْهَلُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ

  221. 10/42210/422

    تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ ثُمَّ إنَّهُ قَتَلَ الْمُوصِيَ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ أَجَازَتْهَا الْوَرَثَةُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،

  222. - رحمه الله : تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ فَصَحَّتْ لَهُ كَمَا صَحَّتْ لِغَيْرِهِ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ) بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ (إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ ثُمَّ إنَّهُ قَتَلَ الْمُوصِي تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلَيْنِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا (مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي مِنْ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْجَرْحِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهَا،

  223. وَمِنْ الْمَعْقُولِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ إذَا كَانَ الْقَتْلُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ،

  224. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَرْحُ قَبْلَهَا فَلَا اسْتِعْجَالَ ثَمَّةَ.

  225. وَأُجِيبَ يُجْعَلُ الْجَارِحُ مُسْتَعْجِلًا وَإِنْ تَقَدَّمَ جَرْحُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رحمه الله أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ قَاتِلًا أَوْ غَيْرَ قَاتِلٍ لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ وَفَسَادِهَا يَوْمَ الْمَوْتِ لَا يَوْمَ الْوَصِيَّةِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ كَانَ الْقَتْلُ مُؤَخَّرًا عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَاعْتُرِضَ بِنَقْضِ إجْمَالِيٍّ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَوْ صَحَّ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ لَمَا عَتَقَ الْمُدَبَّرُ إذَا قُتِلَ مَوْلَاهُ؛

  226. لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَصِحُّ لِلْقَاتِلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ عِتْقَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَوْتَهُ جُعِلَ شَرْطًا لِعِتْقِهِ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَكِنْ يَسْعَى الْمُدَبَّرُ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ فَيُرَدُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ (وَلَوْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ

  227. 10/42310/423

    وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَالِامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا.

  228. وَلَهُمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُودُ إلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِلْقَاتِلِ كَمَا لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَحَدِهِمْ. قَالَ (وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثِهِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَلِأَنَّهُ يَتَأَذَّى الْبَعْضُ بِإِيثَارِ الْبَعْضِ فَفِي تَجْوِيزِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحُكْمُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ.

  229. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَالِامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا. وَلَهُمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ) إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ إذَا أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ حَيْثُ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ دُونَ الْمِيرَاثِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ مِنْ الْعَبْدِ فَتَعْمَلُ فِيمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ وَالْوَصِيَّةُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَتَعْمَلُ فِيهِ،

  230. بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا) أَيْ الْوَصِيَّةَ (لِلْقَاتِلِ كَمَا لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَحَدِهِمْ) أَيْ: لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ لِأَحَدِهِمْ إنْ أَجَازَهَا الْبَقِيَّةُ نَفَذَتْ فَكَذَا الْقَاتِلُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثِهِ) أَيْ لِوَارِثِ الْمُوصِي لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ؛

  231. وَلِأَنَّهُ يَتَأَذَّى الْبَعْضُ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِيمَنْ خَصَّصَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ.

  232. وَقَوْلُهُ (يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ)

  233. 10/42410/424

    وَالْهِبَةُ مِنْ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ فِي هَذَا نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ حُكْمًا حَتَّى تَنْفُذَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ.

  234. ذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ:

  235. وَلَوْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ وَلَهٌ ابْنٌ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ فَإِنَّ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ مَكَانَ الِابْنِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَلِلْأَخِ لِأُمٍّ، وَبَطَلَتْ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ مَعَ الْبِنْتِ،

  236. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَلَا بِنْتٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ كُلُّهَا لِلْأَخِ لِأَبٍ لَا يَرِثُهُ، وَبَطَلَتْ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَلِلْأَخِ لِأُمٍّ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ.

  237. وَقَوْلُهُ (وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ) أَيْ: عَلَى عَكْسِ الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ أَوْ الْمَذْكُورِ: أَيْ يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَا وَقْتَ الْمَوْتِ. ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ اعْتِبَارَ وَقْتِ الْإِقْرَارِ دُونَ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ ذَلِكَ إذَا كَانَ كَوْنُهُ وَارِثًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ.

  238. وَأَمَّا إذَا كَانَ كَوْنُهُ وَارِثًا بِسَبَبٍ كَانَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا وَقْتَ الْمَوْتِ أَيْضًا.

  239. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَرِيضٍ أَقَرَّ لِابْنِهِ الْعَبْدِ فَأَعْتَقَ فَمَاتَ الْأَبُ حَيْثُ صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ وِرَاثَتَهُ ثَبَتَتْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وَقَبْلَهُ كَانَ عَبْدًا وَكَسْبُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ فَهَذَا الْإِقْرَارُ فِي الْمَعْنَى حَصَلَ لِلْمَوْلَى وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ فَلَا يَبْطُلُ بِصَيْرُورَةِ الِابْنِ وَارِثًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ.

  240. وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَهُ حَتَّى صَارَ الْأَخُ وَارِثًا بَطَلَ إقْرَارُهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَارِثًا بِسَبَبٍ قَائِمٍ وَقْتَ الْإِقْرَارِ تَبَيَّنَ أَنَّ إقْرَارَهُ حَصَلَ لِوَارِثِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ. وَأَرَى أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ التَّطْوِيلِ، وَذَلِكَ؛

  241. لِأَنَّهُ قَالَ يُعْتَبَرُ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِوَارِثٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ؛ لِكَوْنِهِ مَحْرُومًا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لِلْوَارِثِ وَكَلَامُنَا فِيهِ وَالْأَخُ لَيْسَ بِمَحْرُومٍ فَيَكُونُ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا، وَالْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ بَاطِلٌ.

  242. 10/42510/425

    قَالَ (إلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ) وَيُرْوَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ فَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ؛

  243. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثِهِ وَيُرْوَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَقَوْلُهُ (؛ وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ) أَيْ لِحَقِّهِمْ الَّذِي هُوَ تَأَذِّيهمْ بِإِيثَارِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَبِالتَّفْسِيرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ لَوْ كَانَ الِامْتِنَاعُ لِحَقِّهِمْ لَجَازَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ أَجَازُوا أَوْ لَمْ يُجِيزُوا؛

  244. لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الثُّلُثِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ

  245. 10/42610/426

    وَلَوْ أَجَازَ بَعْضٌ وَرَدَّ بَعْضٌ تَجُوزُ عَلَى الْمُجِيزِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَبَطَلَ فِي حَقِّ الرَّادِّ.

  246. قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ وَالْكَافِرُ لِلْمُسْلِمِ) فَالْأُولَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةَ. وَالثَّانِي لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِهَذَا جَازَ التَّبَرُّعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بَاطِلَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةَ.

  247. قَوْلُهُ (وَلَوْ أَجَازَ بَعْضٌ) ظَاهِرٌ.

  248. قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ) وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ الذِّمِّيِّ وَعَكْسُهَا جَائِزَةٌ،

  249. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةَ، نَفْيُ النَّهْيِ عَنْ الْبَرِّ إلَيْهِمْ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِرٌّ إلَيْهِمْ فَكَانَتْ غَيْرَ مَنْهِيَّةٍ.

  250. وَأَمَّا الثَّانِيَ فَلِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.

  251. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَاطِلَةٌ، وَقَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ،

  252. وَإِنْ فُعِلَ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ.

  253. وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْحَرْبِيِّ بَعْدَمَا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ تَمْلِيكِ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، خَلَا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ وَصِيَّتِهِ بِالثُّلُثِ وَبِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْمُسْلِمِ عَمَّا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ

  254. 10/42710/427

    قَالَ (وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ قَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ رَدَّهَا فَذَلِكَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ قَبْلَ الْعَقْدِ.

  255. قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الثُّلُثِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ، لِأَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ اسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ،

  256. مَعْصُومٌ عَنْ الْإِبْطَالِ وَوَرَثَةُ الْحَرْبِيِّ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

  257. وَقَوْلُهُ (وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ، وَالْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ شَبَهٌ بِالْمِيرَاثِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ، وَشَبَهٌ بِالْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُمْلَكُ بِتَمْلِيكِ الْغَيْرِ، فَاعْتَبَرْنَا شَبَهَ الْهِبَةِ فِي حَقِّ الْقَبُولِ مَا دَامَ مُمْكِنًا مِنْ الْمُوصَى لَهُ فَقُلْنَا: لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَاعْتَبَرْنَا شَبَهَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْقَبُولِ فَقُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.

  258. وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ وَقَبُولٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ قِيَاسًا،

  259. وَيَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَةَ الْمُوصَى لَهُ رَدُّوا أَوْ قَبِلُوا فِي الِاسْتِحْسَانِ

  260. وَقَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ) وَاضِحٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّقْلِيلَ فِي الْوَصِيَّةِ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ «إنَّك إنْ تَدَعْ عِيَالَكَ»

  261. 10/42810/428

    لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ تَمَامِ حَقِّهِ فَلَا صِلَةَ وَلَا مِنَّةَ،

  262. ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْلَى أَمْ تَرْكُهَا؟ قَالُوا: إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ.

  263. وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» وَلِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَالْقَرَابَةِ جَمِيعًا،

  264. الْحَدِيثَ، وَمَعْنَاهُ وَرَثَتُكَ أَقْرَبُ إلَيْكَ مِنْ الْأَجَانِبِ، فَتَرْكُ الْمَالِ لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَا: لَأَنْ يُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يُوصِيَ بِالرُّبُعِ، وَلَأَنْ يُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ. وَالْكَاشِحُ: الْعَدُوُّ الَّذِي وَلِيَ كَشْحَهُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إلَى الضِّلْعِ،

  265. وَقِيلَ الْكَاشِحُ: الَّذِي أَضْمَرَ الْعَدَاوَةَ فِي كَشْحِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذَا التَّصَدُّقَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ فِي التَّصَدُّقِ

  266. 10/42910/429

    وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ صَدَقَةً عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَالتَّرْكُ هِبَةٌ مِنْ الْقَرِيبِ وَالْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى.

  267. وَقِيلَ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُخَيَّرُ لِاشْتِمَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى فَضِيلَةٍ وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالصِّلَةُ فَيُخَيِّرُ بَيْنَ الْخَيْرَيْنِ. قَالَ (وَالْمُوصَى بِهِ يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ) خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافَةٌ لِمَا أَنَّهُ انْتِقَالٌ،

  268. ثُمَّ الْإِرْثُ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.

  269. وَلَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ إثْبَاتُ مِلْكٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْبِ،

  270. وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ،

  271. وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ إلَّا بِقَبُولِهِ، أَمَّا الْوِرَاثَةُ فَخِلَافَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهَا هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَيَثْبُتُ جَبْرًا مِنْ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ.

  272. قَالَ (إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي ثُمَّ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَيَدْخُلُ الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبُولِ فَصَارَ كَمَوْتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبُولِهِ بَعْدَ إيجَابِ الْبَائِعِ.

  273. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ جَانِبِ الْمُوصِي قَدْ تَمَّتْ بِمَوْتِهِ تَمَامًا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ،

  274. فَإِذَا مَاتَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ.

  275. عَلَيْهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ وَقَهْرَهَا.

  276. وَقَوْلُهُ (وَالْمُوصَى بِهِ يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ) وَاضِحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ عَلَيْهِ قُبَيْلَ هَذَا. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَا يَرُدُّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْبِ) صُورَتُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَرِيضُ شَيْئًا وَيُوصِيَ بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ يَجِدُهُ مَعِيبًا فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ (وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ) صُورَتُهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ،

  277. وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُوصَى لَهُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ لَثَبَتَ وِلَايَةُ الرَّدِّ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فِي الْوَارِثِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ إلَّا بِقَبُولِهِ) ؛ لِئَلَّا يَعُودَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ لِمَنْفَعَةِ الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ لَهُ قَبْلَ قَبُولِهِ لِرُبَّمَا تَضَرَّرَ؛

  278. فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ أَعْمَى وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ بِلَا مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ (إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُوصَى بِهِ يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ: يَعْنِي إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبُولِ.

  279. 10/43010/430

    قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ) لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ الْحَاجَتَيْنِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، وَأَبَدًا يُبْدَأْ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ. (إلَّا أَنْ يُبَرِّئَهُ الْغُرَمَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا.

  280. قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصِحُّ إذَا كَانَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ لِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَجَازَ وَصِيَّةَ يَفَاعٍ أَوْ يَافَاعٍ وَهُوَ الَّذِي رَاهَقَ الْحُلُمَ، وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى،

  281. وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ يَبْقَى عَلَى غَيْرِهِ.

  282. وَلَنَا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَلْزُومٍ وَفِي تَصْحِيحِ وَصِيَّتِهِ قَوْلٌ بِإِلْزَامِ قَوْلِهِ وَالْأَثَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْحُلُمِ مَجَازًا أَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا،

  283. وَقَوْلُهُ؛ (لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ) يَعْنِي فِي الْحُكْمِ،

  284. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّقَدُّمُ مُخَالِفٌ لِنَظْمِ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُخْتَصَرِ الضَّوْءِ فِي الْفَرَائِضِ.

  285. قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ تَبْقَى عَلَى غَيْرِهِ) يَعْنِي إذَا نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ كَانَ مَالُهُ بَاقِيًا عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِهَا نَيْلُ الزُّلْفَى وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا،

  286. وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ يَبْقَى مَالُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَكَانَ الْوَصِيَّةُ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ (وَالْأَثَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْحُلُمِ) يَعْنِي كَانَ بَالِغًا لَمْ يَمْضِ عَلَى بُلُوغِهِ زَمَانٌ كَثِيرٌ،

  287. وَمِثْلُهُ يُسَمَّى يَافِعًا مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ، وَأَنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّأْوِيلُ بِكَوْنِهِ يَافِعًا مَجَازًا أَوْ بِكَوْنِ الْوَصِيَّةِ فِي التَّجْهِيزِ وَأَمْرِ الدَّفْنِ؟

  288. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ مَعْنَى الْيَافِعِ حَقِيقَةً فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَقَلَهُ بِمَعْنَاهُ.

  289. 10/43110/431

    وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ بِالتَّرْكِ عَلَى وَرَثَتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ النَّظَرُ إلَى أَوْضَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لَا إلَى مَا يَتَّفِقُ بِحُكْمِ الْحَالِ اعْتَبَرَهُ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا وَصِيَّهُ وَإِنْ كَانَ يَتَّفِقُ نَافِعًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ،

  290. وَكَذَا إذَا أَوْصَى ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ الْمُبَاشَرَةِ،

  291. وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا أَدْرَكْت فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ،

  292. وَقَوْلُهُ (أَنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ) لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْأَثَرِ لَا يَصِحُّ مِنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ عُمَرَ وَابْنِ سُلَيْمٍ وَهُوَ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ، وَعِنْدَنَا الْمُرْسَلُ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَفِيهِ نَظَرٌ؛

  293. لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَلَمِ التَّكْلِيفُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْهُ.

  294. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ مَمْنُوعٌ عَنْ مَالِهِ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى. وَقَوْلُهُ (كَمَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ إلَخْ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ إمَّا أَفْضَلِيَّةَ التَّرْكِ فِي الثَّوَابِ أَوْ تَسَاوِيهِمَا فِيهِ، وَقَوْلُهُ (وَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ) تَنْزِلُ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَلَّمْنَا أَنَّ بِالْوَصِيَّةِ يَحْصُلُ الثَّوَابُ دُونَ تَرْكِهَا، لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ هُوَ النَّظَرُ إلَى أَوْضَاعِ التَّصَرُّفَاتِ دُونَ الْعَوَارِضِ اللَّاحِقَةِ؛

  295. أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ نَافِعًا بِأَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَةً مُعْسِرَةً شَوْهَاءَ وَيَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا الْمُوسِرَةِ

  296. 10/43210/432

    بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُمَا مُسْتَتِمَّةٌ وَالْمَانِعُ حَقُّ الْمَوْلَى فَتَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى حَالِ سُقُوطِهِ.

  297. قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً) لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ،

  298. وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ، وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ رَدًّا لَهَا إلَى مُكَاتَبٍ يَقُولُ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ عَتَقَ فَمَلَكَ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَعْرُوفٌ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.

  299. قَالَ (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ إذَا وُضِعَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِخْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَلِيفَةً فِي بَعْضِ مَالِهِ وَالْجَنِينُ صَلَحَ خَلِيفَةً فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ إذْ هِيَ أُخْتُهُ،

  300. الْحَسْنَاءِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ تَبَرُّعٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.