فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ)
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 1743 to 1770
-
1/2121/212
قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ الِاسْتِنْجَاءَ عِنْدَ ذِكْرِ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْوَى سُنَنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْوُضُوءِ الْوُضُوءَ عَنْ النَّوْمِ لَا عَنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ لِهَذَا الْوُضُوءِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْوُضُوءِ عَنْ النَّوْمِ، هَكَذَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَقُولُ إنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا؛
-
لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَذِكْرُهُ هَاهُنَا أَنْسَبُ، وَفِي الْمُغْرِبِ نَجَا وَأَنْجَى إذَا أَحْدَثَ، وَأَصْلُهُ مِنْ النَّجْوِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهَا لِوَقْتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ،
-
ثُمَّ قَالُوا اسْتَنْجَى: إذَا مَسَحَ مَوْضِعَ النَّجْوِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ غَسَلَهُ وَهُوَ (سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ)
-
1/2131/213
(وَيَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام " مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ "
-
وَالْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ.
-
(وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مِنْ الْمَدَرِ وَاللِّبَدِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهَا فِي التَّنْقِيَةِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ (يَمْسَحَ الْمَوْضِعَ حَتَّى يُنَقِّيَهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ التَّثْلِيثِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ) أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ بِكَمِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ وَالْعَدَدِ
-
1/2141/214
وَالْإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ.
-
(وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، ثُمَّ هُوَ
-
لِأَنَّهُ قَالَ فَلْيُوتِرْ (وَالْإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ) وَقَالَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، نَفْيُ الْحَرَجِ عَمَّنْ تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ أَصْلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ (وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ) فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ أَوْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
-
(وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ) يَعْنِي أَهْلَ قُبَاءَ. قَوْلُهُ:
-
(ثُمَّ هُوَ) أَيْ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ
-
1/2151/215
أَدَبٌ.
-
وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَيَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَقَعَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ،
-
وَلَا يُقَدَّرُ بِالْمَرَّاتِ إلَّا إذَا كَانَ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ،
-
وَقِيلَ بِالسَّبْعِ (وَلَوْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إلَّا الْمَائِعُ، وَهَذَا يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ الْعُضْوِ لِغَيْرِ الْمَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ،
-
ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ الْمَائِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله مَعَ مَوْضِعِ
-
أَدَبٌ) «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ مَرَّةً وَيَتْرُكُهُ أُخْرَى» ، وَهَذَا حَدُّ الْأَدَبِ (وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَثْلِطُونَ ثَلْطًا، هَكَذَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (إلَّا إذَا كَانَ مُوَسْوِسًا) بِالْكَسْرِ، وَالْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا قِيلَ مُوَسْوِسٌ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ (فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ) كَمَا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْغَائِطُ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا لَكِنَّ الْمُسْتَنْجِيَ لَا يَرَاهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ (وَقِيلَ بِالسَّبْعِ) اعْتِبَارًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا) قِيلَ بِأَنْ يَتَلَطَّخَ نَفْسُهُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّرَجِ (لَمْ يَجُزْ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ: إلَّا الْمَائِعَ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) يَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا الْمَاءَ وَإِلَّا الْمَائِعَ (يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ الْعُضْوِ بِغَيْرِ الْمَاءِ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا الْمَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَسِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ الْبَدَنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ.
-
وَقَوْلُهُ: إلَّا الْمَائِعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَتَهُ تَجُوزُ بِالْمَائِعِ الَّذِي يُمْكِنُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَيْ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَنْجَاسِ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الَّذِي قُلْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْمَائِعِ (إذَا جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا) لِمَا أَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ الْمَائِعُ.
-
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ الْمَانِعُ) ظَاهِرٌ.
-
1/2161/216
الِاسْتِنْجَاءِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ
-
(وَلَا يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ،
-
وَلَوْ فَعَلَ يُجْزِيهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي الرَّوْثِ لِلنَّجَاسَةِ، وَفِي الْعَظْمِ كَوْنُهُ زَادَ الْجِنِّ.
-
(وَلَا) يُسْتَنْجَى (بِطَعَامٍ) لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ وَإِسْرَافٌ.
-
(وَلَا بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ.
-
وَقَوْلُهُ: (اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ) يَعْنِي أَنَّ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ عَفْوٌ،
-
فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ يَكُونُ مَانِعًا فَكَذَا فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ إلَخْ