فَصْلٌ فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 35192 to 35230
-
10/8110/81
قَالَ رضي الله عنه : الْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ: نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَدْخُلْ مَاؤُهُ فِي الْمَقَاسِمِ بَعْدُ كَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِ،
-
عَلَيْهِ الْخُصُوصَاتُ. وَقَوْلُهُ (وَقِيلَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ اعْتِبَارًا بِسَقْيِ الْمُزَارِعِ وَالْمَشَاجِرِ) ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُمْنَعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّ الشَّفَةَ مَا لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ.
-
فَأَمَّا مَا يَضُرُّ وَيَقْطَعُ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجَدْوَلِ الصَّغِيرِ عُلِمَ مِنْ وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ (فِي الصَّحِيحِ) إشَارَةٌ إلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ رحمهم الله فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَأْخُذُونَ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الشَّفَةِ لَا غَيْرُ.
-
وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَقَوْلُهُ (لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي إذْ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ النَّهْرِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمَاءَ مَتَى دَخَلَ فِي الْمُقَاسِمِ) أَيْ مَتَى دَخَلَ فِي قِسْمَةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
-
وَقَوْلُهُ (بِوَاحِدَةٍ) أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ.
-
(فَصْلٌ فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ)
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَسَائِلِ الشُّرْبِ احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ مُؤْنَةِ كَرْيِ الْأَنْهَارِ الَّتِي كَانَ الشُّرْبُ مِنْهَا. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى النَّهْرِ إذْ النَّهْرُ يُوجَدُ بِدُونِ مُؤْنَةِ الْكَرْيِ كَالنَّهْرِ الْعَامِّ أَخَّرَ ذِكْرَهُ.
-
وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ النَّهْرَ إمَّا أَنْ
-
10/8210/82
وَنَهْرٌ مَمْلُوكٌ دَخَلَ مَاؤُهُ فِي الْقِسْمَةِ إلَّا أَنَّهُ عَامٌّ. وَنَهْرٌ مَمْلُوكٌ دَخَلَ مَاؤُهُ فِي الْقِسْمَةِ وَهُوَ خَاصٌّ. وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْقَاقُ الشَّفَةِ بِهِ وَعَدَمُهُ. فَالْأَوَّلُ كَرْيُهُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْكَرْيِ لَهُمْ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَيُصْرَفُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ دُونَ الْعُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ؛
-
لِأَنَّ الثَّانِيَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَوَّلَ لِلنَّوَائِبِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فَالْإِمَامُ يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ إحْيَاءً
-
لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
-
إذْ هُمْ لَا يُقِيمُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَفِي مِثْلِهِ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ، إلَّا أَنَّهُ يُخْرِجُ لَهُ مَنْ كَانَ يُطِيقُهُ وَيُجْعَلُ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْمَنْفَعَةَ تَعُودُ إلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْخُلُوصِ،
-
وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ عَلَى كَرْيِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ وَهُوَ ضَرَرُ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ وَضَرَرُ الْآبِي خَاصٌّ وَيُقَابِلُهُ عِوَضٌ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ؛
-
وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يُحَصِّنُوهُ خِيفَةَ الِانْبِثَاقِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَامٌّ كَغَرَقِ الْأَرَاضِيِ وَفَسَادِ الطُّرُقِ يُجْبَرُ الْآبِي، وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ مَوْهُومٌ
-
بِخِلَافِ الْكَرْيِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
-
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْخَاصُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا ثُمَّ قِيلَ يُجْبَرُ الْآبِي كَمَا فِي الثَّانِي.
-
وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌّ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْهُمْ بِالرُّجُوعِ عَلَى الْآبِي بِمَا أَنْفَقُوا فِيهِ إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَاسْتَوَتْ الْجِهَتَانِ،
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُجْبَرُ لِحَقِّ
-
يَكُونَ عَامًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ خَاصًّا كَذَلِكَ، أَوْ عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَالْفُرَاتِ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَدِجْلَةَ،
-
وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَدْ فَصَلَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله بَيْنَهُمَا بِاسْتِحْقَاقِ الشَّفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِيهَا. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ لَهُ) أَيْ لِلْكَرْيِ مَنْ كَانَ يُطِيقُهُ: أَيْ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ (وَيَجْعَلُ مُؤْنَتَهُ) أَيْ مُؤْنَةَ مَنْ يُطِيقُهُ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مَنْ كَانَ يُطِيقُ الْقِتَالَ وَيَجْعَلُ مُؤْنَتَهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَيُقَابِلُهُ عِوَضٌ) يَعْنِي حِصَّةً مِنْ الشُّرْبِ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ، أَيْ فَلَا يُعَارَضُ الضَّرَرُ الْعَامُّ بِالضَّرَرِ الْخَاصِّ، بَلْ يُغَلَّبُ جَانِبُ الضَّرَرِ الْعَامِّ فَيُجْعَلُ ضَرَرًا،
-
وَيَجِبُ السَّعْيُ فِي إعْدَامِهِ وَإِنْ بَقِيَ الضَّرَرُ الْخَاصُّ. وَقَوْلُهُ (خِيفَةَ الِانْبِثَاقِ) يُقَالُ بَثَقَ السَّيْلُ مَوْضِعَ كَذَا: أَيْ خَرَقَهُ وَشَقَّهُ.
-
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْمَنْفَعَةُ تَعُودُ إلَيْهِمْ عَلَى الْخُلُوصِ.
-
ثُمَّ قِيلَ: يُجْبَرُ الْآبِي كَمَا فِي الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ رحمه الله :
-
وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَلْخِيّ رحمه الله . وَقَوْلُهُ (فَاسْتَوَتْ الْجِهَتَانِ) يَعْنِي فِي الْخُصُوصِ،
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْإِجْبَارُ فِي النَّهْرِ الثَّانِي،
-
فَإِنَّ مَنْ أَبَى مِنْ أَهْلِهِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ هُنَاكَ لِأَنَّ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ عَامٌّ وَالْأُخْرَى خَاصٌّ، فَيُجْبَرُ الْآبِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ عَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا جَبْرَ لِحَقِّ الشَّفَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ فِي كَرْيِ النَّهْرِ الْخَاصِّ إحْيَاءُ حَقِّ الشَّفَةِ الْعَامَّةِ فَيَكُونُ فِي التَّرْكِ ضَرَرٌ عَامٌّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ الْآبِي عَلَى الْكَرْيِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ أَهْلِ الشَّفَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا رحمه الله وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُجْبَرُ الْآبِي لِحَقِّ
-
10/8310/83
الشَّفَةِ كَمَا إذَا امْتَنَعُوا جَمِيعًا وَمُؤْنَةُ كَرْيِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْلَاهُ،
-
فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ رُفِعَ عَنْهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله . وَقَالَا: هِيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشِّرْبِ وَالْأَرْضِينَ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى حَقًّا فِي الْأَسْفَلِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَسْيِيلِ مَا فَضَلَ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ. وَلَهُ أَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الْكَرْيِ الِانْتِفَاعُ بِالسَّقْيِ، وَقَدْ حَصَلَ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى فَلَا يَلْزَمُهُ إنْفَاعُ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ السَّيْلِ عِمَارَتُهُ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ مَسِيلٌ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ، كَيْفَ وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ دَفْعَ الْمَاءِ عَنْ أَرْضِهِ بِسَدِّهِ مِنْ أَعْلَاهُ،
-
ثُمَّ إنَّمَا يُرْفَعُ عَنْهُ إذَا جَاوَزَ أَرْضَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ،
-
وَقِيلَ إذَا جَاوَزَ فُوَّهَةَ نَهْرِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله .
-
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ رَأْيًا فِي اتِّخَاذِ الْفُوَّهَةِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ،
-
فَإِذَا جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَتُهُ قِيلَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءُ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ لِانْتِهَاءِ الْكَرْيِ فِي حَقِّهِ،
-
وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْرُغْ شُرَكَاؤُهُ نَفْيًا لِاخْتِصَاصِهِ، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ مِنْ الْكَرْيِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ.
-
أَهْلِ الشَّفَةِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ جَمِيعُ أَهْلِ النَّهْرِ عَنْ كَرْيِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْكَرْيِ لِحَقِّ أَهْلِ الشَّفَةِ. وَقَوْلُهُ (وَمُؤْنَةُ كَرْيِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (فَلَا يَلْزَمُهُ إنْفَاعُ غَيْرِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الصَّوَابُ نَفْعُ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْإِنْفَاعَ فِي مَعْنَى النَّفْعِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ) يَعْنِي فَكَانُوا مَجْهُولِينَ.