بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 1572 to 1742
-
1/1901/190
(تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
-
وَالْحَمْلُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا فِي الْبَطْنِ، وَمَا بَقِيَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا مَوْجُودًا كَانَتْ حَامِلًا فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى تَضَعَ الْجَمِيعَ
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَقْوَى لِكَوْنِ قَلِيلِهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَانَ بِالتَّقَدُّمِ أَوْلَى، وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ بَابُ بَيَانِ الْأَنْجَاسِ. وَالْأَنْجَاسُ جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ: وَهُوَ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا.
-
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وَكَمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِيِّ أَمِنَ اللَّبْسَ فَأَطْلَقَهُ.
-
وَقَوْلُهُ: وَتَطْهِيرِهَا: أَيْ تَطْهِيرِ مَحَلِّهَا مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ إلَى ضَمِيرِ الْأَنْجَاسِ أَنَّثَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْبَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلتَّطْهِيرِ، وَفِي آلَةِ التَّطْهِيرِ، وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمَحَلُّ نَجِسًا، وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ التَّطْهِيرُ بِهِ.
-
قَوْلُهُ: (تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ) أَيْ تَطْهِيرُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ بِإِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ،
-
وَقِيلَ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ: أَيْ إزَالَتُهَا (وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مُطْلَقًا وَهُوَ لِلْوُجُوبِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ
-
1/1911/191
فَقَصِّرْ فَلَا يَتِمُّ دَلِيلًا عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ، عَلَى أَنَّ تَقْصِيرَ الثِّيَابِ يَسْتَلْزِمُ التَّطْهِيرَ عَادَةً فَيَكُونُ أَمْرًا بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ اقْتِضَاءً،
-
وَإِذَا كَانَ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ وَاجِبًا لِتَحْسِينِ حَالِ الْمُنَاجِي رَبَّهُ
-
1/1921/192
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي الْبَدَنِ وَالْمَكَانِ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الْكُلَّ
-
(وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَانِعٍ طَاهِرٍ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ
-
كَانَ تَطْهِيرُ الْمَكَانِ وَالْبَدَنِ كَذَلِكَ لِمُسَاوَاةِ الْأَوَّلِ لِلْمَنْصُوصِ وَأَوْلَوِيَّةِ الثَّانِي.
-
وَقَوْلُهُ: ﷺ «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» الْحَتُّ: الْقَشْرُ بِالْيَدِ أَوْ الْعُودِ، وَالْقَرْضُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ. لَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُوجِبُ لِوُجُوبِ تَطْهِيرِهِ كَوْنِهِ نَجِسًا وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا كَانَ نَجِسًا،
-
ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي طَهَارَةِ الْمَكَانِ مَا تَحْتَ قَدَمِ الْمُصَلِّي فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالصَّلَاةُ فَاسِدَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ جَائِزَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (طَاهِرٌ) احْتِرَازٌ عَنْ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَا يَحْصُلُ بِهِ،
-
وَقِيلَ يَحْصُلُ حَتَّى لَوْ غُسِلَ دَمٌ بِذَلِكَ رَخَّصْنَا فِيهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ.
-
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ:
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالنَّجِسِ لَا يَكُونُ لِتَضَادٍّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ
-
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَقَوْلُهُ (يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ الدُّهْنِ وَالسَّمْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ إنَّمَا
-
1/1931/193
وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله : لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَالنَّجِسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ.
-
تَكُونُ بِإِخْرَاجِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْمُزِيلِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، وَإِنَّمَا ذِكْرُهُ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ جَوَازُ التَّطْهِيرِ بِهِ ثَابِتًا بِالْإِجْمَاعِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْإِزَالَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِهِ بَلْ تَجُوزُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ.
-
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَنْجَسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ) يَعْنِي لِاخْتِلَاطِهِ بِالنَّجَاسَةِ (وَالنَّجَسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ) ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَتَقَوَّى مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ
-
1/1941/194
وَلَهُمَا أَنَّ الْمَائِعَ قَالِعٌ، وَالطَّهُورِيَّةَ بِعِلَّةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةُ وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ،
-
فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى طَاهِرًا، وَجَوَابُ الْكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ، وَعَنْهُ
-
فِي الْمَاءِ أَيْضًا فَيَلْزَمُهُ شُمُولُ الْجَوَازِ أَوْ عَدَمُهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَهُمَا أَنَّ الْمَائِعَ قَالِعٌ) ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعِلَّةِ يُوجِبُهُ فِي الْمَعْلُولِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِعِلَّةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَلِّ وَأَشْبَاهِهِ فَتَكُونُ مُطَهِّرَةً كَالْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُ الْمُوجِبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَنَجَّسَ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ لَكِنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لِعَيْنِهِ بَلْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ،
-
فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ بِالْعَصْرِ بَقِيَ الْمَحَلُّ طَاهِرًا. لَا يُقَالُ: التَّعْلِيلُ بِالْقَلْعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي الْغَسْلَ بِالْمَاءِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَسْلُ بِالْمَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الثَّوْبِ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ
-
بِخِلَافٍ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لِلتَّطْهِيرِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ حُصُولَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَجَوَابُ الْكِتَابِ) أَيْ الْقُدُورِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
-
وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ إلَخْ مُطْلَقٌ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
-
وَقَوْلُهُ: (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةِ
-
1/1951/195
أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
-
(وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ فَجَفَّتْ فَدَلَّكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا يَجُوزُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ (إلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْمُتَدَاخِلَ فِي الْخُفِّ لَا يُزِيلُهُ الْجَفَافُ وَالدَّلْكُ،
-
بِخِلَافِ الْمَنِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
-
وَلَهُمَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» وَلِأَنَّ الْجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إلَّا قَلِيلًا
-
الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ (أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) وَقَالَ (لَا يَجُوزُ فِي الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْبَدَنِ طَرِيقُهُ الْعِبَادَةُ فَاخْتَصَّ بِالْمَاءِ كَالْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ طَرِيقُهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْمَاءِ كَالْحَتِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ قَائِمَةً بِالْبَدَنِ،
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إزَالَتِهَا مِنْهُ وَإِزَالَتِهَا مِنْ الثَّوْبِ.
-
قَالَ (وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ) النَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْخُفَّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ) أَوْ لَا يَكُونُ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِمَا.
-
وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ حَصَلَ لَهُ جَفَافٌ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ حَصَلَ لَهُ جَفَافٌ (فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) أَيْ طَهُرَ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ اسْتِحْسَانًا.
-
وَأَمَّا إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا كَمَا كَانَ؟ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) الصَّلَاةُ بِهِ (وَهُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ عَلَى الثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ بِجَامِعِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي الْخُفِّ تَدَاخُلَهَا فِيهِمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَدَاخِلَ فِي الْخُفِّ إلَخْ (إلَّا فِي الْمَنِيِّ) فَإِنَّهُ يَطْهُرُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَيَّدَ بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ رِوَايَةَ الْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إنْ حَكَّهُ أَوْ حَتَّهُ بَعْدَمَا يَبِسَ طَهُرَ وَهُمَا اسْتَحْسَنَا بِالْأَثَرِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِ خَلْعِ النِّعَالِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى يَوْمًا فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت نَعْلَيْك، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام وَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا أَذًى فَخَلَعْتهمَا، ثُمَّ قَالَ: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» وَالْأَذَى هُوَ مَا يَسْتَعْذِرُ كَأَنَّهُ يُؤْذِي مَنْ يُقِرُّ بِهِ نُفْرَةً وَكَرَاهَةً جَعَلَ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ طَهُورًا وَهُوَ مُفَسَّرٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.
-
لَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ لِجَوَازِ أَنَّ الْحَظْرَ مَعَ النَّجَاسَةِ نَزَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ.
-
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ)
-
1/1961/196
ثُمَّ يَجْتَذِبُهُ الْجِرْمُ إذَا جَفَّ،
-
فَإِذَا زَالَ زَالَ مَا قَامَ بِهِ (وَفِي الرَّطْبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ.
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ إذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا رحمهم الله (إنْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَهُ)
-
وَكَذَا كُلُّ مَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا.
-
وَقِيلَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ وَإِنْ يَبِسَ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ.
-
وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ إنْ كَانَ رَطْبًا (فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِعَائِشَةَ «فَاغْسِلِيهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إنْ
-
اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْقُولِ وَهُوَ ظَاهِرٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا جَفَافٌ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَغْسِلَهُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَشَى عَلَى الرَّوْثِ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّهُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَلَا رَائِحَتُهَا يَطْهُرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى) يَعْنِي قَوْلَهُ فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا.
-
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلضَّرُورَةِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا لَهُ جِرْمٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُكْمِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَخْرَجَ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ «قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» أَيْ مُزِيلٌ نَجَاسَتَهُمَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْخُفَّ إذَا تَشَرَّبَ الْبَوْلَ أَوْ الْخَمْرَ لَا يُزِيلُهُ الْمَسْحُ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَجْزَاءِ الْجِلْدِ فَكَانَ إطْلَاقُهُ مَصْرُوفًا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَقْبَلُ الْإِزَالَةَ بِالْمَسْحِ وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ.
-
وَالثَّانِي: أَعْنِي الَّذِي لَا جِرْمَ لَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ مَا فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ،
-
فَإِذَا جَفَّ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ طَهُرَ كَاَلَّتِي لَهَا جِرْمٌ،
-
وَإِذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ: أَيْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكْتَنِزٍ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ.
-
وَأَمَّا الْمَنِيُّ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ، فَإِنْ
-
1/1971/197
كَانَ يَابِسًا» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : الْمَنِيُّ طَاهِرٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ.
-
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّمَا
-
كَانَ رَطْبًا فَهُوَ نَجِسٌ وَيَجِبُ غَسْلُهُ،
-
وَإِنْ جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَلَّا يَطْهُرَ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ إلَّا أَنَّهُ نُضْجٌ ثَخِينٌ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُهُ: ﷺ لِعَائِشَةَ «فَاغْسِلِيهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إنْ كَانَ يَابِسًا» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي جَعْلِهِ طَاهِرًا مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْك وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ» فَإِنْ قِيلَ إذَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثٍ وَنَحْنُ بِحَدِيثٍ فَمَا وَجْهُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ؟.
-
فَالْجَوَابُ أَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَالْمُخَاطِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي اللُّزُوجَةِ وَقِلَّةِ التَّدَاخُلِ وَطَهَارَتِهِ بِالْفَرْكِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِمَاطَةِ مَعَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَيَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ إزَالَةَ مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ عليه الصلاة والسلام ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى نَجَاسَتِهِ، رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهُوَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ النُّخَامَةِ فَقَالَ: عليه الصلاة والسلام : مَا نُخَامَتُك وَدُمُوعُ عَيْنَيْك وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِك إلَّا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ، وَالْقَيْءِ» وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْرَارِ: الْخَمْرُ مَكَانَ الْقَيْءِ.
-
لَا يُقَالُ: الِاسْتِدْلَال بِهِ يَقْتَضِي غَسْلَهُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَلَسْتُمْ قَائِلِينَ بِهِ فَكَانَ مَتْرُوكًا؛ لِأَنَّ
-
1/1981/198
يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَلَوْ أَصَابَ الْبَدَنَ.
-
قَالَ مَشَايِخُنَا رحمهم الله : يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ إلَى الْجِرْمِ وَالْبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
-
(وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ.
-
(وَإِنْ أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا)
-
حَدِيثَ عَائِشَةَ مُفَسَّرٌ فِي جَوَازِ فَرْكِ الْيَابِسِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّطْبَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا (وَلَوْ أَصَابَ) الْمَنِيُّ (الْبَدَنَ، قَالَ مَشَايِخُنَا) قِيلَ يُرِيدُ مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ (يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ) لِانْفِصَالِ الثَّوْبِ عَنْ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَدَنِ (وَ) رُوِيَ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛
-
لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ) مَا تَشَرَّبَ مِنْهُ الْبَدَنُ (إلَى الْجِرْمِ) وَلَئِنْ عَادَ فَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ أَيْضًا وَالْبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
-
قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ) إذَا أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ جِسْمًا مُكْتَنِزَ الْأَجْزَاءِ صَقِيلًا كَالْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهَا (اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ الدَّاخِلِ (وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ) وَلَا فَصْلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ.
-
وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَوْلَ وَالدَّمَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْعَذِرَةُ الرَّطْبَةُ كَذَلِكَ، وَالْيَابِسَةُ تَطْهُرُ بِالْحَتِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْمُصَنِّفُ كَأَنَّهُ اخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى؛
-
لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا.
-
(وَإِذَا أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا) وَهُوَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ بِالْجَفَافِ جَازَتْ
-
1/1991/199
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ.
-
الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا.
-
وَقَوْلُهُ: بِالشَّمْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَتِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا،
-
فَإِنَّ الْأَرْضَ فِي الْعَادَةِ تَجِفُّ بِالشَّمْسِ (وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ) ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَصَلَتْ فِي الْمَكَانِ وَالْمُزِيلُ لَمْ يُوجَدْ (وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» ) أَيْ طَهَارَتُهَا جَفَافُهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ،؛
-
لِأَنَّ الذَّكَاةَ وَهِيَ الذَّبْحُ سَبَبُ الطَّهَارَةِ فِي الذَّبِيحَةِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ:
-
وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا فَقَوْلُهُ: «أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ فَقَدْ ذَكَتْ» وَصَاحِبُ الْمُغْرِبِ جَعَلَهُ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
-
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالْمَعْنَى فَيَكُونُ مَرْفُوعًا قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ (؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ شَرْطٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ)
-
1/2001/200
قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَلَا تَأَدِّيَ بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ فَلَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ قَطْعِيَّةً بِجَفَافِ الْأَرْضِ وَالْكِتَابُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
-
فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَكَانِ ثَبَتَتْ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا حَتَّى ثَبَتَتْ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ بِدَلَالَةِ النُّصُوصِ فَوَجَبَ أَلَّا تَجُوزَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ هُنَا ظَنِّيَّةٌ؛
-
لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ،
-
وَقِيلَ تَقْصِيرُهُ لِلْمَنْعِ عَنْ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ.
-
فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَجُرُّونَ أَذْيَالَهُمْ تَكَبُّرًا،
-
وَقِيلَ الْمُرَادُ تَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنْ الْمَعَايِبِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَكْفُرْ مَنْ
-
1/2011/201
أَنْكَرَ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَهُوَ عَطَاءٌ فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ كَذَلِكَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَالطَّيِّبُ أَيْضًا يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ وَالْمُنْبِتَ، وَعَلَى الثَّانِي حَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُرَادَيْنِ لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا وَهُوَ مِنْ الْحُجَجِ الظَّنِّيَّةِ كَالْعَامِّ فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ التَّيَمُّمُ أُجِيبَ. بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الطَّيِّبِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الطَّاهِرَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ،
-
1/2021/202
(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ الْمُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخُرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ.
-
وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ
-
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْإِنْبَاتِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ قَطْعِيًّا فَلَا يَتَأَدَّى بِطَهَارَةٍ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
-
قَالَ (وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ) النَّجَاسَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ غَلِيظَةً أَوْ خَفِيفَةً،
-
فَإِنْ كَانَتْ غَلِيظَةً وَهِيَ مَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ (كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ) إذَا كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ (جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) وَقَوْلُهُ: وَمَا دُونَهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ.
-
وَقَالَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (لَمْ يَفْصِلْ) بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَنَا الْقَلِيلُ مِنْهَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ) فَإِنَّ الذِّبَّانَ يَقَعْنَ عَلَى النَّجَسِ ثُمَّ عَلَى الْإِنْسَانِ،
-
وَكَذَلِكَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةً وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ (فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ) أَيْ الْقَلِيلَ (بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ) يَعْنِي ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ،
-
فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ مُنِعَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَخَذْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ:
-
1/2031/203
أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ.
-
ثُمَّ يُرْوَى اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ فِي الصَّحِيحِ، وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالِ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا.
-
وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إنَّ الْأُولَى فِي الرَّقِيقِ وَالثَّانِيَةَ فِي الْكَثِيفِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُغَلَّظَةً لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ
-
إذَا بَلَغَتْ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ مَنَعَتْ.
-
وَقَوْلُهُ: (أَخْذًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِنْ قَدَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْأَخْذِ فَالْمُرَادُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ مَوْضِعُ خُرُوجِ الْحَدَثِ قَالَ النَّخَعِيُّ اسْتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقَاعِدِ فِي مَجَالِسِهِمْ فَكَنَّوْا عَنْهُ بِالدِّرْهَمِ.
-
وَوَجْهُ الْأَخْذِ مَا قَالَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» وَالِاسْتِجْمَارُ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ فَيَثْبُتُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالْحِجَارَةِ وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَفْوٌ، وَمَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْتَفُونَ بِالْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَذَلِكَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ حَتَّى لَوْ جَلَسَ الْمُسْتَنْجِي بِهِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ فَاكْتِفَاؤُهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ (ثُمَّ يُرْوَى) عَنْ مُحَمَّدٍ (اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ) حَيْثُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ هُوَ مَا يَكُونُ مِثْلَ عَرْضِ الْكَفِّ (وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالُ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا) وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
-
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: نُوَفِّقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ مُحَمَّدٍ فَنَقُولُ: إنَّ الْأُولَى: يَعْنِي رِوَايَةَ الْمِسَاحَةِ فِي الرَّقِيقِ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: يَعْنِي رِوَايَةَ الْوَزْنِ فِي الْكَثِيفِ قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) يَعْنِي الْمَذْكُورَةَ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ مُغَلَّظَةً (لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ) قِيلَ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَقِيلَ التَّغْلِيظُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَثْبُتُ بِنَصٍّ لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْكِتَابِ
-
1/2041/204
(وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَالرُّبُعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ،
-
وَعَنْهُ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ،
-
وَقِيلَ رُبُعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله شِبْرٌ فِي شِبْرٍ،
-
إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَتَجَاذُبِ الِاجْتِهَادِ وَالضَّرُورَاتِ الْمُخَفَّفَةِ (وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً) وَهِيَ مَا تَثْبُتُ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ (كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبْعَ الثَّوْبِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا (؛
-
لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ) وَالْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاسُ وَيَسْتَفْحِشُونَهُ (وَالرُّبْعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ) كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَلْحَقُ بِهِ هَاهُنَا وَبِالْكُلِّ يَحْصُلُ الِاسْتِفْحَاشُ فَكَذَا بِمَا قَامَ مَقَامَهُ،
-
ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْبِ فَقِيلَ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَقْرَبُهُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يُعْتَبَرُ السَّرَاوِيلُ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الثِّيَابِ (وَقِيلَ رُبْعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ) النَّجَاسَةُ (كَالذَّيْلِ) وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فُلَانٌ شَمَّرَ الذَّيْلَ وَالْكُمَّ (وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ) أَيْ شِبْرٌ طُولًا وَشِبْرٌ عَرْضًا أَخْذًا مِنْ بَاطِنِ الْخُفَّيْنِ: يَعْنِي مَا يَلِي الْأَرْضَ مِنْ الْخُفِّ،
-
فَإِنَّ بَاطِنَهُمَا يَبْلُغُ شِبْرًا فِي شِبْرٍ
-
1/2051/205
وَإِنَّمَا كَانَتْ مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ (وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ) لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ وَالتَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ (وَقَالَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ) لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا، وَلِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ
-
فَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جِرْمٌ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ فِي الْخِفَافِ لِطَهَارَتِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: وَبِالْمَسْحِ إنْ زَالَتْ الْعَيْنُ فَلَا يُشَكُّ فِي بَقَاءِ الْأَثَرِ، وَحَيْثُ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ قُدِّرَ بِهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ كَمَا قُدِّرَ الدِّرْهَمُ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ (وَإِنَّمَا كَانَ) يَعْنِي بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (مُخَفَّفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ) عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ،
-
فَإِنَّ تَخْفِيفَهَا عِنْدَهُ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ سَوْغِ الِاجْتِهَادِ.
-
(أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ،
-
فَإِنَّ تَخْفِيفَهَا عِنْدَهُ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا أَخَّرَ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ رِعَايَةً لِفَوَاصِلِ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهَا مِمَّا يُرَاعَى، وَأَرَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ مَا كَانَ يُنَافِي ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي الْأَرْوَاثِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَصْلُ الْأَوَّلَ بِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ أَصْلَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَيْسَ هُوَ بِنَجِسٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً أَصْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ فَخَصَّصَهُ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا أَوْرَدَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ (وَإِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا) ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الْبَعْرَ وَالرَّوْثَ وَخَثْيَ الْبَقَرِ طَاهِرٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: السِّرْقِينُ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وُقُودُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا اسْتَعْمَلُوهُ كَالْعَذِرَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) بَيَانُ أَنَّ التَّخْفِيفَ عِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِشَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ الْبَلْوَى وَالضَّرُورَةُ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ لَا يُخْرِجُ
-
1/2061/206
فِي التَّخْفِيفِ، بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ.
-
قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا،
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَزُفَرُ رحمه الله فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ.
-
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ وَرَأَى الْبَلْوَى أَفْتَى بِأَنَّ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ يُرْوَى.
-
(وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ مُخَفَّفٌ نَجَاسَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله وَلَحْمُهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا
-
النَّجَاسَةَ عَنْ كَوْنِهَا مُغَلَّظَةً؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِخِلَافِهِ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ وَهُوَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ،
-
وَكَذَلِكَ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْحِمَارِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَشَّشُ فَيُصِيبُ الثِّيَابَ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ
-
وَكَذَلِكَ بَوْلُ الْآدَمِيِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بِالنَّجَاسَةِ لَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِخِفَّةِ نَجَاسَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» الْحَدِيثَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ لِلضَّرَرِ وَالْبَلْوَى بَلْ لِلتَّعَارُضِ بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ.
-
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الضَّرُورَةُ فِي بَوْلِ الْحِمَارِ كَالضَّرُورَةِ فِي رَوْثِهِ وَقَدْ قُلْتُمْ بِتَغْلِيظِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ) فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ يُبْتَلَى بِهِ الْمَارُّ بِخِلَافِ الرَّوْثِ.
-
وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا هِيَ فِي النِّعَالِ، وَقَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا بِذَلِكَ التَّخْفِيفِ فَلَا يُخَفَّفُ فِي نَجَاسَتِهَا ثَانِيًا إلْحَاقًا لِلرَّوْثِ بِالْعَذِرَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ) عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (وَزُفَرُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ) فَإِنَّهُ قَاسَ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ بِالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ الْآخَرِ وَالْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْبَوْلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَوْنِهِ مَأْكُولَ اللَّحْمِ وَغَيْرَهُ فَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ هَذَا السَّبِيلِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (قَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى) يَعْنِي قَالَ الْمَشَايِخُ لَا يَكُونُ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مِنْهُ مَانِعًا وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ. (وَعِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الرَّيِّ (رُجُوعُهُ) عَنْ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ (فِي الْخُفِّ) أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ (يُرْوَى) .
-
قَالَ (وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَرَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْفَرَسَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ حَتَّى يَفْحُشَ.
-
(وَ) طَاهِرٌ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ حَرَّمَ أَكْلَهُ وَجَعَلَ بَوْلَهُ نَجِسًا مُخَفَّفًا لِتَعَارُضِ الْآثَارِ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ وَقَدْ مَرَّ وَقَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» الْحَدِيثَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَفِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ
-
1/2071/207
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ.
-
(وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا تَجُوزُ) فَقَدْ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
-
دَلَالَةُ التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمُثْلَةَ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِمَا تَعَارُضًا، وَلَكِنَّهُ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَالْفَرَسُ غَيْرُ مَأْكُولٍ عِنْدَهُ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فَيَكُونُ بَوْلُهُ نَجِسًا مُغَلَّظًا. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ دُونَ الْعِبَارَةِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَعَارُضٌ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْعِبَارَةِ وَتَحَقَّقَ التَّعَارُضُ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛
-
لِأَنَّ اشْتِمَالَ الْقِصَّةِ عَلَى الْمُثْلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ مَنْسُوخَةٌ فَلَا تَعَارُضَ، وَبِأَنَّ انْتِسَاخَ الْمُثْلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِ طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ،
-
فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِسَاخِ أَحَدِهِمَا انْتِسَاخُ الْآخَرِ، وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ الدَّالَّ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ انْتَفَى التَّعَارُضُ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ تَثْبُتْ نَجَاسَةُ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» عِنْدَهُ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ.
-
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِ الْفَرَسِ عِنْدَهُ لَمْ تَكُنْ لِنَجَاسَتِهِ بَلْ تَحَرُّزًا عَنْ تَقْلِيلِ مَادَّةِ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ لَحْمُهُ طَاهِرًا عِنْدَهُ، وَلِهَذَا قَالَ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ بَوْلَ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ عِنْدَهُ نَجِسٌ غَلِيظٌ،
-
فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ قَيَّدَهُ بِكَوْنِ الْحُرْمَةِ النَّجَاسَةَ، وَقَدْ عُرِفَ بُطْلَانُ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
-
وَلِصُعُوبَةِ التَّقَصِّي عَنْ عُهْدَةِ هَذَا الْمَقَامِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعَارُضِ الْآثَارِ التَّعَارُضُ فِي لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» وَهَذَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ فِي بَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فِي وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ كَبَوْلِ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهُ؛
-
لِأَنَّ الْمُبِيحَ مَنْسُوخٌ كَمَا فِي الْحِمَارِ.
-
(وَإِنْ أَصَابَهُ خَرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ) كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْحِدَأَةِ (جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ فَقَدْ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَنَجِسٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَالنَّجْوِ (وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ) يَعْنِي أَنَّهُ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنَّهُ خَفِيفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ غَلِيظٌ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ،
-
1/2081/208
هُوَ يَقُولُ إنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِعَدَمِ الْمُخَالَطَةِ فَلَا يُخَفَّفُ.
-
وَلَهُمَا أَنَّهَا تَذَرَّقَ مِنْ الْهَوَاءِ وَالْتِحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ،
-
وَلَوْ وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ قِيلَ يُفْسِدُهُ،
-
وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ أَوْ لُعَابِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرُ الدِّرْهَمِ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهِ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ فَاعْتَبَرَهُ نَجِسًا.
-
وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ الطَّاهِرُ (فَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ.
-
وَيُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَالْمُخْتَلَفِ فَإِنَّ فِيهِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَمَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (هُوَ يَقُولُ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ) عَلَى طَرِيقَةِ الْهِدَايَةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ قِيلَ يُفْسِدُهُ) لِإِمْكَانِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ (وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ) وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ. قَوْلُهُ:
-
(وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ عَلَى التَّحْقِيقِ يَسْوَدُّ إذَا شُمِّسَ وَدَمُ السَّمَكِ يَبْيَضُّ، وَلِهَذَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ.
-
وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْكَثِيرَ لِلْفَاحِشِ (فَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ بِشَيْءٍ يُوجِبُ الْغَسْلَ عَلَى الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
-
1/2091/209
قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرْئِيًّا فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّتْ الْمَحَلَّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا تَشُقُّ إزَالَتُهُ) لِأَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ زَالَ بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ كَلَامٌ (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ،
-
وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا،
-
أَنَا أَرْجُو مِنْ عَفْوِ اللَّهِ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ، أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ مِنْ الْإِبَرِ مُعْتَبَرٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالُوا بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ جَمِيعًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ.
-
قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ) الْحَصْرُ ضَرُورِيٌّ لِدَوَرَانِهِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بَعْدَ الْجَفَافِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَجَسِّدَةً كَالْغَائِطِ وَالدَّمِ أَوْ غَيْرَهُمَا كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ، فَطَهَارَةُ الْأُولَى زَوَالُ عَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّتْ الْمَحَلَّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ) كَلَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ (مَا تَشُقُّ إزَالَتُهُ) بِالِاحْتِيَاجِ فِي الْإِزَالَةِ إلَى غَيْرِ الْمَاءِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ،
-
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْعَرْضِ مِنْ الْعَيْنِ وَهُوَ الْعَيْنُ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إزَالَةَ مِثْلِ ذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَيْنَهَا إذَا زَالَتْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلٍ بَعْدَهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (فِيهِ كَلَامٌ) أَيْ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ
-
1/2101/210
وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ،
-
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
-
يَقُولُ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ: تُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِغَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَ مَرَّةً فَيُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّانِيَةِ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ
-
1/2111/211
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ.
-
إذَا غَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَعَصَرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ يَطْهُرُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْغَسْلِ مَرَّةً، وَهَذَا فِيمَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، أَمَّا فِي غَيْرِهِ كَالْحَصِيرِ مَثَلًا فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَيَطْهُرُ؛ لِأَنَّ لِلتَّجْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ إذْ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ وَالْحَرَجُ مَوْضُوعٌ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا؛
-
لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْعَصْرِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ.
-
1/2121/212
(فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ)
-
(الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام وَاظَبَ عَلَيْهِ