بَابُ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 39782 to 39824
-
10/49210/492
أَعْقَبَ وَصِيَّةَ الْمُسْلِمِ بِوَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ لِكَوْنِ الْكُفَّارِ مُلْحَقِينَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ (وَإِذَا صَنَعَ يَهُودِيٌّ بِيعَةً أَوْ نَصْرَانِيٌّ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ مِيرَاثٌ) بِالِاتِّفَاقِ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا عَلَى اخْتِلَافِ التَّرْجِيحِ، أَمَّا عِنْدَهُ؛ فَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ،
-
فَإِنَّ وَقْفَ الْمُسْلِمِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ مَوْرُوثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ لَازِمٍ فَهَذَا أَوْلَى (وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ هَذِهِ) الْوَصِيَّةَ مَعْصِيَةٌ فَلَا (تَصِحُّ وَلَوْ أَوْصَى) بِذَلِكَ أَيْ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُعْمَلَ بِيعَةٌ أَوْ كَنِيسَةٌ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ (فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ الثُّلُثِ
-
10/49310/493
لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَلَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ.
-
قَالَ (وَإِنْ أَوْصَى بِدَارِهِ كَنِيسَةً لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمِّينَ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ لِمَا فِي تَنْفِيذِهَا مِنْ تَقْرِيرِ الْمَعْصِيَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَتَجُوزُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ؛
-
أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً مَعْصِيَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ فَكَذَا عَكْسُهُ.
-
؛ لِأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ وَالتَّمْلِيكِ) وَلِلذِّمِّيِّ وِلَايَةُ التَّمْلِيكِ (فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ) أَيْ: تَصْحِيحُ إيصَائِهِ (عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ) يَعْنِي الِاسْتِخْلَافَ وَالتَّمْلِيكَ فَجَعَلْنَاهُ مِنْ الثُّلُثِ نَظَرًا إلَى الِاسْتِخْلَافِ فَجَوَّزْنَا ذَلِكَ نَظَرًا إلَى التَّمْلِيكِ،
-
وَإِذَا صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ صَنَعُوا بِهِ مَا شَاءُوا
-
(وَإِنْ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ دَارُهُ كَنِيسَةً لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمِّينَ) يَعْنِي قَوْمًا غَيْرَ مَحْصُورِينَ (جَازَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هِيَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ) فِي الْحَقِيقَةِ (مَعْصِيَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةٌ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ؛ لِمَا فِي تَنْفِيذِهَا مِنْ تَقْرِيرِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِمُعْتَقَدِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَوْ أَوْصَوْا بِالْحَجِّ لَمْ يُعْتَبَرْ وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ، فَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَوْا بِمَا هُوَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ عِبَادَةٌ صَحَّ وَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا مَعْصِيَةً؛
-
لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ. قَالُوا: هَذَا الْخِلَافُ إذَا أَوْصَى بِبِنَاءِ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فِي الْقُرَى،
-
فَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ، وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ بِنَاءِ
-
10/49410/494
ثُمَّ الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ بِنَاءِ الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِهِ أَنَّ الْبِنَاءَ نَفْسُهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِزَوَالِ مِلْكِ الْبَانِي. وَإِنَّمَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِأَنْ يَصِيرَ مُحَرَّرًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكَنِيسَةُ لَمْ تَصِرْ مُحَرَّرَةً لِلَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً فَتَبْقَى مِلْكًا لِلِبَانِي فَتُورَثُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ فِيهَا الْحُجُرَاتِ وَيَسْكُنُونَهَا فَلَمْ يَتَحَرَّرْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعِبَادِ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُورَثُ الْمَسْجِدُ أَيْضًا لِعَدَمِ تَحَرُّرِهِ،
-
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ ثُبُوتُ مُقْتَضَاهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ فَبَقِيَ فِيمَا هُوَ قُرْبَةٌ عَلَى مُقْتَضَاهُ فَيَزُولُ مِلْكُهُ فَلَا يُورَثُ.
-
ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ قُرْبَةً فِي مُعْتَقَدِهِمْ وَلَا تَكُونَ قُرْبَةً فِي حَقِّنَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا إذَا أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِأَنْ تُذْبَحَ خَنَازِيرُهُ وَتُطْعَمَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذِهِ عَلَى الْخِلَافِ إذَا كَانَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمِّينَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ.
-
وَمِنْهَا إذَا أَوْصَى بِمَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي حَقِّنَا وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي مُعْتَقَدِهِمْ، كَمَا إذَا أَوْصَى بِالْحَجِّ أَوْ بِأَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ بِأَنْ يُسْرَجَ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ، إلَّا إذَا كَانَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ لِوُقُوعِهِ تَمْلِيكًا لِأَنَّهُمْ مَعْلُومُونَ وَالْجِهَةُ مَشُورَةٌ.
-
وَمِنْهَا إذَا أَوْصَى بِمَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي حَقِّنَا وَفِي حَقِّهِمْ، كَمَا إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُسْرَجَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ يُغْزَى التَّرْكُ وَهُوَ مِنْ الرُّومِ، وَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً وَفِي مُعْتَقَدِهِمْ أَيْضًا.
-
وَمِنْهَا إذَا أَوْصَى بِمَا لَا يَكُونُ قُرْبَةً لَا فِي حَقِّنَا وَلَا فِي حَقِّهِمْ، كَمَا إذَا أَوْصَى لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ،
-
فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فِي حَقِّنَا وَفِي حَقِّهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَصِحُّ تَمْلِيكًا وَاسْتِخْلَافًا، وَصَاحِبُ الْهَوَى إنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ فَهُوَ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ
-
الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (لَمْ تَصِرْ مُحَرَّرَةً لِلَّهِ حَقِيقَةً) بَلْ تُحَرَّرُ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ (فَتَبْقَى مِلْكًا لِلِبَانِي فَتُورَثُ عَنْهُ) وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيرِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ
-
(بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إنَّ الْبِنَاءَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِزَوَالِ مِلْكِ الْبَانِي، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (لِأَنَّهُ وَضْعٌ) وَفِي قَوْلِهِ (ثُبُوتُ مُقْتَضَاهُ) وَقَوْلُهُ (فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَاهُ) كُلُّهَا رَاجِعٌ إلَى الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ.
-
وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وُضِعَتْ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، إلَّا أَنَّ لَفْظَهَا تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ مَعْنَاهُ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِمَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي مُعْتَقَدِهِمْ،
-
فَأَمَّا إذَا لَاقَتْ مَا هُوَ قُرْبَةٌ فِيهِ عَمِلَتْ عَمَلَهَا. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ إلَخْ) وَاضِحٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ) يُرِيدُ بِهِ الْوَصِيَّةَ بِبِنَاءِ الْبِيعَةِ أَوْ الْكَنِيسَةِ. وَقَوْلُهُ (كَمَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي مِنْ الْخِلَافِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ) أَيْ: مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُ اعْتِقَادُهُمْ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ.
-
(قَوْلُهُ وَالْجِهَةُ مَشُورَةٌ) يَعْنِي أَنَّ كَلَامَهُ فِي صَرْفِ الْمَالِ الْمُوصِي بِهِ إلَى اسْتِضَاءَةِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهَا خَرَجَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ
-
10/49510/495
عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
-
وَفِي الْمُرْتَدَّةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَصِحُّ وَصَايَاهَا لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ،
-
بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُسْلِمُ. قَالَ (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَأَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِمَالِهِ كُلِّهِ جَازَ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَلِهَذَا تَنْفُذُ بِإِجَازَتِهِمْ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذْ هُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّنَا، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ، وَالْأَمَانُ كَانَ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَرَثَتِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أُخِذَتْ الْوَصِيَّةُ وَيُرَدُّ الْبَاقِي عَلَى وَرَثَتِهِ وَذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَيْضًا.
-
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِوَصِيَّةٍ جَازَ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ، وَلِهَذَا تَصِحُّ عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ،
-
وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذْ هُوَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ وَيُمَكَّنُ مِنْهُ،
-
وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُقَامِ عَلَى السَّنَةِ إلَّا بِالْجِزْيَةِ.
-
وَلَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ.
-
وَلَوْ أَوْصَى لِخِلَافِ مِلَّتِهِ جَازَ اعْتِبَارًا بِالْإِرْثِ إذْ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ
-
وَقَوْلُهُ (عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ) يَعْنِي أَنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَهُمَا مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ وَإِلَّا فَلَا.
-
وَقَوْلُهُ (وَفِي الْمُرْتَدَّةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَصِحُّ وَصَايَاهَا؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ) وَصَارَتْ كَالذِّمِّيَّةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِي الزِّيَادَاتِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَقَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَا يَصِحَّ مِنْهَا وَصِيَّةٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الذِّمِّيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُقَرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا،
-
وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقَرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ الصَّحِيحُ وَهَاهُنَا الْأَصَحُّ وَهُمَا يَصْدُقَانِ، وَقَوْلُهُ (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَأَوْصَى لِمُسْتَأْمَنٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِمَالِهِ كُلِّهِ جَازَ) قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْوَرَثَةُ مَعَهُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَقَوْلُهُ (وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَيْضًا) جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَرُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْوَرَثَةِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَدْ قُلْت: لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْبَاقِي.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَيْضًا مُرَاعَاةً لَحِقَ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ تَسْلِيمَ مَالِهِ إلَى وَرَثَتِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ مَا أَوْصَى بِهِ فَارِغٌ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إلَخْ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إلَخْ) ظَاهِرٌ.
-
10/49610/496
وَاحِدَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ. فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِرْثَ مُمْتَنَعٌ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
(بَابُ الْوَصِيِّ وَمَا يَمْلِكُهُ)
-
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَبِلَ الْوَصِيُّ فِي وَجْهِ الْمُوصِي وَرَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِرَدٍّ) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَضَى
-
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) دَارُ الْإِسْلَامِ ظَرْفٌ لِأَوْصَى لَا لِقَوْلِهِ حَرْبِيٍّ: أَيْ لَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ عَلَى مَا ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ
-
وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ: أَيْ لِلْمُسْتَأْمَنِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِوَصِيَّةٍ جَازَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.