بَابُ مَنْ يُكَاتِبُ عَنْ الْعَبْدِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 31220 to 31270
-
9/1949/194
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْحُرُّ عَنْ عَبْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
فَإِنْ أَدَّى عَنْهُ عَتَقَ،
-
وَإِنْ بَلَغَ الْعَبْدُ فَقَبِلَ فَهُوَ مُكَاتَبٌ) وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْحُرُّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَكَاتَبَهُ الْمَوْلَى عَلَى هَذَا يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ،
-
وَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَارَتِهِ وَقَبُولُهُ إجَازَةٌ،
-
وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَأَدَّى لَا يُعْتَقُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ وَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْعَبْدِ.
-
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْعَبْدِ الْغَائِبِ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْقَائِلِ فَيَصِحُّ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ لُزُومِ الْأَلْفِ عَلَى الْعَبْدِ.
-
وَقِيلَ هَذِهِ هِيَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (وَلَوْ أَدَّى الْحُرُّ الْبَدَلَ
-
(بَابُ مَنْ يُكَاتِبُ عَنْ الْعَبْدِ)
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَصِيلِ فِي الْكِتَابَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالنَّائِبِ فِيهَا، وَقَدَّمَ أَحْكَامَ الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَصَرُّفِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ. قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْحُرُّ عَنْ عَبْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:
-
وَإِذَا كَاتَبَ الْحُرُّ عَنْ عَبْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ أَدَّى عَنْهُ عَتَقَ،
-
وَإِنْ بَلَغَ الْعَبْدُ وَقَبِلَ فَهُوَ مُكَاتَبٌ. وَاخْتَلَفَ شَارِحُوهُ فِي تَصْوِيرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَقُولَ الْحُرُّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَكَاتَبَهُ الْمَوْلَى عَلَى هَذَا يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ،
-
وَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا: يَعْنِي إنَّ هَذَا الْعَقْدَ نَافِذٌ فِي حَقِّ مَالِ الْعَبْدِ مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَنُفُوذِ عِتْقِهِ بِأَدَاءِ هَذَا الْقَائِلِ وَمَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهِ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ لُزُومِ الْبَدَلِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَرَى بَيْنَ فُضُولِيٍّ وَمَالِكٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْإِجَازَةُ،
-
فَإِذَا قَبِلَهُ كَانَ ذَلِكَ إجَازَةً مِنْهُ فَيَصِيرُ مُكَاتَبًا، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ الْعَبْدُ بِذَلِكَ نَفَذَ عَقْدُهُ عَلَيْهِ، فَكَذَا إذَا أَجَازَ بَعْدَ الْعِتْقِ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَقُولَ كَاتِبْ عَبْدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى أَنِّي إنْ أَدَّيْت إلَيْك أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَأَدَّى عَتَقَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ حَتَّى يُعْتَقَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ لِمَا مَرَّ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْعَبْدِ الْغَائِبِ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ: أَيْ فِي تَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَى أَدَاءِ الْقَائِلِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَيَتَوَقَّفُ فِي لُزُومِ الْأَلْفِ الْعَبْدُ.
-
قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ،
-
فَإِنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُجِيزِ فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ، وَهَاهُنَا لَا يَتَوَقَّفُ فِيمَا لَهُ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَالَهُ هَاهُنَا إسْقَاطٌ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ وَمَا عَلَيْهِ إلْزَامٌ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ أَدَّى الْحُرُّ الْبَدَلَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَدَاءِ وَلَا هُوَ مُضْطَرٌّ فِي أَدَائِهِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا أَدَّى
-
9/1959/195
لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَبْدٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ،
-
فَإِنْ أَدَّى الشَّاهِدُ أَوْ الْغَائِبُ عَتَقَا) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ كَاتِبْنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَهَذِهِ كِتَابَةٌ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا.
-
وَفِي الْقِيَاسِ: يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاضِرَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً جَعَلَ نَفْسَهُ فِيهِ أَصْلًا وَالْغَائِبُ تَبَعًا، وَالْكِتَابَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعَةٌ كَالْأَمَةِ إذَا كُوتِبَتْ دَخَلَ أَوْلَادُهَا فِي كِتَابَتِهَا تَبَعًا حَتَّى عَتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ وَإِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَاضِرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكُلِّ الْبَدَلِ لِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِيهِ،
-
وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِيهِ.
-
قَالَ (وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ) أَمَّا الْحَاضِرُ فَلِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا الْغَائِبُ فَلِأَنَّهُ يَنَالُ بِهِ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَدَلُ عَلَيْهِ وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا أَدَّى الدَّيْنَ يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْقَبُولِ لِحَاجَتِهِ إلَى اسْتِخْلَاصِ عَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ. قَالَ (وَأَيُّهُمَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ الْحَاضِرَ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ وَالْغَائِبُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ.
-
إلَى الْمَوْلَى؟ فِيهِ تَطْوِيلٌ طَالِعْ النِّهَايَةَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَبْدٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ إلَخْ) إذَا قَالَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ كَاتِبْنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى عَبْدِك فُلَانٍ الْغَائِبِ فَفَعَلَ جَازَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ يَصِحَّ عَلَى نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا، وَيَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ أَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَأَمَةَ غَيْرِهِ.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَاضِرَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً جَعَلَ نَفْسَهُ فِيهِ أَصْلًا وَالْغَائِبَ تَبَعًا، وَالْكِتَابَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعَةٌ كَالْأَمَةِ إذَا كُوتِبَتْ دَخَلَ أَوْلَادُهَا فِي كِتَابَتِهَا تَبَعًا حَتَّى عَتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَالْمُسْتَشْهَدِ بِهَا لِأَنَّ الْأَوْلَادَ تَابِعَةٌ لَهَا. مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَعْتَقَ الْأَوْلَادَ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ وَتُعْتَقُ الْأَوْلَادُ إذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْأُمَّ،
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْغَائِبِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَيْهِمَا مَقْصُودًا، حَتَّى أَنَّ الْمَوْلَى إذَا أَعْتَقَ الْحَاضِرَ نَفَذَ عِتْقُهُ وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ الْغَائِبُ،
-
وَإِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ الْغَائِبُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ حِصَّتُهُ لَا غَيْرُ،
-
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نُفُوذِ مَا هُوَ تَبَعٌ مَحْضٌ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى قَبُولِهِ نُفُوذَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ وَجْهٍ بِلَا تَوَقُّفٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْت يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِلْقِيَاسِ.
-
وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَالنَّظَرُ إلَى ثُبُوتِ هَذَا الْعَقْدِ بِالتَّبَعِيَّةِ فِي الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِهَةُ أَصَالَةٍ أَوْ لَا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ وَنَظَرًا لِلْمُكَاتَبِ وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ،
-
وَإِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَاضِرُ فَلَهُ: أَيْ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْحَاضِرَ بِكُلِّ الْبَدَلِ، لِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِيهِ،
-
وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِيهِ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي مُجَرَّدِ التَّبَعِيَّةِ لَا مُعْتَبَرَ بِجِهَةِ الْأَصَالَةِ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا) تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ:
-
فَإِنْ أَدَّى الشَّاهِدُ أَوْ الْغَائِبُ عَتَقَا، لَكِنَّهُ أَعَادَهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ (وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ، أَمَّا الْحَاضِرُ فَلِأَنَّهُ الْبَدَلُ عَلَيْهِ،
-
وَأَمَّا الْغَائِبُ فَ) الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يُجْبَرَ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ.
-
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ (لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا أَدَّى الْمُرْتَهِنُ) لِفِكَاكِ عَيْنِهِ (يُجْبَرُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْقَبُولِ لِحَاجَتِهِ إلَى اسْتِخْلَاصِ عَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ، وَأَيُّهُمَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْحَاضِرَ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ)
-
وَمِثْلُهُ لَا يَرْجِعُ (وَالْغَائِبُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ)
-
وَمِثْلُهُ أَيْضًا لَا يَرْجِعُ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْغَائِبُ هَاهُنَا كَمُعِيرِ الرَّهْنِ وَمُعِيرُ الرَّهْنِ مُضْطَرٌّ وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِمَا
-
9/1969/196
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْغَائِبَ بِشَيْءٍ) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ الْغَائِبُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَالْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ لِلشَّاهِدِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَافِذَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الْغَائِبِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِقَبُولِهِ، كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ، كَذَا هَذَا.
-
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَتْ الْأَمَةُ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ ابْنَيْنِ لَهَا صَغِيرَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَأَيُّهُمْ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ وَيُعْتَقُونَ) لِأَنَّهَا جَعَلَتْ نَفْسَهَا أَصْلًا فِي الْكِتَابَةِ وَأَوْلَادَهَا تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.
-
أَدَّى فَكَيْفَ قَالَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَهُوَ فِي حَقِّ جَوَازِ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ عَلَيْهِ لَا فِي الِاضْطِرَارِ،
-
فَإِنَّ الِاضْطِرَارَ إنَّمَا هُوَ إذَا فَاتَ لَهُ شَيْءٌ حَاصِلٌ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا هُوَ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ الْحُرِّيَّةُ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ عَدَمُ الرِّبْحِ لَا يُسَمَّى خُسْرَانًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: حَقُّ الْحُرِّيَّةِ حَاصِلٌ بِالْكِتَابَةِ وَرُبَّمَا فَاتَهُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّ فَكَانَ مُضْطَرًّا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُتَوَهَّمٌ، وَحَقُّ الرُّجُوعِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ (وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْغَائِبَ بِشَيْءٍ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ فِيهِ تَبَعٌ (فَإِنْ قَبِلَ الْعَبْدُ الْغَائِبُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَالْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ لِلشَّاهِدِ) وَإِنْ رَدَّهُ الْغَائِبُ لَا أَثَرَ لِرَدِّهِ وَقَبُولِهِ فِي ذَلِكَ (لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَافِذَةٌ عَلَى الْحَاضِرِ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الْغَائِبِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِقَبُولِهِ) فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ (كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ حَتَّى لَوْ أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَذَا هَذَا) .
-
(وَإِذَا قَبِلَتْ الْأَمَةُ الْكِتَابَةَ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ ابْنَيْنِ لَهَا صَغِيرَيْنِ جَازَ) وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَمَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْعَبْدِ لَرُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ الْجَوَازَ لِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَبِ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهَا، إذْ الْأُمُّ الْحُرَّةُ لَا وِلَايَةَ لَهَا فَكَيْفَ بِالْأَمَةِ؟
-
(وَأَيُّهُمْ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ وَيُعْتَقُونَ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ نَفْسَهَا أَصْلًا فِي الْكِتَابَةِ وَأَوْلَادُهَا تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ إذَا أَدَّتْ فَقَدْ أَدَّتْ دَيْنًا عَلَى نَفْسِهَا، وَكُلٌّ مِنْ الْوَلَدَيْنِ إنْ أَدَّى فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ غَيْرُ مُضْطَرٍّ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا رُجُوعَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ الِابْنُ الْآخَرُ لِأَنَّهُ لَا أَصَالَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا تَبَعِيَّةَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا أَدَّى كَانَ أَدَاؤُهُ كَأَدَاءِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
وَلَوْ أَدَّتْ الْأُمُّ عَتَقُوا، فَكَذَا إذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا. قِيلَ وَهَذِهِ فَائِدَةُ وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِي صَغِيرَيْنِ دُونَ صَغِيرٍ وَاحِدٍ لِيُعْلَمَ هَذَا الْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ) يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي حَقِّ وَلَدِهَا لِأَنَّ وَلَدَهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى.
-
وَأَقُولُ: لَعَلَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ هَهُنَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ لِأَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لَهَا
-
بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَأَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.