فَصْلٌ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 31082 to 31130
-
9/1809/180
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُكَاتِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ فَيُجْعَلُ مُكَاتَبًا تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ مَتَى كَانَ يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (وَإِنْ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَوْلَادٍ لَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَدْخُلُ)
-
اعْتِبَارًا بِقَرَابَةِ الْوِلَادِ إذْ وُجُوبُ الصِّلَةِ يَنْتَظِمُهُمَا وَلِهَذَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْحُرِّ فِي حَقِّ الْحُرِّيَّةِ. وَلَهُ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ كَسْبًا لَا مِلْكًا، غَيْرَ أَنَّ الْكَسْبَ يَكْفِي الصِّلَةَ فِي الْوِلَادِ حَتَّى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ يُخَاطَبُ بِنَفَقَةِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَلَا يَكْفِي فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى لَا تَجِبَ نَفَقَةُ الْأَخِ إلَّا عَلَى الْمُوسِرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَرَابَةٌ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ بَنِي الْأَعْمَامِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ فَأَلْحَقْنَاهَا بِالثَّانِي فِي الْعِتْقِ،
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَسَائِلِ مَنْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ مَنْ يَدْخُلُ فِيهَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا وَالتَّبَعُ يَتْلُو الْأَصْلَ. قَالَ (وَإِذْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) تَقْدِيمُ الْأَبِ فِي الذِّكْرِ هَاهُنَا عَلَى ابْنِهِ لِلتَّعْظِيمِ،
-
وَأَمَّا فِي تَرْتِيبِ الْقُوَّةِ فِي الدُّخُولِ فِي كِتَابَتِهِ فَالِابْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْلُودًا فِي الْكِتَابَةِ أَوْ مُشْتَرًى وَالْمَوْلُودُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُشْتَرَى،
-
فَإِنَّ الْمَوْلُودَ يَظْهَرُ فِي حَقِّهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَيُقْبَلُ مِنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِ الْأَبِ، وَالْمُشْتَرِي يَحْرُمُ بَيْعُهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَيُقْبَلُ مِنْهُ الْبَدَلُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ حَالًّا،
-
وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ السِّعَايَةِ عَلَى نُجُومِ الْأَبِ لِيَظْهَرَ نُقْصَانُ حَالِهِ عَنْ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ فِي التَّبَعِيَّةِ.
-
وَأَمَّا الْأَبُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهُ حَالَ حَيَاةِ ابْنِهِ الْمُكَاتَبِ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الْبَدَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا، وَإِنَّمَا قَالَ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا يَقُلْ صَارَ مُكَاتَبًا، لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُكَاتَبًا لَكَانَ أَصْلًا وَلَقِيَتْ كِتَابَتُهُ بَعْدَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ الْأَصْلِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بِيعَ الْأَبُ لِمَا أَنَّ كِتَابَةَ الدَّاخِلِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا الْأَصَالَةِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُشْتَرَى فِي الْكِتَابَةِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَبَيْنَ مَا إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرَى لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الْبَدَلِ شَيْءٌ،
-
وَإِذَا أَعْتَقَ الصَّغِيرَ يَسْقُطُ مِنْ الْبَدَلِ مَا يَخُصُّهُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشْتَرَى تَبَعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي أَمْرِ الْبَدَلِ لِتَقَرُّرِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْكِتَابَةِ.
-
وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَقَدْ كَانَ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ مِنْ وَجْهٍ وَكَانَ الْبَدَلُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَمُقَابَلَةِ وَالِدِهِ فَلِهَذَا يَسْقُطُ مَا يَخُصُّهُ،
-
ثُمَّ الْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ جُعِلَ مُكَاتَبًا تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (وَإِذَا اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَوْلَادٍ لَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْخُلُ اعْتِبَارًا بِقَرَابَةِ الْوِلَادِ لِأَنَّ وُجُوبَ الصِّلَةِ يَنْتَظِمُهُمَا، وَلِهَذَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْحُرِّ فِي حَقِّ الْحُرِّيَّةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ كَسْبًا لَا مِلْكًا لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ كَمَا عُرِفَ وَهَذَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ وَالْكَسْبُ يَكْفِي لِلصِّلَةِ فِي الْوِلَادِ) لَا فِي غَيْرِهِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ مُخَاطَبٌ بِنَفَقَةِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَلَا يَجِبُ نَفَقَةُ الْأَخِ إلَّا عَلَى الْمُوسِرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ: أَيْ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ (تَوَسَّطَتْ بَيْنَ) الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ مِنْ (بَنِي الْأَعْمَامِ وَالْقَرَابَةُ) الْقَرِيبَةُ وَهِيَ (الْوِلَادُ) وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ذُو حَظٍّ مِنْهُمَا (فَ) عَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ وَ (أَلْحَقْنَاهَا بِالثَّانِيَةِ) أَيْ الْقَرِيبَةِ فِي الْعِتْقِ حَتَّى إذَا مَلَكَ الْحُرُّ أَخَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ كَمَا إذَا مَلَكَ وَالِدَهُ
-
9/1819/181
وَبِالْأَوَّلِ فِي الْكِتَابَةِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْعِتْقَ أَسْرَعُ نُفُوذًا مِنْ الْكِتَابَةِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَاتَبَ كَانَ لِلْآخَرِ فَسْخُهُ،
-
وَإِذَا أَعْتَقَ لَا يَكُونُ لَهُ فَسْخُهُ.
-
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ دَخَلَ وَلَدُهَا فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدُهَا، أَمَّا دُخُولُ الْوَلَدِ فِي الْكِتَابَةِ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ.
-
وَأَمَّا امْتِنَاعُ بَيْعِهَا فَلِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قَالَ عليه الصلاة والسلام «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدُهَا فَكَذَا الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
-
أَوْ وَلَدَهُ (وَبِالْأَوْلَى) أَيْ بِالْبَعِيدَةِ (فِي الْكِتَابَةِ) حَتَّى إذَا مَلَكَ الْمُكَاتَبُ أَخَاهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ كَمَا إذَا مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ (وَهَذَا أَوْلَى) مِنْ الْعَكْسِ. لِأَنَّا لَوْ أَلْحَقْنَاهَا بِالْوِلَادِ فِي الْكِتَابَةِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَهَا بِهِ أَيْضًا فِي الْعِتْقِ (لِأَنَّهُ أَسْرَعُ نُفُوذًا مِنْ الْكِتَابَةِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَاتَبَ كَانَ لِلْآخَرِ فَسْخُهُ،
-
وَإِذَا أُعْتِقَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) وَفِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِأَحَدِ الشَّبَهَيْنِ وَإِعْمَالُهُمَا وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا.
-
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ إلَخْ) امْرَأَةُ الْمُكَاتَبِ الْقِنَّةُ إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا الْمُكَاتَبُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَمَلَكَهَا،
-
فَإِنْ مَلَكَهَا مَعَ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ وَلَدَهَا دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا إذَا عَجَزَ، وَالْأُمُّ تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قَالَ ﷺ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَإِنْ مَلَكَهَا وَحْدَهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
-
لَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ جَوَازُ بَيْعِهَا وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَعَهَا، لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِ الْبَدَلِ،
-
فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَمَا فَضَلَ مَعَهُ فَهُوَ لَهُ،
-
وَإِنْ عَجَزَ عَادَ هُوَ وَمَالُهُ لِلْمَوْلَى، وَكُلُّ مَوْقُوفٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَكَسْبُ الْمُكَاتَبِ يَقْبَلُ الْفَسْخَ، وَمَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَا لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ كَالِاسْتِيلَادِ، لِأَنَّ مَا لَا يَقْبَلُهُ أَقْوَى مِنْ الَّذِي يَقْبَلُهُ، وَالْأَقْوَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَدْنَى إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ هَذَا الْحَقُّ وَهُوَ امْتِنَاعُ الْبَيْعِ فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ الْوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ ثَبَتَ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ.
-
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقِيَاسُ كَمَا يَنْفِيهِ ابْتِدَاءً يَنْفِيهِ مَعَ الْوَلَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الدَّلِيلِ. فَتَخْصِيصُ نَفْيِهِ بِالِابْتِدَاءِ مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِصَدْرِ الْكَلَامِ تَحَكُّمٌ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَحَكُّمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ بِالْأَثَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُعْتِقُ الْأُمَّ إذَا مَلَكَهُ الْأَبُ. وَقَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ: يَعْنِي
-
9/1829/182
وَلَهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْحَقُّ فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ الْوَلَدِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهِ (وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ لَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُشْتَرَى (وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ وَكَسْبُهُ لَهُ) لِأَنَّ كَسْبَ الْوَلَدِ كَسْبٌ كَسَبَهُ وَيَكُونُ كَذَلِكَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالدَّعْوَةِ اخْتِصَاصُهُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَلَدًا لِأَنَّ حَقَّ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ ثَابِتٌ فِيهَا مُؤَكَّدًا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ.
-
وَلَا نَصَّ فِيهِ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا الْوَلَدُ (وَإِنْ وُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ لَهُ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُشْتَرِي) يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُكَاتِبَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ التَّسَرِّيَ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ الْأَمَةِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْكِتَابَةِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَمْلِكُ التَّسَرِّيَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ أَمَتِهِ، لَكِنْ إنْ وَطِئَ وَادَّعَى النَّسَبَ ثَبَتَ النَّسَبُ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَطْؤُهَا، لَكِنْ إنْ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ النَّسَبُ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: جَارِيَةٌ بَيْنَ حُرٍّ وَمُكَاتَبٍ وَلَدَتْ وَلَدًا فَادَّعَاهُ الْمُكَاتَبُ،
-
فَإِنَّ الْوَلَدَ وَلَدُهُ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَضْمَنُ نِصْفَ عُقْرِهَا وَنِصْفَ قِيمَتِهَا،
-
وَلَا يَضْمَنُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ شَيْئًا لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ بِمَالِهِ مِنْ حَقِّ الْمِلْكِ فِي كَسْبِهِ يَمْلِكُ الدَّعْوَةَ كَالْحُرِّ فَبِقِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ فِي نِصْفِهَا هَاهُنَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَيَثْبُتُ لَهَا حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ فِي حَقِّ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ تَبَعًا لِثُبُوتِ حَقِّ الْوَلَدِ (قَوْلُهُ وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ) أَيْ حُكْمُ الْوَلَدِ كَحُكْمِ الْمُكَاتَبِ (وَكَسْبُهُ لَهُ) أَيْ كَسْبُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ (لِأَنَّ كَسْبَ الْوَلَدِ كَسْبُ كَسْبِهِ) إذْ الْوَلَدُ كَسْبُهُ (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالدَّعْوَةِ اخْتِصَاصُ الْمُكَاتَبِ بِكَسْبِ وَلَدِهِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ زَوْجِهَا دَخَلَ الْوَلَدُ فِي كِتَابَتِهَا لِأَنَّ حَقَّ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ ثَابِتٌ فِيهَا مُؤَكَّدًا) فَصَارَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْقَارَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَوْصَافُ الْقَارَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْأُمَّهَاتِ (كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ) وَالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ تَسْرِي إلَى الْوِلَادِ، فَقَوْلُهُ مُؤَكَّدًا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ وَلَدِ الْآبِقَةِ فَإِنَّ بَيْعَهَا لَا يَجُوزُ وَبَيْعَ وَلَدِهَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ امْتِنَاعَ الْبَيْعِ فِي الْآبِقَةِ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ إذْ الْإِبَاقُ مِمَّا لَا يَدُومُ،
-
وَكَذَا بَيْعُ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْجَانِيَةِ فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا اتَّصَفَتْ بِهِمَا امْتَنَعَ بَيْعُهَا إلَّا مَقْرُونًا بِشَيْءٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ، فَقَوْلُهُمْ الْأَوْصَافُ الْقَارَّةُ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ، وَقَوْلُهُمْ الشَّرْعِيَّةُ احْتِرَازٌ عَنْ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ فَإِنَّهَا لَا تَسْرِي، وَإِذَا
-
9/1839/183
قَالَ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهَا وَكَانَ كَسْبُهُ لَهَا) لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأُمِّ أَرْجَحُ وَلِهَذَا يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ. قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ فَأَوْلَادُهَا عَبِيدٌ وَلَا يَأْخُذُهُمْ بِالْقِيمَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَأْذَنُ لَهُ الْمَوْلَى بِالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِالْقِيمَةِ)
-
لِأَنَّهُ شَارَكَ الْحُرَّ فِي سَبَبِ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْغُرُورُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا إلَّا لِيَنَالَ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَخَالَفَنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْحُرِّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ وَهَاهُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ
-
سَرَتْ كِتَابَتُهَا إلَى وَلَدِهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أُمِّهِ.
-
قَالَ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ) هَذَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْقَارَّةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الْأُمَّهَاتِ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ وَلِهَذَا كَانَ الْوَلَدُ دَاخِلًا فِي كِتَابَةِ الْأُمِّ وَكَسْبُهُ لَهَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأُمِّ أَرْجَحُ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا وَلِهَذَا اسْتَوْضَحَ بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِمَا وَكَسْبُهُ لَهَا أَيْ فِي الدُّخُولِ يَتْبَعُهُمَا وَفِي الْكَسْبِ يَتْبَعُهَا خَاصَّةً، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ فَائِدَةَ الدُّخُولِ هُوَ الْكَسْبُ، وَإِنَّمَا كَانَ تَبَعِيَّةُ الْأُمِّ أَرْجَحَ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا بِحَيْثُ يُقْرَضُ مِنْهُ بِالْمِقْرَاضِ.
-
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَأَوْلَادُهَا عَبِيدٌ،
-
وَلَا يَأْخُذُهُمْ الْمُكَاتَبُ بِقِيمَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْغُرُورُ، لِأَنَّهُ مَا رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا إلَّا لِيَنَالَ حُرِّيَّةَ الْأَوْلَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ وَالْمَهْرُ فِي الْحَالِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْمَوْلَى وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ، هَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
-
وَفِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ قِيمَةَ الْأَوْلَادِ عِنْدَهُ يَتَأَخَّرُ أَدَاؤُهَا إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ إلَخْ) ثُمَّ إذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ لِأَنَّ الْغُرُورَ حَصَلَ مِنْهَا (وَلَهُمَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنً رَقِيقَيْنِ، وَالْمَوْلُودُ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ رَقِيقٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوَلَدِ أَنْ يَتْبَعَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.
-
لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ حُرًّا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ (وَهَذَا) أَيْ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ (لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى هُنَاكَ مَجْبُورٌ بِقِيمَةٍ نَاجِزَةٍ وَهَاهُنَا بِقِيمَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ) فَكَانَ الْمَانِعُ عَنْ
-
9/1849/184
فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
-
قَالَ (وَإِنْ وَطِئَ الْمُكَاتَبُ أَمَةً عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ،
-
وَإِنْ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ
-
وَكَذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِأَنَّ التِّجَارَةَ وَتَوَابِعَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْكِتَابَةِ، وَهَذَا الْعُقْرُ مِنْ تَوَابِعِهَا، لِأَنَّهُ لَوْلَا الشِّرَاءُ لَمَا سَقَطَ الْحَدُّ وَمَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ لَا يَجِبُ الْعُقْرُ. أَمَّا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الِاكْتِسَابِ فِي شَيْءٍ فَلَا تَنْتَظِمُهُ الْكِتَابَةُ كَالْكَفَالَةِ.
-
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ وَطِئَهَا فَرَدَّهَا أُخِذَ بِالْعُقْرِ فِي الْمُكَاتَبَةِ،
-
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ،
-
فَإِنَّ التَّصَرُّفَ تَارَةً يَقَعُ صَحِيحًا وَمَرَّةً يَقَعُ فَاسِدًا، وَالْكِتَابَةُ وَالْإِذْنُ يَنْتَظِمَانِهِ بِنَوْعَيْهِ كَالتَّوْكِيلِ فَكَانَ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى.