فَصْلٌ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 6624 to 6667
-
1/3001/300
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ فَنَقُولُ: يُجَرَّدُ الْمَيِّتُ إذَا أُرِيدَ غُسْلُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجَرَّدُ بَلْ يُغَسَّلُ وَعَلَيْهِ ثَوْبُهُ اسْتِدْلَالًا بِغُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ، وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغُسْلِ هُوَ التَّطْهِيرُ وَمَعْنَى التَّطْهِيرِ لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ وَعَلَيْهِ الثَّوْبُ لِتَنَجُّسِ الثَّوْبِ بِالْغُسَالَاتِ الَّتِي تَنَجَّسَتْ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَتَعَذُّرُ عَصْرِهِ أَوْ حُصُولِهِ بِالتَّجْرِيدِ أَبْلَغُ فَكَانَ أَوْلَى.
-
وَأَمَّا غُسْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَمِيصِهِ فَقَدْ كَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ لِعِظَمِ حُرْمَتِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا أَنْ يَنْزِعُوا قَمِيصَهُ قَيَّضَ اللَّهُ السِّنَةَ عَلَيْهِمْ فَمَا فِيهِمْ أَحَدٌ إلَّا ضُرِبَ ذَقَنُهُ عَلَى صَدْرِهِ، حَتَّى نُودُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا تُجَرِّدُوا نَبِيَّكُمْ.
-
وَرُوِيَ غَسِّلُوا نَبِيَّكُمْ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ،
-
وَلَا شِرْكَةَ لَنَا فِي خَصَائِصِهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّجْرِيدِ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ طَاهِرًا حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حِينَ تَوَلَّى غُسْلَهُ: طِبْت حَيًّا وَمَيِّتًا.
-
وَيُوضَعُ عَلَى التَّخْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْغُسْلُ إلَّا بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ غُسِّلَ عَلَى الْأَرْضِ لَتَلَطَّخَ،
-
ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَيْفِيَّةَ وَضْعِ التَّخْتِ أَنَّهُ يُوضَعُ إلَى الْقِبْلَةِ طُولًا أَوْ عَرْضًا،
-
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ اخْتَارَ الْوَضْعَ طُولًا كَمَا يَفْعَلُ فِي مَرَضِهِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِالْإِيمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْوَضْعَ عَرْضًا كَمَا يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوضَعُ كَمَا تَيَسَّرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ.
-
، وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ بِخِرْقَةٍ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَنْظُرُوا إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَلِهَذَا لَا يُبَاحُ لِلْأَجْنَبِيِّ غُسْلُ الْأَجْنَبِيَّةِ دَلَّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْآدَمِيَّ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَمَيِّتًا وَحُرْمَةُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ مِنْ بَابِ الِاحْتِرَامِ.
-
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُؤَزَّرُ بِإِزَارٍ سَابِغٍ كَمَا يَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ إذَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ غَسْلُ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ،
-
ثُمَّ الْخِرْقَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ وَبِهِ أُمِرَ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ قَالَ: وَتُطْرَحُ عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةٌ هَكَذَا ذَكَرَ عَنْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيّ نَصًّا فِي نَوَادِرِهِ،
-
ثُمَّ تُغَسَّلُ عَوْرَتُهُ تَحْتَ الْخِرْقَةِ بَعْدَ أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً كَذَا ذَكَرَ الْبَلْخِيّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَسِّ عَوْرَةِ الْغَيْرِ فَوْقَ حُرْمَةِ النَّظَرِ، فَتَحْرِيمُ النَّظَرِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَسِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
-
وَلَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ هَلْ يُسْتَنْجَى أَمْ لَا؟ وَذُكِرَ فِي صَلَاةِ الْأَثَرِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَنْجَى، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يُسْتَنْجَى هُمَا يَقُولَانِ قَلَّمَا يَخْلُو مَوْضِعُ الِاسْتِنْجَاءِ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهَا، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: إنَّ الْمُسْكَةَ تَسْتَرْخِي بِالْمَوْتِ فَلَوْ اسْتَنْجَى رُبَّمَا يَزْدَادُ الِاسْتِرْخَاءُ فَتَخْرُجُ زِيَادَةُ نَجَاسَةٍ، فَكَانَ السَّبِيلُ فِيهِ هُوَ التَّرْكُ، وَالِاكْتِفَاءُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَذْكُرْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَعَلَّ مُحَمَّدًا رَجَعَ وَعَرَفَ أَيْضًا رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
ثُمَّ يُوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لِلَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» ؛ وَلِأَنَّ هَذَا سُنَّةُ الِاغْتِسَالِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَكَذَا
-
1/3011/301
بَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمَضْمَضُ الْمَيِّتُ،
-
وَلَا يُسْتَنْشَقُ؛ لِأَنَّ إدَارَةَ الْمَاءِ فِي فَمِ الْمَيِّتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ،
-
ثُمَّ يَتَعَذَّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْفَمِ إلَّا بِالْكَبِّ، وَذَا مِثْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ،
-
وَكَذَا الْمَاءُ لَا يَدْخُلُ الْخَيَاشِيمَ إلَّا بِالْجَذْبِ بِالنَّفَسِ، وَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنْ الْمَيِّتِ.
-
وَلَوْ كُلِّفَ الْغَاسِلُ ذَلِكَ لَوَقَعَ فِي الْحَرَجِ،
-
وَكَذَا لَا يُؤَخَّرُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ عِنْدَ التَّوْضِئَةِ
-
بِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْغُسَالَةُ تَجْتَمِعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ،
-
وَلَا تَجْتَمِعُ الْغُسَالَةُ عَلَى التَّخْتِ فَلَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ مُفِيدًا،
-
وَكَذَا لَا يُمْسَحُ رَأْسُهُ، وَيُمْسَحُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ هُنَاكَ سُنَّ تَعَبُّدًا لَا تَطْهِيرًا، وَهَهُنَا لَوْ سُنَّ لَسُنَّ تَطْهِيرًا لَا تَعَبُّدًا، وَالتَّطْهِيرُ لَا يَحْصُلُ بِالْمَسْحِ.
-
ثُمَّ يُغَسَّلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالصَّابُونِ وَمَا أَشْبَهَهُ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَكْفِيهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ وَلَا يُسَرَّحُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَأَتْ قَوْمًا يُسَرِّحُونَ مَيِّتًا فَقَالَتْ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ ، أَيْ: تُسَرِّحُونَ شَعْرَهُ، وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْهَا، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهَا خِلَافُ ذَلِكَ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سُرِّحَ رُبَّمَا يَتَنَاثَرُ شَعْرُهُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلِهَذَا لَا تُقَصُّ أَظْفَارُهُ وَشَارِبُهُ وَلِحْيَتُهُ،
-
وَلَا يُخْتَنُ وَلَا يُنْتَفُ إبْطُهُ وَلَا تُحْلَقُ عَانَتُهُ؛؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْعَلُ لِحَقِّ الزِّينَةِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الزِّينَةِ، وَلِهَذَا لَا يُزَالُ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ حُصُولُ زِينَةٍ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسَرَّحُ وَيُزَالُ عَنْهُ شَعْرُ الْعَانَةِ وَالْإِبْطِ إذَا كَانَا طَوِيلَيْنِ، وَشَعْرُ الرَّأْسِ يُزَالُ إنْ كَانَ يَتَزَيَّنُ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ،
-
وَلَا يُحْلَقُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَحْلِقُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ يَتَزَيَّنُ بِالشَّعْرِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ» ثُمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُصْنَعُ بِالْعَرُوسِ فَكَذَا بِالْمَيِّتِ.
-
(وَلَنَا) مَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْقُولِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَوَاهُ يَنْصَرِفُ إلَى زِينَةٍ لَيْسَ فِيهَا إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ كَالطِّيبِ، وَالتَّنْظِيفِ مِنْ الدَّرَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا.
-
ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ لِتَحْصُلَ الْبِدَايَةُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ إذْ السُّنَّةُ هِيَ الْبِدَايَةُ بِالْمَيَامِنِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيُغَسِّلُهُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ وَيَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ خَلَصَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ،
-
ثُمَّ قَدْ كَانَ أُمِرَ الْغَاسِلُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يَغْلِيَ الْمَاءَ بِالسِّدْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سِدْرٌ فَحُرْضٌ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَالْمَاءُ الْقَرَاحُ،
-
ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَسِّلُهُ بِمَاءِ السِّدْرِ، أَوْ الْحُرْضِ، أَوْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ حَتَّى يَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ ثُمَّ يُقْعِدُهُ وَيُسْنِدُهُ إلَى صَدْرِهِ أَوْ يَدِهِ فَيَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَفِيقًا، حَتَّى إنْ بَقِيَ شَيْءٌ عِنْدَ الْمَخْرَجِ يَسِيلُ مِنْهُ هَكَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يُقْعِدُهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ أَوَّلًا،
-
ثُمَّ يُغَسِّلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي بَطْنِهِ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ حَتَّى لَوْ سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ يَغْسِلْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ يَكُونُ فِي بَطْنِهِ نَجَاسَةٌ مُنْعَقِدَةٌ لَا تَخْرُجُ بِالْمَسْحِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَتَخْرُجُ بَعْد مَا غُسِّلَ مَرَّتَيْنِ بِمَاءٍ حَارٍّ فَكَانَ الْمَسْحُ بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ أَوْلَى، وَالْأَصْلُ فِي الْمَسْحِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَوَلَّى غُسْلَهُ عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَصَالِحُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ أَسْنَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَى نَفْسِهِ وَمَسَحَ بَطْنَهُ مَسْحًا رَفِيقًا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : طِبْت حَيًّا وَمَيِّتًا» وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ بَطْنَهُ فَاحَ رِيحُ الْمِسْكِ فِي الْبَيْتِ،
-
ثُمَّ إذَا مَسَحَ بَطْنَهُ فَإِنْ سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ يَمْسَحْهُ كَيْ لَا يَتَلَوَّثَ الْكَفَنُ، وَيَغْسِلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَطْهِيرًا لَهُ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ سِوَى الْمَسْحِ وَلَا يُعِيدُ الْغُسْلَ وَلَا الْوُضُوءَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ اسْتِدْلَالًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَوْتَ أَشَدُّ مِنْ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ ثُمَّ هُوَ لَمْ يَمْنَعْ حُصُولَ الطَّهَارَةِ، فَلَأَنْ لَا يَرْفَعَهَا الْخَارِجُ مَعَ أَنَّ الْمَنْعَ أَسْهَلُ أَوْلَى.
-
ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَسِّلُهُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ لِيَتِمَّ عَدَدُ الْغُسْلِ ثَلَاثًا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِلَّائِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا» ؛ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ هُوَ الْعَدَدُ الْمَسْنُونُ فِي الْغُسْلِ حَالَةَ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِيَبْتَلَّ الدَّرَنُ وَالنَّجَاسَةُ،
-
ثُمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بِمَاءِ السِّدْرِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي التَّنْظِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّطْهِيرِ وَإِزَالَةِ الدَّرَنِ،
-
ثُمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَشَيْءٍ مِنْ الْكَافُورِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَا يُغَسَّلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ اسْتِرْخَاءً فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسِّلُهُ لِيَسْتَرْخِيَ فَيَزُولَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَنِ وَالنَّجَاسَةِ،
-
ثُمَّ يُنَشِّفُهُ فِي ثَوْبٍ كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ كَمَا يُفْعَلُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ بَعْدَ الْغُسْلِ.
-
1/3021/302
وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي الْغُسْلِ حُكْمُ الرَّجُلِ،
-
وَكَذَا الصَّبِيُّ فِي الْغُسْلِ كَالْبَالِغِ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ يُصَلَّى عَلَيْهِمَا إلَّا أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ لَا يُوَضَّأُ عِنْدَ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالَةِ الْحَيَاةِ، وَفِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لَا يُعْتَبَرُ وُضُوءُ مَنْ لَا يَعْقِلُ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ
-
وَكَذَا الْمُحْرِمُ وَغَيْرُ الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.