فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 14584 to 14608
-
2/3262/326
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ، فَمَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ نَوْعَانِ: نَصٌّ، وَدَلَالَةٌ، فَالنَّصُّ هُوَ التَّصْرِيحُ بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ نَحْوَ أَنْ تَقُولَ أَسْقَطْتُ الْخِيَارَ أَوْ رَضِيتُ بِالنِّكَاحِ أَوْ اخْتَرْتُ الزَّوْجَ وَنَحْوَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ تَخْيِيرِ الْقَاضِي أَوْ قَبْلَهُ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْمُقَامِ مَعَ الزَّوْجِ بِأَنْ خَيَّرَهَا الْقَاضِي.
-
فَأَقَامَتْ مَعَ الزَّوْجِ مُطَاوِعَةً لَهُ فِي الْمَضْجَعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ، وَالْمُقَامِ مَعَ الزَّوْجِ،
-
وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ قَبْلَ تَخْيِيرِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رِضًا؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا مَعَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ قَدْ تَكُونُ لِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلِاخْتِيَارِ بِحَالِهِ،
-
فَلَا تَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا مَعَ الِاحْتِمَالِ.
-
وَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ؟ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ ابْنَ سِمَاعَةَ، وَبِشْرًا قَالَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا خَيَّرَهَا الْحَاكِمُ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ أَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ أَوْ قَامَ الْحَاكِمُ أَوْ أَقَامَهَا عَنْ مَجْلِسِهَا بَعْضُ أَعْوَانِ الْقَاضِي، وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا،
-
فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِيَارَهَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَهُوَ مَجْلِسُ التَّخْيِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ.
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ (وَجْهُ) مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ تَخْيِيرَ الْقَاضِي هَهُنَا قَائِمٌ مَقَامَ تَخْيِيرِ الزَّوْجِ،
-
ثُمَّ خِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ بِتَخْيِيرِ الزَّوْجِ يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ، فَكَذَا خِيَارُ هَذِهِ.
-
وَكَذَا إذَا قَامَ الْحَاكِمُ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ التَّخْيِيرِ قَدْ بَطَلَ بِقِيَامِ
-
2/3272/327
الْحَاكِمِ.
-
وَكَذَا إذَا أَقَامَهَا عَنْ مَجْلِسِهَا بَعْضُ أَعْوَانِ الْقَاضِي قَبْلَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ، فَدَلَّ امْتِنَاعُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرِّضَا بِالنِّكَاحِ.
-
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْخِيَارِ وَبَيْنَ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ أَنَّ خِيَارَ الْمُخَيَّرَةِ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ بِالتَّخْيِيرِ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ إذْ الْمَالِكُ لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَكَانَ التَّخْيِيرُ مِنْ الزَّوْجِ تَمْلِيكًا لِلطَّلَاقِ، وَجَوَابُ التَّمْلِيكِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛
-
لِأَنَّ الْمُمَلِّكَ يَطْلُبُ جَوَابَ التَّمْلِيكِ فِي الْمَجْلِسِ عَادَةً، وَلِهَذَا يَقْتَصِرُ الْقَبُولُ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ كَذَا هَهُنَا، وَالتَّخْيِيرُ مِنْ الْقَاضِي تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَا مَلَّكَهُ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ التَّطْلِيقَ، وَوَلَّاهُ ذَلِكَ، فَيَلِيَ التَّفْوِيضَ لَا التَّمْلِيكَ،
-
وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمُؤَخَّذُ وَالْخَصِيُّ فِي جَمِيعِ مَا، وَصَفْنَا مِثْلُ الْعِنِّينِ لِوُجُودِ الْآلَةِ فِي حَقِّهِمَا، فَكَانَا كَالْعِنِّينِ، وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى.
-
وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ، فَإِنَّهُ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ إمَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْمَسِّ، فَوْقَ الْإِزَارِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَالِمَةً بِذَلِكَ وَقْتَ النِّكَاحِ،
-
فَلَا خِيَارَ لَهَا لِرِضَاهَا بِذَلِكَ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِهِ؛ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ لِلْحَالِ،
-
وَلَا يُؤَجَّلُ حَوْلًا؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِرَجَاءِ الْوُصُولِ،
-
وَلَا يُرْجَى مِنْهُ الْوُصُولُ، فَلَمْ يَكُنْ التَّأْجِيلُ مُفِيدًا،
-
فَلَا يُؤَجَّلُ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يُفَرِّقْ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ، وَعَلَيْهَا كَمَالُ الْعِدَّةِ إنْ كَانَ قَدْ خَلَا بِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَعَلَيْهَا كَمَالُ الْعِدَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْلُ بِهَا، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ،
-
وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.