Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

فَصْلٌ مَا يُفَوِّتُ الْحَجَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ بِفَوَاتِهِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 12143 to 12163

  1. 2/2202/220

    (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُفَوِّتُ الْحَجَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ بِفَوَاتِهِ وَبَيَانُ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَالْحَجُّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَفُوتُ إلَّا بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْحَجَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَإِذَا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَ الْحَجُّ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا وَفَائِتًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ تَمَامَ الْحَجِّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّمَامَ - الَّذِي هُوَ ضِدُّ النُّقْصَانِ - لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالْوُقُوفِ وَحْدَهُ، فَيَدُلُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ خُرُوجُهُ عَنْ احْتِمَالِ الْفَوَاتِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ» جَعَلَ مُدْرِكَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ، وَالْمُدْرَكُ لَا يَكُونُ فَائِتًا.

  3. وَأَمَّا حُكْمُ فَوَاتِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَيَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامِهِ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ،

  4. وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ دَمٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» .

  5. وَعَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ: يُحِلُّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ فَائِتُ الْحَجِّ مِنْ الطَّوَافِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ أَوْ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: بِإِحْرَامِ الْحَجِّ.

  6. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَيَنْقَلِبُ إحْرَامُهُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ «فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ» سَمَّاهُ عُمْرَةً وَلَا عُمْرَةَ إلَّا بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَدَلَّ أَنَّ إحْرَامَهُ يَنْقَلِبُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَلِأَنَّ الْمُؤَدَّى أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ، فَكَانَتْ عُمْرَةً، وَلَهُمَا قَوْلُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم يُحِلُّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ أَضَافَ الْعَمَلَ إلَى الْعُمْرَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَا بِالْعُمْرَةِ حَقِيقَةً؛

  7. لِأَنَّهُ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ، وَاعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، فَالْقَوْلُ بِانْقِلَابِ إحْرَامِ الْحَجِّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ تَغْيِيرُ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ الِانْفِسَاخَ، وَفِي الِانْقِلَابِ انْفِسَاخٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ كَمَا يَتَحَلَّلُ أَهْلُ الْآفَاقِ،

  8. وَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ.

  9. وَلَوْ انْقَلَبَ إحْرَامُهُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ وَصَارَ مُعْتَمِرًا لَلَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ - وَهُوَ التَّنْعِيمُ أَوْ غَيْرُهُ -

  10. وَكَذَا فَائِتُ الْحَجِّ إذَا جَامَعَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ،

  11. وَلَوْ كَانَ عُمْرَةً لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَالْعُمْرَةِ الْمُبْتَدَأَةِ فَيَثْبُتُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ أَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ لَمْ يَنْقَلِبْ إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَبِهِ تُبُيِّنَ أَنَّ الْمُؤَدَّى لَيْسَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ بَلْ مِثْلَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ تُؤَدَّى بِإِحْرَامِ الْحَجَّةِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.

  12. وَمِنْهَا أَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَلِأَنَّهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ بَقِيَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ،

  13. وَلَا دَمَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ عِنْدَنَا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ.

  14. (وَجْهُ) قَوْلِ الْحَسَنِ (أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ قَبْلَ وَقْتِ التَّحَلُّلِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ كَالْمُحْصَرِ) وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ.

  15. وَكَذَا فِي حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ جَعَلَ

  16. 2/2212/221

    النَّبِيُّ ﷺ التَّحَلُّلَ وَالْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ كُلَّ الْحُكْمِ فِي فَائِتِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ «مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَمَنْ ادَّعَى زِيَادَةَ الدَّمِ فَقَدْ جَعَلَ الْكُلَّ بَعْضًا - وَهُوَ نَسْخٌ أَوْ تَغْيِيرٌ - فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَقَوْلُهُ " تَحَلَّلْ قَبْلَ الْوُقُوفِ " مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ فَائِتُ الْحَجِّ، وَالتَّحَلُّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ فَائِتِ الْحَجِّ كَالْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ، وَلَيْسَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدْرِ؛

  17. لِأَنَّهُ طَوَافٌ عُرِفَ وُجُوبُهُ فِي الشَّرْعِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ» وَهَذَا لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.

  18. وَإِنْ كَانَ فَائِتُ الْحَجِّ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ وَيَسْعَى لَهَا ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ؛ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَيَسْعَى لَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، أَمَّا الطَّوَافُ لِلْعُمْرَةِ وَالسَّعْيُ لَهَا فَلِأَنَّ الْقَارِنَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ وَقْتُهَا، فَيَأْتِي بِهَا كَمَا يَأْتِي الْمُدْرِكُ لِلْحَجِّ.

  19. وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ، فَلِأَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَفَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ.

  20. وَأَمَّا سُقُوطُ دَمِ الْقِرَانِ يَجِبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَجِبُ وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا أَخَذَ مِنْ الطَّوَافَ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،

  21. وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ، وَيَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ الْقَارِنُ؛ لِأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ يَجِبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجَّةِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْجَمْعُ لِأَنَّ الْحَجَّةَ فَاتَتْهُ.