فَصْلٌ بَيَانُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 7026 to 7062
-
1/3171/317
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إنْ حَضَرَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَأَمِيرُ الْمِصْرِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ،
-
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ ذَوِي قَرَابَاتِهِ، وَهَذَا هُوَ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ إذَا حَضَرَ فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِمَامَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ؛
-
وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ أَحَدًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَرِيبِ لِرِضَاهُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ بَدَأَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِإِمَامِ الْحَيِّ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ قَلَّمَا يَحْضُرُ الْجَنَائِزَ،
-
ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَتِهِ وَذَوِي قَرَابَاتِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَيِّتِ لَهُ.
-
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ السُّلْطَانِ، لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَلَايَةِ، وَالْقَرِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ، كَمَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛
-
وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِلدُّعَاءِ وَالشَّفَاعَةِ لِلْمَيِّتِ، وَدُعَاءُ الْقَرِيبِ أَرْجَى؛ لِأَنَّهُ يُبَالِغُ فِي إخْلَاصِ الدُّعَاءِ، وَإِحْضَارِ الْقَلْبِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ شَفَقَتِهِ، وَتُوجَدُ مِنْهُ زِيَادَةُ رِقَّةٍ وَتَضَرُّعٍ فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ «أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا مَاتَ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ - وَكَانَ وَالِيًا بِالْمَدِينَةِ - وَقَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّقَدُّمِ لَمَا قَدَّمْتُكَ» ؛
-
وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالسُّلْطَانِ كَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ، وَضَرَرُهُ وَنَفْعُهُ يَتَّصِلُ بِالْوَلِيِّ لَا بِالسُّلْطَانِ، فَكَانَ إثْبَاتُ الْوَلَايَةِ لِلْقَرِيبِ أَنْفَعَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَتِلْكَ وِلَايَةُ نَظَرٍ ثَبَتَتْ حَقًّا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَلِيِّ
-
بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
-
أَمَّا قَوْلُهُ: " إنَّ دُعَاءَ الْقَرِيبِ، وَشَفَاعَتَهُ أَرْجَى " فَنَقُولُ: بِتَقَدُّمِ الْغَيْرِ لَا يَفُوتُ دُعَاءُ الْقَرِيبِ وَشَفَاعَتُهُ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ الْإِمَامِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يُحْجَبُ دُعَاؤُهُمْ وَذَكَرَ فِيهِمْ الْإِمَامَ» ،
-
ثُمَّ تَقَدُّمُ إمَامِ الْحَيِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ.
-
وَأَمَّا تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ تَعْظِيمَهُ مَأْمُورٌ بِهِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ تَقْدِيمِهِ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ التَّجَاذُبِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
-
وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلِيَّانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَكْبَرُهُمَا سِنًّا أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ الْأَسَنِّ فِي الصَّلَاةِ، وَلَهُمَا أَنْ يُقَدِّمَا غَيْرَهُمَا وَلَوْ قَدَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا عَلَى حِدَةٍ، فَاَلَّذِي قَدَّمَهُ الْأَكْبَرُ أَوْلَى، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَدِّمَ إنْسَانًا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ؛
-
لِأَنَّ الْوَلَايَةَ ثَابِتَةٌ لَهُمَا إلَّا أَنَّا قَدَّمْنَا الْأَسَنَّ لِسِنِّهِ،
-
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ كَانَ الْآخَرُ أَوْلَى فَإِنْ تَشَاجَرَ الْوَلِيَّانِ فَتَقَدَّمَ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا فَصَلَّى يُنْظَرُ إنْ صَلَّى الْأَوْلِيَاءُ مَعَهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ وَلَا تُعَادُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا مَعَهُ فَلَهُمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ،
-
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ مِنْ الْآخَرِ فَالْوِلَايَةُ إلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَبْعَدَ مَحْجُوبٌ بِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
-
وَلَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ غَائِبًا بِمَكَانٍ تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِحُضُورِهِ بَطَلَتْ وَلَايَتُهُ وَتَحَوَّلَتْ الْوَلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ.
-
وَلَوْ قَدَّمَ الْغَائِبُ غَيْرَهُ بِكِتَابٍ كَانَ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ وَلَايَةَ الْأَقْرَبِ قَدْ سَقَطَتْ لِمَا أَنَّ فِي التَّوْقِيفِ عَلَى حُضُورِهِ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ، وَالْوِلَايَةُ تَسْقُطُ مَعَ ضَرَرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَتُنْقَلُ إلَى الْأَبْعَدِ، وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ مَنْعُهُ وَلِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَائِمَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ مَرَضِهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ التَّقْدِيمِ،
-
وَلَا حَقَّ لِلنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ فِي التَّقْدِيمِ؛ لِانْعِدَامِ وَلَايَةِ التَّقَدُّمِ.
-
وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَلَهَا زَوْجٌ وَابْنٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَالْوِلَايَةُ لِلِابْنِ دُونَ الزَّوْجِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ مَاتَتْ لَهُ امْرَأَةٌ
-
1/3181/318
فَقَالَ لِأَوْلِيَائِهَا: كُنَّا أَحَقَّ بِهَا حِينَ كَانَتْ حَيَّةً،
-
فَأَمَّا إذَا مَاتَتْ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَالْقَرَابَةَ لَا تَنْقَطِعُ لَكِنْ يُكْرَهُ لِلِابْنِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَاهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَهُ مُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ.
-
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلَهُ فِي حُكْمِ الْوَلَايَةِ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَايَةَ لَهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّقَدُّمِ حَتَّى لَا يُسْتَخَفَّ بِأَبِيهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ وَلَايَتُهُ فِي التَّقْدِيمِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى هَذَا الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، وَتَعْظِيمُ زَوْجِ أُمِّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَسَائِرُ الْقَرَابَاتِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ
-
وَكَذَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنُ الْمَوْلَى وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّبَبَ قَدْ انْقَطَعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ تَرَكَتْ أَبًا وَزَوْجًا وَابْنًا مِنْ هَذَا الزَّوْجِ فَلَا وَلَايَةَ لِلزَّوْجِ لِمَا بَيَّنَّا.
-
وَأَمَّا الْأَبُ وَالِابْنُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَبَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ،
-
وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
-
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالِابْنُ أَحَقُّ إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَبَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْوَلَايَةُ لِلْأَبِ،
-
وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ فَضِيلَةً عَلَى الِابْنِ وَزِيَادَةَ سِنٍّ، وَالْفَضِيلَةُ تُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِمَامَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَلَايَاتِ، وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْقَرِيبِ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ.
-
وَلَوْ مَاتَ الِابْنُ وَلَهُ أَبٌ وَأَبُ الْأَبِ فَالْوَلَايَةُ لِأَبِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ أَبَاهُ الَّذِي هُوَ جَدُّ الْمَيِّتِ تَعْظِيمًا لَهُ.
-
وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ ابْنُهُ أَوْ عَبْدُهُ وَمَوْلَاهُ حَاضِرًا فَالْوَلَايَةُ لِلْمُكَاتَبِ لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ مَوْلَاهُ احْتِرَامًا لَهُ،
-
ثُمَّ إذَا صُلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ يُدْفَنُ.