فَصْلٌ فِي بَيَانُ سَبَبِ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 45075 to 45195
-
7/2907/290
(فَصْلٌ) :
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ سَبَبِ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فَنَقُولُ: سَبَبُ وُجُوبِهِمَا هُوَ التَّقْصِيرُ فِي النُّصْرَةِ وَحِفْظُ الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ النُّصْرَةُ وَالْحِفْظُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِفْظُ فَلَمْ يُحْفَظْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ صَارَ مُقَصِّرًا بِتَرْكِ الْحِفْظِ الْوَاجِبِ فَيُؤَاخَذُ بِالتَّقْصِيرِ زَجْرًا عَنْ ذَلِكَ وَحَمْلًا عَلَى تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَخَصَّ بِالنُّصْرَةِ وَالْحِفْظ كَانَ أَوْلَى بِتَحَمُّلِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةَ؛
-
لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ فَكَانَ التَّقْصِيرُ مِنْهُ أَبْلَغَ، وَلِأَنَّهُ إذَا اخْتَصَّ بِالْمَوْضِعِ مِلْكًا أَوْ يَدًا بِالتَّصَرُّفِ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ لَهُ، فَكَانَتْ النُّصْرَةُ عَلَيْهِ؛ إذْ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ تبارك وتعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وَلِأَنَّ الْقَتِيلَ إذَا وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ اُخْتُصَّ بِهِ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ إمَّا بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْيَدِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَيُتَّهَمُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَالشَّرْعُ أَلْزَمَهُمْ الْقَسَامَةَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ
-
7/2917/291
وَالدِّيَةِ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ سَيِّدُنَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَمَا قِيلَ: أَنَبْذُلُ أَمْوَالَنَا وَأَيْمَانَنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا أَيْمَانُكُمْ فَلِحَقْنِ دِمَائِكُمْ،
-
وَأَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَلِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ
-
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ الْقَتِيلُ إذَا وُجِدَ فِي الْمَحَلَّةِ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِلْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ حَفِظَ الْمَحَلَّةِ عَلَيْهِمْ، وَنَفْعُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلَّةِ عَائِدٌ إلَيْهِمْ، وَهُمْ الْمُتَّهَمُونَ فِي قَتْلِهِ؛ فَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
-
وَكَذَا إذَا وُجِدَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمَحَلَّةِ؛ لِمَا قُلْنَا فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ خَمْسِينَ رَجُلًا تُكَرَّرُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَكْمُلَ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ حَلَّفَ رِجَالَ الْقَسَامَةِ فَكَانُوا تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَأَخَذَ مِنْهُمْ وَاحِدًا، وَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ حَتَّى كَمُلَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
-
وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ خَالَفَهُ أَحَدٌ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ حَقُّ وَلِي الْقَتِيلِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِمَّنْ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُ،
-
فَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ عَدَدِ الرِّجَالِ الْخَمْسِينَ اسْتَوْفَى،
-
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ - يَسْتَوْفِي عَدَدَ الْأَيْمَانِ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ كَامِلًا فَأَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يُكَرِّرَ الْيَمِينَ عَلَى بَعْضِهِمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لِأَنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْأَيْمَانِ عَلَى عَدَدِ الْخَمْسِينَ فِي الْأَصْلِ لَا عَلَى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا التَّكْرَارُ عَلَى وَاحِدٍ لِضَرُورَةِ نُقْصَانِ الْعَدَدِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ عِنْدَ الْكَمَالِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَحَلَّةِ قَبَائِلُ شَتَّى،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الْخُطَّةِ وَالْمُشْتَرُونَ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُشْتَرِينَ جَمِيعًا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لِلْمُشْتَرِينَ؛ وَلِهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ كَانَتْ الْقَسَامَةُ عَلَى الْمُشْتَرِينَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ أَهْلَ الْخُطَّةِ أُصُولٌ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ ثَبَتَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عَنْهُمْ إلَى الْمُشْتَرِينَ، فَكَانُوا أَخَصَّ بِنُصْرَةِ الْمَحَلَّةِ وَحِفْظِهَا مِنْ الْمُشْتَرِينَ، فَكَانُوا أَوْلَى بِإِيجَابِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الْمُشْتَرِي بَيْنَهُمْ كَالْأَجْنَبِيِّ فَمَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَا يُنْتَقَلُ إلَى الْمُشْتَرِي،
-
وَقِيلَ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ بَنَى الْجَوَابَ عَلَى مَا شَاهَدَ بِالْكُوفَةِ وَكَانَ تَدْبِيرُ أَمْرِ الْمَحَلَّةِ فِيهَا إلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ، وَأَبُو يُوسُفَ رَأَى التَّدْبِيرَ إلَى الْأَشْرَفِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَوْ لَا، فَبَنَى الْجَوَابَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛
-
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوَّلَ عَلَى مَعْنَى الْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ،
-
فَإِنْ فُقِدَ أَهْلُ الْخُطَّةِ.
-
وَكَانَ فِي الْمَحَلَّةِ مُلَّاكٌ وَسُكَّانٌ - فَالدِّيَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ لَا عَلَى السَّكَّانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام «أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ وَكَانُوا سُكَّانًا» وَلِأَنَّ لِلسَّاكِنِ اخْتِصَاصًا بِالدَّارِ يَدًا كَمَا أَنَّ لِلْمَالِكِ اخْتِصَاصًا بِهَا مِلْكًا، وَيَدُ الْخُصُوصِ تَكْفِي لِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْمَالِكَ أَخَصُّ بِحِفْظِ الْمَوْضِعِ وَنُصْرَتِهِ مِنْ السُّكَّانِ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ اخْتِصَاصُ مِلْكٍ، وَأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ اخْتِصَاصِ الْيَدِ.
-
أَلَا يُرَى أَنَّ السُّكَّانَ يَسْكُنُونَ زَمَانًا ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ.
-
وَأَمَّا إيجَابُ الْقَسَامَةِ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَمَمْنُوعٌ أَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانًا، بَلْ كَانُوا مُلَّاكًا فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَمَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَانَ يُؤْخَذُ عَلَى وَجْهِ الْجِزْيَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ.
-
وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي سَفِينَةٍ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ رُكَّابٌ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَرْبَابِ السَّفِينَةِ، وَعَلَى مَنْ يَمُدُّهَا مِمَّنْ يَمْلِكُهَا أَوْ لَا يَمْلِكُهَا،
-
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فِيهَا رُكَّابٌ فَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي إيجَابِهِ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالسَّكَّانِ جَمِيعًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يُفَرِّقَانِ بَيْنَ السَّفِينَةِ وَالْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ تَنْقُلُ وَتُحَوِّلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَتُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ كَالدَّابَّةِ إذَا وُجِدَ عَلَيْهَا قَتِيلٌ،
-
بِخِلَافِ الدَّارِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْمِلْكُ وَالتَّحْوِيلُ مَا أَمْكَنَ لَا الْيَدُ.
-
وَكَذَلِكَ الْعَجَلَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ وَتُحَوِّلُ،
-
وَلَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ مَعَهُ رَجُلٌ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ فِي يَدِهِ،
-
وَلَوْ وُجِدَ جَرِيحٌ مَعَهُ بِهِ رَمَقٌ يَحْمِلُهُ حَتَّى أَتَى بِهِ أَهْلَهُ فَمَكَثَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ مَاتَ لَا يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه يَضْمَنُ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مَجْرُوحًا فَإِذَا مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِهِ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ فَتَحَامَلَ إلَى قَبِيلَةٍ أُخْرَى
-
7/2927/292
فَمَاتَ فِيهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى دَابَّةٍ، وَلَهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ أَوْ عَلَيْهَا رَاكِبٌ - فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ،
-
وَإِنْ اجْتَمَعَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ - فَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَصَارَ كَأَنَّهُ وُجِدَ فِي دَارِهِمْ،
-
وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ لَا سَائِقَ لَهَا وَلَا قَائِدَ وَلَا رَاكِبَ عَلَيْهَا،
-
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِلْكًا لِأَحَدٍ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْمَالِكِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا مَالِكَ لَهُ فَعَلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ يُسْمَعُ الصَّوْتُ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى،
-
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ - فَهُوَ هَدَرٌ لِمَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
فَإِنْ وُجِدَتْ الدَّابَّةُ فِي مَحَلَّةٍ - فَعَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ مِلْكًا لِإِنْسَانٍ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالِكٌ فَعَلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِع إلَيْهِ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الصَّوْتُ مِنْهَا إلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ - فَهُوَ هَدَرٌ لِمَا قُلْنَا، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ أَنَّهُ يُضَاف إلَى أَقْرَبِهِمَا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ «النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ بِأَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَهُمَا»
-
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ وَدَاعَةَ وَأَرْحَبَ، وَكَتَبَ إلَيْهِ عَامِلُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه أَنْ قِسْ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ فَأَلْزِمْهُمْ فَوَجَدَ الْقَتِيلَ إلَى وَدَاعَةَ أَقْرَبَ فَأُلْزِمُوا الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الصَّوْتُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ، كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ حَكَاهُ الْكَرْخِيُّ رحمه الله وَالْفِقْهُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
وَكَذَا إذَا وُجِدَ بَيْنَ سِكَّتَيْنِ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا،
-
فَإِنْ وُجِدَ فِي الْمُعَسْكَرِ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا لَهَا أَرْبَابٌ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِنُصْرَةِ الْمَوْضِعِ وَحِفْظِهِ، فَكَانُوا أَوْلَى بِإِيجَابِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُعَسْكَرَ كَالسُّكَّانِ، وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ لَا عَلَى السَّكَّانِ عَلَى أَصْلِهِمَا (فَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا،
-
وَإِنْ يَكُنْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ بِأَنْ وُجِدَ فِي خِبَاءٍ أَوْ فُسْطَاطٍ - فَعَلَى مَنْ يَسْكُنْ الْخِبَاءَ وَالْفُسْطَاطَ، وَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْخَيْمَةِ خُصَّ بِمَوْضِعِ الْخَيْمَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الدَّارِ مَعَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ثُمَّ الْقَسَامَةُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ إذَا وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لَا عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، كَذَا هَهُنَا.
-
وَإِنْ وُجِدَ خَارِجًا مِنْ الْفُسْطَاطِ وَالْخِبَاءِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ مِنْهُمْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، كَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه : إذَا وُجِدَ بَيْنَ الْخِيَامِ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، كَالْقَتِيلِ يُوجَدُ فِي الْمَحَلَّةِ جَعَلَ الْخِيَامَ الْمَحْمُولَةَ كَالْمَحَلَّةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَسْكَرُ لَقُوا عَدُوًّا،
-
فَإِنْ كَانُوا قَدْ لَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوا - فَلَا قَسَامَةَ،
-
وَلَا دِيَةَ فِي قَتِيلٍ يُوجَدُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَقُوا عَدُوًّا وَقَاتَلُوا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ لَا الْمُسْلِمُونَ؛ إذْ الْمُسْلِمُونَ لَا يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا،
-
وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ إلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ أَخَصُّ بِنُصْرَةِ أَرْضِهِ وَحِفْظِهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَكَانَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَيْهِ، كَصَاحِبِ الدَّارِ مَعَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ.
-
لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ إنْسَانٍ، وَصَاحِبُ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الْقَسَامَةِ - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا أَوْ غُيَّبًا، وَذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ حُضُورًا كَانُوا أَوْ غُيَّبًا.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، هَكَذَا ذَكَرَ فِيهِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله : إنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا فِي الْمِصْرِ دَخَلُوا فِي الْقَسَامَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَالْقَسَامَةُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ تُكَرَّرُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ أَمَّا دُخُولُ الْعَاقِلَةِ فِي الْقَسَامَةِ، إذَا كَانُوا حُضُورًا - فَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَدْخُلُوا فِي الْقَسَامَةِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله : أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُمْ الدِّيَةُ لَزِمَتْهُمْ الْقَسَامَةُ، كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَخَصُّ بِالنُّصْرَةِ وَبِالْوِلَايَةِ وَالتُّهْمَةِ فَلَا يُشَارِكَهُ الْعَاقِلَةُ كَمَا لَا يُشَارِكُ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ غَيْرُهُمْ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْعَاقِلَةَ إذَا كَانُوا حُضُورًا يَلْزَمُهُمْ حِفْظُ الدَّارِ وَنُصْرَتُهَا كَمَا يَلْزَمُ صَاحِبُ الدَّارِ.
-
وَكَذَا يُتَّهَمُونَ بِالْقَتْلِ كَمَا يُتَّهَمُ صَاحِبُ الدَّارِ فَقَدْ شَارَكُوا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ
-
7/2937/293
فَيُشَارِكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ أَيْضًا وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ حَالِ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ رحمه الله لِأَنَّ مَعْنَى التُّهْمَةِ ظَاهِرُ الِانْتِفَاءِ مِنْ الْغَيْبِ.
-
وَكَذَا مَعْنَى النُّصْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ نُصْرَةٌ مِنْ جِهَتِهِمْ إلَّا أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالتُّهْمَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْ الْقَاتِلِ الْمُعَيَّنِ، إذَا كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ خَاطِئًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ فِيهَا سَاكِنٌ أَوْ كَانَتْ مُفَرَّغَةٌ مُغْلَقَةٌ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ - فَعَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رضي الله عنهما فَظَاهِرٌ؛
-
لِأَنَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْمِلْكَ دُونَ السُّكْنَى؛ فَكَانَ وُجُودُ السُّكْنَى فِيهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
-
(وَأَمَّا) أَبُو يُوسُفَ رحمه الله فَإِنَّمَا يُوجِبُ عَلَى السَّاكِنِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالدَّارِ يَدًا وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمِلْكُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ خَاصًّا أَوْ مُشْتَرَكًا - فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَرْبَابِ الْمِلْكِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ قَدْرُ أَنْصِبَاءِ الشُّرَكَاءِ أَوْ اخْتَلَفَ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ وَلِلْآخِرِ الثُّلُثَ - فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا نِصْفَانِ، وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عَدَدُ الرُّءُوسِ لَا قَدْرُ الْأَنْصِبَاءِ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ؛
-
لِأَنَّ حِفْظَ الدَّارِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْحِفْظُ لَا يَخْتَلِفُ؛ وَلِهَذَا تَسَاوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لِدَفْعِ ضَرَرِ الدَّخِيلِ، وَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَدْرِ الْمِلْكِ، وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِيمَنْ بَاعَ دَارًا، وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي: أَنَّ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْبَائِعِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْع خِيَارٌ،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ - فَعَلَى مَنْ الدَّارُ فِي يَدِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: الدِّيَةُ عَلَى مَالِكِ الدَّارِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ،
-
فَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ فَعَلَى مَنْ تَصِيرُ الدَّارَ لَهُ وَعِنْدَ زُفَرَ رحمه الله : الدِّيَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ خِيَارٌ، فَتَكُونَ الدِّيَةُ عَلَيْهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ: أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ.
-
وَكَذَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُ،
-
فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ - فَالْمِلْكُ لَهُ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ بِلَا خِلَافٍ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ فَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لِلْبَائِعِ صُورَةُ يَدٍ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، وَصُورَةُ الْيَدِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْقَسَامَةِ، كَيَدِ الْمُودِعِ، فَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي،
-
وَإِذَا كَانَ فِيهِ خِيَارٌ فَعَلَى مَنْ تَصِيرُ الدَّارَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا صَارَتْ لِلْبَائِعِ - فَقَدْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ،
-
وَإِنْ صَارَتْ لِلْمُشْتَرِي - فَقَدْ انْبَرَمَ الْبَيْعَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكهَا بِالْعَقْدِ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ.
-
(وَأَمَّا) تَصْحِيحُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَمُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمِلْكَ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ لَا الْيَدَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ يَدَ تَصَرُّفٍ كَيَدِ السَّاكِنِ، وَالثَّابِتُ لِلْبَائِعِ صُورَةُ يَدٍ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَعْتَبِرَهُ، لَكِنْ لَا إشْكَالَ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، وَالْحِفْظُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهُ يُضَافُ الْحِفْظُ إلَى الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ بِهِ عَادَةً، فَيُقَامُ مَقَامَ الْيَدِ، فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى مَا بِهِ حَقِيقَةُ الْحِفْظِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ مُطْلَقَ الْيَدِ لَا يُعْتَبَرُ بَلْ الْيَدُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالْمِلْكِ، وَهَذِهِ يَدٌ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ يَدِ السَّاكِنِ.
-
وَإِذَا وُجِدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَفِي قَوْلِهِمَا - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لَا شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رحمهم الله وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله مِثْلُ قَوْلِهِمْ (وَجْهُ) قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْقَتْلَ صَادَفَهُ، وَالدَّارُ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا صَارَ مِلْكَ الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَوْتُ لَيْسَ بِقَتْلٍ؛
-
لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلُ الْقَاتِلِ،
-
وَلَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي الْمَوْتِ، بَلْ هُوَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ تبارك وتعالى فَلَمْ يُقْتَلْ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَى إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَوَاقِلهمْ، وَلِأَنَّ وُجُودَهُ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ بِنَفْسِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ هَدَرًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقَسَامَةِ - وَقْتَ ظُهُورِ الْقَتِيلِ، لَا وَقْتَ وُجُودِ الْقَتْلِ بِدَلِيلِ أَنْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ، وَالدَّارُ وَقْتَ ظُهُورِ الْقَتِيلِ لِوَرَثَتِهِ؛
-
فَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى عَوَاقِلهمْ تَجِبُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ قَتِيلًا فِي دَارِ ابْنِهِ،
-
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ،
-
وَأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لَهُمْ؟ فَكَيْفَ تَجِبُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ؟
-
وَكَذَا عَاقِلَتُهُمْ تَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ لَهُمْ أَيْضًا، وَفِيهِ إيجَابٌ لَهُمْ أَيْضًا وَعَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ - فَالْجَوَابُ: مَمْنُوعٌ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لَهُمْ بَلْ لِلْقَتِيلِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ فَتَكُونُ لَهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجَهَّزُ مِنْهَا، وَتُقْضَى مِنْهَا دُيُونَهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ ثُمَّ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ تَسْتَحِقُّهُ وَرَثَتُهُ لِاسْتِغْنَاءِ الْمَيِّتِ عَنْهُ، وَالْوَرَثَةُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَصَارَ كَمَا لَوْ وُجِدَ الْأَبُ قَتِيلًا فِي دَارِ ابْنِهِ أَوْ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا ابْنُهُ أَلَيْسَ أَنَّهُ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الِابْنِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا
-
7/2947/294
يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَإِنْ اعْتَبَرْنَا وَقْتَ وُجُودِ الْقَتْلِ - فَهُوَ مُمْكِنٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي حِفْظِ الدَّارِ فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ حَقًّا لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى وَرَثَتِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ إذَا وُجِدَ ابْنُ الرَّجُلَ أَوْ أَخُوهُ قَتِيلًا فِي دَارِهِ أَنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةَ ابْنِهِ وَدِيَةَ أَخِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ هُوَ وَارِثَهُ؛ لِمَا قُلْنَا: إنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي الدَّارِ كَمُبَاشَرَةِ صَاحِبِهَا الْقَتْلَ فَيَلْزَمُ عَاقِلَتُهُ ذَلِكَ لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا صَاحِبُ الدَّارِ بِالْإِرْثِ،
-
وَلَوْ وُجِدَ مُكَاتَبٌ قَتِيلًا فِي دَار نَفْسِهِ فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ دَارِهِ فِي وَقْتِ ظُهُورِ الْقَتِيلِ لَيْسَتْ لِوَرَثَتِهِ بَلْ هِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَهَدَرَ دَمُهُ رَجُلَانِ كَانَا فِي بَيْتٍ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ وُجِدَ أَحَدُهُمَا مَذْبُوحًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ الْآخَرُ الدِّيَةَ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ صَاحِبُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ ظَاهِرًا وَغَالِبًا، وَاحْتِمَالُ خِلَافِ الظَّاهِرِ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ ثَابِتٌ فِي قَتِيلِ الْمَحَلَّةِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ.
-
فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَدْخُل فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ بَعْدَ وُجُوبِهِمَا وَمَنْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ بَعْدَ وُجُوبِهِمَا،
-
وَمَنْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ -: الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْقَسَامَةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ وُجِدَ الْقَتِيلُ سَوَاءٌ وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِمَا أَوْ فِي مِلْكِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ؛ وَلِهَذَا لَا يُسْتَحْلَفَانِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ؛
-
فَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مِلْكِهِمَا لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَرْكِ النُّصْرَةِ اللَّازِمَةِ.
-
وَهَلْ يَدْخُلَانِ فِي الدِّيَةِ مَعَ الْعَاقِلَةِ؟
-
فَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِمَا كَالْمَحَلَّةِ وَمِلْكِ إنْسَانٍ لَا يَدْخُلَانِ فِيهَا،
-
وَإِنْ وُجِدَ فِي مِلْكِهِمَا يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي مِلْكِهِمَا كَمُبَاشَرَتِهِمَا الْقَتْلَ، وَهُمَا مُؤَاخَذَانِ بِضَمَانِ الْأَفْعَالِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله لَا يَدْخُلَانِ فِي الدِّيَةِ مَعَ الْعَاقِلَةِ أَصْلًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ الْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ فِعْلٌ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ مُؤَاخَذَانِ بِأَفْعَالِهِمَا وَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ؛
-
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُسْتَنْصَرُ بِهِمْ عَادَةً، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ أَيْضًا؛ فَلَا تَلْزَمُهُمْ الدِّيَةَ.
-
وَأَمَّا الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ - فَلَا يَدْخُلَانِ فِي قَسَامَةٍ وَجَبَتْ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ فِي غَيْرِ دَارِهِمَا،
-
وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِهِمَا أَمَّا الْمَأْذُونُ - إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ - فَلَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى مَوْلَاهُ وَعَاقِلَتَهُ - اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ،
-
وَإِذَا حَلَفَ يُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ.
-
أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي الدَّعَاوَى؟ وَوُجُودُ الْقَتِيلِ فِي دَارِهِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ خَطَأً،
-
وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، كَذَا هَذَا.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِحْلَافِ جَرَيَانُ الْقَسَامَةِ لِسَبَبٍ هُوَ النُّكُولُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي هَذَا الْبَابِ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ،
-
وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ - خَطَأً - لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَوْلَاهُ فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِحْلَافُ مُفِيدًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ، وَتَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ عِنْدَهُ؛
-
فَلَا يَمْلِكُ الدَّارَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهَا فَالْغُرَمَاءُ لَا يَمْلِكُونَهَا أَيْضًا، وَالْعَبْدُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَالْمَوْلَى أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ، فَكَانَتْ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ مَعَ مَا أَنَّ لِلْمَوْلَى حَقًّا فِي الدَّارِ، وَهُوَ حَقُّ اسْتِخْلَاصِهَا لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، فَكَانَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْقَسَامَةِ (وَأَمَّا) الْمُكَاتَبُ إذَا وَجَدَ قَتِيلًا فِي دَارِهِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ،
-
وَمِنْ الدَّارِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي دَارِهِ كَمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ فَلَا يَكُونُ عَلَى مَوْلَاهُ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي مُبَاشَرَتِهِ.
-
وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ؟ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ،
-
فَإِنْ حَلَفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ عَاقِلَةَ الْمُكَاتَبِ نَفْسُهُ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ حَالَّةً؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمَنْعِ مِنْ الدَّفْعِ، فَتَكُونُ حَالَّةً كَمَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى بِجِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْقَتِيلُ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ كَانَ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي دَارِهِ كَمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلُ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ حَالَّةً لَا مُؤَجَّلَةً؛ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فِي قَتِيلٍ يُوجَدُ فِي غَيْرِ مِلْكهَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِطَرِيقِ النُّصْرَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا،
-
وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِهَا أَوْ فِي قَرْيَةٍ لَهَا لَا يَكُونُ بِهَا غَيْرُهَا - عَلَيْهَا الْقَسَامَةُ فَتُسْتَحْلَفُ
-
7/2957/295
وَيُكَرَّرُ عَلَيْهَا الْأَيْمَانُ، وَهَذَا قَوْلُهُمَا.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهَا لَا عَلَى عَاقِلَتِهَا.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ لُزُومَ الْقَسَامَةِ لِلُزُومِ النُّصْرَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ تَدْخُلْ مَعَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الْمِلْكُ مَعَ أَهْلِيَّةِ الْقَسَامَةِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّهَا، أَمَّا الْمِلْكُ فَثَابِتٌ لَهَا.
-
وَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ، وَأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ؟ وَمَعْنَى النُّصْرَةِ يُرَاعَى وُجُودُهُ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ.
-
وَهَلْ تَدْخُلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي الدِّيَةِ؟ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْقَاتِلَ فِي التَّحَمُّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَاقِلًا بَالِغًا،
-
فَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ عِنْدَ وُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهَا عَيْنًا فَهَهُنَا أَوْلَى، وَأَصْحَابُنَا رضي الله عنهم قَالُوا: إنَّ الْمَرْأَةَ تَدْخُلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى الطَّحَاوِيِّ قَوْلَهُ وَقَالُوا: إنَّ الْقَاتِلَ يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ الْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْكَافِرُ؛
-
لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْلَافِ وَالْحِفْظِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.