فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ الْكَفَالَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 31423 to 31482
-
6/56/5
رُكْنِ الْكَفَالَةِ وَأَمَّا شَرَائِطُ الْكَفَالَةِ.
-
فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْكَفِيلِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْأَصِيلِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَكْفُولِ بِهِ ثُمَّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ.
-
(أَمَّا) .
-
الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْكَفِيلِ.
-
فَأَنْوَاعٌ (مِنْهَا) الْعَقْلُ وَمِنْهَا الْبُلُوغُ وَإِنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ لِهَذَا التَّصَرُّفِ فَلَا تَنْعَقِدُ كَفَالَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا تَنْعَقِدُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ إلَّا أَنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ لَوْ اسْتَدَانَ دَيْنًا فِي نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَأَمَرَ الْيَتِيمَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ عَنْهُ جَازَ.
-
وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ النَّفْسَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ ضَمَانَ الدَّيْنِ قَدْ لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالشَّرْطُ
-
6/66/6
لَا يَزِيدُهُ إلَّا تَأْكِيدًا فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فَأَمَّا ضَمَانُ النَّفْسِ وَهُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ (وَمِنْهَا) الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ شَرْطُ نَفَاذِ هَذَا التَّصَرُّفِ فَلَا تَجُوزُ كَفَالَةُ الْعَبْدِ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُهُ بِدُونِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَلَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ لِأَنَّ امْتِنَاعَ النَّفَاذِ مَا كَانَ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ بَلْ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ
-
بِخِلَافِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ مِنْهُ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَا تَحْتَمِلُ النَّفَاذَ بِالْبُلُوغِ.
-
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى بِالْكَفَالَةِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ إذْنَهُ بِالتَّبَرُّعِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَتْ كَفَالَتُهُ وَتُبَاعُ رَقَبَتُهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى وَلَا تَجُوزُ كَفَالَةُ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عليه الصلاة والسلام وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لِأَنَّ إذْن الْمَوْلَى لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّهِ وَصَحَّ فِي حَقِّ الْقِنِّ وَلَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ وَلَوْ كَفَلَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمَأْذُونُ عَنْ الْمَوْلَى جَازَ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ التَّبَرُّعَ عَلَيْهِ وَأَمَّا صِحَّةُ بَدَنِ الْكَفِيلِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ فَتَصِحُّ كَفَالَةُ الْمَرِيضِ لَكِنْ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأَصِيلِ.
-
فَنَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِنَائِبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ تَصِحُّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَوْتَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مَالٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَفْتَقِرُ بَقَاؤُهُ إلَى الْقُدْرَةِ وَلِهَذَا بَقِيَ إذَا مَاتَ مَلِيًّا حَتَّى تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ
-
وَكَذَا بَقِيَتْ الْكَفَالَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِسًا وَإِذَا مَاتَ عَنْ كَفِيلٍ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْهُ بِالدَّيْنِ فَكَذَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ وَالتَّبَرُّعُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّيْنَ عِبَارَةٌ عَنْ الْفِعْلِ وَالْمَيِّتُ عَاجِزٌ عَنْ الْفِعْلِ فَكَانَتْ هَذِهِ كَفَالَةٌ بِدَيْنٍ سَاقِطٍ فَلَا تَصِحُّ كَمَا كَفَلَ عَلَى إنْسَانٍ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَإِذَا مَاتَ مَلِيًّا فَهُوَ قَادِرٌ بِنَائِبِهِ
-
وَكَذَا إذَا مَاتَ عَنْ كَفِيلٍ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.
-
(وَأَمَّا) الْإِبْرَاءُ وَالتَّبَرُّعُ فَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ إبْرَاءٌ عَنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِسَبَبِ الْمُمَاطَلَةِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالتَّبَرُّعِ بِتَخْلِيصِ الْمَيِّتِ عَنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ بِوَاسِطَةِ إرْضَاءِ الْخَصْمِ بِهِبَةِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إبْرَاءً عَنْ الدَّيْنِ وَتَبَرُّعًا بِقَضَائِهِ حَقِيقَةً فَلَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِأَنْ كَفَلَ مَا عَلَى فُلَانٍ فَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاس أَوْ بِعَيْنٍ أَوْ بِنَفْسٍ أَوْ بِفِعْلٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ جَوَازُهَا بِالْعُرْفِ وَالْكَفَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْأَصِيلِ وَعَقْلُهُ وَبُلُوغُهُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْكَفَالَةِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِمَضْمُونِ مَا عَلَى الْأَصْلِ مَقْدُورُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ وَقَدْ وُجِدَ أَمَّا الْعَبْدُ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَيُطَالِبُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِمَا وَالْوَلِيُّ مُطَالِبٌ بِهِ فِي الْحَالِ وَيُطَالَبَانِ أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ فَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ عَنْ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا وَعَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَّا أَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَدَّى وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِمْ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
-
وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُ فَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ عَنْ غَائِبٍ أَوْ مَحْبُوسٍ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْكَفَالَةِ فِي الْغَالِبِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَكَانَتْ الْكَفَالَةُ فِيهِمَا أَجْوَزَ مَا يَكُونُ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ.
-
فَأَنْوَاعٌ (مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَفَلَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَا يَحْصُلُ مَا شُرِعَ لَهُ الْكَفَالَةُ وَهُوَ التَّوَثُّقُ (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَنَّهُ شَرَطَ الِانْعِقَادَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إذَا لَمْ يَقْبَلْ عَنْهُ حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَفَلَ لِغَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَأَجَازَ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا إذَا لَمْ يَقْبَلْ عَنْهُ حَاضِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَجْلِسَ عِنْدَهُ لَيْسَ شَرْطًا أَصْلًا لَا شَرْطَ النَّفَاذِ وَلَا شَرْطَ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ مُحَمَّدًا رُبَّمَا يُطْلِقُ الْجَوَازَ عَلَى النَّافِذِ فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَنُسَمِّيه بَاطِلًا إلَّا أَنْ يُجِيزَ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْجَائِزَ هُوَ النَّافِذُ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ جَازَ السَّهْمُ إذَا نَفَذَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ مَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْعَقْدِ لُغَةً وَشَرْعًا وَهُوَ الضَّمُّ وَالِالْتِزَامُ يَتِمُّ بِإِيجَابِ الْكَفِيلِ فَكَانَ إيجَابُهُ كُلَّ الْعَقْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْمَرِيضِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ أَيْضًا وَالتَّمْلِيكُ لَا يَقُومُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَكَانَ الْإِيجَابُ وَحْدَهُ شَطْرَ الْعَقَدِ فَلَا يَقِفُ عَلَى غَائِبٍ
-
6/76/7
عَنْ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ مَعَ مَا أَنَّا نَعْمَلُ بِالشَّبَهَيْنِ جَمِيعًا فَنَقُولُ لِشِبْهِ الِالْتِزَامِ يَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ وَالتَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى الْوَقْتِ وَلِشِبْهِ التَّمْلِيكِ لَا يَقِفُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ اعْتِبَارًا لِلشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
-
(وَأَمَّا) مَسْأَلَةُ الْمَرِيضِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّ جَوَازَ الضَّمَانِ هُنَاكَ بِطَرِيقِ الْإِيصَاءِ بِالْقَضَاءِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا بِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ اضْمَنُوا عَنِّي إيصَاءً مِنْهُ إلَيْهِمْ بِالْقَضَاءِ عَنْهُ حَتَّى لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا لَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ شَيْءٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ وَبَعْضُهُمْ أَجَازُوهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَفَالَةِ وَوَجْهُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَبِّرِ عَنْ غُرَمَائِهِ وَشَرْحُ هَذِهِ الْإِشَارَةِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ حَتَّى لَا يَنْفُذَ مِنْهُ التَّصَرُّفُ الْمُبْطِلُ لِحَقِّ الْغَرِيمِ.
-
وَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ لِلْوَرَثَةِ اضْمَنُوا لِغُرَمَاءِ فُلَانٍ عَنْهُ فَقَالُوا ضَمِنَّا يُكْتَفَى بِهِ فَكَذَا الْمَرِيضُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ (وَمِنْهَا) وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِهِمَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَلَا يَصِحُّ قَبُولُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ وَلِيِّهِمَا عَنْهُمَا لِأَنَّ الْقَبُولَ يُعْتَبَرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ الْإِيجَابُ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ الْإِيجَابُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَمَنْ قَبِلَ لَمْ يَقَعْ الْإِيجَابُ لَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ.
-
(وَأَمَّا) حُرِّيَّةُ الْمَكْفُولِ لَهُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ.
-
(وَأَمَّا) .
-
الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَكْفُولِ بِهِ.
-
فَنَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا أَوْ نَفْسًا أَوْ فِعْلًا لَيْسَ بِدَيْنٍ وَلَا عَيْنٍ وَلَا نَفْسٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْعَيْنِ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ عَيْنٌ وَدَيْنٌ وَنَفْسٌ وَفِعْلٌ لَيْسَ بِدَيْنٍ وَلَا عَيْنٍ وَلَا نَفْسٍ أَمَّا الْعَيْنُ فَنَوْعَانِ عَيْنٌ هِيَ أَمَانَةٌ وَعَيْنٌ هِيَ مَضْمُونَةٌ أَمَّا الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ أَمَانَةٌ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ أَمَانَةً غَيْرَ وَاجِبَةِ التَّسْلِيمِ كَالْوَدَائِعِ وَمَالِ الشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ أَوْ كَانَتْ أَمَانَةً وَاجِبَةَ التَّسْلِيمِ كَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجَرِ فِي يَدِ الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى عَيْنِهَا وَعَيْنُهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ.
-
وَلَوْ كَفَلَ بِتَسْلِيمِ الْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ عَنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ جَازَ لِأَنَّهُمَا مَضْمُونَا التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمَا فَالْكَفَالَةُ أُضِيفَتْ إلَى مَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ فِعْلُ التَّسْلِيمِ فَصَحَّتْ (وَأَمَّا) الْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ فَنَوْعَانِ مَضْمُونٌ بِنَفْسِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَمَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالرَّهْنِ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ كَفَالَةٌ بِمَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ حَالَ قِيَامِهِ وَرَدُّ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ حَالَ هَلَاكِهِ فَيَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَى الْكَفِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا وَلَا تَصِحُّ بِالنَّوْعِ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَا بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَكِنْ يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي
-
وَكَذَا الرَّهْنُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ بَلْ بِالدَّيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا هَلَكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ وَلَكِنْ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِهِ.
-
(وَأَمَّا) الْفِعْلُ فَهُوَ فِعْلُ التَّسْلِيمِ فِي الْجُمْلَةِ فَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْبَائِعِ وَالرَّهْنَ مَضْمُونُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْجُمْلَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَكَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ فِعْلُ التَّسْلِيمِ فَصَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ لَكِنَّهُ إذَا هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَبْقَى عَلَى الْكَفِيلِ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ فَكَفَلَ رَجُلٌ بِالْحَمْلِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بِعَيْنِهَا لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَتْ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْوَاجِبَ عَلَى الْآجِرِ فِعْلُ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ دُونَ الْحَمْلِ، فَلَمْ تَكُنْ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ كَفَالَةً بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَمْ تَجُزْ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْحَمْلِ دُونَ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ فَكَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ كَفَالَةً بِفِعْلٍ هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ فَجَازَتْ وَعَلَى هَذَا إذَا كَفَلَ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ جَازَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ كَفَالَةٌ بِالْفِعْلِ وَهُوَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ وَفِعْلُ التَّسْلِيمِ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ فَقَدْ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ فَجَازَ
-
وَكَذَا إذَا كَفَلَ بِرَأْسِهِ أَوْ بِوَجْهِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِنِصْفِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى جُزْءٍ جَامِعٍ كَالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالرَّقَبَةِ وَنَحْوِهَا جَازَتْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ فَكَانَ ذِكْرُهَا ذِكْرًا لِلْبَدَنِ كَمَا فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
-
وَكَذَا إذَا أَضَافَ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا جَازَتْ لِأَنَّ حُكْمَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وُجُوبُ تَسْلِيمِ النَّفْسِ بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْمُطَالَبَةِ وَالنَّفْسُ فِي حَقِّ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لَا
-
6/86/8
تَتَجَزَّأُ وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ شَرْعًا ذِكْرٌ لِكُلِّهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَإِذَا أَضَافَهَا إلَى الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُعَيَّنَةِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْكَفَالَةِ مُتَجَزِّئَةٌ فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهَا ذِكْرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
-
وَلَوْ قَالَ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ هُوَ عَلَيَّ جَازَ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الْتِزَامِ تَسْلِيمِ النَّفْسِ
-
وَكَذَا إذَا قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِوَجْهِهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ جُزْءٌ جَامِعٌ.
-
وَلَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَى الْأَصِيلِ وَلَوْ قَالَ لِلطَّالِبِ أَنَا ضَامِنٌ لَك لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَصْلًا ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ وَالْفِعْلِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعَاتِ عَلَيْهَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله إنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْكَفَالَةَ أُضِيفَتْ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهَا فَلَا تَصِحُّ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ الدَّيْنِ فَكَانَ مَحِلَّهَا الدَّيْنُ فَلَمْ تُوجَدْ، وَالتَّصَرُّفُ الْمُضَافُ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ بَاطِلٌ وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ شَرْطُ جَوَازِ الْكَفَالَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْإِعْتَاقِ لَا تَتَحَقَّقُ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالْعَيْنِ عَنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ وَالْحَكِيمُ إذَا حَكَى عَنْ مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ وَلِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى زَمَنِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَكَانَ الْإِنْكَارُ خُرُوجًا عَنْ الْإِجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلًا وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَالَةَ أُضِيفَتْ إلَى مَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ فَتَصِحُّ أَصْلُهُ الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ وَقَوْلُهُ الْكَفَالَةُ الْتِزَامُ الدَّيْنِ مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا وَقَدْ يَكُونُ عَيْنًا وَالْعَيْنُ مَقْدُورَةُ التَّسْلِيمِ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ كَالدَّيْنِ عَبْدٌ مُقَرٌّ بِالرِّقِّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمَوْلَى كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَأَبَقَ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ
-
وَكَذَا لَوْ كَفَلَ بَعْدَ إبَاقِهِ لِمَا قُلْنَا
-
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ وَكَفَلَ رَجُلٌ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُهُ فَمَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَصِيلِ لِمَا ذَكَرْنَا
-
وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ ثَالِثٍ فَقَالَ أَنَا ضَامِنٌ لَك قِيمَةَ هَذَا إنْ اسْتَحْقَقْتَهُ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُهُ فَمَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ كُلَّ قِيمَتِهِ لِأَنَّ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفَلَ بِمَضْمُونِ صَبِيٍّ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ وَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَضَمِنَ لَهُ إنْسَانٌ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَقَدْ مَاتَ الصَّبِيُّ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفِيلٌ بِمَضْمُونٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ غَصَبَهُ عَبْدًا فَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ قَالَ رَجُلٌ أَنَا ضَامِنٌ بِالْعَبْدِ الَّذِي يَدَّعِي فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْعَبْدِ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْقَاضِي فَإِنْ هَلَكَ وَاسْتَحَقَّهُ بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ بِعَيْنٍ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ غَضَبُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَاسْتَهْلَكَهَا أَوْ عَبْدًا وَمَاتَ فِي يَدِهِ فَقَالَ رَجُلٌ خَلِّهِ فَأَنَا ضَامِنُ الْمَالِ أَوْ لَقِيمَةِ الْعَبْدِ فَهُوَ ضَامِنٌ يَأْخُذُهُ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ وَلَا يَقِفُ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ أَنَا ضَامِنٌ لَقِيمَةِ الْعَبْدِ أَقَرَّ بِكَوْنِ الْقِيمَةِ وَاجِبَةً عَلَى الْأَصِيلِ فَقَدْ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَقِفُ عَلَى الْبَيِّنَةِ
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا عُرِفَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَتَوَقَّفَ عَلَيْهَا، وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى الْكَفِيلِ لِيَكُونَ الْعَقْدُ مُفِيدًا فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ فَلَا تُفِيدُ الْكَفَالَةُ فَائِدَتَهَا وَهَهُنَا شَرْطٌ ثَالِثٌ لَكِنَّهُ يَخُصُّ الدَّيْنَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمُكَاتَبِ لِمَوْلَاهُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ لَازِمٍ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ إسْقَاطَ الدَّيْنِ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّعْجِيزِ لَا بِالْكَسْبِ بِمَضْمُونٍ وَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَبِحَدِّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ إذَا بَذَلَهَا الْمَطْلُوبُ فَأَعْطَاهُ بِهَا كَفِيلًا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ كَفَالَةٌ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ فَتَصِحُّ كَالْكَفَالَةِ بِتَسْلِيمِ نَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ عِنْدَ الطَّلَبِ هَلْ يَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجْبُرُهُ وَقَالَ، أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجْبُرُهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ نَفْسَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ مَضْمُونُ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ عِنْدَ الطَّلَبِ كَنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ثُمَّ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّلَبِ فَكَذَا هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَفَالَةَ شُرِعَتْ
-
6/96/9
وَثِيقَةً وَالْحُدُودُ مَبْنَاهَا عَلَى الدَّرْءِ فَلَا يُنَاسِبُهَا التَّوْثِيقُ بِالْجَبْرِ عَلَى الْكَفَالَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْسُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ قَبْلَ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَالْحَبْسُ تَوْثِيقٌ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِلتُّهْمَةِ لَا لِلتَّوْثِيقِ لِأَنَّ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ لَا تَخْلُو عَنْ إيرَاثِ تُهْمَةٍ فَكَانَ الْحَبْسُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ دُونَ التَّوْثِيقِ وَيَجُوزُ الْجَبْرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ فِي التَّعْزِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَالُ لِدَرْئِهِ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْعَبْدِ.
-
(وَأَمَّا) الدَّيْنُ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ.
-
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ لِيَكُونَ الْعَقْدُ مُفِيدًا فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَفِيلِ فَلَا تُفِيدُ الْكَفَالَةُ فَائِدَتَهَا وَهَهُنَا شَرْطٌ ثَالِثٌ لَكِنَّهُ يَخُصُّ الدَّيْنَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمُكَاتَبِ لِمَوْلَاهُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ لَازِمٍ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ إسْقَاطَ الدَّيْنِ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّعْجِيزِ لَا بِالْكَسْبِ فَلَوْ أَجَزْنَا الْكَفَالَةَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَكَانَ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ يَمْلِكَ الْكَفِيلُ إسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يَمْلِكُ الْأَصِيلُ (وَإِمَّا) أَنْ لَا يَمْلِكَ فَإِنْ مَلَكَ لَا تُفِيدُ الْكَفَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْتِزَامَ مَا عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّصَرُّفُ كَفَالَةً وَلِأَنَّا لَوْ أَجَزْنَا هَذِهِ الْكَفَالَةَ لَكَانَ الدَّيْنُ عَلَى الْكَفِيلِ أَلْزَمَ مِنْهُ عَلَى الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ عَاجِزًا بَطَلَ عَنْهُ الدَّيْنُ.
-
وَلَوْ مَاتَ الْكَفِيلُ عَاجِزًا مُفْلِسًا لَمْ يَبْطُلْ عَنْهُ الدَّيْنُ فَكَانَ الْحَقُّ عَلَى الْكَفِيلِ أَلْزَمَ مِنْهُ عَلَى الْأَصِيلِ وَهَذَا خِلَافُ مَا تُوجِبُهُ الْأُصُولُ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ جَوَازُهَا بِالْعُرْفِ فَلَا تَجُوزُ فِيمَا لَا عُرْفَ فِيهِ وَلَا عُرْفَ فِي الْكَفَالَةِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ
-
وَكَذَا لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمُكَاتَبِ لِمَوْلَاهُ بِسَائِرِ الدُّيُونِ سِوَى دَيْنِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الدُّيُونِ إنَّمَا وَجَبَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا لُزُومُ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ فَكَانَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ أَصْلًا لِوُجُوبِ دَيْنٍ آخَرَ عَلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ بِالْأَصْلِ فَلَأَنْ لَا تَجُوزَ بِالْفَرْعِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
-
وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ السِّعَايَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَكَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعْلُومَ الذَّاتِ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَالَاتِ أَوْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فِي الدَّيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ كَفَلَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ بِأَنْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفٌ جَازَ وَعَلَيْهِ أَحَدُهُمَا أَيَّهُمَا شَاءَ لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ مَقْدُورَةُ الدَّفْعِ بِالْبَيَانِ فَلَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْكَفَالَةِ
-
وَكَذَا إذَا كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ أَوْ بِنَفْسِ رَجُلٍ آخَرَ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ جَازَ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الطَّالِبِ.
-
وَلَوْ كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِمَا لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا يُدْرِكُهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ جَازَ لِأَنَّ جَهَالَةَ قَدْرِ الْمَكْفُولِ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أَجَازَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ الْكَفَالَةَ بِحِمْلِ الْبَعِيرِ مَعَ أَنَّ الْحِمْلَ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ وَلَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ بِالْعُهْدَةِ فَضَمَانُهُ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا صَحِيحٌ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ ضَمَانُ الدَّرْكِ وَهُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْعُهْدَةَ تَحْتَمِلُ الدَّرْكَ وَتَحْتَمِلُ الصَّحِيفَةَ وَهُوَ الصَّكُّ وَأَحَدُهُمَا وَهُوَ الصَّكُّ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ فَدَارَتْ الْكَفَالَةُ بِالْعُهْدَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ فَلَا تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ بِهِ بَلْ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي وُجُودِ شَرْطِ الْجَوَازِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ وَضَمَانُ الدَّرْكِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ وَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ يُخَاصِمُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أَوَّلًا فَإِذَا قَضَى عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَفِيلِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْكَفِيلَ أَوَّلًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ الْكَفِيلُ يَكُونُ خَصْمًا هَذَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَا سِوَى الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَظَهَر أَنَّهُ حُرٌّ بِالْبَيِّنَةِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخَاصِمَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالْإِجْمَاعِ.
-
وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا سِوَى الِاسْتِحْقَاقِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ بِخِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْكَفِيلُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الدَّرْكِ.
-
وَلَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي رَهْنًا بِالدَّرْكِ لَا يَصِحُّ
-
بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ وَالْفَرْقُ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ بِنَاءً ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ وَنُقِضَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ بِنَائِهِ مَبْنِيًّا إذَا سَلَّمَ النَّقْضَ إلَى الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَا يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِالثَّمَنِ خَاصَّةً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالتَّالِفِ وَلَوْ سَلَّمَ النَّقْضَ
-
6/106/10
إلَى الْبَائِعِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَيَّهمَا شَاءَ بِهِمَا جَمِيعًا إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا مِنْ الْبَائِعِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا مِنْ الْكَفِيلِ بِالدَّرْكِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ قِيمَةَ الْبِنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الدَّرَكِ ضَمَانُ الْمُشْتَرِي فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ فَلَا تَكُونُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ دَاخِلَةً تَحْتَ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ كَفَلَ بِمَا لَهُ عَلَى فُلَانٍ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ ضَمِنَهَا الْكَفِيلُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْأَصِيلِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي مِقْدَارِ مَا يُقِرُّ بِهِ أَمَّا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْمُقِرِّ بِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ لَزِمَ بِالْتِزَامِهِ فَيُصَدَّقُ فِي الْقَدْرِ الْمُلْتَزَمِ كَمَا إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ مَجْهُولٍ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ الزِّيَادَةَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ فِي الشَّرْعِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى كَفِيلِهِ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ حُجَّةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مُدَّعٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يَظْهَرُ صِدْقُ الْمُدَّعِي إلَّا بِحُجَّةٍ.