فَصْلٌ رُكْنُ الْحَجِّ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 9753 to 9818
-
2/1252/125
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا رُكْنُ الْحَجِّ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا.
-
الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ لِلْحَجِّ، وَالثَّانِي طَوَافُ الزِّيَارَةِ.
-
أَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَالْكَلَامُ فِيهِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي.
-
بَيَانِ أَنَّهُ رُكْنٌ، وَفِي بَيَانِ مَكَانِهِ، وَفِي بَيَانِ زَمَانِهِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِهِ، وَفِي بَيَانِ سُنَنِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَّ بِقَوْلِهِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» أَيْ الْحَجُّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إذْ الْحَجُّ فِعْلٌ، وَعَرَفَةُ مَكَانٌ فَلَا يَكُونُ حَجًّا فَكَانَ الْوُقُوفُ مُضْمَرًا فِيهِ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: الْحَجُّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
-
وَالْمُجْمَلُ إذَا الْتَحَقَ بِهِ التَّفْسِيرُ يَصِيرُ مُفَسَّرًا مِنْ الْأَصْلِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، وَالْحَجُّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
-
فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الرُّكْنُ لَا غَيْرُ إلَّا أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ بِدَلِيلٍ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سِيَاقِ التَّفْسِيرِ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» جَعَلَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ اسْمًا لِلْحَجِّ فَدَلَّ أَنَّهُ رُكْنٌ،
-
فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ تَمَامَ الْحَجِّ بِهِ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ التَّمَامُ لَا الْفَرْضُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: تَمَّ حَجُّهُ لَيْسَ هُوَ التَّمَامُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النُّقْصَانِ بَلْ خُرُوجُهُ عَنْ احْتِمَالِ الْفَسَادِ فَقَوْلُهُ: " فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ " أَيْ: خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلْفَسَادِ بَعْدَ ذَلِكَ لِوُجُودِ الْمُفْسِدِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ لَكِنْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْحَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
-
وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَّ: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَصَارَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَرْضًا، وَهُوَ رُكْنٌ فَلَوْ حُمِلَ التَّمَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّمَامِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النُّقْصَانِ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ الْحَجُّ بِدُونِهِ فَيَتَنَاقَضُ، فَحُمِلَ التَّمَامُ الْمَذْكُورُ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ احْتِمَالِ الْفَسَادِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ، وَقَوْلُهُ عز وجل :
-
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَانُوا لَا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ لَا نُفِيضُ كَغَيْرِنَا مِمَّنْ قَصَدَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ يَأْمُرُهُمْ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَالنَّاسُ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَإِفَاضَتُهُمْ مِنْهَا لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِهِمْ فِيهَا فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْإِفَاضَةِ مِنْهَا أَمْرًا بِالْوُقُوفِ بِهَا
-
ضَرُورَةً.
-
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَلَا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ .
-
وَكَذَا الْأُمَّةُ أَجْمَعَتْ عَلَى كَوْنِ الْوُقُوفِ رُكْنًا فِي الْحَجِّ.
-
وَأَمَّا مَكَانُ الْوُقُوفِ فَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ» .
-
وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
-
فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَادِي الشَّيْطَانِ.
-
وَأَمَّا زَمَانُهُ فَزَمَانُ الْوُقُوفِ مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ
-
2/1262/126
النَّحْرِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ وُقُوفُهُ، وَعَدَمُ وُقُوفِهِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُؤَقَّتٌ فَلَا يَتَأَدَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَقَّتَةِ إلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ حَالُ الِاشْتِبَاهِ اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَكَذَا الْوُقُوفُ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ مَا لَمْ يَقِفْ بَعْدَ الزَّوَالِ، كَذَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ بِنَهَارٍ وَلَا بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَكَانَ بَيَانًا لِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ»
-
وَهَذَا بَيَانُ آخِرِ الْوَقْتِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَقْتَ يَبْقَى بِبَقَاءِ اللَّيْلِ، وَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: وَقْتُ الْوُقُوفِ هُوَ اللَّيْلُ فَمَنْ لَمْ يَقِفْ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» عَلَّقَ إدْرَاكَ الْحَجِّ بِإِدْرَاكِ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَدَلَّ أَنَّ الْوُقُوفَ بِجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ هُوَ وَقْتُ الرُّكْنِ.
-
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ، وَصَلَّى مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَكَانَ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» .
-
أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَمَامِ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْوُقُوفِ غَيْرُ عَيْنٍ، وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
-
أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» مُطْلَقًا عَنْ الزَّمَانِ إلَّا أَنَّ زَمَانَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَبَعْدَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِدَلِيلٍ فَبَقِيَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى انْفِجَارِ الصُّبْحِ مُرَادًا، وَلِأَنَّ هَذَا نَوْعُ نُسُكٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَنَاسِكِ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا بِلَيْلٍ مَاذَا حُكْمُهُ فَكَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَسْكُوتِ فَلَا يَصِحُّ،
-
وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلُوا عِدَّةَ ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ يَوْمَ كَذَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ، وَحَجَّتُهُمْ تَامَّةٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَصِحَّ، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُمْ، وَقَفُوا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ، وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَالِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تَعْرِفُونَ» .
-
وَرُوِيَ: «وَحَجُّكُمْ يَوْمَ تَحُجُّونَ» .
-
فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَقْتَ الْوُقُوفِ أَوْ الْحَجِّ، وَقْتَ تَقِفُ أَوْ تَحُجُّ فِيهِ النَّاسُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ، وَهِيَ نَفْيُ جَوَازِ الْحَجِّ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ، وَالثَّانِي أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ مَقْبُولَةٌ لَكِنَّ وُقُوفَهُمْ جَائِزٌ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ مِمَّا يَغْلِبُ،
-
وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِالْجَوَازِ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ غَايَةَ النُّدْرَةِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ، وَلِأَنَّهُمْ بِهَذَا التَّأْخِيرِ بَنَوْا عَلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَاجِبٍ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ وُجُوبُ إكْمَالِ الْعِدَّةِ إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ فَعُذِرُوا فِي الْخَطَأِ
-
بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ فَإِنَّهُ خَطَأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى دَلِيلٍ رَأْسًا فَلَمْ يُعْذَرُوا فِيهِ، نَظِيرُهُ إذَا اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ فَتَحَرَّى، وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ،
-
وَلَوْ لَمْ يَتَحَرَّ، وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَمْ يَجُزْ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، وَهَلْ يَجُوزُ وُقُوفُ الشُّهُودِ؟ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ وُقُوفُهُمْ، وَحَجُّهُمْ أَيْضًا.
-
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ شَاهِدَانِ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ فِي بَقِيَّةَ اللَّيْلِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ لَمْ يَعْمَلْ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَوَقَفَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ،
-
وَإِنْ شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ صَارُوا كَأَنَّهُمْ شَهِدُوا بَعْدَ الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ بِأَنْ كَانَ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ عَامَّةُ النَّاسِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، جَازَ وُقُوفُهُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ فَاتَ حَجُّهُ؛
-
لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوُقُوفَ فِي وَقْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ:
-
فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ فَوَقَفَ الْإِمَامُ، وَالنَّاسُ يَوْمَ النَّحْرِ.
-
وَقَدْ كَانَ مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ وُقُوفُهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ صَارَ يَوْمَ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ بِانْفِرَادِهِ.
-
وَكَذَا إذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الْوُقُوفَ لِمَعْنًى يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُ مَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ،
-
فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُ
-
2/1272/127
لَا عِلَّةَ بِالسَّمَاءِ، فَوَقَفَ بِشَهَادَتِهِمَا قَوْمٌ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَّرَ بِالِاشْتِبَاهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا قَدْرُهُ فَنُبَيِّنُ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ، وَالْوَاجِبَ أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْوُقُوفِ: فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى حَصَلَ إتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا، أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛
-
لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
-
وَالْمَشْيُ، وَالسَّيْرُ لَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ، وَسَوَاءٌ نَوَى الْوُقُوفَ أَوْ لَمْ يَنْوِ
-
بِخِلَافِ الطَّوَافِ، وَسَنَذْكُرُ الْفَرْقَ فِي (فَصْلِ الطَّوَافِ) إنْ شَاءَ اللَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْوُقُوفِ مُطْلَقٌ عَنْ شَرْطِ الطَّهَارَةِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها حِينَ حَاضَتْ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْبَيْتِ فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ أَوْ لَمْ يُصَلِّ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاتَيْنِ، وَهُمَا: الظُّهْرُ، وَالْعَصْرُ لَا تَعَلُّقَ لَهُمَا بِالْوُقُوفِ فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُمَا مَانِعًا مِنْ الْوُقُوفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنْ الْوُقُوفِ:
-
فَمِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى أَنْ تَغْرُبَ فَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْوُقُوفِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ.
-
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ، وَالْوَاجِبِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَنَحْنُ نُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ، وَالْوَاجِبِ كَفَرْقِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ وَهُوَ أَنَّ الْفَرْضَ اسْمٌ لِمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَالْوَاجِبَ اسْمٌ لِمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَصْلُ الْوُقُوفِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ: النَّصُّ الْمُفَسِّرُ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، وَالْمَشْهُورَةُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَأَمَّا الْوُقُوفُ إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ: فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ بَلْ مَعَ شُبْهَةِ الْعَدَمِ أَعْنِي: خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» .
-
أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْآحَادِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهَا الْفَرَائِضُ فَضْلًا عَنْ الْأَرْكَانِ،
-
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْوُقُوفَ مِنْ حِينِ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا وَاجِبٌ،
-
فَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنْ جَاوَزَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا تَرَكَ الْوَاجِبَ،
-
وَإِنْ جَاوَزَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَنَا لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا لَوْ تَرَكَ غَيْرَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْوَاجِبَ إذْ الْوُقُوفُ الْمُقَدَّرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ،
-
وَلَوْ عَادَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الْإِمَامُ ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الْمَتْرُوكَ.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَسْقُطُ، وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا،
-
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بَعْدَ مَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ عَرَفَةَ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ أَيْضًا.
-
وَكَذَا رَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ يَسْقُطُ عَنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الْمَتْرُوكَ إذْ الْمَتْرُوكُ هُوَ الدَّفْعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ.
-
وَقَدْ اسْتَدْرَكَهُ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ قَالَ مَشَايِخُنَا: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِيمَا لِأَجْلِهِ يَجِبُ الدَّمُ فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ الدَّمُ يَجِبُ لِأَجْلِ دَفْعِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ذَلِكَ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ شُجَاعٍ يَجِبُ لِأَجْلِ دَفْعِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
-
وَقَدْ اسْتَدْرَكَهُ بِالْعَوْدِ، وَالْقُدُورِيُّ اعْتَمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَالَ: هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مُضْطَرِبٌ،
-
وَلَوْ عَادَ إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَوْدِ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الدَّمُ الْوَاجِبُ فَلَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِالْعَوْدِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَفُوتُ الْحَجُّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ،
-
وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ ذَاتُهُ، وَبَقَاءَ الشَّيْءِ مَعَ فَوَاتِ ذَاتِهِ مُحَالٌ.