فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 23213 to 23237
-
4/1594/159
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ: فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِالْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْفَسْخِ لِكَوْنِ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا أَصْلًا، فَتَجُوزُ إقَالَتُهَا كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
-
وَكَذَا تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى، بِأَنْ يَقُولَ: فَسَخْتُ الْمُكَاتَبَةَ، أَوْ كَسَرْتُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فَاسِدَةً أَوْ صَحِيحَةً، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَإِنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ نَظَرًا لَهُ، فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى، وَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمُكَاتَبِ؛
-
لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ فِي جَانِبِهِ.
-
، وَهَلْ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ أَمَّا بِمَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا تَنْفَسِخُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ فَيُؤَدَّى إلَى وَرَثَةِ الْمَوْلَى،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ كَسْبٌ فَيَكْتَسِبُ وَيُؤَدِّي فَيَعْتِقُ، فَكَانَ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فَائِدَةٌ فَيَبْقَى،
-
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ يَزُولُ إلَى الرِّقِّ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَيًّا،
-
وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى فَأَدَّى الْمُكَاتَبُ مُكَاتَبَتَهُ، أَوْ بَقِيَّةً مِنْهَا إلَى وَرَثَتِهِ وَعَتَقَ، فَوَلَاؤُهُ يَكُونُ لِعَصَبَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ مِنْ الْمُعْتِقِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَرُدَّ إلَى الرِّقِّ،
-
ثُمَّ كَاتَبَهُ الْوَرَثَةُ كِتَابَةً أُخْرَى فَأَدَّى إلَيْهِمْ وَعَتَقَ، فَوَلَاؤُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِمْ، فَكَانَ مَالُهُ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ، إذْ الْوَلَاءُ يُورَثُ بِهِ إنْ كَانَ لَا يُورَثُ نَفْسُهُ.
-
وَأَمَّا بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ فَيُنْظَرُ إنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لَا يَنْفَسِخُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ،
-
وَإِنْ مَاتَ لَا عَنْ وَفَاءٍ يَنْفَسِخْ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فَيَنْفَسِخُ ضَرُورَةً.
-
وَلَا يَنْفَسِخُ بِرِدَّةِ الْمَوْلَى بِأَنْ كَاتَبَ مُسْلِمٌ عَبْدَهُ،
-
ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى حَقِيقَةً فَبِمَوْتِهِ حُكْمًا أَوْلَى أَنْ لَا يَنْفَسِخُ، وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ سَائِرُ عُقُودِهِ بِالرِّدَّةِ كَذَا الْمُكَاتَبَةُ،
-
فَإِنْ أَقَرَّ بِقَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ جَازَ إقْرَارُهُ فِي قَوْلِهِمْ.
-
وَإِنْ قُتِلَ، أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ نَافِذَةٍ عِنْدَهُ، بَلْ هِيَ مَوْقُوفَةٌ.
-
وَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ جَازَ قَبْضُهُ،
-
وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَدِّ أَخْذُ الدَّيْنِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ فِي كُلِّ مَا وَلِيَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ بِمَنْزِلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ فَيَمْلِكُ قَبْضَ الدُّيُونِ الَّتِي وَجَبَتْ بِعَقْدِهِ، كَالْوَكِيلِ الْمَعْزُولِ فِي بَابِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ،
-
وَلَا يَجُوزُ قَبْضُ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ لِكَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَحُقُوقُ هَذَا الْعَقْدِ وَهُوَ الْمُكَاتَبَةُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ،
-
فَلَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
-
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَإِقْرَارُهُ بِالْقَبْضِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ نَافِذَةٌ عِنْدَهُمَا،
-
فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا حَتَّى لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَجَعَلَ الْقَاضِي مَالَهُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَأَخَذُوا الْكَاتِبَةَ،
-
ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا فَوَلَاءُ الْعَبْدِ لَهُ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ مَعَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ،
-
وَلَوْ دُفِعَ إلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَذَلِكَ هَذَا، وَيَأْخُذُ مِنْ الْوَرَثَةِ مَا قَبَضُوهُ مِنْهُ إنْ وُجِدَ بِعَيْنِهِ، كَمَا فِي سَائِرِ أَمْلَاكِهِ الَّتِي وَجَدَهَا مَعَ الْوَرَثَةِ بِأَعْيَانِهَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا قَبَضَ بِتَسْلِيطِ الْمُورِثِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.