فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 29520 to 31259
-
5/2335/233
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا حُكْمُ الْبَيْعِ فَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْبِيَاعَاتِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: الْبَيْعُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا،
-
وَالصَّحِيحُ لَا يَخْلُو إمَّا.
-
أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِيَارٌ أَوْ لَا خِيَارَ فِيهِ أَمَّا الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ فَلَهُ أَحْكَامٌ لَكِنَّ بَعْضَهَا أَصْلٌ، وَبَعْضَهَا مِنْ التَّوَابِعِ.
-
(أَمَّا) الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ، فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ، وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ.
-
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، وَلِلْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ لِلْحَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ الْبَيْعِ، وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي.
-
تَفْسِيرِ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَنَقُولُ: - وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى - الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْمَبِيعُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالثَّمَنُ فِي الْأَصْلِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ،
-
وَإِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُ هَذَا الْأَصْلِ بِعَارِضٍ بِأَنْ يَكُونَ مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ مَبِيعًا كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَا يَحْتَمِلُهُ ثَمَنًا كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إذَا كَانَ عَيْنًا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - (وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ زُفَرَ رحمه الله وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَالْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الْأَحْكَامِ بِحَرْفِ الْبَاءِ،
-
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا أَثْمَانٌ لَا تَتَعَيَّنُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ،
-
وَإِنْ عُيِّنَتْ حَتَّى لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك هَذَا الثَّوْبَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُمْسِكَ الْمُشَارَ إلَيْهِ، وَيَرُدَّ مِثْلَهُ وَلَكِنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ ضَمَانِ الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ، وَالْقَدْرِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِ الْمُشَارِ إلَيْهِ جِنْسًا، وَنَوْعًا، وَقَدْرًا، وَصِفَةً،
-
وَلَوْ هَلَكَ الْمُشَارُ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا يَتَعَيَّنُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ الْمُشَارَ إلَيْهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْأَعْيَانِ الْمُشَارِ إلَيْهَا،
-
وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ هَلَكَ سَائِرُ الْأَعْيَانِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: إنَّ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ سَمَّى سبحانه وتعالى الْمُشْتَرَى وَهُوَ الْمَبِيعُ ثَمَنًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مَبِيعٌ، وَالْمَبِيعَ ثَمَنٌ، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُذْكَرَ الشِّرَاءَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ يُقَالُ: شَرَيْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى بِعْتُهُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾ أَيْ، وَبَاعُوهُ، وَلِأَنَّ ثَمَنَ الشَّيْءِ قِيمَتُهُ، وَقِيمَةُ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ قِيمَةً لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَيْرِهِ، وَالثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا وَمَبِيعًا دَلَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ فِي اللُّغَةِ، وَالْمَبِيعُ يَحْتَمِلُ التَّعَيُّنَ بِالتَّعْيِينِ فَكَذَا الثَّمَنُ إذْ هُوَ مَبِيعٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الثَّمَنَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا فِي الذِّمَّةِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْفَرَّاءِ وَهُوَ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُسَمَّى ثَمَنًا وَالْآخَرَ مَبِيعًا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَاخْتِلَافُ الْأَسَامِي دَلِيلُ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَكَانَ صَاحِبِهِ تَوَسُّعًا؛
-
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقَابِلُ صَاحِبَهُ فَيُطْلَقُ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ كَمَا يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً، وَجَزَاءُ الِاعْتِدَاءِ اعْتِدَاءً.
-
(فَأَمَّا) الْحَقِيقَةُ فَمَا ذَكَرْنَا،
-
وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ اسْمًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلتَّعْيِينِ بِالْإِشَارَةِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ حَقِيقَةً فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ فَجُعِلَ كِنَايَةً عَنْ بَيَانِ الْجِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَنَوْعِهِ وَصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ الْعَاقِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُطْلَبُ مِنْ الْمُعَيَّنِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ
-
5/2345/234
مِثْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ مُفِيدًا فَيَلْغُو فِي حَقِّهِ، وَيُعْتَبَرُ فِي بَيَانِ حَقِّ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي حَقِّهِ مُفِيدٌ ثُمَّ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَنَا أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَهُ حَرْفُ الْبَاءِ فِيهِمَا أَوْ فِيمَا يُقَابِلُهُمَا؛
-
لِأَنَّهُمَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ بِحَالٍ فَكَانَتْ أَثْمَانًا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
-
(وَأَمَّا) مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ وَالذَّرْعِيَّاتِ فَهُوَ مَبِيعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ بَلْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا عَيْنًا إلَّا الثِّيَابَ الْمَوْصُوفَةَ الْمُؤَجَّلَةَ سَلَمًا فَإِنَّهَا تَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَبِيعَةً بِطَرِيقِ السَّلَمِ اسْتِحْسَانًا
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى السَّلَمِ فِيهَا،
-
وَكَذَا الْمَوْصُوفُ الْمُؤَجَّلُ فِيهَا لَا بِطَرِيقِ السَّلَمِ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا اسْتِحْسَانًا،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ.
-
فَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ فَهُوَ مَبِيعٌ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ مُعَيَّنًا فَهُوَ مَبِيعٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا يُحَكَّمُ فِيهِ حَرْفُ الْبَاءِ فَمَا دَخَلَهُ فَهُوَ ثَمَنٌ، وَالْآخَرُ مَبِيعٌ،
-
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعَيَّنًا، وَالْآخَرُ مَوْصُوفًا أَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا فَإِنَّهُ يُحَكَّمُ فِيهِ حَرْفُ الْبَاءِ فَمَا صَحِبَهُ فَهُوَ الثَّمَنُ، وَالْآخَرُ الْمَبِيعُ (وَأَمَّا) الْفُلُوسُ الرَّائِجَةُ فَإِنْ قُوبِلَتْ
-
بِخِلَافِ جِنْسِهَا فَهِيَ أَثْمَانٌ
-
وَكَذَا إنْ قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا مُتَسَاوِيَةً فِي الْعَدَدِ،
-
وَإِنْ قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلَةً فِي الْعَدَدِ فَهِيَ مَبِيعَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ.
-
(فَمِنْهَا) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْعَقَارِ اخْتِلَافٌ.
-
وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْأَثْمَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا الصَّرْفَ، وَالسَّلَمَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : إنْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمَبِيعَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ: فِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» فَيَتَنَاوَلُ الْعَيْنَ وَالدَّيْنَ.
-
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، وَنَأْخُذُ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ، وَمَكَانَ الدَّنَانِيرِ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : لَا بَأْسَ إذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِمَا، وَافْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ» ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَلِأَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ؛
-
لِأَنَّ قَبْضَ نَفْسِ الدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ حُكْمِيٍّ فِي الذِّمَّةِ أَوْ عِبَارَةٌ عَنْ الْفِعْلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ قَبْضُهُ حَقِيقَةً فَكَانَ قَبْضُهُ بِقَبْضِ بَدَلِهِ، وَهُوَ قَبْضُ الْعَيْنِ فَتَصِيرُ الْعَيْنُ الْمَقْبُوضَةُ مَضْمُونَةً عَلَى الْقَابِضِ، وَفِي ذِمَّةِ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ مِثْلُهَا فِي الْمَالِيَّةِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا هَذَا هُوَ طَرِيقُ قَبْضِ الدُّيُونِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ؛
-
لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، وَالْأَمْوَالُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ الْعَيْنُ لَا الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقَبْضَ، وَنَفْسُ الدَّيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْقَبْضَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ بِخِلَافِ السَّلَمِ، وَالصَّرْفِ.
-
(أَمَّا) الصَّرْفُ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْ الصَّرْفِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ، وَثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ إذْ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْإِضَافِيَّةِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِجَعْلِهِ مَبِيعًا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا مِنْ وَجْهٍ، وَثَمَنًا مِنْ وَجْهٍ فَمِنْ حَيْثُ هُوَ ثَمَنٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَسَائِرِ الْأَثْمَانِ،
-
وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مَبِيعٌ لَا يَجُوزُ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا (وَأَمَّا) الْمُسْلَمُ فِيهِ؛ فَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ بِالنَّصِّ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، وَرَأْسُ الْمَالِ أُلْحِقَ بِالْمَبِيعِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ حُرْمَةِ الِاسْتِبْدَالِ شَرْعًا فَمَنْ ادَّعَى الْإِلْحَاقَ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
-
وَكَذَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْقَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَرْضِ، وَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُ أَنَّ الْإِقْرَاضَ إعَارَةٌ لَا مُبَادَلَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ فِيهِ كَمَا فِي الْعَارِيَّةِ؟ ،
-
وَلَوْ كَانَ مُبَادَلَةً لَلَزِمَ فِيهِ الْأَجَلُ،
-
وَكَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمَأْذُونُ، وَهَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ الْمُبَادَلَةَ وَلِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُبَادَلَةً لَمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا، وَهُوَ فَضْلُ الْعَيْنِ عَلَى الدَّيْنِ دَلَّ أَنَّهُ إعَارَةٌ، وَالْوَاجِبُ فِي الْعَارِيَّةِ رَدُّ الْعَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِبْدَالِ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِقْرَاضَ فِي الْحَقِيقَةِ مُبَادَلَةُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ فَإِنَّ
-
5/2355/235
الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ مِثْلُ مَا اسْتَقْرَضَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَا عَيْنُهُ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلِاسْتِبْدَالِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّ جَوَازُهُ بِمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ دَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ تَسْلِيمُ مِثْلِ مَا اسْتَقْرَضَ لَا تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إلَّا أَنَّهُ أُقِيمَ تَسْلِيمُ الْمِثْلِ فِيهِ مَقَامَ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ كَأَنَّهُ انْتَفَعَ بِالْعَيْنِ مُدَّةً ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ فَأَشْبَهَ دَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَغَيْرَهُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ إلَّا السَّلَمَ خَاصَّةً لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» .
-
وَيَجُوزُ الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك هَذِهِ الْحِنْطَةَ بِدِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا إلَى شَهْرٍ بِهَذِهِ الْحِنْطَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكَانَ مَا يُقَابِلُهَا مَبِيعًا فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ.
-
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِهَذَا الدِّرْهَمِ أَوْ بِهَذَا الدِّينَارِ وَوَصَفَ الْحِنْطَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَرَائِطَ السَّلَمِ، أَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك هَذَا الدِّرْهَمَ أَوْ هَذَا الدِّينَارَ بِقَفِيزٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَوَصَفَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ شَرَائِطَ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانٌ بِأَيِّ شَيْءٍ قُوبِلَتْ فَكَانَ مَا فِي مُقَابَلَتِهَا مَبِيعًا فَيَكُونُ بَائِعًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،
-
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ إلَّا السَّلَمَ خَاصَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ شَرَائِطَ السَّلَمِ فَلَوْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ شَرَائِطَ السَّلَمِ جَازَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ السَّلَمِ وَعِنْد زُفَرَ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ السَّلَمِ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّلَمَ نَوْعُ بَيْعٍ إلَّا أَنَّهُ بَيْعٌ اُخْتُصَّ بِشَرَائِطَ فَإِذَا أُتِيَ بِهَا فَقَدْ أُتِيَ بِالسَّلَمِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُتَلَفَّظْ بِهِ.
-
وَلَوْ تَصَارَفَا دِينَارًا بِدِينَارٍ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاسْتَقْرَضَا فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ تَقَابَضَا، وَافْتَرَقَا جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكَانَ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لَا بَائِعًا، وَأَنَّهُ جَائِزٌ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقَابُضِ؛
-
لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَلَوْ تَبَايَعَا تِبْرًا بِتِبْرٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَقْرَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَتَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: ذَكَرَ فِي الصَّرْفِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ حَيْثُ قَالَ: لَا تَجُوزُ الْمُضَارَبَةُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ تُحْمَلَ رِوَايَةُ كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى مَوْضِعٍ يَرُوجُ التِّبْرُ فِيهِ رَوَاجَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ، وَرِوَايَةُ كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ لَا يَرُوجُ رَوَاجَهَا.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: بِعْتُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا كُرٍّ حِنْطَةً وَوَصَفَهَا أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحِنْطَةَ الْمَوْصُوفَةَ ثَمَنًا حَيْثُ أَدْخَلَ فِيهَا حَرْفَ الْبَاءِ فَيَكُونُ الْآخَرُ مَبِيعًا، فَكَانَ هَذَا بَيْعُ الْعَبْدِ بِحِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك كَذَا كُرٍّ حِنْطَةً، وَوَصَفَهَا بِهَذَا الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ؛
-
لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَبْدَ ثَمَنًا بِدَلَالَةِ حَرْفِ الْبَاءِ، فَكَانَتْ الْحِنْطَةُ مَبِيعَةً، فَكَانَ بَائِعًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،
-
فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرَائِطِ السَّلَمِ مِنْ الْأَجَلِ وَبَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، وَقَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ السَّلَمِ عَلَى مَا مَرَّ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ بِقَفِيزٍ حِنْطَةً، وَوَصَفَهَا أَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، وَوَصَفَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَيْنَ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَالدَّيْنَ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا بِإِدْخَالِ حَرْفِ الْبَاءِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَكِنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ مِنْهُمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ يُشْرَطُ؛
-
لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الِافْتِرَاقُ فِيهِ عَنْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ، وَذَلِكَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ،
-
وَلَوْ قَبَضَ الدَّيْنَ مِنْهُمَا ثُمَّ افْتَرَقَا عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبْضِ الْعَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَنْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك قَفِيزَ حِنْطَةٍ وَوَصَفَهَا بِهَذَا الْقَفِيزِ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْك قَفِيزَيْ شَعِيرٍ، وَوَصَفَهُمَا بِهَذِهِ الْحِنْطَةِ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْصُوفَ مِنْهُمَا مَبِيعًا، وَالْآخَرَ ثَمَنًا بِقَرِينَةِ حَرْفِ الْبَاءِ فَيَكُونُ بَائِعًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ،
-
وَلَا سَبِيلَ إلَى تَجْوِيزِهِ سَلَمًا؛ لِأَنَّ إسْلَامَ الْمَكِيلِ فِي الْمَكِيلِ لَا يَجُوزُ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا مَكِيلًا مَوْصُوفًا بِمَكِيلٍ مَوْصُوفٍ أَوْ مَوْزُونًا مَوْصُوفًا بِمَوْزُونٍ مَوْصُوفٍ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك قَفِيزَ حِنْطَةٍ، وَوَصَفَهَا بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ، وَوَصَفَهَا أَوْ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، وَوَصَفَهُمَا أَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك مِنْ سُكَّرٍ، وَوَصَفَهُ بِمِنْ سُكَّرٍ، وَوَصْفَهُ، وَلَيْسَ
-
5/2365/236
عِنْدَهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَقْرَضَا، وَتَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الَّذِي صَحِبَهُ مِنْهُمَا حَرْفُ الْبَاءِ يَكُونُ ثَمَنًا، وَالْآخَرُ مَبِيعًا فَيَكُونُ بَائِعًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا سَلَمًا، وَالسَّلَمُ فِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إسْلَامُ الْمَكِيلِ فِي الْمَكِيلِ، وَإِسْلَامُ الْمَوْزُونِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي الْمَوْزُونِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الشِّرَاءُ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ قَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ،
-
فَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ الشِّرَاءُ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرَى لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ افْتِرَاقًا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ فِيمَا لَا يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ،
-
وَلَا يَتَضَمَّنُ هَهُنَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ اشْتَرَى بِدَيْنِهِ، وَهُوَ دَرَاهِمُ شَيْئًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِأَنْ اشْتَرَى بِهَا دِينَارًا أَوْ فُلُوسًا أَوْ هُوَ فُلُوسٌ فَاشْتَرَى بِهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا جَازَ الشِّرَاءُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمُشْتَرَى فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى لَا يَحْصُلَ الِافْتِرَاقُ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ؛
-
لِأَنَّ الْمُشْتَرَى لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا فَاشْتَرَى بِهَا مَكِيلًا مَوْصُوفًا أَوْ مَوْزُونًا مَوْصُوفًا أَوْ ثِيَابًا مَوْصُوفَةً مُؤَجَّلَةً لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
-
وَكَذَا الْفُلُوسُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ
-
بِخِلَافِ جِنْسِهَا فَلَمْ تَكُنْ مَبِيعَةً فَكَانَ الْآخَرُ مَبِيعًا بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ،
-
وَلَا سَبِيلَ إلَى تَجْوِيزِهِ بِطَرِيقِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ دَيْنٌ
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا فَكَانَ مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ جَائِزٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ كَيْ لَا يَكُونَ الِافْتِرَاقُ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
-
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِفُلُوسٍ أَوْ اشْتَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِدَيْنِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
-
وَكَذَا الْفُلُوسُ عِنْدَ مُقَابَلَتِهَا
-
بِخِلَافِ جِنْسِهَا فَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الِافْتِرَاقِ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ يُنْظَرُ: إنْ جَعَلَ الدَّيْنَ مِنْهُمَا مَبِيعًا، وَالْآخَرَ ثَمَنًا بِأَنْ أَدْخَلَ فِيهِ حَرْفَ الْبَاءِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ فَلَا يَكُونُ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ،
-
وَإِنْ جَعَلَ الدَّيْنَ مِنْهُمَا ثَمَنًا بِأَنْ أَدْخَلَ حَرْفَ الْبَاءِ فِيهِ وَالْآخَرَ مَبِيعًا لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ،
-
وَإِنْ أَحْضَرَ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ بَائِعٌ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ،
-
وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَيْنًا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ،
-
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْلَكُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِاسْتِهْلَاكِهِ مِثْلُهُ.
-
فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِاسْتِهْلَاكِهِ الْقِيمَةَ، وَالْقِيمَةُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ فَصَارَ مُشْتَرِيًا بِدَيْنِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمُشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الِافْتِرَاقُ عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ،
-
وَلَا بَأْسَ بِهِ فِيمَا لَا يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ،
-
وَلَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ يُنْظَرُ: إنْ جَعَلَ مَا عَلَيْهِ مَبِيعًا، وَهَذَا ثَمَنًا بِأَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ الْبَاءِ؛ يَجُوزُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِثَمَنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ فَيَجُوزُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ،
-
وَإِنْ جَعَلَ مَا عَلَيْهِ ثَمَنًا بِأَنْ صَحِبَهُ حَرْفُ الْبَاءِ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِنْ أَحْضَرَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ؛
-
فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِطَرِيقِ السَّلَمِ،
-
وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِ دَيْنٌ،
-
وَلَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ الْمُسْتَهْلَكِ عَلَى الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ، وَقَضَى بِهِ الْحَاكِمُ جَازَ،
-
وَلَا يَكُونُ الْقَبْضُ شَرْطًا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ شِرَاءً بِالدَّيْنِ، بَلْ هُوَ نَفْسُ حَقِّهِ وَلَوْ صَالَحَ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ؛ جَازَ الصُّلْحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الْقِيمَةِ بَاطِلٌ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِفُلُوسٍ بِأَعْيَانِهَا بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ مِنْك هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ بِهَذِهِ الْفُلُوسِ جَازَ وَلَا يَتَعَيَّنُ،
-
وَإِنْ عُيِّنَتْ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا حَتَّى كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُمْسِكَهَا، وَيَرُدَّ مِثْلَهَا،
-
وَلَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْوَضْعِ ثَمَنًا فَقَدْ صَارَتْ ثَمَنًا بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ،
-
وَمِنْ شَأْنِ الثَّمَنِ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ
-
وَكَذَا إذَا تَبَايَعَا دِرْهَمًا بِعَيْنِهِ أَوْ دِينَارًا بِعَيْنِهِ بِفُلُوسٍ بِأَعْيَانِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ أَيْضًا كَمَا لَا تَتَعَيَّنُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لِمَا قُلْنَا، إلَّا أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ هَهُنَا شَرْطُ
-
5/2375/237
بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى لَوْ افْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ أَصْلًا يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِحُصُولِ الِافْتِرَاقِ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ،
-
وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ إلَّا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَافْتَرَقَا مَضَى الْعَقْدُ عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ صَارَ عَيْنًا بِالْقَبْضِ فَكَانَ افْتِرَاقًا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِبَا النَّسَاءِ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ هَهُنَا لِانْعِدَامِ الْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ وَالْجِنْسِ،
-
وَكَذَا إذَا تَبَايَعَا فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسٍ بِعَيْنِهِ فَالْفَلْسَانِ لَا يَتَعَيَّنَانِ،
-
وَإِنْ عُيِّنَا إلَّا أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ حَتَّى يَبْطُلَ بِتَرْكِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
-
وَلَوْ قَبَضَ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ فَافْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الْآخَرِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مِنْ خَصَائِصِ الصَّرْفِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرْفٍ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَبْضِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ رحمه الله أَنَّهُ يَبْطُلُ لَا لِكَوْنِهِ صَرْفًا بَلْ لِتَمَكُّنِ رِبَا النَّسَاءِ فِيهِ لِوُجُودِ أَحْدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ الْجِنْسُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا فُلُوسًا بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنَّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ وَتَقَابَضَا، وَافْتَرَقَا بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ التَّقَابُضِ فَيَحْصُلُ الِافْتِرَاقُ لَا عَنْ قَبْضٍ أَصْلًا فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَعْمَلُ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا عِنْدَهُ، وَيَنْعَدِمُ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْمَلُ إلَّا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَيَنْعَدِمُ الْقَبْضُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَهَذَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْعَقْدِ وَالْأَصْلُ الْمَحْفُوظُ أَنَّ الْعَقْدَ فِي حَقِّ الْقَبْضِ عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ، وَهُوَ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ الصَّرْفُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ أَصْلًا كَبَيْعِ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ مِمَّا سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ مِمَّا لَا يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالْفُلُوسِ، وَبَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ مِمَّا لَا يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ كَبَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْهُمَا ثَمَنًا وَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ، وَهُوَ السَّلَمُ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَيَتَعَيَّنُ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ،
-
وَكَذَا إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ أَوْ اُسْتُحِقَّ،
-
وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْفَعَ مِثْلَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَتَعَيَّنُ،
-
وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ مَعَ دَلَائِلِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا فَلْسًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا أَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْآخَرَ لَا يَجُوزُ، فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمْ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ،
-
وَالصَّحِيحُ: جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْفَلْسَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ مِنْ الْأَثْمَانِ،
-
فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ فَالتَّعْيِينُ فِي الْعُرُوضِ شَرْطُ الْجَوَازِ، وَلَمْ يُوجَدْ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ فَالْمُسَاوَاةُ فِيهَا شَرْطُ الْجَوَازِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ هَذَا الْبَيْعِ يُؤَدِّي إلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الْفَلْسَيْنِ يَقْبِضُهُمَا، وَيَنْقُدُ أَحَدَهُمَا، وَيَبْقَى الْآخَرُ عَنْ غَيْرِ ضَمَانٍ فَيَكُونُ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ وَلَوْ تَبَايَعَا فَلْسًا بِفَلْسَيْنِ، وَشَرَطَا الْخِيَارَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عَلَى قَوْلِهِمَا؛
-
لِأَنَّ الْفُلُوسَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْعُرُوضِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ الْخِيَارُ مَانِعًا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِفُلُوسٍ كَاسِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ لَا تُنْفَقُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ بِأَعْيَانِهَا جَازَ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَرَضٌ، وَالتَّعْيِينُ شَرْطُ الْجَوَازِ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ.
-
وَمِنْهَا أَنَّ لِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَطْلُوبَةُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ عَادَةً، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَدْ تَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ، وَحَقُّ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ إلَّا بِالْقَبْضِ فَيُسَلَّمُ الثَّمَنُ أَوَّلًا لِيَتَعَيَّنَّ فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا عَنْ حَضْرَتِهِمَا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِتَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ،
-
وَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا لَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بِالتَّقْدِيمِ، بَلْ يَتَقَدَّمُ حَقُّ الْبَائِعِ، وَيَتَأَخَّرُ حَقُّ الْمُشْتَرِي، حَيْثُ يَكُونُ الثَّمَنُ بِالْقَبْضِ عَيْنًا مُشَارًا إلَيْهِ، وَالْمَبِيعُ لَا؛ وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ هَلَكَ، وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الْمَبِيعِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِحَيْثُ تَلْحَقُهُ الْمُؤْنَةُ بِالْإِحْضَارِ، فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّهْنِ فَإِنَّ الرَّاهِنَ إذَا
-
5/2385/238
امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِإِحْضَارِ الرَّهْنِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْمُرْتَهِنَ مُؤْنَةٌ فِي الْإِحْضَارِ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ أَوَّلًا كَمَا فِي الْبَيْعِ لِجَوَازِ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ هَلَكَ، وَسَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ الْمُؤْنَةُ فِي الْإِحْضَارِ لَا يُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِحْضَارِ أَوَّلًا، بَلْ يُؤْمَرُ الرَّاهِنُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوَّلًا إنْ كَانَ مُقِرًّا أَنَّ الرَّهْنَ قَائِمٌ لَيْسَ بِهَالِكٍ،
-
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: هُوَ قَائِمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ،
-
فَإِذَا حَلَفَ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمَبْنَى الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ،
-
وَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ إلَّا بِالْإِحْضَارِ عَلَى مَا مَرَّ،
-
بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَلْ هُوَ عَقْدُ أَمَانَةٍ بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ كَأَنَّ الْمَرْهُونَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنَّهُ إذَا هَلَكَ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ لَا لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ عَلَى مَا عُرِفَ،
-
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَاوَضَةً لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عِوَضًا عَنْ الرَّهْنِ فَلَا يَلْزَمُ تَحْقِيقُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ تَلْحَقُهُ الْمُؤْنَةُ بِالْإِحْضَارِ.
-
وَلَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِعَيْنٍ سَلَّمَا مَعًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ مَطْلُوبَةٌ لِلْمُتَعَاوِضَيْنِ عَادَةً، وَتَحْقِيقُ الْمُسَاوَاةِ هَهُنَا فِي التَّسْلِيمِ مَعًا، وَلِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقٌّ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ فَيُسَلِّمَانِ مَعًا،
-
وَكَذَا لَوْ تَبَايَعَا دَيْنًا بِدَيْنٍ سَلَّمَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى الْمُعَاوَضَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَلِاسْتِوَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَصِيرُ عَيْنًا إلَّا بِالْقَبْضِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ أَوَّلًا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبَعًا، وَهُوَ الزَّوَائِدُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ الْمَبِيعِ،
-
فَإِنْ كَانَ أَصْلًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَ كُلُّهُ وَإِمَّا أَنْ هَلَكَ بَعْضُهُ،
-
وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِمَّا أَنْ هَلَكَ بَعْدَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ،
-
وَإِمَّا أَنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ هَلَكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَوْجَبَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ،
-
وَإِذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ أَصْلًا فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ الْبَيْعِ فَائِدَةٌ فَيَنْفَسِخَ،
-
وَإِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ ارْتِفَاعُهُ مِنْ الْأَصْلِ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ،
-
وَكَذَا إذَا هَلَكَ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ فَكَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ
-
وَكَذَا إذَا هَلَكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله لَا يَبْطُلُ، وَعَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
وَلَا فَرْقَ سِوَى أَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ كَالْمُرْتَهِنِ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ فِي يَدِهِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَضْمُونٌ بِأَحَدِ الضَّمَانَيْنِ، وَهُوَ الثَّمَنُ أَلَا تَرَى: لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِضَمَانٍ آخَرَ إذْ الْمَحَلُّ الْوَاحِدُ لَا يَقْبَلُ الضَّمَانَيْنِ،
-
بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْمَضْمُونَ بِالرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَعْنَى الْمَرْهُونِ لَا عَيْنُهُ، بَلْ عَيْنُهُ أَمَانَةٌ حَتَّى كَانَ كَفَنُهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْمَضْمُونُ بِالْإِتْلَافِ عَيْنُهُ فَإِيجَابُ ضَمَانِ الْقِيمَةِ لَا يُؤَدِّي إلَى كَوْنِ الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ مَضْمُونًا بِضَمَانَيْنِ، لِاخْتِلَافِ مَحَلِّ الضَّمَانِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ فِي الْحَالَيْنِ فَيُمْنَعُ كَوْنُهُ مَضْمُونًا بِضَمَانٍ آخَرَ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِتْلَافِ صَارَ قَابِضًا كُلَّ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إتْلَافُهُ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَبْضِ فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ زَوَالَ الْبَيْعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِلَا خِلَافٍ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ فَلَا يَمْنَعُ تَقَرُّرَ الثَّمَنِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَالَ السِّلْعَةِ عَنْ مِلْكِهِ بِلَا خِلَافٍ، فَكَانَ الْمَبِيعُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَمِلْكُهُ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ،
-
وَكَذَا الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ،
-
وَلَا يَدَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فَيَعُودُ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَتْبَعُ الْجَانِيَ فَيُضَمِّنُهُ
-
5/2395/239
مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَقِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ،
-
وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ فَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ، وَاتَّبَعَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ تَعَيَّنَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَيْنًا فَصَارَ قِيمَةً، وَتَعَيُّنُ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ يُوجِبُ الْخِيَارَ ثُمَّ إنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ، وَفَسَخَ، وَاتَّبَعَ الْبَائِعُ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ، وَضَمَّنَهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الضَّمَانُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ، وَفِيهِ فَضْلٌ عَلَى الثَّمَنِ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ لِأَنَّ الْفَضْلَ رِبْحُ مَا لَمْ يُمْلَكْ لِزَوَالِ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ.
-
وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ لَا يَطِيبُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الرِّبَا فَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ أَوْلَى،
-
وَإِنْ كَانَ الضَّمَانُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الثَّمَنِ، طَابَ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ، وَضَمَّنَهُ فَإِنْ كَانَ الضَّمَانُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ فِي حَقِّهِ لَا رِبْحُ مَا لَمْ يُمْلَكْ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ طَابَ الْفَضْلُ لَهُ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى عَبْدًا فَقَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ وَالْبَيْعِ لِمَا قُلْنَا؛ إلَّا أَنَّ هَهُنَا إذَا اخْتَارَ الْفَسْخَ، وَفَسَخَ الْبَيْعَ اتَّبَعَ الْبَائِعُ عَاقِلَةَ الْقَاتِلِ فَأَخَذَ قِيمَتَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الْمَبِيعَ اتَّبَعَ الْعَاقِلَةَ بِقِيمَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
-
وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - إنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَقْتَصَّ الْقَاتِلَ بِعَبْدِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ الْقَاتِلَ بِعَبْدِهِ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: رحمه الله الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَيَعُودُ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْتَصَّ وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ الْقِيمَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْتَصَّ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ بِحَالٍ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَالْبَائِعُ يَأْخُذُ الْقِيمَةَ مِنْ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْقَاتِلَ بِالْقِيمَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَقْتَ الْقَتْلِ، بَلْ كَانَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَنْعَقِدْ السَّبَبُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ لِلْبَائِعِ، وَمِلْكُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا، بَلْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْعَوْدِ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ فَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الِاقْتِصَاصِ لِأَحَدِهِمَا (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ وِلَايَةِ الِاقْتِصَاصِ لِلْبَائِعِ لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ صَادَفَ مَحَلًّا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ عِنْدَ الْقَتْلِ فَأَمَّا الْمِلْكُ فَثَابِتٌ لِلْمُشْتَرِي، وَقْتَ الْقَتْلِ، وَقَدْ لَزِمَ وَتَقَرَّرَ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي فَتَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ لَهُمَا عَلَى اعْتِبَارِ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ اخْتِيَارِ الْبَيْعِ، أَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ اخْتِيَارِ الْبَيْعِ فَلِمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ؛
-
فَلِأَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ رَفْعُهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَجَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَثَبَتَتْ وِلَايَةُ الِاقْتِصَاصِ، هَذَا إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
-
فَأَمَّا إذَا هَلَكَ كُلُّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَقَرَّرَ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ، فَتَقَرَّرَ الثَّمَنُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ لِمَا قُلْنَا، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِضَمَانِهِ، وَيَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَضْلَ رِبْحُ مَا قَدْ ضُمِنَ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَكِنَّ الثَّمَنَ مَنْقُودٌ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَاسْتِهْلَاكُهُ وَاسْتِهْلَاكُ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ،
-
وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْبَيْعِ بِالِاسْتِهْلَاكِ فَحَصَلَ الِاسْتِهْلَاكُ فِي ضَمَانِهِ فَيُوجِبُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، وَسُقُوطَ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ اُسْتُهْلِكَ وَهُوَ فِي يَدِهِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ هَذَا إذَا هَلَكَ كُلُّ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ.
-
فَأَمَّا إذَا هَلَكَ بَعْضُهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ قَدْرٍ بِأَنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِقَدْرِ الْهَالِكِ، وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَلَاكُ كُلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ فِي الْكُلِّ، وَسُقُوطَ كُلِّ الثَّمَنِ، فَهَلَاكُ بَعْضِهِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ، وَسُقُوطَ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ وَصْفٍ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ كَالشَّجَرِ، وَالْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ، وَالْجَوْدَةِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ
-
5/2405/240
أَصْلًا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا حِصَّةَ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ إلَّا إذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْقَبْضُ أَوْ الْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مَقْصُودَةً بِالْقَبْضِ وَالْجِنَايَةِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَعَيُّبِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ بِأَنْ جَرَحَ نَفْسَهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ،
-
وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ بَعْضُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَهَلَاكُ بَعْضِهِ نُقْصَانُ الْوَصْفِ، وَالْأَوْصَافُ لَا تُقَابَلُ بِالثَّمَنِ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَغَيُّرِ الْمَبِيعِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى حَيَوَانَيْنِ سِوَى بَنِي آدَمَ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى حَيَوَانَيْنِ،
-
ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَبِرَ الْوَلَدُ ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فِي الْبَاقِي، وَبَطَلَتْ الْجِنَايَةُ؛
-
لِأَنَّ الْفَسْخَ إعَادَةٌ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَبَطَلَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقَاتِلَ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَصَارَ آخِذًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي الِانْتِهَاءِ فَيُخَيَّرُ فِي الِابْتِدَاءِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْحَيَّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْقَاتِلَ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْمَقْتُولِ.
-
وَانْفِسَاخُ الْبَيْعِ ارْتِفَاعُهُ مِنْ الْأَصْلِ وَعَوْدُهُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَبْدَ الْمُشْتَرِي قَتَلَ عَبْدَ الْبَائِعِ فَيُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ بِالْفِدَاءِ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَ قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فَيَحْيَا الْمَقْتُولُ مَعْنًى فَيَأْخُذُهُ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فَصَارَ فِي أَخْذِ الْبَاقِي مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ آخِذًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي الْمَآلِ فَخَيَّرْنَاهُ فِي الِابْتِدَاءِ لِلْأَخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَالْفَسْخِ، هَذَا وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِقَدْرِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ قَدْرُ النُّقْصَانِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، سَوَاءٌ كَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ قِيمَةٍ أَوْ نُقْصَانَ وَصْفٍ؛
-
لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ وُرُودِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أَصْلًا بِالْفِعْلِ فَتُقَابَلُ بِالثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْأَخْذَ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مَاتَ عَلَى الْبَائِعِ، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
-
فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ مِنْ جِنَايَةِ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهَا سَقَطَتْ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ جِنَايَةِ الْبَائِعِ، وَلَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ أَمَّا إذَا مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَلِأَنَّ قَبْضَ الْبَاقِي وُجِدَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَتَقَرَّرَ قَبْضُهُ فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ،
-
وَكَذَا إذَا مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَبَضَ الْبَاقِيَ حَقِيقَةً، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ يُوجِبُ تَقَرُّرَ الثَّمَنِ فِي الْأَصْلِ إلَّا إذَا وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ مَا يُنْقِصُهُ فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا، وَالسِّرَايَةُ لَيْسَتْ فِعْلَهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هِيَ صُنْعُ اللَّهِ - تَعَالَى - يَعْنِي مَصْنُوعَةً فَبَقِيَ الْمَقْبُوضُ عَلَى حُكْمِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ، وَلِأَنَّ قَبْضَ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ فِيهِ؛
-
لِأَنَّ لِلْقَبْضِ شِبْهًا بِالْعَقْدِ، وَإِنْشَاءُ الشِّرَاءِ قَاطِعٌ لِلسِّرَايَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ سَرَتْ إلَى النَّفْسِ، وَمَاتَ، فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَإِذَا هَلَكَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي؛ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ،
-
وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِلْكُلِّ بِإِتْلَافِ الْبَعْضِ أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إتْلَافِ الْبَعْضِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْكُلِّ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْقَبْضِ أَوْ صَارَ قَابِضًا قَدْرَ الْمُتْلَفِ بِالْإِتْلَافِ، وَالْبَاقِي بِالتَّعْيِيبِ، فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ كُلُّ الثَّمَنِ وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي يُنْظَرُ إنْ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ مَاتَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ فِعْلَهُ السَّابِقَ وَقَعَ إتْلَافًا لِلْكُلِّ فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ كُلُّ الثَّمَنِ سَوَاءٌ مَنَعَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْبَائِعِ بَعْدَ وُجُودِ الْإِتْلَافِ مِنْ الْمُشْتَرِي هَدَرٌ،
-
وَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْجِنَايَةِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي أَيْضًا، وَعَلَيْهِ كُلُّ الثَّمَنِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِالْجِنَايَةِ صَارَ قَابِضًا لِكُلِّ الْمَبِيعِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُضُ قَبْضَهُ فَبَقِيَ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ لَزِمَ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ مَا اسْتَهْلَكَ، وَسَقَطَ عَنْهُ ثَمَنُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا مَنَعَ فَقَدْ نَقَضَ قَبْضَ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الْقَائِمِ، فَصَارَ مُسْتَرِدًّا إيَّاهُ.
-
فَإِذَا هَلَكَ فَقَدْ هَلَكَ فِي ضَمَانِهِ فَيَهْلِكُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ جِنَايَةِ
-
5/2415/241
الْبَائِعِ لِمَا قُلْنَا، وَلَزِمَهُ ثَمَنُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِلْبَاقِي بِجِنَايَتِهِ فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِتَعْيِيبِ الْبَائِعِ،
-
فَإِنْ ابْتَدَأَ الْمُشْتَرِي بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ جَنَى الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ فَإِنْ بَرِئَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَّةُ جِنَايَةِ الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ قَابِضًا بِالْجِنَايَةِ، لَكِنَّ الْجِنَايَةَ فِيهِ قَبْضٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ، وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ، فَلَمَّا جَنَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ فَقَدْ اسْتَرَدَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ، فَحَصَلَتْ جِنَايَتُهُ تَعْيِيبًا لِلْمَبِيعِ، وَحُدُوثُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ الْخِيَارَ فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ، وَسَقَطَتْ عَنْهُ جِنَايَةُ الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ الرُّبُعُ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ هَلَكَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَرُبُعٌ مِنْهُ قَائِمٌ يَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ أَيْضًا، وَالرُّبُعُ هَلَكَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُهُ.
-
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْجِنَايَتَيْنِ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَطَعَ يَدَهُ،
-
ثُمَّ قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ مَاتَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ، وَسَقَطَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا قَطَعَ يَدَهُ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا بِالْقَطْعِ، وَلَمَّا قَطَعَ الْبَائِعُ رِجْلَهُ فَقَدْ اسْتَرَدَّ نِصْفَ الْقَائِمِ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ الرُّبُعُ، فَبَقِيَ هُنَاكَ رُبُعٌ قَائِمٌ مِنْ الْعَبْدِ،
-
فَإِذَا سَرَتْ الْجِنَايَةُ؛ فَقَدْ هَلَكَ ذَلِكَ الرُّبُعُ مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَتَيْنِ، فَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ الرُّبُعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَانْكَسَرَ الْحِسَابُ بِالْأَرْبَاعِ، فَيُجْعَلُ كُلُّ سَهْمٍ أَرْبَعَةً، فَيَصِيرُ ثَمَانِيَةً، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا الْحِسَابَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ فَهَلَكَ بِجِنَايَةِ الْمُشْتَرِي النِّصْفُ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمٌ فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِمْ ثُمُنُهُ فَذَلِكَ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ، وَهَلَكَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ سَهْمَانِ وَبِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ سَهْمٌ فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ يَسْقُطُ عَنْهُ؛
-
لِأَنَّ هَلَاكَ هَذَا الْقَدْرِ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ هَذَا إذَا جَنَى الْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ جَنَى الْبَائِعُ فَبَرَأَتْ الْجِرَاحَةُ أَوْ سَرَتْ.
-
(فَأَمَّا) إذَا جَنَى الْبَائِعُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُشْتَرِي فَإِنْ بَرِئَ الْعَبْدُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي هَهُنَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْجِنَايَةِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْبَائِعِ دَلِيلُ الرِّضَا بِتَعْيِينِهِ، فَبَطَلَ خِيَارُهُ، وَيَلْزَمُهُ ثَمَنُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لِمَا بَقِيَ،
-
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ فَالْجَوَابُ هَهُنَا عَلَى الْقَلْبِ مِنْ الْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَلَاثَةَ أَثْمَانٍ، وَسَقَطَ عَنْهُ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الثَّمَنِ، فَحُكْمُ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي هَهُنَا كَحُكْمِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ هُنَاكَ لِمَا ذَكَرْنَا فَافْهَمْ.
-
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مَقْبُوضًا، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَجَنَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَنَى عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ جَنَى الْبَائِعُ يَلْزَمُ الْبَائِعُ مِنْ الْقِيمَةِ مَا يَلْزَمُ الْأَجْنَبِيَّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ قَابِضًا بِالْجِنَايَةِ،
-
وَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ نَقْضَ الْقَبْضِ، وَالِاسْتِرْدَادَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْبُوضٌ فَصَارَتْ جِنَايَتُهُ وَجِنَايَةُ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ،
-
وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ جَنَى أَوَّلًا،
-
ثُمَّ جَنَى الْمُشْتَرِي فَمَا هَلَكَ بِجِنَايَةِ الْبَائِعِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَمَا هَلَكَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا هَلَكَ بِجِنَايَتِهِ بَعْدَ جِنَايَةِ الْمُشْتَرِي تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَذَا مَا هَلَكَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، لَا شَكَّ فِيهِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْبَائِعُ الْجَانِيَ بِضَمَانِ مَا جَنَى،
-
وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَأَيُّهُمَا اخْتَارَ، فَالْحُكْمُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ كُلَّ الْمَبِيعِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ هَذَا إذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
-
فَأَمَّا إذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي؛ فَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ خَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي، فَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ،
-
وَكَذَا إذَا هَلَكَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا قُلْنَا، وَيَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا شَكَّ فِيهِ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ مُؤَجَّلًا فَهَذَا، وَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ سَوَاءٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ.
-
وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بِأَنْ كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالثَّمَنُ حَالٌ غَيْرُ مَنْقُودٍ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُتْلَفِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِذَلِكَ الْقَدْرِ بِالْإِتْلَافِ فَتَلِفَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي ضَمَانِهِ فَيَسْقُطُ قَدْرُهُ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَلَا يَكُونُ مُسْتَرِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إتْلَافُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الْبَاقِي فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا إذَا هَلَكَ الْبَاقِي مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَةِ الْبَائِعِ فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ تَلَفَ الْبَاقِي حَصَلَ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ فَصَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْكُلِّ فَتَلِفَ الْكُلُّ فِي ضَمَانِهِ فَيَسْقُطُ كُلُّ الثَّمَنِ.
-
وَلَوْ اخْتَلَفَ
-
5/2425/242
الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي هَلَاكِ الْمَبِيعِ فَقَالَ الْبَائِعُ: هَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلِيَ عَلَيْك الثَّمَنُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَلَا ثَمَنَ لَك عَلَيَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْقَبْضَ وَالثَّمَنَ، وَهُوَ يُنْكِرُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالْبَائِعُ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا، وَهُوَ الزَّوَالُ، وَالِانْتِقَالُ فَكَانَ الْمُشْتَرِي مُتَمَسِّكًا بِالْأَصْلِ الظَّاهِرِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،
-
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ،
-
وَلَوْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ يُقْضَى بِبَيِّنَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَمْرًا
-
بِخِلَافِ الظَّاهِرِ، وَمَا شُرِعَتْ الْبَيِّنَاتُ إلَّا لِهَذَا؛ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ إظْهَارًا؛ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْقَبْضَ وَالثَّمَنَ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْتِهْلَاكِ فَادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِمَا قُلْنَا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَيِّنَتَيْنِ تَارِيخٌ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُمَا تَارِيخٌ، وَتَارِيخُ إحْدَاهُمَا أَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ أَوْلَى بِالْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ جَمِيعًا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَبْضُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ظَاهِرًا،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ ظَاهِرًا فَادَّعَيَا الِاسْتِهْلَاكَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ،
-
وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا بَاطِنًا لِيُزِيلَ بِهِ ظَاهِرًا، وَهُوَ الِاسْتِهْلَاكُ مِنْ الْبَائِعِ، وَالْمَبِيعُ فِي يَدِهِ،
-
وَكَذَا الْمُشْتَرِي لَوْ تَرَكَ الدَّعْوَى يُتْرَكُ،
-
وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَالْبَائِعُ لَوْ تَرَكَ الدَّعْوَى لَا يُتْرَكُ بَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ عِبَارَةُ مَشَايِخِنَا فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
-
وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ، وَالثَّمَنُ حَالٌ غَيْرُ مَنْقُودٍ يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ صَارَ مُسْتَرِدًّا، وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَكِنَّ الثَّمَنَ مَنْقُودٌ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُضَمِّنَ الْبَائِعَ قِيمَةَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لَمْ يَكُنْ بِالِاسْتِهْلَاكِ مُسْتَرِدًّا،
-
وَلَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، فَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِهْلَاكُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ نَافِقَةً،
-
ثُمَّ كَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَخَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الْفُلُوسِ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفُلُوسَ فِي الذِّمَّةِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَحْتَمِلُ الْهَلَاكَ،
-
فَلَا يَكُونُ الْكَسَادُ هَلَاكًا بَلْ يَكُونُ عَيْبًا، فَيُوجِبُ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الْفُلُوسِ، كَمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ رُطَبًا فَانْقَطَعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْفُلُوسَ بِالْكَسَادِ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا ثَمَنًا؛ لِأَنَّ ثَمَنِيَّتَهَا ثَبَتَتْ بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ،
-
فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ التَّعَامُلَ بِهَا عَدَدًا؛ فَقَدْ زَالَ عَنْهَا صِفَةُ الثَّمَنِيَّةِ،
-
وَلَا بَيْعَ بِلَا ثَمَنٍ، فَيَنْفَسِخُ ضَرُورَةً،
-
وَلَوْ لَمْ تَكْسُدْ، وَلَكِنَّهَا رَخُصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ غَلَتْ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَنْقُدَ مِثْلَهَا عَدَدًا،
-
وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْقِيمَةِ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَ أَوْ الْغَلَاءَ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الثَّمَنِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ قَدْ تَرْخُصُ، وَقَدْ تَغْلُو وَهِيَ عَلَى حَالِهَا أَثْمَانٌ؟ ،
-
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَاعْتَبَرَ أَبُو يُوسُفَ وَقْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ الثَّمَنِ، وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ وَقْتَ الْكَسَادِ، وَهُوَ آخِرُ يَوْمٍ تَرَكَ النَّاسُ التَّعَامُلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ.
-
وَلَوْ اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا نَافِقَةً، وَقَبَضَهَا فَكَسَدَتْ فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِ مَا قَبَضَ مِنْ الْفُلُوسِ عَدَدًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَاجِبَ بِقَبْضِ الْقَرْضِ رَدُّ مِثْلِ الْمَقْبُوضِ وَبِالْكَسَادِ عَجْزٌ عَنْ رَدِّ الْمِثْلِ لِخُرُوجِهَا عَنْ رَدِّ الثَّمَنِيَّةِ، وَصَيْرُورَتِهَا سِلْعَةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ أَثَرَ الْكَسَادِ فِي بُطْلَانِ الثَّمَنِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الرَّدِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْرَضَهَا بَعْدَ الْكَسَادِ جَازَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَوْ لَمْ تَكْسُدْ، وَلَكِنَّهَا رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِ مَا قَبَضَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صِفَةَ الثَّمَنِيَّةِ بَاقِيَةٌ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ فُلُوسًا، وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْفُلُوسُ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ،
-
وَإِنْ انْتَقَضَ الْقَبْضُ، وَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الِافْتِرَاقَ حَصَلَ عَنْ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ دُونَ الْفُلُوسِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ، وَعَلَى
-
5/2435/243
بَائِعِ الْفُلُوسِ أَنْ يَنْقُدَ مِثْلَهَا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا، وَأَخَذَ قَدْرَ الْمُسْتَحَقِّ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى بَائِعِ الْفُلُوسِ أَنْ يَنْقُدَ مِثْلَ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا، وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْفُلُوسَ مِنْ الْفُلُوسِ الْكَاسِدَةِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ قَبْضَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِيمَا لَا يَتَضَمَّنُ يَكْفِي لِبَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَقَدْ وُجِدَ قَبْضُ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ الدَّرَاهِمُ،
-
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْفُلُوسَ، وَلَمْ يَنْقُدْ الدَّرَاهِمَ، وَافْتَرَقَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْفُلُوسُ فَالْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ نَقْدَ الْبَائِعِ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اسْتَنَدَتْ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ فَجَازَ النَّقْدُ وَالْعَقْدُ، وَيَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى بَائِعِ الْفُلُوسِ بِمِثْلِهَا، وَيَنْقُدُ الْمُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ لِبَائِعِ الْفُلُوسِ.
-
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِزْ، وَأَخَذَ الْفُلُوسَ، وَبَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُجِزْ، وَأَخَذَ الْفُلُوسَ فَقَدْ انْتَقَضَ الْقَبْضُ، وَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ افْتِرَاقَهُمَا حَصَلَ لَا عَنْ قَبْضٍ أَصْلًا فَبَطَلَ الْعَقْدُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْفُلُوسِ فَحُكْمُ الْبَعْضِ كَحُكْمِ الْكُلِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ،
-
وَلَوْ وَجَدَ الْفُلُوسَ كَاسِدَةً لَا تَرُوجُ بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُمَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ،
-
وَإِنْ وَجَدَهَا تَرُوجُ فِي بَعْضِ التِّجَارَةِ،
-
وَلَا تَرُوجُ فِي الْبَعْضِ أَوْ يَأْخُذُهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الدَّرَاهِمِ الزَّائِفَةِ إنْ تَجَوَّزَ بِهَا الْمُشْتَرِي جَازَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَصْلًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَجَوَّزْ بِهَا فَالْقِيَاسُ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ فِي الْمَرْدُودِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ يَبْطُلُ،
-
وَإِنْ اسْتَبْدَلَ لَا يَبْطُلُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ قَلِيلًا فَاسْتَبْدَلَ لَا يَبْطُلُ،
-
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَبْطُلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي السَّلَمِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ صِفَة الْحُكْمِ فَلَهُ صِفَتَانِ: إحْدَاهُمَا اللُّزُومُ حَتَّى لَا يَنْفَرِدَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بِالْفَسْخِ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ قَبْلَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ: الْحُلُولُ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ لِلْحَالِ؛
-
لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِتَمْلِيكٍ، وَهُوَ إيجَابُ الْمِلْكِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِلْحَالِ فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ فِي الْحَالِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَيَمْنَعُ وُقُوعَهُ تَمْلِيكًا لِلْحَالِ، وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبْضِ فَيَصِيرُ تَمْلِيكًا عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مِنْ التَّوَابِعِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ لِلْبَيْعِ.
-
(فَمِنْهَا) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي مَوَاضِعَ.
-
أَحَدُهَا فِي بَيَانِ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْبَدَلَيْنِ، وَمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ تَسْلِيمِهِمَا، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ، وَقْتِ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِمَا، وَالثَّالِثُ: فِي تَفْسِيرِ التَّسْلِيمِ، وَالْقَبْضِ، وَالرَّابِعُ: فِي بَيَانِ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لِلْمَبِيعِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَمَا لَا يَصِيرُ (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَتَسْلِيمُ الْبَدَلَيْنِ، وَاجِبٌ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ أَوْجَبَ الْمِلْكَ فِي الْبَدَلَيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمِلْكَ مَا ثَبَتَ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ، وَسِيلَةً إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمَمْلُوكِ،
-
وَلَا يَتَهَيَّأُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فَكَانَ إيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ شَرْعًا إيجَابًا لِتَسْلِيمِهِمَا ضَرُورَةً، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُبَادَلَةٍ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وَحَقِيقَةُ الْمُبَادَلَةِ فِي التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا أَخْذُ بَدَلٍ وَإِعْطَاءُ بَدَلٍ وَإِنَّمَا قَوْلُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَيْهِمَا، وَلِهَذَا كَانَ التَّعَاطِي بَيْعًا عِنْدَنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَالْعَدَّادِ، وَالذِّرَاعِ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ مُكَايَلَةً، وَمُوَازَنَةً، وَمُعَادَدَةً، وَمُذَارَعَةً أَنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ أَمَّا أُجْرَةُ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ فَلِأَنَّهَا مِنْ مُؤْنَاتِ الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ، وَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِيمَا يُبَاعُ مُكَايَلَةً وَمُوَازَنَةً مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الْبَائِعِ فَكَانَتْ مُؤْنَةُ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، وَالْعَدَدُ فِي الْمَعْدُودِ الَّذِي بِيعَ عَدَدًا بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ فَكَانَتْ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ التَّسْلِيمِ فَكَانَ مِنْ تَوَابِعِهِ كَالذَّرْعِ فِيمَا بِيعَ مُذَارَعَةً، فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ الْبَائِعُ،
-
وَكَذَا أُجْرَةُ وَزَّانِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا قُلْنَا (وَأَمَّا) أُجْرَةُ نَاقِدِ الثَّمَنِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: رَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْهُ أَنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْجَيِّدِ، وَالنَّقْدُ لِتَمْيِيزِ حَقِّهِ، فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ الدَّرَاهِمَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي؛
-
لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ ثَمَنٍ جَيِّدٍ، فَكَانَتْ مُؤْنَةُ تَسْلِيمِهِ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ كَانَ قَدْ قَبَضَهَا فَعَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ حَقَّهُ ظَاهِرًا فَإِنَّمَا يَطْلُبُ بِالنَّقْدِ إذَا أَدَّى فَكَانَ النَّاقِدُ عَامِلًا لَهُ، فَكَانَتْ أُجْرَةُ عَمَلِهِ عَلَيْهِ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَالْوُجُوبُ عَلَى التَّوَسُّعِ ثَبَتَ عَقِيبَ
-
5/2445/244
الْعَقْدِ بِلَا فَصْلٍ.
-
وَأَمَّا عَلَى التَّضْيِيقِ فَإِنْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَجَبَ تَسْلِيمُهُمَا مَعًا إذَا طَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِالتَّسْلِيمِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ مَطْلُوبَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَادَةً، وَتَحْقِيقُ التَّسَاوِي هَهُنَا فِي التَّسْلِيمِ مَعًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالتَّقْدِيمِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ تَبَايَعَا دَيْنًا بِدَيْنٍ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ يُرَاعَى فِيهِ التَّرْتِيبُ عِنْدَنَا فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلًا إذَا طَالَبَهُ الْبَائِعُ ثُمَّ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إذَا طَالَبَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ تَحْقِيقَ التَّسَاوِي فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
(وَأَمَّا) تَفْسِيرُ التَّسْلِيمِ، وَالْقَبْضِ فَالتَّسْلِيمُ، وَالْقَبْضُ عِنْدَنَا هُوَ التَّخْلِيَةُ، وَالتَّخَلِّي وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِرَفْعِ الْحَائِلِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَيُجْعَلُ الْبَائِعُ مُسَلِّمًا لِلْمَبِيعِ، وَالْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ،
-
وَكَذَا تَسْلِيمُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : الْقَبْضُ فِي الدَّارِ وَالْعَقَارِ وَالشَّجَرِ بِالتَّخْلِيَةِ.
-
وَأَمَّا فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَتَنَاوُلُهُمَا بِالْبَرَاجِمِ، وَفِي الثِّيَابِ بِالنَّقْلِ،
-
وَكَذَا فِي الطَّعَامِ إذَا اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً فَإِذَا اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً فَبِالْكَيْلِ، وَفِي الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ بِالسَّيْرِ مِنْ مَكَانِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَبْضِ هُوَ الْأَخْذُ بِالْبَرَاجِمِ؛ لِأَنَّهُ الْقَبْضُ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْأَخْذَ بِالْبَرَاجِمِ أُقِيمَ النَّقْلُ مَقَامَهُ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ أُقِيمَ التَّخْلِيَةُ مَقَامَهُ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ التَّسْلِيمَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ سَالِمًا خَالِصًا يُقَالُ: سَلَّمَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ أَيْ خَلَّصَ لَهُ، وَقَالَ - اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أَيْ سَالِمًا خَالِصًا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ فَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي هُوَ جَعْلُ الْمَبِيعِ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي أَيْ: خَالِصًا لَهُ بِحَيْثُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ فَكَانَتْ التَّخْلِيَةُ تَسْلِيمًا مِنْ الْبَائِعِ، وَالتَّخَلِّي قَبْضًا مِنْ الْمُشْتَرِي،
-
وَكَذَا هَذَا فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ،
-
وَمَنْ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيلُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي فِي وُسْعِهِ هُوَ التَّخْلِيَةُ وَرَفْعُ الْمَوَانِعِ،
-
فَأَمَّا الْإِقْبَاضُ فَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ بِالْبَرَاجِمِ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ لِلْقَابِضِ،
-
فَلَوْ تَعَلَّقَ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ بِهِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
ثُمَّ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ أَصْلَ الْقَبْضِ يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ قَبْضٌ تَامٌّ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الْمَذْرُوعَاتِ، وَالْمَعْدُودَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ فَالتَّخْلِيَةُ فِيهَا قَبْضٌ تَامٌّ بِلَا خِلَافٍ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى مَذْرُوعًا مُذَارَعَةً أَوْ مَعْدُودًا مُعَادَدَةً، وَوُجِدَتْ التَّخْلِيَةُ يَخْرُجُ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ،
-
وَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ الذَّرْعِ وَالْعَدِّ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ فَإِنْ بَاعَهُ مُجَازَفَةً فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ فِي بَيْعِ الْمُجَازَفَةِ،
-
وَإِنْ بَاعَ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَخَلَّى فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ يَخْرُجُ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي حَتَّى لَوْ هَلَكَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ يُمْلَكُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
-
وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ،
-
وَكَذَا لَوْ اكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ اتَّزَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ،
-
ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يَمْتَنِعَ بِهِ حَتَّى يَكِيلَهُ أَوْ يَزِنَهُ،
-
وَلَا يُكْتَفَى بِاكْتِيَالِ الْبَائِعِ أَوْ اتِّزَانِهِ مِنْ بَائِعِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرَى فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» .
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُكَالَ» .
-
لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ لِانْعِدَامِ الْقَبْضِ بِانْعِدَامِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ شَرْعًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى مَعَ حُصُولِ الْقَبْضِ بِتَمَامِهِ بِالتَّخْلِيَةِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهَا تَثْبُتُ شَرْعًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُرْمَةُ لِمَكَانِ انْعِدَامِ الْقَبْضِ عَلَى التَّمَامِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ بِدُونِ قَبْضِهِ أَصْلًا لَا يَجُوزُ بِدُونِ قَبْضِهِ بِتَمَامِهِ (وَجْهُ) قَوْلِ الْأَوَّلِينَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ؛
-
لِأَنَّ الْمُشْتَرَى يَصِيرُ سَالِمًا خَالِصًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ يَتَهَيَّأُ لَهُ تَقْلِيبُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ التَّخْلِيَةُ تَسْلِيمًا وَقَبْضًا فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ وَفِيمَا لَهُ مِثْلٌ إذَا بِيعَ مُجَازَفَةً، وَلِهَذَا يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ نَفْسِهَا بِلَا خِلَافٍ دَلَّ أَنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْضٌ إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ مَعَ وُجُودِ الْقَبْضِ بِتَمَامِهِ ثَبَتَ تَعَبُّدَا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الْآخَرِينَ تَعْلِيلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ:
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ