فَصْلٌ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 18437 to 18519
-
3/1803/180
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الطَّلَاقِ فَحُكْمُ الطَّلَاقِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّجْعِيِّ، وَالْبَائِنِ، وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ، وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ، أَمَّا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَهُ هُوَ نُقْصَانُ الْعَدَدِ،
-
فَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ، وَحِلُّ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ لَهُ لَازِمٍ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،
-
فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا بَلْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ زَوَالُ حِلِّ الْوَطْءِ مِنْ أَحْكَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
-
وَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمِلْكُ يَزُولُ فِي حَقِّ حِلِّ الْوَطْءِ لَا غَيْرُ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزُولُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ لِلْحَالِ،
-
فَلَا بُدَّ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ نَاجِزٌ، وَهُوَ زَوَالُ حِلِّ الْوَطْءِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الْحِلِّ وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ الزَّوَالِ فِي الْأَحْكَامِ حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهَا، وَالْخَلْوَةُ، وَيَزُولَ قَسَمُهَا، وَالْأَقْرَاءُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الرَّجْعَةَ رَدًّا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أَيْ: أَزْوَاجُهُنَّ ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ، وَالرَّدُّ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إعَادَةِ الْغَائِبِ فَيَدُلُّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ مِنْ وَجْهٍ.
-
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أَيْ: أَزْوَاجُهُنَّ وقَوْله تَعَالَى هُنَّ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُطَلَّقَاتِ.
-
سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى زَوْجَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَا يَكُونُ زَوْجًا إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَحَلَّ لِلرَّجُلِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى قِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَظِهَارُهُ، وَإِيلَاؤُهُ، وَيَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، وَيَتَوَارَثَانِ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ،
-
وَكَذَا يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَوْ كَانَ مِلْكُ النِّكَاحِ زَائِلًا مِنْ وَجْهٍ لَكَانَتْ الرَّجْعَةُ إنْ شَاءَ النِّكَاحِ عَلَى الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: الطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْحَالِ - فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ التَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ قَدْ يَظْهَرُ أَثَرُهُ لِلْحَالِ وَقَدْ يَتَرَاخَى عَنْهُ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَكَالتَّصَرُّفِ الْحِسِّيِّ، وَهُوَ الرَّمْيُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَجَازَ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ هَذَا الطَّلَاقِ بَعْدَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ، عَلَى أَنَّ لَهُ أَثَرًا نَاجِزًا، وَهُوَ نُقْصَانُ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَنُقْصَانُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ.
-
وَأَمَّا الْمُسَافَرَةُ بِهَا فَقَدْ قَالَ زُفَرُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ.
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ فَإِنَّمَا لَا تَحِلُّ لَا لِزَوَالِ الْمِلْكِ بَلْ لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُعْتَدَّاتِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ نَهَى الرِّجَالَ عَنْ الْإِخْرَاجِ، وَالنِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ فَيُسْقِطُ الزَّوْجُ الْعِدَّةَ بِالرَّجْعَةِ؛
-
لِتَزُولَ الْحُرْمَةُ ثُمَّ يُسَافِرُ.
-
وَأَمَّا الْخَلْوَةُ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الرَّجْعَةُ لَا يُكْرَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْمُرَاجَعَةُ يُكْرَهُ، لَكِنْ لَا لِزَوَالِ النِّكَاحِ وَارْتِفَاعِ الْحِلِّ بَلْ لِلْإِضْرَارِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ اسْتِيفَاءُ النِّكَاحِ بِالرَّجْعَةِ فَمَتَى خَلَا بِهَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا الْمِسَاسُ عَنْ شَهْوَةٍ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا لَهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ثَانِيًا فَيُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَتَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ ،
-
وَكَذَلِكَ الْقَسَمُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقَسَمُ لَخَلَا بِهَا فَيُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا لَكَانَ لَهَا الْقَسَمُ وَلَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا، وَإِنَّمَا احْتَسَبْنَا الْأَقْرَاءَ مِنْ الْعِدَّةِ لِانْعِقَادِ الطَّلَاقِ سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَالْحِلِّ لِلْحَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتِمُّ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ رَدًّا؛
-
لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُ اسْمِ الرَّدِّ عِنْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ زَوَالِ الْمِلْك بِدُونِ الزَّوَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنَّهُ يُطْلَقُ اسْمُ الرَّدِّ عِنْدَ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ عَنْ الْبَائِعِ وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الزَّوَالِ بِدُونِ الزَّوَالِ، وَيَكُونُ الرَّدُّ فَسْخًا لِلسَّبَبِ، وَمَنْعًا لَهُ عَنْ الْعَمَلِ فِي إثْبَاتِ الزَّوَالِ.
-
كَذَا هَهُنَا.
-
وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَشَوَّفَ، وَتَتَزَيَّنَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
وَيُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ لَعَلَّ زَوْجَهَا يُرَاجِعُهَا، وَعَلَى هَذَا يُبْنَى حَقُّ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ ثَابِتٌ لِلزَّوْجِ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ، أَمَّا عِنْدَنَا فَلِقِيَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِقِيَامِهِ فِيمَا وَرَاءَ حِلِّ الْوَطْءِ.
-
الرَّجْعَةِ
-
بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ
-
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الرَّجْعَةِ فِي
-
3/1813/181
مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الرُّكْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالرَّجْعَةُ مَشْرُوعَةٌ عُرِفَتْ شَرْعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْقُولِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أَيْ: رَجْعَتِهِنَّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ.
-
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رضي الله عنه مُرْ ابْنَك يُرَاجِعْهَا» الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ رضي الله عنها جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﷺ فَقَالَ لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا» ،
-
وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
-
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ؛ فَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إلَى الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ الرَّبُّ - سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﷻ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّدَارُكِ فَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الرَّجْعَةُ لَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ لِمَا عَسَى لَا تُوَافِقُهُ الْمَرْأَةُ فِي تَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهَا فَيَقَعُ فِي الزِّنَا.
-
بَيَانُ مَاهِيَّةِ الرَّجْعَةِ
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَاهِيَّةِ الرَّجْعَةِ فَالرَّجْعَةُ عِنْدَنَا: اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ، وَمَنْعُهُ مِنْ الزَّوَالِ، وَفَسْخُ السَّبَبِ الْمُنْعَقِدِ لِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: هِيَ اسْتِدَامَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ بِنَاءً، عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ، زَائِلٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ عِنْدَنَا قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الرَّجْعَةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ شَرْطٌ وَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَإِنْشَائِهِ لَا شَرْطُ الْبَقَاءِ، وَالرَّجْعَةُ اسْتِيفَاءُ الْعَقْدِ عِنْدَنَا،
-
فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَعِنْدَهُ هِيَ اسْتِيفَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَيُشْتَرَطُ لَهَا الشَّهَادَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ إنْ شَاءٌ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ اسْتِيفَاءٌ فَصَحَّ الْبِنَاءُ،
-
ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فَظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الشَّهَادَةِ.
-
وَلَنَا نُصُوصُ الرَّجْعَةِ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ مُطْلَقَةً عَنْ شَرْطِ الْإِشْهَادِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا إذْ لَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ،
-
فَلَا تُصَدِّقُهُ الْمَرْأَةُ فِي الرَّجْعَةِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَنُدِبَ إلَى الْإِشْهَادِ لِهَذَا.
-
وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى - قَالَ:
-
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الْفُرْقَةِ، وَالرَّجْعَةِ، أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِالْإِشْهَادِ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْفُرْقَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ.
-
كَذَا عَلَى الرَّجْعَةِ أَوْ تُحْمَلُ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ النُّصُوصِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ،
-
وَكَذَا لَا مَهْرَ فِي الرَّجْعَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا رِضَا الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَرَائِطِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا مِنْ شَرْطِ الْبَقَاءِ،
-
وَكَذَا إعْلَامُهَا بِالرَّجْعَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا بِالرَّجْعَةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ حَقُّهُ عَلَى الْخُلُوصِ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَالِاسْتِدَامَةِ،
-
فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إعْلَامُ الْغَيْرِ كَالْإِجَازَةِ فِي الْخِيَارِ لَكِنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَمُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ يُعْلِمْهَا بِالرَّجْعَةِ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ عِنْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، فَكَانَ تَرْكُ الْإِعْلَامِ فِيهِ تَسَبُّبًا إلَى عَقْدٍ حَرَامٍ عَسَى فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعْلِمَهَا.
-
وَلَوْ رَاجَعَهَا وَلَمْ يُعْلِمْهَا حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ عِدَّتِهَا، وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ صَحَّتْ بِدُونِ عِلْمِهَا فَتَزَوَّجَهَا الثَّانِي، وَهِيَ امْرَأَةُ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَصِحَّ،، وَعَلَى هَذَا تُبْنَى الرَّجْعَةُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ جَامَعَهَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ الرَّجْعَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الرَّجْعَةَ عِنْدَهُ إنْشَاءُ النِّكَاحِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْشَاءُ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْقَوْلِ، فَكَذَا إنْشَاؤُهُ مِنْ وَجْهٍ، وَعِنْدَنَا هِيَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
-
فَلَا تَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ، وَيُبْنَى أَيْضًا عَلَى حِلِّ الْوَطْءِ، وَحُرْمَتِهِ.
-
وَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْوَطْءَ لَمَّا كَانَ حَلَالًا عِنْدَنَا فَإِذَا وَطِئَهَا فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ الْوَطْءُ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ، وَرُبَّمَا لَا يُرَاجِعُهَا بِالْقَوْلِ بَلْ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَيَزُولَ الْمِلْكُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالطَّلَاقِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ فَيَزُولُ الْمِلْكُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ الطَّلَاقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمِلْكُ كَانَ زَائِلًا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ مِنْ وَجْهٍ، فَيَظْهَرُ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ حَرَامًا، فَجُعِلَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْوَطْءِ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْحَرَامِ
-
3/1823/182
وَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ،
-
فَلَا ضَرُورَةَ إلَى جَعْلِهِ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ ثُمَّ ابْتِدَاءُ الدَّلِيلِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ سَمَّى الرَّجْعَةَ رَدًّا، وَالرَّدُّ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» وقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَالْإِمْسَاكُ حَقِيقَةً يَكُونُ بِالْفِعْلِ،
-
وَكَذَا إنْ جَامَعَتْهُ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مَجْنُونٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَهَا عِنْدَنَا فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ رَجْعَةً لَصَارَتْ مُرْتَكِبَةً لِلْحَرَامِ عَلَى تَقْدِيرِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ مِنْ الزَّوْجِ فَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْهَا رَجْعَةً شَرْعًا ضَرُورَةَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَرَامِ؛ وَلِأَنَّ جِمَاعَهَا كَجِمَاعِهِ لَهَا فِي بَابِ التَّحْرِيمِ، فَكَذَا فِي بَابِ الرَّجْعَةِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ فَهُوَ مُرَاجِعٌ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ لَمَسَ أَوْ نَظَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يَكُ رَجْعَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ فِي الْجُمْلَةِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَابِلَةَ، وَالطَّبِيبَ يَنْظُرَانِ إلَى الْفَرْجِ، وَيَمَسُّ الطَّبِيبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ،
-
فَلَا ضَرُورَةَ إلَى جَعْلِهِ رَجْعَةً،
-
وَكَذَلِكَ إذَا نَظَرَ إلَى غَيْرِ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ.
-
وَيُكْرَهُ التَّقْبِيلُ، وَاللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُرَاجَعَةَ،
-
وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَرَاهَا مُتَجَرِّدَةً لِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
-
كَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَشْتَهِيَ فَيَصِيرَ مُرَاجِعًا مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ،
-
وَكَذَا لَا يَأْمَنُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَشْتَهِيَ فَيَصِيرَ بِهِ مُرَاجِعًا، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا فَيُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا فَتَتَضَرَّرُ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ ،
-
وَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ الْأَحْسَنَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَنَحْنَحَ، وَيُسْمِعَهَا خَفْقَ نَعْلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا حَرَامٌ وَلَكِنْ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَرَى الْفَرْجَ بِشَهْوَةٍ فَيَكُونَ رَجْعَةً بِغَيْرِ إشْهَادٍ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ نَظَرَ إلَى دُبُرِهَا مَوْضِعِ خُرُوجِ الْغَائِطِ بِشَهْوَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَجْعَةً كَذَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْأَخِيرُ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا إنَّهُ يَكُونُ رَجْعَةً ثُمَّ رَجَعَ، حَكَى إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ رُجُوعَهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْفَرْجِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ فَكَانَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالنَّظَرِ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ؛ وَلِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ إنَّمَا كَانَ رَجْعَةً لِكَوْنِ الْوَطْءِ حَلَالًا تَقْرِيرًا لِلْحِلِّ صِيَانَةً عَنْ الْحَرَامِ، وَالنَّظَرُ إلَى هَذَا الْمَحَلِّ عَنْ شَهْوَةٍ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ بِحَالٍ كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِ لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ بِحَالٍ،
-
فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الرَّجْعَةِ.
-
وَلَوْ نَظَرَتْ إلَى فَرْجِهِ بِشَهْوَةٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ رَجْعَةً، وَهَذَا قَبِيحٌ وَلَا يَكُونُ رَجْعَةً،
-
وَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ،
-
وَالصَّحِيحُ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا جَامَعَتْهُ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مَجْنُونٌ؛ وَلِأَنَّ النَّظَرَ حَلَالٌ لَهَا كَالْوَطْءِ فَيُجْعَلُ رَجْعَةً تَقْرِيرًا لِلْحِلِّ وَصِيَانَةً عَنْ الْحُرْمَةِ؛ وَلِأَنَّ النَّظَرَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ نَظَرَهَا إلَى فَرْجِهِ كَنَظَرِهِ إلَى فَرْجِهَا فِي التَّحْرِيمِ فَكَذَا فِي الرَّجْعَةِ.
-
وَلَوْ لَمَسَتْهُ لِشَهْوَةٍ مُخْتَلِسَةً أَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ اعْتَرَفَ الزَّوْجُ أَنَّهُ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَهُوَ رَجْعَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ سَوَّى بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي إذَا لَمَسَتْ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: هَهُنَا يَكُونُ رَجْعَةً، وَهُنَاكَ لَا يَكُونُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْجَارِيَةِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ فَرَّقَ فَقَالَ: ثَمَّةَ يَكُونُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ، وَهَهُنَا لَا يَكُونُ رَجْعَةً، وَفِي رِوَايَةٍ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَالَ: فِعْلُهَا لَا يَكُونُ رَجْعَةً هَهُنَا وَلَا فِعْلُ الْأَمَةِ يَكُونُ إجَازَةً ثَمَّةَ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ بُطْلَانَ الْخِيَارِ لَا يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الْمُشْتَرِي بَلْ قَدْ يَبْطُلُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَمَا إذَا تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ،
-
فَأَمَّا الرَّجْعَةُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ إلَّا بِاخْتِيَارِ الزَّوْجِ حَتَّى قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّهَا إذَا لَمَسَتْهُ فَتَرَكَهَا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا كَانَ ذَلِكَ رَجْعَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَكَّنَهَا مِنْ اللَّمْسِ فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمَسَهَا،
-
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا ابْتَدَأَتْ اللَّمْسَ، وَهُوَ مُطَاوِعٌ لَهَا أَنَّهُ يَكُونُ رَجْعَةً لِمَا قُلْنَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ إسْقَاطَ الْخِيَارِ إدْخَالُ الشَّيْءِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ الرَّجْعَةُ إدْخَالَ الْمَرْأَةِ عَلَى مِلْكِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ فَصَحَّتْ الرَّجْعَةُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّ اللَّمْسَ حَلَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَنَا فَلَزِمَ تَعَذُّرُ الْحِلِّ فِيهِ، وَصِيَانَتُهُ عَنْ الْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ رَجْعَةً عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ كَمَا قَالَ فِي الْجَارِيَةِ إنَّ اللَّمْسَ مِنْهَا لَوْ لَمْ يُجْعَلْ إجَازَةً لِلْبَيْعِ، وَرُبَّمَا يُفْسَخُ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ اللَّمْسَ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ وَجْهٍ، وَمَا
-
3/1833/183
ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تُعْتَبَرُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا جَامَعَتْهُ، وَهُوَ نَائِمٌ أَنَّهُ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّ إسْقَاطَ الْخِيَارِ إدْخَالُ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ بَلْ الْمَبِيعُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ عَلَى أَنَّ هَذَا فَرْقًا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ لَا يَقْدَحُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ.
-
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ صَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ لَكَانَ ذَلِكَ رَجْعَةً؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ قَامُوا مَقَامَهُ فَكَأَنَّهُ صَدَّقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ،
-
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ،
-
فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ،
-
وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الْجِمَاعِ قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مَعْنًى يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَيُشَاهَدُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطِ الشَّهْوَةِ فَتُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ.
-
رُكْنُ الرَّجْعَةِ
-
وَأَمَّا رُكْنُ الرَّجْعَةِ فَهُوَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الرَّجْعَةِ: أَمَّا الْقَوْلُ فَنَحْوُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: رَاجَعْتُك أَوْ رَدَدْتُك أَوْ رَجَعْتُك أَوْ أَعَدْتُك أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي أَوْ رَاجَعْتهَا أَوْ رَدَّدْتهَا أَوْ أَعَدْتهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ رَدٌّ، وَإِعَادَةٌ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى،
-
وَلَوْ قَالَ لَمَّا نَكَحْتُك أَوْ تَزَوَّجْتُك كَانَ رَجْعَةً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ رَجْعَةً؛ وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ قَوْلُهُ: نَكَحْتُك إثْبَاتَ الثَّابِتِ، وَأَنَّهُ مُحَالٌ فَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ شَرْعًا فَلَمْ يَكُنْ رَجْعَةً
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ رَاجَعْتُك؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِثْبَاتِ النِّكَاحِ بَلْ هُوَ اسْتِيفَاءُ النِّكَاحِ الثَّابِتِ، وَأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ زَوَالِهِ، وَالرَّجْعَةُ فَسْخُ السَّبَبِ، وَمَنْعٌ لَهُ عَنْ الْعَمَلِ فَيَصِحُّ.
-
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النِّكَاحَ،
-
وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا حَقِيقَةً لَكِنْ الْمَحَلُّ لَا يَحْتَمِلُ الْإِثْبَاتَ فَيُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ اسْتِيفَاءِ الثَّابِتِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَابَهَةِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ قِيلَ فِي أَحَدِ تَأْوِيلَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أَيْ: أَزْوَاجُهُنَّ أَحَقُّ بِنِكَاحِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَالِ، وَالنِّكَاحُ الْمُضَافُ إلَى الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الرَّجْعِيَّةِ بِالنِّكَاحِ.
-
وَأَمَّا الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى الرَّجْعَةِ فَهُوَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَهُنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا،، وَوَجْهُ دَلَالَةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا عِنْدَنَا،
-
فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَلَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.