Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

فَصْلٌ مَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلهُ فِي إحرامه

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 11485 to 11582

  1. 2/1922/192

    (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى الطِّيبِ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَقَضَاءِ التَّفَثِ: فَحَلْقُ الشَّعْرِ، وَقَلْمُ الظُّفْرِ.

  3. أَمَّا الْحَلْقُ فَنَقُولُ: " لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الْمُحْرِمُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ» «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْحَاجُّ؟ فَقَالَ: الشَّعِثُ التَّفِثُ» وَحَلْقُ الرَّأْسِ يُزِيلُ الشَّعَثَ وَالتَّفَثَ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِارْتِفَاقِ بِمَرَافِقِ الْمُقِيمِينَ، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ نَبَاتٍ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ، كَالنَّبَاتِ الَّذِي اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ وَهُوَ الشَّجَرُ وَالْخَلَى.

  4. وَكَذَا لَا يُطْلِي رَأْسَهُ بِنُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَلْقِ؛

  5. وَكَذَا لَا يُزِيلُ شَعْرَةً مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلَا يُطْلِيهَا بِالنُّورَةِ لِمَا قُلْنَا.

  6. فَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَإِنْ حَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ،

  7. وَإِنْ حَلَقَهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ عز وجل :

  8. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ فَخُيِّرَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ تَخْفِيفًا وَتَيْسِيرًا،

  9. وَإِنْ حَلَقَ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ،

  10. وَإِنْ حَلَقَ دُونَ الرُّبُعِ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ كَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الِاخْتِلَافَ فَقَالَ: " إذَا حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ " فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.

  11. وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَحْلِقْ أَكْثَرَ رَأْسِهِ.

  12. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْحَاكِمِ: إذَا حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.

  13. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إذَا حَلَقَ أَكْثَرَهُ يَجِبُ.

  14. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: إذَا حَلَقَ شَعْرَهُ يَجِبُ.

  15. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " إذَا حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ يَجِبُ " وَقَالَ مَالِكٌ: " لَا يَجِبُ إلَّا بِحَلْقِ الْكُلِّ " وَعَلَى هَذَا إذَا حَلَقَ لِحْيَتَهُ أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ رُبُعَهَا، احْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَالرَّأْسُ اسْمٌ لِكُلِّ هَذَا الْمَحْدُودِ.

  16. وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الثَّلَاثَ جَمْعٌ صَحِيحٌ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَلِهَذَا قَامَ مَقَامَ الْكُلِّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ نَبَاتٌ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَيَسْتَوِي فِيهِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَالنَّبَاتِ الَّذِي اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ مِنْ الشَّجَرِ وَالْخَلَى.

  17. وَأَمَّا الْكَلَامُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الْكَثِيرِ يُوجِبُ الدَّمَ، وَالْقَلِيلِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا دُونَ الرُّبُعِ قَلِيلًا، وَالرُّبُعَ وَمَا فَوْقَهُ كَثِيرًا، وَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ جَعَلَا مَا دُونَ النِّصْفِ قَلِيلًا، وَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ كَثِيرًا، وَالْوَجْهُ لَهُمَا: أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِمُقَابِلِهِ،

  18. فَإِنْ كَانَ مُقَابِلُهُ قَلِيلًا فَهُوَ كَثِيرٌ،

  19. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ قَلِيلٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهُ كَثِيرٌ فَكَانَ هُوَ قَلِيلًا، وَالْوَجْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الرُّبُعَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ بِمَنْزِلَةِ الْكُلِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ عَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَجْيَالِ مِنْ الْعَرَبِ، وَالتُّرْكِ، وَالْكُرْدِ الِاقْتِصَارَ عَلَى حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَلِذَا يَقُولُ الْقَائِلُ: رَأَيْت فُلَانًا يَكُونُ صَادِقًا فِي مَقَالَتِهِ،

  20. وَإِنْ لَمْ يَرَ إلَّا أَحَدَ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَلِهَذَا أُقِيمَ مَقَامَ الْكُلِّ فِي الْمَسْحِ، وَفِي الْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِأَنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ لِلتَّحَلُّلِ

  21. 2/1932/193

    وَالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ وَيَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ، فَكَانَ حَلْقُ رُبُعِ الرَّأْسِ ارْتِفَاقًا كَامِلًا فَكَانَتْ جِنَايَةً كَامِلَةً، فَيُوجِبُ كَفَّارَةً كَامِلَةً.

  22. وَكَذَا حَلْقُ رُبُعِ اللِّحْيَةِ لِأَهْلِ بَعْضِ الْبِلَادِ مُعْتَادٌ كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا، فَكَانَ حَلْقُ الرُّبُعِ مِنْهَا كَحَلْقِ الْكُلِّ،

  23. وَلَا حُجَّةَ لِمَالِكٍ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَهْيًا عَنْ حَلْقِ الْكُلِّ، وَذَا لَا يَنْفِي النَّهْيَ عَنْ حَلْقِ الْبَعْضِ، فَكَانَ تَمَسُّكًا بِالْمَسْكُوتِ، فَلَا يَصِحُّ.

  24. وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ آخِذَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لَا يُسَمَّى حَالِقًا فِي الْعُرْفِ،

  25. فَلَا يَتَنَاوَلُهُ نَصُّ الْحَلْقِ، كَمَا لَا يُسَمَّى مَاسِحُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مَاسِحًا فِي الْعُرْفِ، حَتَّى لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نَصُّ الْمَسْحِ، عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الدَّمِ مُتَعَلِّقٌ بِارْتِفَاقٍ كَامِلٍ، وَحَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لَيْسَ بِارْتِفَاقٍ كَامِلٍ،

  26. فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً كَامِلَةً، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ نَبَاتٌ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ،

  27. وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَذَا يَقِفُ عَلَى ارْتِفَاقٍ كَامِلٍ وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا: إنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ يُعْرَفُ بِالْمُقَابَلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرُّبُعَ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَيُعْمَلُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ.

  28. وَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ، أَوْ لَمَسَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَانْتَثَرَ مِنْهُ شَعْرَةٌ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِوُجُودِ الِارْتِفَاقِ بِإِزَالَةِ التَّفَثِ، هَذَا إذَا حَلَقَ رَأْسَ نَفْسِهِ.

  29. فَأَمَّا إذَا حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ فَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ عِنْدَنَا.

  30. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: " لَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ " .

  31. وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ لِوُجُودِ الِارْتِفَاقِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَالِقِ، وَلَنَا أَنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَالْإِنْسَانُ لَا يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ غَيْرِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ نَفْسِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ،

  32. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ، لِعَدَمِ الِارْتِفَاقِ فِي حَقِّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوقُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا لِمَا قُلْنَا، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَلَالًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ، لِحُصُولِ الِارْتِفَاقِ الْكَامِلِ لَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَلْقُ بِأَمْرِ الْمَحْلُوقِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ مُكْرَهًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

  33. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا لَكِنَّهُ سَكَتَ فَفِيهِ وَجْهَانِ،

  34. وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَسْلُبُ الْحَظْرَ، وَكَمَالُ الِارْتِفَاقِ مَوْجُودٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْجَزَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْحَالِقِ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْحَالِقَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي عُهْدَةِ الضَّمَانِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَلَنَا أَنَّ الِارْتِفَاقَ الْكَامِلَ حَصَلَ لَهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، إذْ لَوْ رَجَعَ لَسَلِمَ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ.

  35. وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَالْمَغْرُورِ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ وَغَرِمَ الْعُقْرَ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَارِّ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا وَإِنْ كَانَ الْحَالِقُ حَلَالًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْمَحْلُوقِ مَا ذَكَرنَا.

  36. وَإِنْ حَلَقَ شَارِبَهُ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِبَ تَبَعٌ لِلِّحْيَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْبُتُ تَبَعًا لِلِّحْيَةِ وَيُؤْخَذُ تَبَعًا لِلِّحْيَةِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ قَلِيلٌ،

  37. فَلَا يَتَكَامَلُ مَعْنَى الْجِنَايَةِ، وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مُحْرِمٌ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَهِيَ أَنْ يَنْظُرَ كَمْ تَكُونُ مَقَادِيرُ أَدْنَى مَا يَجِبُ فِي اللِّحْيَةِ مِنْ الدَّمِ؟ وَهُوَ الرُّبُعُ، فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ مِثْلَ رُبُعِ اللِّحْيَةِ، يَجِبُ رُبُعُ قِيمَةِ الشَّاةِ؛

  38. لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلِّحْيَةِ، وَقَوْلُهُ " أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ " إشَارَةً إلَى الْقَصِّ، وَهُوَ السُّنَّةُ فِي الشَّارِبِ لَا الْحَلْقُ.

  39. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ: أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْحَلْقُ، وَنُسِبَ ذَلِكَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله ،

  40. وَالصَّحِيحُ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْقَصُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ تَبَعُ اللِّحْيَةِ، وَالسُّنَّةُ فِي اللِّحْيَةِ الْقَصُّ لَا الْحَلْقُ، كَذَا فِي الشَّارِبِ؛ وَلِأَنَّ الْحَلْقَ يَشِينُهُ وَيَصِيرُ بِمَعْنَى الْمُثْلَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ سُنَّةً فِي اللِّحْيَةِ، بَلْ كَانَ بِدْعَةً، فَكَذَا فِي الشَّارِبِ.

  41. وَلَوْ حَلَقَ الرَّقَبَةَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ كَامِلٌ مَقْصُودٌ بِالِارْتِفَاقِ بِحَلْقِ شَعْرِهِ، فَتَجِبُ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ.

  42. وَلَوْ نَتَفَ مِنْ أَحَدِ الْإِبْطَيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا قُلْنَا،

  43. وَلَوْ نَتَفَ الْإِبْطَيْنِ جَمِيعًا تَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ وَاحِدٌ، وَالْحَاظِرُ وَاحِدٌ، وَالْجِهَةُ غَيْرُ مُتَقَوَّمَةٍ فَتَكْفِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.

  44. وَلَوْ نَتَفَ مِنْ أَحَدِ الْإِبْطَيْنِ أَكْثَرَهُ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَدَنِ لَا يُقَامُ مَقَامَ كُلِّهِ،

  45. بِخِلَافِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَالرَّقَبَةِ وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ،

  46. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِبْطِ النَّتْفَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ النَّتْفُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْحَلْقُ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ.

  47. وَلَوْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.

  48. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: " فِيهِ صَدَقَةٌ " .

  49. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ: مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْحَلْقِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِحَلْقِهِ دَمٌ كَحَلْقِ الشَّارِبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْحَلْقِ لَا تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِحَلْقِهِ،

  50. فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ

  51. 2/1942/194

    وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِقُ لِلْحِجَامَةِ لَا لِنَفْسِهِ، وَالْحِجَامَةُ لَا تُوجِبُ الدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَكَذَا مَا يَفْعَلُ لَهَا؛ وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّعْرِ قَلِيلٌ فَأَشْبَهَ الصَّدْرَ وَالسَّاعِدَ وَالسَّاقَ،

  52. وَلَا يَجِبُ بِحَلْقِهَا دَمٌ بَلْ صَدَقَةٌ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى حَلْقِهِ؛ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ أَمْرٌ مَقْصُودٌ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا؛ لِاسْتِفْرَاغِ الْمَادَّةِ الدَّمَوِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يُحْلَقُ تَبَعًا لِلرَّأْسِ وَلَا لِلرَّقَبَةِ فَأَشْبَهَ حَلْقَ الْإِبْطِ وَالْعَانَةِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِالْحَلْقِ: الْعَمْدُ، وَالسَّهْوُ، وَالطَّوْعُ، وَالْكُرْهُ عِنْدَنَا وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْمُفْرِدُ، وَالْقَارِنُ غَيْرَ أَنَّ الْقَارِنَ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ عِنْدَنَا لِكَوْنِهِ مُحْرِمًا بِإِحْرَامَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

  53. وَأَمَّا قَلْمُ الظُّفْرِ فَنَقُولُ: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَلْمُ أَظْفَارِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى قَضَاءَ التَّفَثِ عَلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي بِقَوْلِهِ عز وجل : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ،

  54. فَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ؛ وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمَرَافِقِ الْمُقِيمِينَ، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ نَبَاتٍ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَهُوَ النَّبَاتُ الَّذِي اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ،

  55. فَإِنْ قَلَمَ أَظَافِيرَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَتَكَامَلَتْ الْجِنَايَةُ فَتَجِبُ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ.

  56. وَإِنْ قَلَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِكُلِّ ظُفْرٍ نِصْفُ صَاعٍ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.

  57. وَقَالَ زُفَرُ: " إذَا قَلَمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَظَافِيرَ مِنْ الْيَدِ أَكْثَرُهَا، وَالْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ، وَلِأَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ: أَنَّ قَلْمَ مَا دُونَ الْيَدِ لَيْسَ بِارْتِفَاقٍ كَامِلٍ فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً كَامِلَةً.

  58. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ " فَنَقُولُ: إنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ قَدْ أُقِيمَتْ مَقَامَ كُلِّ الْأَطْرَافِ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَمَا أُقِيمَ مَقَامَ الْكُلِّ لَا يَقُومُ أَكْثَرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا فِي الرَّأْسِ أَنَّهُ لَمَّا أُقِيمَ الرُّبُعُ فِيهِ مَقَامَ الْكُلِّ، لَا يُقَامُ أَكْثَرُ الرُّبُعِ مَقَامَهُ، وَهَذَا؛

  59. لِأَنَّهُ لَوْ أُقِيمَ أَكْثَرُ مَا أُقِيمَ مَقَامَ الْكُلِّ مَقَامَهُ؛ لَأُقِيمَ أَكْثَرُ أَكْثَرِهِ مَقَامَهُ فَيُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ التَّقْدِيرِ أَصْلًا وَرَأْسًا.

  60. وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

  61. فَإِنْ قَلَمَ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مُتَفَرِّقَةَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، لِكُلِّ ظُفْرٍ نِصْفُ صَاعٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ.

  62. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ " دَمٌ "،

  63. وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَمَ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةَ أَظَافِيرَ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَهُمَا،

  64. وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ جُمْلَتُهَا سِتَّةَ عَشَرَ ظُفْرًا،

  65. وَيَجِبُ فِي كُلِّ ظُفْرٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، إلَّا إذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ دَمًا فَيُنْقِصَ مِنْهُ مَا شَاءَ.

  66. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ دَمٌ، فَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْخَمْسَةِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ التَّفَرُّقَ وَالِاجْتِمَاعَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَا مَعَ عَدَدِ الْخَمْسَةِ صِفَةَ الِاجْتِمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَحِلٍّ وَاحِدٍ.

  67. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ قَلْمَ أَظَافِيرِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إنَّمَا أَوْجَبَ الدَّمَ لِكَوْنِهَا رُبُعَ الْأَعْضَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي فِيهِ الْمُجْتَمِعُ وَالْمُتَفَرِّقُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْأَرْشِ بِأَنْ قَطَعَ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مُتَفَرِّقَةٍ فَكَذَا هَذَا، وَلَهُمَا أَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَجِبُ بِارْتِفَاقٍ كَامِلٍ،

  68. وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْقَلْمِ مُتَفَرِّقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْنٌ وَيَصِيرُ مُثْلَةً،

  69. فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ،

  70. وَيَجِبُ فِي كُلِّ ظُفْرٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَةَ الطَّعَامِ دَمًا يُنْقِصُ مِنْهُ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الدَّمَ لِعَدَمِ تَنَاهِي الْجِنَايَةِ لِعَدَمِ ارْتِفَاقٍ كَامِلٍ،

  71. فَلَا يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَ قِيمَةَ الدَّمِ فَإِنْ اخْتَارَ الدَّمَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ،

  72. فَإِنْ قَلَمَ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُكَفِّرْ،

  73. ثُمَّ قَلَمَ أَظَافِيرَ يَدِهِ الْأُخْرَى، أَوْ رِجْلِهِ الْأُخْرَى،

  74. فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ دَمٌ لِمَا سَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،

  75. وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ.

  76. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: " عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ " وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَلَمَ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وَحَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ، وَطَيَّبَ عُضْوًا وَاحِدًا أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ جِنْسٍ دَمًا عَلَى حِدَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْمَعُوا فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَامَعَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَأَكَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَشَرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنَّهُ إنْ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى،

  77. وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ جَعَلَا اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ كَاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَمُحَمَّدٌ جَعَلَ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ كَاتِّحَادِهِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَطَعَ أَظَافِيرَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِقَلْمِ أَظَافِيرِ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ يَدٍ

  78. 2/1952/195

    أَوْ رِجْلٍ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.

  79. وَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَجِبُ لِحُصُولِ الِارْتِفَاقِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ فَتَتَكَامَلُ الْكَفَّارَةُ، وَقَلْمُ أَظَافِيرِ كُلِّ عُضْوٍ ارْتِفَاقٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيَسْتَدْعِي كَفَّارَةً عَلَى حِدَةٍ.

  80. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ وَاحِدٌ حَظَرَهَا إحْرَامٌ وَاحِدٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمَةٍ،

  81. فَلَا يُوجِبُ إلَّا دَمًا وَاحِدًا، كَمَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ أَنَّهُ إذَا حَلَقَ الرُّبُعَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ.

  82. وَلَوْ حَلَقَ الْكُلَّ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،

  83. وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ يَجِبُ لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.

  84. وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ انْهَتَكَ حُرْمَتُهُ بِقَلْمِ أَظَافِيرِ الْعُضْوِ الْأَوَّلِ، وَهَتْكُ الْمَهْتُوكِ لَا يُتَصَوَّرُ،

  85. فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى وَلِهَذَا لَا يَجِبُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى بِالْإِفْطَارِ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ جَبْرًا لَهَا، وَقَدْ انْهَتَكَ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ،

  86. فَلَا يُتَصَوَّرُ هَتْكًا بِالْإِفْسَادِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، كَذَا هَذَا،

  87. بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ انْجَبَرَ الْهَتْكُ بِالْكَفَّارَةِ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَعَادَتْ حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ،

  88. فَإِذَا هَتَكَهَا تَجِبُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى جَبْرًا لَهَا كَمَا فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ، وَلَهُمَا أَنَّ كَفَّارَةَ الْإِحْرَامِ تَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ قَائِمٌ فَكَانَ كُلُّ فِعْلٍ جِنَايَةً عَلَى حِدَةٍ عَلَى الْإِحْرَامِ فَيَسْتَدْعِي كَفَّارَةً عَلَى حِدَةٍ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ جُعِلَتْ الْجِنَايَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ حَقِيقَةً مُتَّحِدَةً حُكْمًا؛

  89. لِأَنَّ الْمَجْلِسَ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ جَامِعًا لِلْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ،

  90. فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ أَعْطَى لِكُلِّ جِنَايَةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا، فَيُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا،

  91. بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ بَلْ جَبْرًا لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ.

  92. وَحُرْمَةُ الشَّهْرِ وَاحِدَةٌ لَا تَتَجَزَّأُ، وَقَدْ انْهَتَكَتْ حُرْمَتُهُ بِالْإِفْطَارِ الْأَوَّلِ،

  93. فَلَا يُحْتَمَلُ الْهَتْكُ ثَانِيًا.

  94. وَلَوْ قَلَمَ أَظَافِيرَ يَدٍ لِأَذًى فِي كَفِّهِ فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا حَظَرَهُ الْإِحْرَامُ إذَا فَعَلَهُ الْمُحْرِمُ عَنْ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ فَكَفَّارَتُهُ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.

  95. وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُ الْمُحْرِمِ فَانْقَطَعَتْ مِنْهُ شَظِيَّةٌ فَقَلَعَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهَا كَالزَّائِدَةِ؛ وَلِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ احْتِمَالِ النَّمَاءِ فَأَشْبَهَتْ شَجَرَ الْحَرَمِ إذَا يَبِسَ فَقَطَعَهُ إنْسَانٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَذَا هَذَا،

  96. وَإِنْ قَلَمَ الْمُحْرِمُ أَظَافِيرَ حَلَالٍ أَوْ مُحْرِمٍ أَوْ قَلَمَ الْحَلَالُ أَظَافِيرَ مُحْرِمٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَلْقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  97. وَالذِّكْرُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالطَّوْعُ وَالْكُرْهُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِالْقَلْمِ سَوَاءٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ،

  98. وَكَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، إلَّا أَنَّ عَلَى الْقَارِنِ ضِعْفَ مَا عَلَى الْمُفْرِدِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.