فَصْلٌ فِي بَيَان حُكْمِ اخْتِلَافِ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 25272 to 25335
-
5/305/30
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ اخْتِلَافِ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي فَاخْتِلَافُهُمَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الثَّمَنِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَبِيعِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى صِفَةِ الْمَبِيعِ؛ أَمَّا.
-
الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الثَّمَنِ فَلَا يَخْلُو.
-
إمَّا أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي قَدْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي صِفَتِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْجِنْسِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا بَلْ
-
5/315/31
بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ بِهَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْرَفُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ مِنْ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وُجِدَ مِنْهُ لَا مِنْ الشَّفِيعِ فَكَانَ أَعْرَفَ بِهِ مِنْ الشَّفِيعِ فَيَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الْجِنْسِ إلَيْهِ.
-
وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفَيْنِ وَقَالَ الشَّفِيعُ: بِأَلْفٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الشَّفِيعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي التَّمَلُّكَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ وَلَوْ صَدَّقَ الْبَائِعُ الشَّفِيعَ بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ بِأَلْفٍ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِالْأَلْفِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَكُنْ نَقَدَ الثَّمَنَ؛
-
لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَكُنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَالتَّمَلُّكُ يَقَعُ عَلَيْهِ بِتَمْلِيكِهِ فَيَرْجِعُ فِي مِقْدَارِ مَا مَلَكَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ لَوْ وَقَعَ بِأَلْفٍ كَمَا قَالَهُ الْبَائِعُ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِهِ وَإِنْ وَقَعَ بِأَلْفَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي كَانَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِعْتُ بِأَلْفٍ حَطَّ بَعْضِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَحَطُّ بَعْضِ الثَّمَنِ يَصِحُّ وَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى مَا مَرَّ.
-
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى تَصْدِيقِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَبِيعِ أَصْلًا وَصَارَ أَجْنَبِيًّا فَالْتُحِقَ تَصْدِيقُهُ بِالْعَدَمِ،
-
وَقِيلَ إنَّهُ يُرَاعَى التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي تَصْدِيقِ الْبَائِعِ فَإِنْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ الدَّارَ بِأَلْفٍ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُهَا بِأَلْفٍ،
-
وَإِنْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهُوَ الْأَلْفُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ فَقَالَ بِعْتُ بِأَلْفٍ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فَهُوَ بِقَوْلِهِ قَبَضْتُ الثَّمَنَ يُرِيدُ إسْقَاطَ حَقٍّ مُتَعَلِّقٍ بِقَوْلِهِ فَلَا يُصَدَّقُ،
-
وَإِذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ فَقَدْ صَارَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.
-
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنهما أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَأَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَلْفٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَالتَّمَلُّكُ يَقَعُ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ،
-
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ مَعَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ وَالدَّارُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ مَعَ الْمُشْتَرِي يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ، وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ الدَّارَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ إنْ شَاءَ، أَمَّا التَّحَالُفُ وَالتَّرَادُّ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» .
-
وَأَمَّا أَخْذُ الشَّفِيعِ بِقَوْلِ الْبَائِعِ " إنْ شَاءَ " ؛ فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَالتَّمَلُّكُ يَقَعُ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ قَوْلُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا عَلَى مَا بَيَّنَّا هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ لَا لِلشَّفِيعِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي،
-
فَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي تُظْهِرُ زِيَادَةً فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُ بِأَلْفَيْنِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِأَلْفٍ، وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ لِمَا قُلْنَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تُظْهِرُهَا إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ لَا مُعَارِضَ لَهَا فَتُقْبَلُ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ لِخُلُوِّهَا عَنْ الْمُعَارِضِ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْقَبُولِ فِي الْكُلِّ فَتُقْبَلُ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً، وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُظْهِرَةَ لِلزِّيَادَةِ مُثْبِتَةٌ وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ يَتَرَجَّحُ عَلَى النَّافِي.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه طَرِيقَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا ذَكَرَهَا أَبُو يُوسُفَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا، وَالثَّانِيَةُ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ وَأَخَذَ بِهَا أَمَّا الْأُولَى فَهِيَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ جُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي قَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَالْمُدَّعِي هَهُنَا هُوَ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الْخُصُومَةِ فِي الشُّفْعَةِ بَلْ إذَا تَرَكَهَا تَرَكَ وَالْمُشْتَرِي مَجْبُورٌ عَلَى التَّمَلُّكِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَ الْخُصُومَةَ لَا يَتْرُكُ فَكَانَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا هُوَ الشَّفِيعُ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ حُجَّتَهُ.
-
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَا أَمْكَنَ وَهَهُنَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ بِأَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ وُجِدَ عَقْدَانِ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ؛
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ بِأَلْفٍ ثُمَّ بَاعَ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِأَلْفٍ دَلَّ أَنَّ الْبَيْعَيْنِ قَائِمَانِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَأَنَّ الْفَسْخَ الْأَوَّلَ فِي حَقِّهِمَا فَأَمْكَنَ تَقْدِيرُ عَقْدَيْنِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَمَّا عَلَى الطَّرِيقِ الْأُولَى؛ فَلِأَنَّ الْبَائِعَ هُنَاكَ هُوَ
-
5/325/32
الْمُدَّعِي فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ حُجَّتَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ وَالْمُشْتَرِي مَجْبُورٌ عَلَيْهَا، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّ تَقْدِيرَ عَقْدَيْنِ هُنَا مُتَعَذَّرٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ فَكَانَ الْعَقْدُ وَاحِدًا، وَالتَّرْجِيحُ بِجَانِبِ الْبَائِعِ لِانْفِرَادِ بَيِّنَتِهِ بِإِظْهَارِ فَضْلٍ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى هَلَكَ الْعَرَضُ وَانْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الدَّارَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْعَرَضَ حَتَّى هَلَكَ وَانْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَقِيَ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْبَائِعُ فِي قِيمَةِ الْعَرَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛
-
لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ يُنْكِرُ،
-
فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ انْفَرَدَتْ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةٍ
-
وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَخَذَ بِهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ عَقْدَيْنِ هَهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى عَرَضٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَكَانَ الْعَقْدُ وَاحِدًا فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ فَيُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ مِنْهُمَا وَهُوَ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ لِانْفِرَادِهَا بِإِظْهَارِ الْفَضْلِ،
-
وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قِيَاسِ مَا عَلَّلَ لَهُ مُحَمَّدٌ.
-
وَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ مَا عَلَّلَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي وَهَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي بِنَاءَ الدَّارِ حَتَّى سَقَطَ عَنْ الشَّفِيعِ قَدْرُ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ فَهَذَا لَا يَخْلُو.
-
(إمَّا) أَنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَاتَّفَقَا عَلَى قِيمَةِ السَّاحَةِ وَإِمَّا أَنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالسَّاحَةِ جَمِيعًا؛
-
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ لَا غَيْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي عَلَى الْمُشْتَرِي زِيَادَةً فِي السُّقُوطِ وَهُوَ يُنْكِرُ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالسَّاحَةِ جَمِيعًا فَإِنَّ السَّاحَةَ تُقَوَّمُ السَّاعَةَ وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
-
(أَمَّا) تَقَوُّمُ السَّاحَةِ السَّاعَةَ؛ فَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قِيمَتِهَا لِلْحَالِ فَيُسْتَدَلُّ بِالْحَالِ عَلَى الْمَاضِي وَلَا يُمْكِنُ تَحْكِيمُ الْحَالِ فِي الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِمَا قُلْنَا،
-
فَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ؛ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛
-
لِأَنَّهَا تُظْهِرُ زِيَادَةً وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِاخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا لَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ فَطَرِيقُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّفِيعَ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الْمُدَّعِي، وَهَذَا مَوْجُودٌ هَهُنَا وَطَرِيقُ مُحَمَّدٍ رحمه الله الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ عَقْدَيْنِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُنْعَدِمٌ هُنَا فَيُعْمَلُ بِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ وَهِيَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِانْفِرَادِهَا بِإِظْهَارِ زِيَادَةٍ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ، وَقَالَ الشَّفِيعُ لَا بَلْ اشْتَرَيْتَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحُلُولَ فِي الثَّمَنِ أَصْلٌ وَالْأَجَلُ عَارِضٌ فَالْمُشْتَرِي يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الْعَاقِدَ أَعْرَفُ بِصِفَةِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ فَالشَّفِيعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَرْطَ التَّأْجِيلِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَبِيعِ فَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ بِصَفْقَتَيْنِ نَحْوُ مَا إذَا اشْتَرَى دَارًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ الْعَرْصَةَ عَلَى حِدَةٍ بِأَلْفٍ وَالْبِنَاءَ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الشَّفِيعُ لَا بَلْ اشْتَرَيْتَهُمَا جَمِيعًا بِأَلْفَيْنِ وَالدَّارُ لِي بِبُنْيَانِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛
-
لِأَنَّ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّفْقَةِ حَالَةَ الِاتِّصَالِ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ بَلْ الْعَادَةُ بَيْعُهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلشَّفِيعِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَرْصَةِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الْبِنَاءِ تَبَعًا لَهُ حَالَةَ الِاتِّصَالِ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ هُوَ الشِّرَاءُ وَقَدْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ إلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي زِيَادَةَ أَمْرٍ وَهُوَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِتَصْدِيقِ الشَّفِيعِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ وَلَمْ يُوَقِّتَا وَقْتًا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةَ اسْتِحْقَاقٍ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْبِنَاءِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَيِّنَتَيْنِ هَهُنَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ بَاعَهُمَا بِصَفْقَتَيْنِ ثُمَّ بَاعَهُمَا
-
5/335/33
بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةَ صَفْقَةٍ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ فَأَبُو يُوسُفَ نَظَرَ إلَى زِيَادَةِ الصَّفْقَةِ وَمُحَمَّدٌ نَظَرَ إلَى زِيَادَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَحْدَثَ الْبِنَاءَ فِي الدَّارِ وَقَالَ الشَّفِيعُ لَا بَلْ اشْتَرَيْتَهَا وَالْبِنَاءُ فِيهَا - أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُشْتَرِي الْإِقْرَارُ بِشِرَاءِ الْبِنَاءِ وَالشَّفِيعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الْبِنَاءِ وَهُوَ يُنْكِرُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى دَارَيْنِ وَلَهُمَا شَفِيعٌ مُلَاصِقٌ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا بَلْ اشْتَرَيْتَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَلِي الشُّفْعَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ ثَابِتٌ فِيهِمَا جَمِيعًا وَهُوَ الْجِوَارُ عَلَى سَبِيلِ الْمُلَاصَقَةِ وَقَدْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ شِرَاؤُهُمَا إلَّا أَنَّهُ بِدَعْوَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ يَدَّعِي الْبُطْلَانَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَشَرْطِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: وُهِبَ لِي هَذَا الْبَيْتُ مَعَ طَرِيقِهِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ ثُمَّ اشْتَرَيْتُ بَقِيَّتَهَا، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا بَلْ اشْتَرَيْتَ الْكُلَّ فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ فِيمَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ؛
-
لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الْجِوَارُ وَوُجِدَ شَرْطُهُ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِإِقْرَارٍ، فَهُوَ بِدَعْوَى الْهِبَةِ يُرِيدُ بُطْلَانَ حَقِّ الشَّفِيعِ فَلَا يُصَدَّقُ، وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ فِيمَا أَقَرَّ بِشِرَائِهِ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِي الْمَوْهُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُشْتَرِي الْإِقْرَارُ بِشَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمَوْهُوبِ وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ،
-
وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةَ الْهِبَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةَ الِاسْتِحْقَاقِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا وَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ نِصْفًا ثُمَّ نِصْفًا فَلَكَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا بَلْ اشْتَرَيْتَ الْكُلَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَلِيَ الْكُلُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الْكُلِّ كَانَ مَوْجُودًا وَقَدْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الثُّبُوتِ؛
-
وَهُوَ الشِّرَاءُ، وَلَكِنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا وَهُوَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ،
-
فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ رُبُعًا ثُمَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ فَلَكَ الرُّبُعُ فَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا بَلْ اشْتَرَيْتَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ ثُمَّ رُبُعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ كَانَ مَوْجُودًا وَقَدْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِشِرَاءِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ إلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا وَهُوَ سَبْقُ الشِّرَاءِ فِي الرُّبُعِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَقَالَ الشَّفِيعُ: اشْتَرَيْتُ نِصْفًا ثُمَّ نِصْفًا فَأَنَا آخُذُ النِّصْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْكُلَّ أَوْ يَدَعُ؛
-
لِأَنَّ الشَّفِيعَ يُرِيدُ تَفْرِيقَ الصِّفَةِ وَفِيهِ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الْبَيْعِ فَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْبَتَاتِ وَالْخِيَارِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ بِأَنْ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَتَقَابَضَا فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي الْبَيْعُ كَانَ بِخِيَارِ الْبَائِعِ وَلَوْ يُمْضِ فَلَا شُفْعَةَ لَكَ، وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ الْخِيَارَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَعَلَى الشَّفِيعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاتًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله .
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الشَّفِيعِ.
-
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَتَاتَ أَصْلٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِيَارَ فِيهِ عَارِضٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ.
-
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ وَهُمَا يُنْكِرَانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمَا كَانَ فِيهِ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَا يَجِبُ فِي بَيْعٍ فِيهِ خِيَارٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَقُومُ بِالْعَاقِدَيْنِ فَكَانَا أَعْرَفَ بِصَفْقَتِهِ مِنْ الشَّفِيعِ، وَالرُّجُوعُ فِي كُلِّ بَابٍ إلَى مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِهِ، وَلِهَذَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ دَنَانِيرَ وَالشَّفِيعُ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ دَرَاهِمَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا، كَذَا هَذَا وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا وَالدَّارُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فَقَالَ الْمُشْتَرِي كَانَ لِلْبَائِعِ فِيهِ خِيَارٌ وَكَذَّبَهُ الشَّفِيعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ.
-
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَاقِدَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَادَّعَى الْبَائِعُ الْخِيَارَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
-
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْبَائِعَ بِدَعْوَى الْخِيَارِ مُنْكِرٌ لِلْبَيْعِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ، وَخِيَارُ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمَبِيعِ
-
5/345/34
عَنْ مِلْكِهِ وَالْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ يَدَّعِيَانِ الزَّوَالَ عَنْ مِلْكِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ، كَمَا لَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
-
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِاشْتِرَاطِهِمَا فَالْبَائِعُ بِدَعْوَى الْخِيَارِ يَدَّعِي الِاشْتِرَاطَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَادَّعَى الْبَائِعُ التَّعْجِيلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِمَا أَنَّ التَّأْجِيلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَرْطٍ يُوجَدُ مِنْ الْبَائِعِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلشَّرْطِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَذَا هَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ زَوَالَ مِلْكِهِ وَلَمْ يَدَّعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِعْلًا فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
-
وَلَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ الْمُشْتَرَاةَ بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا فَلَا شُفْعَةَ لَكَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ كَانَ جَائِزًا وَلِيَ الشُّفْعَةُ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ؛ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَاقِدَيْنِ وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ وَلَهُ الشُّفْعَةُ، فَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ بِاخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمَا،
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، كَذَا هَذَا، وَالْجَامِعُ أَنَّ الصِّحَّةَ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ، وَالْفَسَادَ عَارِضٌ وَهُمَا يَعْتَبِرَانِ اخْتِلَافَهُمْ فِي هَذَا بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْبَتَاتِ وَالْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الشَّفِيعَ بِدَعْوَى الْبَتَاتِ وَالصِّحَّةِ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا حَقَّ التَّمْلِيكِ وَهُمَا بِدَعْوَى الْخِيَارِ وَالْفَسَادِ يُنْكِرَانِ ذَلِكَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا،
-
وَكَذَا هُمَا أَعْرَفُ بِصِفَةِ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ مِنْهُمَا لِقِيَامِهِ بِهِمَا فَكَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُمَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.