فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 16474 to 16499
-
3/913/91
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ: فَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ نَوْعَانِ: نَصٌّ وَدَلَالَةٌ (أَمَّا) النَّصُّ فَنَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ لِلْحَالِ إنْ كَانَتْ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ لَمْ تَقَعْ السَّاعَةَ،
-
فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ وَقَعَتْ بِهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إيقَاعُ تَطْلِيقَةٍ بِالسُّنَّةِ الْمُعَرَّفَةِ بِاللَّامِ لِأَنَّ اللَّامَ الْأُولَى لِلِاخْتِصَاصِ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ التَّطْلِيقَةُ مُخْتَصَّةً بِالسُّنَّةِ فَإِذَا أَدْخَلَ لَامَ التَّعْرِيفِ فِي السُّنَّةِ فَيَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ السُّنَّةِ وَهَذَا يُوجِبُ تَمَحُّضُهَا سُنَّةً بِحَيْثُ لَا يَشُوبُهَا مَعْنَى الْبِدْعَةِ أَوْ تَنْصَرِفُ إلَى السُّنَّةِ الْمُتَعَارَفَةِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ.
-
وَالسُّنَّةُ الْمُتَعَارَفَةُ الْمَعْهُودَةُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ مَا لَا يَشُوبُهَا مَعْنَى الْبِدْعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْوَاقِعَ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ لِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالسُّنَّةِ الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ نَوْعَانِ: حَسَنٌ وَأَحْسَنُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ، وَالْحَسَنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَةَ فَقَدْ نَوَى أَحَدَ نَوْعَيْ التَّطْلِيقَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالسُّنَّةِ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً بَائِنَةً لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّلَاقِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ
-
وَكَذَا لَفْظُ السُّنَّةِ بَلْ تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْبَيْنُونَةِ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ لَيْسَتْ بِمَسْنُونَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَثْبُتَ بِاللَّفْظِ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَإِنْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ لَمْ يَكُنْ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مَحْضٌ
-
بِخِلَافِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلُّ جِنْسِ الطَّلَاقِ وَلَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " طَالِقٌ " وَاحِدَةً وَبِقَوْلِهِ: " لِلسُّنَّةِ " أُخْرَى لَمْ يَقَعْ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلسُّنَّةِ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ " أَنْتِ لِلسُّنَّةِ " وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ وَلَوْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ لِلسُّنَّةِ " أَوْ " ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ " وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا تَطْلِيقَةٌ لِأَنَّهَا هِيَ
-
3/923/92
التَّطْلِيقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالسُّنَّةِ الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ وَلَوْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ " وَنَوَى الْوُقُوعَ لِلْحَالِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَيَقَعُ الثَّلَاثُ مِنْ سَاعَةِ تَكَلَّمَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَتَتَفَرَّقُ عَلَى الْأَطْهَارِ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَتَبْطُلُ نِيَّتُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ " إيقَاعُ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ لِأَنَّهَا هِيَ التَّطْلِيقَاتُ الْمُخْتَصَّةُ بِالسُّنَّةِ الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ " ،
-
وَلَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَنَوَى الْوُقُوعَ لِلْحَالِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ كَذَا هَذَا (وَلَنَا) أَنَّ الطَّلَاقَ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْحَظْرُ وَالْحُرْمَةُ فِي غَيْرِهِ لِمَا تَبَيَّنَ فَكَانَ كُلُّ طَلَاقٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ سُنَّةً، فَكَانَ إيقَاعُ الثَّلَاثِ فِي الْحَالِ إيقَاعًا عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا لَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الْبِدْعَةِ بِمُلَازَمَةِ الْحَرَامِ إيَّاهُ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِذَا نَوَى الْوُقُوعَ لِلْحَالِ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ نَوْعَانِ: سُنَّةُ إيقَاعٍ وَسُنَّةُ وُقُوعٍ لِأَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً عُرِفَ بِالسُّنَّةِ لِمَا تَبَيَّنَ فَإِذَا نَوَى الْوُقُوعَ لِلْحَالِ فَقَدْ نَوَى أَحَدَ نَوْعَيْ السُّنَّةِ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُحْتَمِلَةً لِمَا نَوَى فَصَحَّتْ وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَقَالَ لَهَا: " أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ " وَلَا نِيَّةَ لَهُ طَلُقَتْ لِلْحَالِ وَاحِدَةً،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا
-
وَكَذَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ يَقَعُ لِلْحَالِ وَاحِدَةً وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى
-
وَكَذَا فِي الْحَامِلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا تَطْلُقُ لِلسُّنَّةِ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً لِلسُّنَّةِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ السُّنَّةِ.
-
(وَأَمَّا) الدَّلَالَةُ فَنَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْعِدَّةِ أَوْ طَلَاقَ الْعَدْلِ أَوْ طَلَاقَ الدِّينِ أَوْ طَلَاقَ الْإِسْلَامِ أَوْ طَلَاقَ الْحَقِّ أَوْ طَلَاقَ الْقُرْآنِ أَوْ طَلَاقَ الْكِتَابِ أَمَّا طَلَاقُ الْعِدَّةِ فَلِأَنَّهُ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عز وجل : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، وَطَلَاقُ الْعَدْلِ هُوَ الْمَائِلُ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ لِأَنَّ الْعَدْلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ فِي اللُّغَةِ وُضِعَ دَلَالَةً عَلَى مُطْلَقِ الْمَيْلِ كَاسْمِ الْجَوْرِ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَيْلِ مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ وُضِعَ فِي اللُّغَةِ دَلَالَةً عَلَى مُطْلَقِ الْمَيْلِ وَالطَّلَاقُ الْمَائِلُ مِنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ هُوَ طَلَاقُ السُّنَّةِ وَطَلَاقُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ وَالْكِتَابِ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الدِّينُ وَالْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَالْكِتَابُ وَهُوَ طَلَاقُ السُّنَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ طَلَاقُ الْحَقِّ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الدِّينُ إلَى الْحَقِّ وَذَلِكَ طَلَاقُ السُّنَّةِ
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَجْمَلَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَعْدَلَ الطَّلَاقِ " لِأَنَّهُ أَدْخَلَ أَلِفَ التَّفْضِيلِ وَأَضَافَ إلَى الطَّلَاقِ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ الْوَاقِعَ عَلَى الْحُسْنِ فَيَقْتَضِي وُقُوعَ طَلَاقٍ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ بِالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالْعَدَالَةِ كَمَا إذَا قِيلَ: " فُلَانٌ أَعْلَمُ النَّاس " يُوجِبُ هَذَا مَزِيَّةً لَهُ عَلَى جَمِيعِ طَبَقَاتِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً حَسَنَةً أَوْ جَمِيلَةً يَقَعُ لِلْحَالِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً عَدْلَةٌ أَوْ عَدْلِيَّةً أَوْ عَادِلَةً أَوْ سُنِّيَّةً يَقَعُ لِلسُّنَّةِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ " لِلسُّنَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً حَسَنَةً أَوْ جَمِيلَةً ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَقَعُ لِلْحَالِ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ غَيْرَ حَائِضٍ جَامَعَهَا فِي طُهْرِهَا أَوْ لَمْ يُجَامِعْهَا وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً حَسَنَةً أَوْ جَمِيلَةً وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
-
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ قَوْلَهُ: " أَنْتِ طَالِقٌ " تَطْلِيقَةً سُنِّيَّةً، وَصَفَ التَّطْلِيقَةَ بِكَوْنِهَا سُنِّيَّةً، وَالطَّلَاقُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فَهُوَ سُنِّيٌّ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ وَبِاقْتِرَانِ الْفَسْخِ بِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا فِي ذَاتِهِ وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاتِّصَافِ بِكَوْنِهَا سُنِّيَّةً،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ الْكَمَالُ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ يَقَعُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْكَمَالِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ الْحَاصِلَةُ بِالثَّلَاثِ كَذَا هَهُنَا، وَلِهَذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ فِي قَوْلِهِ " حَسَنَةً " أَوْ " جَمِيلَةً "
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ " لِلسُّنَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ إيقَاعُ تَطْلِيقَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّامَ الْأُولَى لِلِاخْتِصَاصِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا اللِّجَامُ لِلْفَرَسِ، وَهَذَا الْإِكَافُ لِهَذِهِ الْبَغْلَةِ وَهَذَا الْقُفْلُ لِهَذَا الْبَابِ، وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ لِلتَّعْرِيفِ فَإِنْ كَانَتْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ وَهُوَ جِنْسُ السُّنَّةِ اقْتَضَى صِفَةَ التَّمَحُّضِ لِلسُّنَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا يَشُوبَهَا بِدْعَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ فَالسُّنَّةُ الْمَعْهُودَةُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ مَا لَا يَشُوبُهَا مَعْنَى الْبِدْعَةِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ.
-
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا إيقَاعُ
-
3/933/93
طَلَاقٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ سُنِّيًّا مُطْلَقًا فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَى صِفَةِ السُّنَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالطَّلَاقُ السُّنِّيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَقَعُ فِي غَيْرِ وَقْتِ السُّنَّةِ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ " كَذَا هَذَا وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ السُّنِّيَّةِ وَبَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالْجَمِيلَةِ، وَمَا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلطَّلَاقِ يُجْعَلُ صِفَةً لَهُ كَقَوْلِهِ سُنِّيَّةً وَعَدْلِيَّةً وَمَا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلْمَرْأَةِ يُجْعَلُ صِفَةً لَهَا كَقَوْلِهِ " حَسَنَةً وَجَمِيلَةً " لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَذْكُورَةٌ فِي اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ وَالتَّطْلِيقَةُ مَذْكُورَةٌ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ: " أَنْتِ طَالِقٌ لِلْحَيْضِ " وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مِنْ كُلِّ حَيْضَةٍ تَطْلِيقَةٌ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي يُضَافُ إلَيْهَا الطَّلَاقُ هِيَ أَطْهَارُ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَقَالَ لَهَا: " أَنْتِ طَالِقٌ لِلْحَيْضِ " لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَلَّقَهُ لِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ أَنْتِ طَالِقٌ لِلشُّهُورِ يَقَعُ لِلْحَالِ وَاحِدَةٌ وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى، لِأَنَّ الشُّهُورَ الَّتِي يُضَافُ إلَيْهَا الطَّلَاقُ هِيَ شُهُورُ الْعِدَّةِ.
-
وَكَذَا الْحَامِلُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ نَوَى - بِشَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي لَا جِمَاعَ فِيهِ - الْوُقُوعَ لِلْحَالِ تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَيَكُونُ عَلَى مَا عَنَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ أَمَّا فِي لَفْظِ الْأَحْسَنِ وَالْأَجْمَلِ وَالْأَعْدَلِ فَلِأَنَّ أَلِفَ التَّفْضِيلِ قَدْ تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الصِّفَةِ قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى : ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أَيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ إذْ لَا تَفَاوُتَ لِلْأَشْيَاءِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى قُدْرَتِهِ سَوَاءٌ وَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ وَلَا تُهْمَةَ فِي الْعُدُولِ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ مُصَدَّقًا
-
وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ إيقَاعُهُ سُنَّةً فِي كُلِّ وَقْتٍ أَوْ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عُرِفَ بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا نَذْكُرُ وَذَكَرَ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْأَلْفَاظِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ: قِسْمٌ مِنْهَا يَكُونُ طَلَاقَ السُّنَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْقَضَاءِ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَقِسْمٌ مِنْهَا يَكُونُ طَلَاقَ السُّنَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْقَضَاءِ إنْ نَوَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَا يَكُونُ لِلسُّنَّةِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ، وَقِسْمٌ مِنْهَا مَا يُصَدَّقُ فِيهِ إذَا قَالَ نَوَيْتُ بِهِ طَلَاقَ السُّنَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقَعُ فِي أَوْقَاتِهَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ بَلْ يَقَعُ لِلْحَالِ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْعِدَّةِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْعَدْلِ أَوْ طَلَاقَ الدِّينِ أَوْ طَلَاقَ الْإِسْلَامِ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا عَدْلًا أَوْ طَلَاقَ عِدَّةٍ أَوْ طَلَاقَ سُنَّةٍ أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْمَلَ الطَّلَاقِ أَوْ طَلَاقَ الْحَقِّ أَوْ طَلَاقَ الْقُرْآنِ أَوْ طَلَاقَ الْكِتَابِ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ فِي السُّنَّةِ أَوْ بِالسُّنَّةِ أَوْ مَعَ السُّنَّةِ أَوْ عِنْدَ السُّنَّةِ أَوْ عَلَى السُّنَّةِ.
-
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل ، أَوْ بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل ، أَوْ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل ؛ لِأَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل دَلِيلُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ لِأَنَّ فِيهِ شَرْعُ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا فَكَانَ الطَّلَاقُ تَصَرُّفًا مَشْرُوعًا فِي نَفْسِهِ فَكَانَ كَلَامُهُ مُحْتَمِلَ الْأَمْرَيْنِ فَوُقِّفَ عَلَى نِيَّتِهِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى الْكِتَابِ أَوْ بِالْكِتَابِ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْقُضَاةِ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْقُضَاةِ أَوْ طَلَاقَ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل قَالَ اللَّهُ عز وجل :
-
﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل دَلِيلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا لِمَا بَيَّنَّا فَكَانَ لَفْظُهُ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل وَيَقَعُ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلسُّنَّةِ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَكْتُبُ إلَيْهَا إذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا ثُمَّ حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ،
-
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا يَكْتُبْ إلَيْهَا إذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا ثُمَّ حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ إذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ إذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الرُّقَيَّاتِ أَنَّهُ يَكْتُبُ إلَيْهَا إذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا فَعَلِمْت مَا فِيهِ ثُمَّ حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَحْوَطُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.