كِتَابُ الْبُيُوعِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 27153 to 27177
-
5/1335/133
بَيَانِ رُكْنِ الْبَيْعِ
-
(كِتَابُ الْبُيُوعِ)
-
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ رُكْنِ الْبَيْعِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ أَقْسَامِ الْبَيْعِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْبَيْعِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْبَيْعِ.
-
(وَأَمَّا) رُكْنُ الْبَيْعِ: فَهُوَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ (أَمَّا) الْقَوْلُ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالْكَلَامُ فِي الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي صِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَالثَّانِي فِي صِفَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ قَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَقَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْحَالِ (أَمَّا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْتُ وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، فَيَتِمَّ الرُّكْنُ؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي وَضْعًا، لَكِنَّهَا جُعِلَتْ إيجَابًا لِلْحَالِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ
-
وَكَذَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا أَوْ أَعْطَيْتُكَهُ بِكَذَا أَوْهَوْ لَكَ بِكَذَا أَوْ بَذَلْتَكَهُ بِكَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبِلْتُ أَوْ أَخَذْتُ أَوْ رَضِيتُ أَوْ هَوَيْتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتِمُّ الرُّكْنُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يُؤَدِّي مَعْنَى الْبَيْعِ وَهُوَ الْمُبَادَلَةُ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى لَا لِلصُّورَةِ.
-
(وَأَمَّا) صِيغَةُ الْحَالِ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا وَنَوَى الْإِيجَابَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا وَنَوَى الْإِيجَابَ وَقَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُهُ مِنْكَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ وَنَوَيَا الْإِيجَابَ؛ يَتِمُّ الرُّكْنُ وَيَنْعَقِدُ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا النِّيَّةَ هَهُنَا وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ أَفْعَلُ لِلْحَالِ هُوَ الصَّحِيحُ؛
-
لِأَنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا لِلِاسْتِقْبَالِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ.
-
وَلَا يَنْعَقِدُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ بِالِاتِّفَاقِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: أَتَبِيعُ مِنِّي هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا أَوْ أَبِعْتَهُ مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ، لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الْبَائِعُ: بِعْتُ.
-
وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبَالِ وَهِيَ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِعْ عَبْدَكَ هَذَا مِنِّي بِكَذَا فَيَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُ قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله وَلَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ
-
وَكَذَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الْبَائِعُ: بِعْتُ عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يَنْعَقِدُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَصْلُحُ شَطْرَ الْعَقْدِ فِي الْجُمْلَةِ، أَلَا تَرَى أَنْ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: تَزَوَّجْ ابْنَتِي، فَقَالَ الْمُخَاطَبُ: تَزَوَّجْتُ، أَوْ قَالَ زَوِّجْ ابْنَتَكَ مِنِّي، فَقَالَ: زَوَّجْتُ، يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؟ فَإِذَا
-
5/1345/134
صَلُحَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ شَطْرًا فِي النِّكَاحِ صَلُحَتْ شَطْرًا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَلَنَا أَنَّ قَوْلَهُ: بِعْ أَوْ اشْتَرِ طَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَطَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا يَكُونُ إيجَابًا وَقَبُولًا، فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُ الشَّطْرَيْنِ فَلَا يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ سُؤَالَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا إيجَابًا وَقَبُولًا، كَذَا هَذَا وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي النِّكَاحِ بِنَصٍّ خَاصٍّ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّ «بِلَالًا خَطَبَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَخْطُبَ إلَيْكُمْ لَمْ أَخْطُبْ فَقَالُوا لَهُ: أَمَلَكْتَ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ بِلَالًا رضي الله عنه قَالَ: قَبِلْتُ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ هُنَاكَ بِالنَّصِّ،
-
وَلَا نَصَّ فِي الْبَيْعِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُسَاوَمَةٌ حَقِيقَةً فَلَا تَكُونُ إيجَابًا وَقَبُولًا حَقِيقَةً، بَلْ هِيَ طَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ،
-
فَلَا بُدَّ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مِنْ لَفْظٍ؛ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا.
-
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى الْمُسَاوَمَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ لَا تُوجَدُ فِي النِّكَاحِ عَادَةً، فَحُمِلَتْ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ زَوِّجْ ابْنَتَكَ مِنِّي شَطْرَ الْعَقْدِ،
-
فَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ شَطْرَ الْعَقْدِ، لَتَضَرَّرَ بِهِ الْوَلِيُّ لِجَوَازِ أَنْ يُزَوِّجَ وَلَا يَقْبَلُ الْمُخَاطَبُ فَيَلْحَقَهُ الشَّيْنُ فَجُعِلَتْ شَطْرًا لِضَرُورَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْبَيْعِ مُنْعَدِمٌ فَبَقِيَتْ سُؤَالًا فَلَا يَتِمُّ بِهِ الرُّكْنُ مَا لَمْ يُوجَدْ الشَّطْرُ الْآخَرُ.
-
(وَأَمَّا) صِفَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَهُوَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ لَازِمًا قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، فَأَحَدُ الشَّطْرَيْنِ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّطْرِ الْآخَرِ حَتَّى إذَا وُجِدَ أَحَدُ الشَّطْرَيْنِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَلِلْآخَرِ خِيَارُ الْقَبُولِ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ؛
-
لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَنْ بَيْعِهِمَا» ، وَالْخِيَارُ الثَّابِتُ لَهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ عَنْ بَيْعِهِمَا هُوَ خِيَارُ الْقَبُولِ، وَخِيَارُ الرُّجُوعِ؛ وَلِأَنَّ أَحَدَ الشَّطْرَيْنِ لَوْ لَزِمَ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ لَكَانَ صَاحِبُهُ مَجْبُورًا عَلَى ذَلِكَ الشَّطْرِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
(وَأَمَّا) الْمُبَادَلَةُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ التَّعَاطِي وَيُسَمَّى هَذَا الْبَيْعُ بَيْعَ الْمُرَاوَضَةِ وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالتَّعَاطِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَلَامُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ،
-
فَأَمَّا التَّعَاطِي فَلَمْ يُعْرَفْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ بَيْعًا، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ التَّعَاطِيَ يَجُوزُ فِي الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ،
-
وَلَا يَجُوزُ فِي الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَوَازِ فِي الْأَصْلِ مُطْلَقٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ اسْمٌ لِلْمُبَادَلَةِ، وَهِيَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وَحَقِيقَةُ الْمُبَادَلَةِ بِالتَّعَاطِي وَهُوَ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ، وَإِنَّمَا قَوْلُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عز وجل ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وَالتِّجَارَةُ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ لِلْغَيْرِ بِبَدَلٍ وَهُوَ تَفْسِيرُ التَّعَاطِي وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ، أَطْلَقَ سبحانه وتعالى اسْمَ التِّجَارَةِ عَلَى تَبَادُلٍ لَيْسَ فِيهِ قَوْلُ الْبَيْعِ وَقَالَ اللَّهُ عز وجل إنَّ اللَّهَ ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ سَمَّى سبحانه وتعالى مُبَادَلَةَ الْجَنَّةِ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - اشْتِرَاءً وَبَيْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ ،
-
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ الْبَيْعِ،
-
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَادَلَةِ بِالتَّعَاطِي وَهُوَ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ، فَهَذَا يُوجَدُ فِي الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ وَالنَّفِيسَةِ جَمِيعًا، فَكَانَ التَّعَاطِي فِي كُلِّ ذَلِكَ بَيْعًا، فَكَانَ جَائِزًا.