فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمَوْقُوفِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 36699 to 36710
-
6/2206/220
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَوْقُوفِ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ،
-
فَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولِ مَقْصُودًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطُ جَوَازِهِ، وَوَقْفُ الْمَنْقُولِ لَا يَتَأَبَّدَ لِكَوْنِهِ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ،
-
فَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ مَقْصُودًا إلَّا إذَا كَانَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ، بِأَنْ وَقَفَ ضَيْعَةً بِبَقَرِهَا وَأَكَرَتِهَا وَهُمْ عَبِيدُهُ فَيَجُوزُ، كَذَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَجَوَازُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مَقْصُودًا كَبَيْعِ الشُّرْبِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ، وَالطَّرِيقُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَقْصُودًا وَيَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَالدَّارِ،
-
وَإِنْ كَانَ شَيْئًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَقْفِهِ، كَوَقْفِ الْمَرِّ وَالْقَدُومِ لِحَفْرِ الْقُبُورِ، وَوَقْفِ الْمِرْجَلِ لِتَسْخِينِ الْمَاءِ، وَوَقْفِ الْجِنَازَةِ وَثِيَابِهَا.
-
وَلَوْ وَقَفَ أَشْجَارًا قَائِمَةً، فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ الْمَنْقُولَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ لِتَعَامُلِ النَّاسِ ذَلِكَ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ،
-
وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ،
-
وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا بَيْعُ مَا هَرِمَ مِنْهَا، أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَيُبَاعُ وَيُرَدُّ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، كَأَنَّهُمَا تَرَكَا الْقِيَاسَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَكْرَاعًا وَأَفْرَاسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» وَلَا حُجَّةَ لَهُمَا فِي الْحَدِيثِ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ وَقَفَ ذَلِكَ فَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: حَبَسَهُ، أَيْ أَمْسَكَهُ لِلْجِهَادِ لَا لِلتِّجَارَةِ (وَأَمَّا) وَقْفُ الْكُتُبِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (وَأَمَّا) عَلَى قَوْلِهِمَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَحُكِيَ عَنْ نَصْرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ وَقَفَ كُتُبَهُ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مَقْسُومًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمُشَاعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ،
-
وَيَجُوزُ مَقْسُومًا كَانَ أَوْ مُشَاعًا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ شَرْطُ الْجَوَازِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَالشُّيُوعُ يُخِلُّ بِالْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَصْلًا،
-
فَلَا يَكُونُ الْخَلُّ فِيهِ مَانِعًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ بِخَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْبِسْ أَصْلَهَا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَقْفِ، وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ رحمه الله يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَفَ مِائَةَ سَهْمٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَعْدَهَا،
-
فَلَا يَكُونُ حُجَّةً مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْوَقْفَ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَيُحْمَلُ أَنَّهُ وَقَفَهَا شَائِعًا ثُمَّ قَسَّمَ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ وَهَبَ مُشَاعًا ثُمَّ قَسَّمَ وَسَلَّمَ.