Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ النَّفَاذِ وَمِنْهَا الْوِلَايَةُ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 27650 to 27703

  1. 5/1535/153

    (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْوَلِيِّ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوَلَّى فِيهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْوَلِيِّ فَأَشْيَاءُ.

  3. (مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ حُرًّا فَلَا تَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْعَبْدِ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ، وَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ؟ .

  4. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا.

  5. فَلَا وِلَايَةَ لِلْمَجْنُونِ لِمَا قُلْنَا.

  6. (وَمِنْهَا) إسْلَامُ الْوَلِيِّ إذَا كَانَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مُسْلِمًا،

  7. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَا تَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ لِقَوْلِهِ -: عز وجل ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ، وَلِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوِلَايَةِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ يُشْعِرُ بِالذُّلِّ بِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

  8. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ.

  9. فَالصِّغَرُ فَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ حَاجَةِ نَفْسِهِ،

  10. فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الْحُرِّ تَثْبُتُ مَعَ قِيَامِ الْمُنَافِي لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ حَالَةَ الْقُدْرَةِ فَلَا تَثْبُتُ.

  11. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ بِالْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام : «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَالْإِضْرَارُ بِالصَّغِيرِ لَيْسَ مِنْ الْمَرْحَمَةِ فِي شَيْءٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛

  12. لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا مَحْضًا،

  13. وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ بِعِوَضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ.

  14. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَمَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ.

  15. (وَلَهُمَا) أَنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ، وَذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْهِبَةِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ فَلَمْ تَنْعَقِدْ هِبَتُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَصِيرَ مُعَاوَضَةً،

  16. بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَهُوَ يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ،

  17. وَلَا أَنْ يُوصِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَالْوَصِيَّةَ إزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ، فَكَانَ ضَرَرًا فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ الْمَحْضَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَمَّا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛

  18. فَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَكَذَا بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ الْعِوَضُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ بِنَفْسِ الْقَبُولِ،

  19. وَإِذَا أَعْتَقَ بِنَفْسِ الْقَبُولِ يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ، وَقَدْ يَحْصُلُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ ضَرَرًا مَحْضًا لِلْحَالِ،

  20. وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَهُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ إزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِلْحَالِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْقَرْضُ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ سَائِرَ التَّبَرُّعَاتِ، كَذَا هَذَا،

  21. بِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُقْرِضُ مَالَ الْيَتِيمِ.

  22. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْإِقْرَاضَ مِنْ الْقَاضِي مِنْ بَابِ حِفْظِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَوَى الدَّيْنِ بِالْإِفْلَاسِ أَوْ بِالْإِنْكَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَخْتَارُ أَمْلَى النَّاسِ، وَأَوْثَقَهُمْ، وَلَهُ وِلَايَةُ التَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فَيَخْتَارُ مَنْ لَا يَتَحَقَّقُ إفْلَاسُهُ ظَاهِرًا وَغَالِبًا،

  23. وَكَذَا الْقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّوَى بِالْإِنْكَارِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةُ فَبَقِيَ الْإِقْرَاضُ مِنْهُ إزَالَةَ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَهُ عِوَضٌ لِلْحَالِ فَكَانَ ضَرَرًا فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَهُ أَنْ يَدِينَ مَالَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَصُورَةُ الِاسْتِدَانَةِ أَنْ يَطْلُبَ إنْسَانٌ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الصَّغِيرِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَتَّى يَجْعَلَ أَصْلَ الشَّيْءِ مِلْكَهُ، وَثَمَنَ الْمَبِيعِ دَيْنًا عَلَيْهِ لِيَرُدَّهُ،

  24. فَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى قِيمَتِهِ فَهُوَ عَيْنُهُ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْإِدَانَةَ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْقَرْضَ؛ لِأَنَّ الْإِدَانَةَ بَيْعُ مَالِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِرَقَبَتِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً،

  25. وَلَوْ بَاعَ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ فِي حَقِّهِ،

  26. وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ قَدْرَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً لِمَا قُلْنَا،

  27. وَلَوْ اشْتَرَى يَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْمُشْتَرَى لَهُ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام : «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» ، وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى الْحَثِّ عَلَى النَّفْعِ، وَالْحَثُّ عَلَى النَّفْعِ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ عَبَثٌ، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ؛

  28. لِأَنَّهُ نَفْعٌ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَيَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لِمَا قُلْنَا، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، وَبِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ مِقْدَارَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ وَبِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً،

  29. وَكَذَا لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ أَوْ بِأَجْرِ مِثْلِهِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ

  30. 5/1545/154

    فِيهِ عَادَةً، وَكَذَا لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ شَيْئًا بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَادَةً،

  31. وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي الْمُدَّةِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي إجَارَةِ النَّفْسِ إنْ شَاءَ مَضَى عَلَيْهَا،

  32. وَإِنْ شَاءَ أَبْطَلَهَا، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي إجَارَةِ الْمَالِ.

  33. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ إجَارَةَ مَالِ الصَّغِيرِ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَيَقُومُ الْأَبُ فِيهِ مَقَامَهُ،

  34. فَلَا يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْإِبْطَالِ بِالْبُلُوغِ،

  35. فَأَمَّا إجَارَةُ نَفْسِهِ فَتُصْرَفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْأَضْرَارِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَهُ الْأَبُ إلَّا أَنَّهُ مَلَكَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا نَوْعُ رِيَاضَةٍ، وَتَهْذِيبٌ لِلصَّغِيرِ، وَتَأْدِيبٌ لَهُ، وَالْأَبُ يَلِي تَأْدِيبَ الصَّغِيرِ فَوَلِيَهَا عَلَى أَنَّهَا تَأْدِيبٌ فَإِذَا بَلَغَ فَقَدْ انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ التَّأْدِيبِ، وَهُوَ الْفَرْقُ، وَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالِهِ وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ مُضَارَبَةً، وَلَهُ أَنْ يُبْضِعَ، وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ؛

  36. لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ التِّجَارَةَ يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا، وَلِهَذَا مَلَكَهَا الْمَأْذُونُ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَ مَالَهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزُ.

  37. (وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْإِعَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا.

  38. (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، وَضَرُورَاتِهَا فَتُمْلَكُ بِمِلْكِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا مَلَكَهَا الْمَأْذُونُ، وَلَهُ أَنْ يُودِعَ مَالَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالتِّجَارَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالتِّجَارَةِ دُونَ التِّجَارَةِ فَإِذًا مَلَكَ التِّجَارَةَ بِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يَمْلِكَ الْإِذْنَ بِالتِّجَارَةِ أَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ؛

  39. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ لِأَنَّ التَّاجِرَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ، وَهُوَ يَمْلِكُ قَضَاءَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ فَيَمْلِكُ الرَّهْنَ بِدَيْنِهِ أَيْضًا، وَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ بِدَيْنِ نَفْسِهِ أَيْضًا؛

  40. لِأَنَّ عَيْنَ الْمَرْهُونِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهَنِ إلَّا أَنَّهُ إذَا هَلَكَ يَضْمَنُ مِقْدَارَ مَا صَارَ مُؤَدِّيًا مِنْ ذَلِكَ دَيْنَ نَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ مُضَارَبَةً عِنْدَ نَفْسِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ،

  41. وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ يَحِلُّ لَهُ الرِّبْحُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُ،

  42. وَكَذَلِكَ إذَا شَارَكَ وَرَأْسُ مَالِهِ أَقَلُّ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ،

  43. فَإِنْ أَشْهَدَ فَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَ،

  44. وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ يَحِلَّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُ، وَيُجْعَلُ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا، وَمَا عَرَفْتَ مِنْ الْجَوَابِ فِي الْأَبِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي وَصِيِّهِ حَالَ عَدَمِهِ، وَفِي الْجَدِّ وَوَصِيِّهِ حَالَ عَدَمِهِ إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ، وَبَيْنَ الْجَدِّ وَوَصِيِّهِ فَرْقًا مِنْ وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ.

  45. (مِنْهَا) : أَنَّ الْأَبَ أَوْ الْجَدَّ إذَا اشْتَرَى مَالَ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ الصَّغِيرِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ بِأَقَلَّ جَازَ،

  46. وَلَوْ فَعَلَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَصْلًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.

  47. (وَمِنْهَا) أَنَّ لَهُمَا وِلَايَةَ الِاقْتِصَاصِ لِأَجْلِ الصَّغِيرِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلِلْوَصِيِّ وِلَايَةُ الِاقْتِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الِاقْتِصَاصِ فِي النَّفْسِ.

  48. (وَمِنْهَا) أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الصُّلْحِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ حَطٍّ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ لَهُمَا وِلَايَةُ الْعَفْوِ، وَفِي جَوَازِ الصُّلْحِ مِنْ الْوَصِيِّ رِوَايَتَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

  49. ثُمَّ، وَلِيُّ الْيَتِيمِ هَلْ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ؟ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ غَنِيًّا لَا يَأْكُلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فَأَمَّا إذَا كَانَ فَقِيرًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ أَوْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ إلَّا قَرْضًا؟

  50. اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ لَكِنْ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ يَأْكُلُ قَرْضًا فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَى، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما احْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَمَرَ سبحانه وتعالى بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْأَيْتَامِ عِنْدَ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ.

  51. وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي أَيْدِي الْأَوْلِيَاءِ بِطَرِيقِ الْأَمَانَةِ لَكَانَ لَا حَاجَةَ إلَى الْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ إذَا قَالَ: دَفَعْتُ الْمَالَ إلَى الْيَتِيمِ عِنْدَ إنْكَارِهِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْإِشْهَادِ عِنْدَ الْأَخْذِ قَرْضًا لِيَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَا قَوْلُ مَنْ يَقْضِي الدَّيْنَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ عز وجل ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: قَرْضًا احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَطْلَقَ اللَّهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ.

  52. وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ

  53. 5/1555/155

    غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالَكَ بِمَالِهِ» وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الِاسْتِعْفَافُ مِنْ مَالِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ: أُوصِيَ إلَيَّ يَتِيمٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَشْتَرِ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا،

  54. وَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.