فَصْلٌ فِي بَيَان شَرَائِطِ جَوَازِ الْقَضَاءِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 37767 to 37906
-
7/47/4
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ الْقَضَاءِ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاضِي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَضَاءِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ.
-
(أَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاضِي فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَرَائِطِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَصْلُحُ قَاضِيًا؛ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ ضَرُورَةً.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَضَاءِ، فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، وَهُوَ الثَّابِتُ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل مِنْ حُكْمِ الْحَادِثَةِ، إمَّا قَطْعًا بِأَنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ النَّصُّ الْمُفَسَّرُ مِنْ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ، أَوْ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ وَالْمُتَوَاتِرُ، وَالْإِجْمَاعُ،
-
وَإِمَّا ظَاهِرًا؛ بِأَنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، يُوجِبُ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ، وَأَكْثَرَ الظَّنِّ، مِنْ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ وَالْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ رحمهم الله وَاَلَّتِي لَا رِوَايَةَ فِي جَوَابِهَا عَنْ السَّلَفِ، بِأَنْ لَمْ تَكُنْ وَاقِعَةً، حَتَّى لَوْ قَضَى بِمَا قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى خِلَافِهِ - لَمْ يَجُزْ؛
-
لِأَنَّهُ قَضَاءٌ بِالْبَاطِلِ قَطْعًا،
-
وَكَذَا لَوْ قَضَى فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، بِمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ أَقَاوِيلِ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُو أَقَاوِيلَهُمْ، فَالْقَضَاءُ بِمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا كُلِّهَا يَكُونُ قَضَاءً بَاطِلًا قَطْعًا.
-
وَكَذَا لَوْ قَضَى بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا فِيهِ نَصٌّ ظَاهِرٌ، يُخَالِفُهُ مِنْ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ - لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ النَّصُّ قَطْعِيًّا أَوْ ظَاهِرًا.
-
وَأَمَّا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ يُخَالِفُهُ،
-
وَلَا إجْمَاعَ النُّقُولِ، لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
-
(وَإِمَّا) أَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ،
-
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَأَفْضَى رَأْيُهُ إلَى شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ،
-
وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ،
-
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ رَأْيَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل ظَاهِرًا، فَكَانَ غَيْرُهُ بَاطِلًا ظَاهِرًا،؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ وَاحِدٌ، وَالْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ - عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ جَمِيعًا،
-
وَلَوْ أَفْضَى رَأْيُهُ إلَى شَيْءٍ.
-
وَهُنَاكَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ - أَفْقَهُ مِنْهُ - لَهُ رَأْيٌ آخَرُ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ، مِنْ غَيْرِ النَّظَرِ فِيهِ، وَتَرَجَّحَ رَأْيُهُ بِكَوْنِهِ أَفْقَهَ مِنْهُ، هَلْ يَسَعُهُ ذَلِكَ؟ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَسَعُهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَسَعُهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ هَذَا الِاخْتِلَافَ عَلَى الْعَكْسِ، فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَسَعُهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا: يَسَعُهُ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ كَوْنَ أَحَدِ الْمُجْتَهِدَيْنِ أَفْقَهَ، مِنْ غَيْرِ النَّظَرِ فِي رَأْيِهِ، هَلْ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا؟
-
مَنْ قَالَ: يَصْلُحُ مُرَجِّحًا، قَالَ: يَسَعُهُ، وَمَنْ قَالَ
-
7/57/5
لَا يَصْلُحُ، قَالَ: يَسَعُهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى التَّرْجِيحَ بِكَوْنِهِ أَفْقَهَ، أَنَّ التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، وَكَوْنُهُ أَفْقَهَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّلِيلِ،
-
فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مَنْ يَرَى بِهِ التَّرْجِيحَ، أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ أَفْقَهَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ إقْرَارٌ إلَى الصَّوَابِ، فَكَانَ مِنْ جِنْسِ الدَّلِيلِ فَيَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ، إنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، وَأَبَدًا يَكُونُ التَّرْجِيحُ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ: فِي حَدِّهِ زِيَادَةٌ لَا يَسْقُطُ بِهَا التَّعَارُضُ حَقِيقَةً؛
-
لِمَا عُلِمَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلِهَذَا أَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَرَجَّحَهُ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَقْرَبُ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِسِ كَذَا هَذَا،
-
وَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ اسْتَعْمَلَ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ وَعَمِلَ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُشَاوِرَ أَهْلَ الْفِقْهِ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ - نَظَرَ فِي ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَقِّ ظَاهِرًا،
-
وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى رَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ - عَمِلَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَجِّلَ بِالْقَضَاءِ، مَا لَمْ يَقْضِ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَالِاجْتِهَادِ، وَيَنْكَشِفْ لَهُ وَجْهُ الْحَقِّ،
-
فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ بِاجْتِهَادِهِ، قَضَى بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ،
-
وَلَا يَكُونَنَّ خَائِفًا فِي اجْتِهَادِهِ، بَعْدَ مَا بَذَلَ مَجْهُودَهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ،
-
فَلَا يَقُولَنَّ: إنِّي أَرَى، وَإِنِّي أَخَافُ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالشَّكَّ وَالظَّنَّ، يَمْنَعُ مِنْ إصَابَةِ الْحَقِّ، وَيَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَرِيئًا جُسُورًا عَلَى الِاجْتِهَادِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، حَتَّى لَوْ قَضَى مُجَازِفًا لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سبحانه وتعالى ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَدْرِي - يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَضَى بِرَأْيِهِ، وَيُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ مَا أَمْكَنَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ عَرَفَ أَقَاوِيلَ أَصْحَابِنَا، وَحَفِظَهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ - عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ قَوْلَهُ حَقًّا عَلَى التَّقْلِيدِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ أَقَاوِيلَهُمْ - عَمِلَ بِفَتْوَى أَهْلِ الْفِقْهِ فِي بَلَدِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إلَّا فَقِيهٌ وَاحِدٌ؟ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ، وَنَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ - مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْأَخْذِ بِقَوْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وَلَوْ قَضَى بِمَذْهَبِ خَصْمِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛
-
لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ بَاطِلٌ عِنْدَهُ فِي اعْتِقَادِهِ،
-
فَلَا يَنْفُذُ كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا، فَتَرَكَ رَأْيَ نَفْسِهِ، وَقَضَى بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ يَرَى رَأْيَهُ بَاطِلًا - فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ بَاطِلٌ فِي اجْتِهَادِهِ كَذَا هَذَا.
-
وَلَوْ نَسِيَ الْقَاضِي مَذْهَبَهُ فَقَضَى بِشَيْءٍ، عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مَذْهَبُ نَفْسِهِ،
-
ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَذْهَبُ خَصْمِهِ؟ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا - تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَضَى بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ حَقًّا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ قَضَى وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ خَصْمِهِ، وَذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: أَنَّهُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَصِحُّ، لَهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ مُقَصِّرٌ؛
-
لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُ مَذْهَبِ نَفْسِهِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَحْفَظْ فَقَدْ قَصَّرَ، وَالْمُقَصِّرُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ - خُصُوصًا عِنْدَ تَزَاحُمِ الْحَوَادِثِ - فَكَانَ مَعْذُورًا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ فِي الْحُكْمِ، بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَلَا يَكُونُ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى النِّسْيَانِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ، فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ فَقَضَى بِهِ، فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ بِاجْتِهَادِهِ فَيَصِحُّ.
-
وَإِنْ قَضَى فِي حَادِثَةٍ - وَهِيَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ - بِرَأْيِهِ،
-
ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْهِ ثَانِيًا فَتَحَوَّلَ رَأْيُهُ يَعْمَلُ بِالرَّأْيِ الثَّانِي،
-
وَلَا يُوجِبُ هَذَا نَقْضَ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّأْيِ الْأَوَّلِ؛ قَضَاءٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ؛ وَبِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ هَذَا قَضَاءً مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ،
-
وَلَا اتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الرَّأْيِ الثَّانِي،
-
فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلَفِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَ هَذَا الِاجْتِهَادَ كَذَا هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَضَى فِي حَادِثَةٍ،
-
ثُمَّ قَضَى فِيهَا بِخِلَافِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، فَسُئِلَ فَقَالَ: تِلْكَ كَمَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ كَمَا نَقْضِي،
-
وَلَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ ثَالِثًا، فَتَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى الْأَوَّلِ يُعْمَلُ بِهِ،
-
وَلَا يُبْطَلُ قَضَاؤُهُ بِالرَّأْيِ الثَّانِي، بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَا يُبْطَلُ قَضَاؤُهُ الْأَوَّلُ، بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ الثَّانِي لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ أَنَّ فَقِيهًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ،
-
وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ بَائِنٌ، فَأَمْضَى رَأْيَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَعَزَمَ عَلَى
-
7/67/6
أَنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؛ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِهِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِرَأْيِهِ الثَّانِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فِي حَقِّهَا وَفِي حَقِّ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ رَأْيٌ أَمْضَاهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَمَا أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ؛ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْيُهُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، فَعَزَمَ عَلَى أَنَّهَا مَنْكُوحَةٌ،
-
ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى أَنَّهُ بَائِنٌ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِرَأْيِهِ الْأَوَّلِ،
-
وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الْحُرْمَةِ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى الْحِلِّ، لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الْحِلِّ، حَتَّى تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى الْحُرْمَةِ، تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ مَحِلُّ النَّقْضِ، مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْإِمْضَاءُ، وَاتِّصَالُ الْإِمْضَاءِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ، وَاتِّصَالُ الْقَضَاءِ يَمْنَعُ مِنْ النَّقْضِ، فَكَذَا اتِّصَالُ الْإِمْضَاءِ.
-
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، فَاسْتَفْتَى: فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى أَفْتَاهُ فَقِيهٌ آخَرُ بِخِلَافِهِ، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ وَأَمْضَاهُ فِي مَنْكُوحَتِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا أَمْضَاهُ فِيهِ، وَيَرْجِعُ إلَى مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا أَمْضَى وَاجِبٌ، لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا؛
-
لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مُتَعَبِّدٌ بِالتَّقْلِيدِ، كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُتَعَبِّدٌ بِالِاجْتِهَادِ،
-
ثُمَّ لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ نَقْضُ مَا أَمْضَاهُ، فَكَذَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُقَلِّدِ.
-
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَفَاذِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَالْمَقْضِيُّ لَهُ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَالِفْ رَأْيُهُمَا رَأْيَ الْقَاضِي،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَخَالَفَ رَأْيُهُمَا رَأْيَ الْقَاضِي، فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَنْفُذُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، عَامِّيًّا مُقَلِّدًا أَوْ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا، يُخَالِفُ رَأْيُهُ رَأْيَ الْقَاضِي بِلَا خِلَافٍ، أَمَّا إذَا كَانَ مُقَلِّدًا فَظَاهِرٌ؛
-
لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْمُفْتِي، فَتَقْلِيدُ الْقَاضِي أَوْلَى،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْقَاضِي، قَضَاءٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى مَا مَرَّ،
-
وَلَا مَعْنَى لِلصِّحَّةِ إلَّا النَّفَاذُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَرَأَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَرَأَى الْقَاضِي أَنَّهُ بَائِنٌ، فَرَافَعَتْهُ الْمَرْأَةُ إلَى الْقَاضِي، فَقَضَى بِالْبَيْنُونَةِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِمَا قُلْنَا
-
وَأَمَّا قَضَاؤُهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ بِمَا يُخَالِفُ رَأْيَهُ، هَلْ يَنْفُذُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَنْفُذُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَنْفُذُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، وَرَأَى الزَّوْجُ أَنَّهُ بَائِنٌ، وَرَأَى الْقَاضِي أَنَّهُ وَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، فَرَافَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي؛ فَقَضَى بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؛
-
لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَقَامُ مَعَهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ لَهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّ هَذَا قَضَاءٌ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِهِ، لِوُقُوعِهِ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَيَنْفُذُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَالْمَقْضِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِمَا جَمِيعًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ صِحَّةَ الْقَضَاءِ إنْفَاذُهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، لَا فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ؛
-
لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَجْبُورٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ.
-
فَأَمَّا الْمَقْضِيُّ لَهُ فَمُخْتَارٌ فِي الْقَضَاءِ لَهُ،
-
فَلَوْ اتَّبَعَ رَأْيَ الْقَاضِي، إنَّمَا يَتْبَعُهُ تَقْلِيدًا، وَكَوْنُهُ مُجْتَهِدًا يَمْنَعُ مِنْ التَّقْلِيدِ، فَيَجِبْ الْعَمَلُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ إعْتَاقٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ؛ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِمَا يُخَالِفُ رَأْيَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ إذَا أَفْتَاهُ إنْسَانٌ فِي حَادِثَةٍ،
-
ثُمَّ رُفِعَتْ إلَى الْقَاضِي، فَقَضَى
-
بِخِلَافِ رَأْيِ الْمُفْتِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَيَتْرُكُ رَأْيَ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْمُفْتِي يَصِيرُ مَتْرُوكًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَمَا ظَنُّكَ بِالْمُقَلِّدِ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُدُورِيُّ رحمه الله الْخِلَافَ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا رحمه الله وَسَنَنْظُرُ فِيهِ فِيمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ؛
-
لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ مُظْهِرَةٌ لِلْمُدَّعِي، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ قَضَاءً بِالْحَقِّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ كَاذِبًا، هَذَا هُوَ، الظَّاهِرُ، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِهِ قَضَاءً بِالْحَقِّ،
-
وَكَذَا الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ عِنْدَنَا، فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا بَذْلٌ، أَوْ إقْرَارٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلُ صِدْقِ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ؛ لِمَا عُلِمَ، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ قَضَاءً بِالْحَقِّ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِ نَفْسِهِ، فِي الْجُمْلَةِ، فَنَقُولُ: تَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ قَضَى بِعِلْمٍ اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي قُلِّدَ قَضَاءَهُ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَضَى بِعِلْمٍ اسْتَفَادَهُ قَبْلَ زَمَانِ الْقَضَاءِ، وَفِي غَيْرِ مَكَانِهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ قَضَى بِعِلْمٍ اسْتَفَادَهُ بَعْدَ زَمَانِ الْقَضَاءِ، فِي غَيْرِ مَكَانِهِ،
-
فَإِنْ قَضَى بِعِلْمٍ اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ، وَفِي مَكَانِهِ، بِأَنْ سَمِعَ رَجُلًا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمَالٍ، أَوْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، أَوْ يُعْتِقُ عَبْدَهُ، أَوْ يَقْذِفُ
-
7/77/7
رَجُلًا، أَوْ رَآهُ يَقْتُلُ إنْسَانًا، وَهُوَ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ الَّذِي قُلِّدَ قَضَاءَهَا، جَازَ قَضَاؤُهُ عِنْدَنَا،
-
وَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، إلَّا أَنَّ فِي السَّرِقَةِ يَقْضِي بِالْمَالِ لَا بِالْقَطْعِ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ، فِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ فِي الْكُلِّ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ فِي الْكُلِّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ،
-
وَلَوْ جَازَ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ، لَمْ يَبْقَ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الثَّانِي، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيِّنَةِ الْعِلْمُ بِحُكْمِ الْحَادِثَةِ، وَقَدْ عُلِمَ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ لَا يَخْتَلِفُ.
-
(وَلَنَا) أَنَّهُ جَازَ لَهُ الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ، فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ عَيْنُهَا، بَلْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِحُكْمِ الْحَادِثَةِ، وَعِلْمُهُ الْحَاصِلُ بِالْمُعَايَنَةِ، أَقْوَى مِنْ عِلْمِهِ الْحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالشَّهَادَةِ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ وَأَكْثَرُ الظَّنِّ، وَالْحَاصِلُ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ عِلْمُ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، فَكَانَ هَذَا أَقْوَى، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِهِ أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ؛
-
لِأَنَّ الْحُدُودَ يُحْتَاطُ فِي دَرْئِهَا، وَلَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِيهَا الِاكْتِفَاءُ بِعِلْمِ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي وَضْعِ الشَّيْءِ، هِيَ الْبَيِّنَةُ الَّتِي تَتَكَلَّمُ بِهَا، وَمَعْنَى الْبَيِّنَةِ وَإِنْ وُجِدَ، فَقَدْ فَاتَتْ صُورَتُهَا، وَفَوَاتُ الصُّورَةِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ،
-
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ لَا يُحْتَاطُ فِي إسْقَاطِهَا،
-
وَكَذَا حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَسْقُطَانِ بِشُبْهَةِ فَوَاتِ الصُّورَةِ، هَذَا إذَا قَضَى بِعِلْمٍ اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا قَضَى بِعِلْمٍ، اسْتَفَادَهُ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ، أَوْ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ، الَّذِي وَلِي قَضَاءَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَصْلًا، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ،
-
فَأَمَّا فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ فَلَا يَجُوزُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ قَبْلَ زَمَنِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ هَهُنَا اسْتَدَامَ الْعِلْمُ، الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ، وَهُنَاكَ حَدَثَ لَهُ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ؛
-
لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ التُّهْمَةِ، وَالشُّبْهَةُ تُؤَثِّرُ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ،
-
وَلَا تُؤَثِّرُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ الْحَادِثَ لَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ عِلْمٌ فِي وَقْتٍ هُوَ مُكَلَّفٌ فِيهِ بِالْقَضَاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ الْقَائِمَةَ فِيهِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ فِي غَيْرِ زَمَانِ الْقَضَاءِ عِلْمٌ فِي وَقْتٍ هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِيهِ بِالْقَضَاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ الْقَائِمَةَ فِيهِ؛
-
وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ هُوَ الْبَيِّنَةُ، إلَّا أَنَّ غَيْرَهَا قَدْ يَلْحَقُ بِهَا؛ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، وَالْعِلْمُ الْحَادِثُ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ - فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ - يَكُونُ حَادِثًا فِي وَقْتٍ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْقَضَاءِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ، وَالْحَاصِلُ قَبْلَ زَمَانِ الْقَضَاءِ، أَوْ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَكَانِهِ، حَاصِلٌ فِي وَقْتٍ هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْقَضَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِهِ، فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِكِتَابِ الْقَاضِي، فَنَقُولُ: لِقَبُولِ الْكِتَابِ مِنْ الْقَاضِي شَرَائِطُ، مِنْهَا: الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ، فَتَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي، وَيَذْكُرُوا اسْمَهُ وَنَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ كِتَابُهُ بِدُونِهِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا، وَيَشْهَدُوا عَلَى أَنَّ هَذَا خَتْمُهُ؛
-
لِصِيَانَتِهِ عَنْ الْخَلَلِ فِيهِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا فِي الْكِتَابِ، بِأَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ قَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالْخَتْمِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : إذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَالْخَاتَمِ تُقْبَلُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِي الْكِتَابِ،
-
وَكَذَا إذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِي جَوْفِهِ تُقْبَلُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْخَاتَمِ، بِأَنْ قَالُوا: لَمْ يُشْهِدْنَا عَلَى الْخَاتَمِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ الْكِتَابُ مَخْتُومًا أَصْلًا، لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ حُصُولُ الْعِلْمِ لِلْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَا.
-
وَلَهُمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ، لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْعِلْمِ بِمَا فِيهِ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِمَا فِيهِ؛ لِتَكُونَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى عِلْمٍ بِالْمَشْهُودِ بِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَبَيْنَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ،
-
فَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِكِتَابِ الْقَاضِي أَمْرٌ جُوِّزَ
-
لِحَاجَةِ
-
النَّاسِ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ بِالشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى غَائِبٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ خَصْمٍ حَاضِرٍ، لَكِنْ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ - الَّتِي لَا حَاجَةَ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا عِنْدَ الدَّعْوَى - وَالشَّهَادَةِ، كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ.
-
وَأَمَّا فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا، كَالْمَنْقُولِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، لَا تُقْبَلُ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -
-
7/87/8
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ رحمه الله ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: تُقْبَلُ فِي الْعَبْدِ خَاصَّةً إذَا أَبَقَ، وَأُخِذَ فِي بَلَدٍ، فَأَقَامَ صَاحِبُهُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ قَاضِي بَلَدِهِ أَنَّ عَبْدَهُ أَخَذَهُ فُلَانٌ فِي بَلَدِ كَذَا، فَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْمِلْكِ، أَوْ عَلَى صِفَةِ الْعَبْدِ وَحِلْيَتِهِ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي الْعَبْدُ فِيهِ، أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدِي، أَنَّ عَبْدًا صِفَتُهُ وَحِلْيَتُهُ كَذَا
-
وَكَذَا مِلْكُ فُلَانٍ، أَخَذَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.
-
يَنْسِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى أَبِيهِ وَإِلَى جَدِّهِ، عَلَى رَسْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي،
-
وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ كِتَابُهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، يُسَلِّمُ الْعَبْدَ إلَيْهِ، وَيَخْتِمُ فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا،
-
ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ، حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ،
-
ثُمَّ يَكْتُبُ الْقَاضِي الْكَاتِبُ لَهُ، كِتَابًا آخَرَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ،
-
فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ كِتَابُهُ قَبِلَهُ وَقَضَى، وَسَلَّمَ الْعَبْدَ إلَى الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ، وَأَبْرَأَ كَفِيلَهُ،
-
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْجَارِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
-
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْعَبْدِ مُتَحَقِّقَةٌ؛ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ،
-
فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ؛ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ وَلَضَاعَتْ أَمْوَالُهُمْ،
-
وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَهْرَبُ عَادَةً لِعَجْزِهَا، وَضَعْفِ بِنْيَتِهَا وَقَلْبِهَا، وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا عَلَى مَعْلُومٍ؛ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وَالْمَنْقُولُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى الْغَائِبِ مُحَالٌ، فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَةُ الشُّهُودِ،
-
وَلَا دَعْوَى الْمُدَّعِي؛ لِجَهَالَةِ الْمُدَّعِي فَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلُ فِي الْجَارِيَةِ، وَفِي سَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ
-
بِخِلَافِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالتَّحْدِيدِ وَبِخِلَافِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى رحمه الله : يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْكُلِّ، وَقُضَاةُ زَمَانِنَا يَعْمَلُونَ بِمَذْهَبِهِ؛ لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْمُرْسَلِ إلَيْهِ، أَنْ لَا يَفُكَّ الْكِتَابَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ؛
-
لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنْ التُّهْمَةِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا، كَذَا هَذَا.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَكْتُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَفَخِذِهِ مَكْتُوبًا فِي الْكِتَابِ، حَتَّى لَوْ نَسَبَهُ إلَى أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ جَدِّهِ، أَوْ نَسَبَهُ إلَى قَبِيلَةٍ، كَبَنِي تَمِيمٍ وَنَحْوِهِ لَا يَقْبَلُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، إلَّا وَأَنْ يَكُونَ شَيْئًا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، أَشْهُرَ مِنْ الْقَبِيلَةِ فَيُقْبَلُ؛
-
لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ، وَمِنْهَا: ذِكْرُ الْحُدُودِ فِي الدُّورِ وَالْعَقَارِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْمَحْدُودِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذِكْرِ الْحَدِّ،
-
وَلَوْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ، يُقْبَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
-
وَعِنْدَ زُفَرَ رحمه الله لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الْحُدُودِ الْأَرْبَعَةِ،
-
وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى حَدَّيْنِ لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مَشْهُورَةً كَدَارِ الْأَمِيرِ وَغَيْرِهِ، لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الشُّرُوطِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ عَلَى قَضَائِهِ، عِنْدَ وُصُولِ كِتَابِهِ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ،
-
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عَلَى قَضَائِهِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ،
-
ثُمَّ وَصَلَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ مَكَانَهُ، لَمْ يُعْمَلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ.
-
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، لَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ، بَلْ يَرُدُّهُ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سبحانه وتعالى خَالِصًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ إخْلَاصُ الْعَمَلِ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ عز وجل ،
-
فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِنَفْسِهِ،
-
وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَهُ قَضَاءٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، فَلَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ سبحانه وتعالى ،
-
وَكَذَا إذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِرِشْوَةٍ، لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ،
-
وَإِنْ قَضَى بِالْحَقِّ الثَّابِتِ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّا وَعَلَا مِنْ حُكْمِ الْحَادِثَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ عَلَى الْقَضَاءِ رِشْوَةً؛ فَقَدْ قَضَى لِنَفْسِهِ لَا لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ فَأَنْوَاعٌ، مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْقَاضِي،
-
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ؛ لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا وَقْتَ الْقَضَاءِ،
-
فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ لَهُ، إلَّا إذَا كَانَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ كَمَا لَا يَجُوزُ، فَالْقَضَاءُ لِلْغَائِبِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ، وَمِنْهَا: طَلَبُ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَاضِي فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَسِيلَةٌ إلَى حَقِّهِ، فَكَانَ حَقُّهُ وَحَقُّ الْإِنْسَانِ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِطَلَبِهِ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَحَضْرَتُهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَيْسَ
-
7/97/9
بِشَرْطٍ، وَالْمَسْأَلَةُ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.