فَصْلٌ بَيَانُ حُكْمِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 11646 to 11839
-
2/1982/198
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ اصْطِيَادُهُ إذَا اصْطَادَهُ فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ،
-
وَإِمَّا أَنْ جَرَحَهُ، وَإِمَّا أَنْ أَخَذَهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ،
-
فَإِنْ قَتَلَهُ فَالْقَتْلُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاشَرَةً، أَوْ تَسَيُّبًا،
-
فَإِنْ كَانَ مُبَاشَرَةً فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ يُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِقِيمَةِ الصَّيُودِ فَيُقَوِّمَانِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُ إنْ كَانَ مَوْضِعًا تُبَاعُ فِيهِ الصَّيُودُ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ يُقَوِّمَانِهِ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْعُمْرَانِ إلَيْهِ،
-
فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَمَنَ هَدْيٍ، فَالْقَاتِلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَهْدَى،
-
وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهُ ثَمَنَ هَدْيٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ، أَوْ كَانَ مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ.
-
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْخِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ إنْ شَاءَا حَكَمَا عَلَيْهِ هَدْيًا،
-
وَإِنْ شَاءَا طَعَامًا، وَإِنْ شَاءَا صِيَامًا،
-
فَإِنْ حَكَمَا عَلَيْهِ هَدْيًا نَظَرَ الْقَاتِلُ إلَى نَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ وَالصُّورَةُ إنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ، سَوَاءٌ كَانَ قِيمَةُ نَظِيرِهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَا يُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ، بَلْ إلَى الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ، فَيَجِبُ فِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَعِيرٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفَرَةٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ مِمَّا فِي ذَبْحِهِ قُرْبَةٌ كَالْحَمَامِ، وَالْعُصْفُورِ، وَسَائِرِ الطُّيُورِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَحَكَى الْكَرْخِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ: إنَّ الْخِيَارَ لِلْقَاتِلِ عِنْدَهُ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُ إنْ اخْتَارَ الْهَدْيَ لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا إخْرَاجُ النَّظِيرِ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ بِقَتْلِ مَا لَهُ نَظِيرُ النَّظِيرِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ أَحَدٍ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ، وَيَكُونُ الْإِطْعَامُ بَدَلًا عَنْ النَّظِيرِ لَا عَنْ الصَّيْدِ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي مُوجِبِ قَتْلِ صَيْدٍ لَهُ نَظِيرٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
-
وَلَا يَجِبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ.
-
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أَيْ: فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ، أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقَاتِلِ جَزَاءً مِثْلَ مَا قَتَلَ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: " الْمُرَادُ مِنْهُ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ " وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: " الْمُرَادُ مِنْهُ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْهَيْئَةُ " وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ جَزَاءً مِنْ النَّعَمِ، وَهُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ؛
-
لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمِثْلَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالنَّعَمِ بِقَوْلِهِ عز وجل مِنْ النَّعَمِ،
-
وَمِنْ هَهُنَا لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ:
-
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِنْ النَّعَمِ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَقْتُولِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ.
-
وَرُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه أَوْجَبُوا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً، وَفِي الظَّبْيَةِ شَاةً، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقًا،، وَهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وُجُوهٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَوَّلُهَا: أَنَّ اللَّهُ عز وجل نَهَى الْمُحْرِمِينَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ عَامًّا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى
-
2/1992/199
ذَكَرَ الصَّيْدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ بِقَوْلِهِ عز وجل : ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ خُصُوصًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَعْهُودِ،
-
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ وَالْهَاءُ كِنَايَةٌ رَاجِعَةٌ إلَى الصَّيْدِ الْمُوجَدِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ، فَقَدْ أَوْجَبَ سبحانه وتعالى بِقَتْلِ الصَّيْدِ مِثْلًا يَعُمُّ مَا لَهُ نَظِيرٌ وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهُوَ الْقِيمَةُ لَا الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ وَالصُّورَةُ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي صَيْدٍ لَا نَظِيرَ لَهُ، بَلْ الْوَاجِبُ فِيهِ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ بِلَا خِلَافٍ، فَكَانَ صَرْفُ الْمِثْلِ الْمَذْكُورِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْعُمُومِ إلَيْهِ تَخْصِيصًا لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ عُمُومُ الْآيَةِ، وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ،
-
وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالثَّانِي أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْمِثْلِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا عُرِفَ مِثْلًا فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، وَالْمِثْلُ الْمُتَعَارَفُ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، هُوَ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَعْنَى، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ كَمَا فِي ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ،
-
فَإِنَّ مَنْ أَتْلَفَ عَلَى آخَرَ حِنْطَةً يَلْزَمُهُ حِنْطَةٌ.
-
وَمَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ عَرْضًا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ.
-
فَأَمَّا الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْهَيْئَةُ فَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ لَا إلَى غَيْرِهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ سبحانه وتعالى ذَكَرَ الْمِثْلَ مُنَكَّرًا فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَيَتَنَاوَلُ وَاحِدًا، وَأَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى الْمِثْلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَيَقَعُ عَلَى الْمِثْلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، فَالْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى يُرَادُ مِنْ الْآيَةِ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ،
-
فَلَا يَكُونُ الْآخَرُ مُرَادًا إذْ الْمُشْتَرَكُ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ لَا عُمُومَ لَهُ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عَدَالَةَ الْحَكَمَيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَدَالَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَذَلِكَ فِي الْمِثْلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ بِهَا تَتَحَقَّقُ الصِّيَانَةُ عَنْ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَتَقْرِيرِ الْأَمْرِ عَلَى الْوَسَطِ.
-
فَأَمَّا الصُّورَةُ فَمُشَابَهَةٌ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَالَةِ.
-
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ خَرَجَ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ كَلَامٌ تَامٌّ بِنَفْسِهِ مُفِيدٌ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصْلِهِ بِغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَقَوْلُهُ ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ؛
-
لِأَنَّهُ كَمَا يُرْجَعُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ الْمُتْلَفِ يُرْجَعُ إلَيْهِمَا فِي تَقْوِيمِ الْهَدْيِ الَّذِي يُوجَدُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْقِيمَةِ،
-
فَلَا يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ مَرْبُوطًا بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ مَعَ اسْتِغْنَاءِ الْكَلَامِ عَنْهُ.
-
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ زَائِدٌ يُوجِبُ الرَّبْطَ بِغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَصَلَ قَوْلَهُ ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ جَعَلَ الْجَزَاءَ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ؛
-
لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ، وَبَيْنَ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، لَكَانَ الطَّعَامُ وَالصِّيَامُ مِثْلًا لِدُخُولِ حَرْفِ أَوْ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ النَّعَمِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الذِّكْرِ، بِأَنْ قَالَ تَعَالَى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ طَعَامًا، أَوْ صِيَامًا أَوْ مِنْ النَّعَمِ هَدْيًا؛
-
لِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي التِّلَاوَةِ، لَا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي الْمَعْنَى، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ وَالصِّيَامُ مِثْلًا لِلْمَقْتُولِ دَلَّ أَنَّ ذِكْرَ النَّعَمِ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مَوْصُولِ الْمُرَادِ بِالْأَوَّلِ، وَقَوْلُ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيجَابِ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ مَعَ مَا، إنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ،
-
فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي اعْتِبَارُ مَكَانِ الْإِصَابَةِ فِي التَّقْوِيمِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِيمَةُ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيِّ الْوَاجِبُ: هُوَ النَّظِيرُ إمَّا بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ أَوْ ابْتِدَاءً،
-
فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَكَانُ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " يُقَوَّمُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَإِنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي قِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ مَوَاضِعُ الِاسْتِهْلَاكِ، كَمَا فِي اسْتِهْلَاكِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَمِنْهَا أَنَّ الطَّعَامَ بَدَلٌ عَنْ الصَّيْدِ عِنْدَنَا، فَيُقَوِّمُ الصَّيْدَ بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الطَّعَامَ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَيُقَوِّمُ الْهَدْيَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الْهَدْيِ طَعَامًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ جَزَاءَ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ عز وجل : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فَلَمَّا كَانَ الْهَدْيُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ جَزَاءً مُعْتَبَرًا بِالصَّيْدِ إمَّا فِي قِيمَتِهِ أَوْ نَظِيرِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، كَانَ الطَّعَامُ مِثْلَهُ؛
-
وَلِأَنَّ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ اعْتِبَارَ الطَّعَامِ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ
-
2/2002/200
بِلَا خِلَافٍ، فَكَذَا فِيمَا لَهُ مِثْلٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
-
وَمِنْهَا أَنَّ كَفَّارَةَ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلَ: عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْهَدْيِ،
-
ثُمَّ الْإِطْعَامِ، ثُمَّ الصِّيَامِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ الْهَدْيُ لَا يَجُوزُ الطَّعَامُ.
-
وَلَوْ وُجِدَ الْهَدْيُ، أَوْ الطَّعَامُ لَا يَجُوزُ الصِّيَامُ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ دُونَ التَّخْيِيرِ.
-
وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّرْتِيبَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم حَكَمُوا فِي الضَّبُعِ بِشَاةٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ، فَدَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حَرْفَ أَوْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ، وَحَرْفُ أَوْ إذَا ذُكِرَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ يُرَادُ بِهِ التَّخْيِيرُ لَا التَّرْتِيبُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عز وجل فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ قَامَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهَا كَمَا فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا أَوْ عَلَى إرَادَةِ الْوَاوِ، مَنْ ادَّعَى خِلَافَ الْحَقِيقَةِ هَهُنَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ثُمَّ إذَا اخْتَارَ الْهَدْيَ فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الصَّيْدِ بَدَنَةً نَحَرَهَا،
-
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ بَدَنَةً وَبَلَغَتْ بَقَرَةً ذَبَحَهَا،
-
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ بَقَرَةً وَبَلَغَتْ شَاةً ذَبَحَهَا،
-
وَإِنْ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الصَّيْدِ إذَا بَلَغَتْ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً سَبْعَ شِيَاهٍ وَذَبَحَهَا أَجْزَأَهُ،
-
فَإِنْ اخْتَارَ شِرَاءَ الْهَدْيِ وَفَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ،
-
فَإِنْ بَلَغَ هَدْيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ اشْتَرَى،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ هَدْيًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ صَرَفَ الْفَاضِلَ إلَى الطَّعَامِ،
-
وَإِنْ شَاءَ صَامَ كَمَا فِي صَيْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ هَدْيًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السِّنِّ الَّذِي يَجُوزُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
-
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا يَجُوزُ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ وَالْإِحْصَارِ " وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: " تَجُوزُ الْجَفَرَةُ وَالْعَنَاقُ عَلَى قَدْرِ الصَّيْدِ " وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِي الْيَرْبُوعِ جَفَرَةً، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إطْلَاقَ الْهَدْيِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهَدَايَا الْمُطْلَقَةِ فِي الْقُرْآنِ،
-
فَلَا يَجُوزُ دُونَ السِّنِّ الَّذِي يُجْزِي فِي سَائِرِ الْهَدَايَا، وَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه يُخَالِفُهُمْ،
-
فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ دَلِيلِ التَّرْجِيحِ،
-
ثُمَّ اسْمُ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدْيِ إلَّا فِي الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وَلَوْ جَازَ ذَبْحُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ بُلُوغِهِ الْكَعْبَةَ مَعْنًى.
-
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ بُلُوغَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بَلْ بُلُوغَ قُرْبِهَا، وَهُوَ الْحَرَمُ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَمُرُّ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَرَّ بِقُرْبِ بَابِهِ حَنِثَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
-
﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَمُ؛ لِأَنَّهُمْ مُنِعُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ؛ وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَكَانِ الْهَدَايَا أَيْ: يُنْقَلُ إلَيْهَا.
-
وَمَكَانُ الْهَدَايَا الْحَرَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
-
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَمُ.
-
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَلَوْ ذَبَحَ فِي الْحِلِّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْجَزَاءُ بِالذَّبْحِ إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ قِيمَةُ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَيُجْزِئَهُ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ عَنْ الطَّعَامِ،
-
وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي الْحَرَمِ سَقَطَ الْجَزَاءُ عَنْهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَاعَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ إرَاقَةُ الدَّمِ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الطَّعَامَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا فَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَلَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى،
-
وَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْحَرَمِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ إلَّا فِي الْحَرَمِ تَوْسِعَةً عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَنَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ مُطْلَقٌ عَنْ الْمَكَانِ وَقِيَاسُ الطَّعَامِ عَلَى الذَّبْحِ بِمَعْنَى التَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ قَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ؛
-
وَلِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْقَلْ قُرْبَةً بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهَا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، فَيَتْبَعُ مَوْرِدَ الشَّرْعِ فَيَتَقَيَّدُ كَوْنُهَا قُرْبَةً بِالْمَكَانِ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِكَوْنِهَا قُرْبَةً فِيهِ وَهُوَ الْحَرَمُ فَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَيُعْقَلُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ إلَى الْمُحْتَاجِينَ فَلَا يَتَقَيَّدُ كَوْنُهُ قُرْبَةً بِمَكَانٍ، كَمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ، وَتَجُوزُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّمْلِيكُ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ.
-
وَلَا
-
2/2012/201
يَجُوزُ لِلْقَاتِلِ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ.
-
وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ،
-
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ وَدَفْعُ الطَّعَامِ إلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلُوا،
-
وَلَا إلَى وَالِدِهِ وَوَالِدِ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَوْا، كَمَا لَا تَجُوزُ الزَّكَاةُ،
-
وَيَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
-
وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَالصَّدَقَةِ الْمَنْذُورِ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا وَصَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ يَوْمًا عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلَ: إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: " يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ، فَتَعَيَّنَ السَّمَاعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا؛ لِأَنَّ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ لَا يَجُوزُ،
-
وَيَجُوزُ الصَّوْمُ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا بِلَا خِلَافٍ،
-
وَيَجُوزُ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ مُطْلَقًا عَنْ الْمَكَانِ وَصِفَةِ التَّتَابُعِ وَالتَّفَرُّقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ عِنْدَنَا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَالِاصْطِيَادُ عَلَى الْمُحْرِمِ كَالضَّبُعِ، وَالثَّعْلَبِ، وَسِبَاعِ الطَّيْرِ، وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ بِهِ دَمًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ دَمًا بَلْ يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
-
وَقَالَ زُفَرُ: " تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ " وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ هَذَا الْمَصِيدَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، وَالْمَضْمُونُ بِالْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ كَمَالُ قِيمَتِهِ كَالْمَأْكُولِ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا الْمَضْمُونَ إنَّمَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ،
-
وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ لَا تَزِيدُ قِيمَةُ لَحْمِهِ عَلَى لَحْمِ الشَّاةِ بِحَالٍ، بَلْ لَحْمُ الشَّاةِ يَكُونُ خَيْرًا مِنْهُ بِكَثِيرٍ،
-
فَلَا يُجَاوِزُ بِهِ دَمًا، بَلْ يَنْقُصُ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ وَجَبَ بِإِتْلَافِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ،
-
فَلَا يُجَاوِزُ بِهِ دَمًا كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ زُفَرُ.
-
وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ صَيْدًا ثُمَّ يَعُودَ وَيَقْتُلَ آخَرَ وَثُمَّ إنَّهُ يَجِبُ لِكُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ، وَهُوَ قَوْلُ: الْحَسَنِ، وَشُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ جَعَلَ جَزَاءَ الْعَائِدِ الِانْتِقَامَ فِي الْآخِرَةِ فَتَنْتَفِي الْكَفَّارَةُ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْجَزَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ فَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْتَقِمُ مِنْ الْعَائِدِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ بِمَاذَا؟ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ بِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ لَا يَنْفِي وُجُوبَ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَدَّ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ جَزَاءً لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الْآيَةَ قَالَ عز وجل فِي آخِرِهَا ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَفَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إلَى اسْتِحْلَالِ الصَّيْدِ، فَقَالَ اللَّهُ عز وجل ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ اسْتِحْلَالِهِمْ الصَّيْدَ إذَا تَابَ وَرَجَعَ، عَمَّا اسْتَحَلَّ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ،
-
وَمَنْ عَادَ إلَى الِاسْتِحْلَالِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِالنَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
-
وَبِهِ نَقُولُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ وَالْإِحْلَالِ.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ وَالْإِحْلَالِ لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَمٌ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَيْسَ إلَّا نِيَّةَ الرَّفْضِ وَنِيَّةُ الرَّفْضِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ حَلَالًا بِذَلِكَ فَكَانَ وُجُودُهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا وَقَالُوا لَا يَجِبُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛
-
لِأَنَّ الْكُلَّ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَأَشْبَهَ الْإِيلَاجَاتِ فِي الْجِمَاعِ.
-
وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالذِّكْرُ وَالنِّسْيَانُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما (أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْخَاطِئِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي) وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً وَابْتِدَاءً.
-
أَمَّا الْبِنَاءُ فَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ
-
2/2022/202
بِارْتِكَابِ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ زَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي لَا يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ وَالْحَظْرِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ عُذْرًا، وَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي جِنَايَةٌ وَحَرَامٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا جَائِزُ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ عَقْلًا، وَإِنَّمَا رُفِعَتْ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ شَرْعًا مَعَ بَقَاءِ وَصْفِ الْحَظْرِ وَالْحُرْمَةِ فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
-
وَكَذَا التَّحَرُّزُ عَنْهُمَا مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ إذْ لَا يَقَعُ الْإِنْسَانُ فِي الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ إلَّا لِنَوْعِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ عُذْرًا مِنْهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُعْذَرْ النَّاسِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ عُذْرًا فِي بَابِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ وُجُودُهُ فَكَانَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ حَرَجٌ،
-
وَلَا يَغْلِبُ فِي بَابِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْإِحْرَامِ مُذَّكِّرَةٌ فَكَانَ النِّسْيَانُ مَعَهَا نَادِرًا عَلَى أَنَّ الْعُذْرَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجَزَاءِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ لِمَرَضٍ أَوْ أَذًى بِالرَّأْسِ.
-
وَكَذَا فَوَاتُ الْحَجِّ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِ الْعُذْرِ،
-
وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ فَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ خَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ،
-
فَلَوْ شَارَكَهُ الْخَاطِئُ وَالنَّاسِي فِي الْوُجُوبِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى، وَلَنَا وُجُوهٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَمْدِ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْكَفَّارَاتِ وَجَبَتْ رَافِعَةً لِلْجِنَايَةِ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى كَفَّارَةً بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وَقَدْ وُجِدَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِي الْخَطَأِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ عز وجل سَمَّى الْكَفَّارَةَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ تَوْبَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾
-
وَلَا تَوْبَةَ إلَّا مِنْ الْجِنَايَةِ، وَالْحَاجَةُ إلَى رَفْعِ الْجِنَايَةِ مَوْجُودَةٌ، وَالْكَفَّارَةُ صَالِحَةٌ لِرَفْعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ أَعْلَى الْجِنَايَتَيْنِ وَهِيَ الْعَمْدُ وَمَا صَلَحَ رَافِعًا لِأَعْلَى الذَّنْبَيْنِ يَصْلُحُ رَافِعًا لِأَدْنَاهُمَا
-
بِخِلَافِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَنَا وَالْخَطَأُ يُوجِبُ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ هُنَاكَ وَجَبَ، وَرُدَّ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ وَذَنْبِ الْخَطَأِ دُونَ ذَنْبِ الْعَمْدِ، وَمَا يَصْلُحُ لِرَفْعِ الْأَدْنَى لَا يَصْلُحُ لِرَفْعِ الْأَعْلَى فَامْتَنَعَ الْوُجُوبُ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِانْعِدَامِ طَرِيقِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْإِحْرَامِ أَمَّنَ الصَّيْدَ عَنْ التَّعَرُّضِ، وَالْتَزَمَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ فَصَارَ الصَّيْدُ كَالْأَمَانَةِ عِنْدَهُ، وَكُلُّ ذِي أَمَانَةٍ إذَا أَتْلَفَ الْأَمَانَةَ يَلْزَمُهُ الْغُرْمُ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً
-
بِخِلَافِ قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَحْفُوظَةٌ بِصَاحِبِهَا وَلَيْسَتْ بِأَمَانَةٍ عِنْدَ الْقَاتِلِ حَتَّى يَسْتَوِيَ حُكْمُ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي التَّعَرُّضِ لَهَا، وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ التَّخْيِيرَ فِي حَالِ الْعَمْدِ وَمَوْضُوعَ التَّخْيِيرِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّوَسُّعِ وَذَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْحَلْقِ لِمَنْ بِهِ مَرَضٌ أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَالِ الْعَمْدِ فَعُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ التَّخْيِيرِ فِيهِ؛
-
لِتَقْدِيرِ الْحُكْمِ بِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ لَوْلَاهُ لَمَا ذَكَرَ التَّخْيِيرَ فَكَانَ إيجَابُ الْجَزَاءِ فِي حَالِ الْعَمْدِ إيجَابًا فِي حَالِ الْخَطَأِ؛ وَلِهَذَا كَانَ ذِكْرُ التَّخْيِيرِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّوَسُّعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ حَالَةَ الْعَمْدِ ذِكْرًا فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَالنَّوْمِ وَالْجُنُونِ دَلَالَةً.
-
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعَامِدِ فَقَدْ عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْرِ حُكْمِهِ وَبَيَانِهِ فِي حَالِ دَلِيلِ نَفْيِهِ فِي حَالٍ أُخْرَى فَكَانَ تَمَسُّكًا بِالْمَسْكُوتِ فَلَا يَصِحُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْعَامِدِ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى مَنْ قَصَرَ ذَنْبُهُ عَنْهُ مِنْ الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى؛
-
لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَمَّا رَفَعَ أَعْلَى الذَّنْبَيْنِ فَلَأَنْ يَرْفَعَ الْأَدْنَى أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا كَانَتْ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ كَمَالِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ حَالَ الِانْفِرَادِ وَالِاجْتِمَاعِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَقْتُولَ وَاحِدٌ فَلَا يُضْمَنُ إلَّا بِجَزَاءٍ وَاحِدٍ، كَمَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا وَاحِدًا خَطَأً أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ
-
وَكَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَلِّلِينَ إذَا قَتَلُوا صَيْدًا وَاحِدًا فِي الْحَرَمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَا هَذَا، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَكَلِمَةُ مَنْ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ عَلَى حِيَالِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، وَأَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ حَتَّى يَجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ خَطَأً كَفَّارَةٌ عَلَى حِدَةٍ،
-
وَلَا تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَعُمُومَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا وُجُوبَ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تُرِكَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ بِدَلِيلٍ
-
2/2032/203
، وَالشَّافِعِيُّ نَظَرَ إلَى الْمَحِلِّ فَقَالَ الْمَحِلُّ وَهُوَ الْمَقْتُولُ مُتَّحِدٌ فَلَا يَجِبُ إلَّا ضَمَانٌ وَاحِدٌ وَأَصْحَابُنَا نَظَرُوا إلَى الْفِعْلِ فَقَالُوا الْفِعْلُ مُتَعَدِّدٌ فَيَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ وَنَظَرُنَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جَزَاءُ الْفِعْلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ جَزَاءً بِقَوْلِهِ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَالْجَزَاءُ يُقَابِلُ الْفِعْلَ لَا الْمَحِلَّ.
-
وَكَذَا سَمَّى الْوَاجِبَ كَفَّارَةً بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ، وَالْكَفَّارَةُ جَزَاءُ الْجِنَايَةِ
-
بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا بَدَلُ الْمَحِلِّ فَتَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ يُشْبِهُ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ وَاحِدٌ فَلَا تَجِبُ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا مُعَلَّمًا، كَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَالصَّقْرِ وَالْحَمَامِ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ مَوَاضِعَ بَعِيدَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتَانِ: قِيمَتُهُ مُعَلَّمًا لِصَاحِبِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَقِيمَتُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ حَقًّا لِلَّهِ؛
-
لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى حَقَّيْنِ: حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالتَّعْلِيمُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ عز وجل يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهِ صَيْدًا، وَكَوْنُهُ مُعَلَّمًا وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ صَيْدًا فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْحَمَامَةِ الْمُصَوِّتَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا مُصَوِّتَةً فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ غَيْرَ مُصَوِّتَةٍ.
-
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ كَوْنَهَا مُصَوِّتَةً مِنْ بَابِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ، وَالصَّيْدُ مَضْمُونٌ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا حَسَنًا مَلِيحًا لَهُ زِيَادَةُ قِيمَةٍ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ حَمَامَةً مُطَوَّقَةً أَوْ فَاخِتَةَ مُطَوَّقَةً.
-
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ كَوْنَهَا مُصَوِّتَةً لَا يَرْجِعُ إلَى كَوْنِهِ صَيْدًا فَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ ضَمَانُ ذَلِكَ، وَهَذَا يَشْكُلُ بِالْمُطَوَّقَةِ وَالصَّيْدِ الْحَسَنِ الْمَلِيحِ وَلَوْ أَخَذَ بَيْضَ صَيْدٍ فَشَوَاهُ أَوْ كَسَرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ بِقِيمَتِهِ؛
-
وَلِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ إذْ الصَّيْدُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا،
-
فَإِنْ شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا فَضَمِنَهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَوْ أَكَلَهُ أَوْ غَيَّرَهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ مُحْرِمًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ
-
بِخِلَافِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ.
-
وَلَوْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الصَّائِدُ مِنْهُ بَعْدَ مَا أَدَّى جَزَاءَهُ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَاكَ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً لِعَدَمِ الذَّكَاةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الذَّكَاةِ، وَالْحُرْمَةُ هَهُنَا لَيْسَتْ لِمَكَانِ كَوْنِهِ مَيْتَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الذَّكَاةِ فَصَارَ كَالْمَجُوسِيِّ إذَا شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ كَذَا هَذَا،
-
فَإِنْ كَسَرَ الْبَيْضَ فَخَرَجَ مِنْهُ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالثِّقَةِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ وَاعْتَبَرَهُ بِالْجَنِينِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْجِنَايَاتِ، وَفِي الْجَنِينِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ كَذَا فِيهِ، وَلَنَا أَنَّ الْفَرْخَ صَيْدٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْرَضُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الصَّيْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِكَسْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَضَمَانُ الصَّيْدِ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ؛
-
لِأَنَّهُ وَجَبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى يُحْتَاطُ فِي إيجَابِهَا،
-
وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا ثُمَّ مَاتَتْ الظَّبْيَةُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا يُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالثِّقَةِ، أَمَّا قِيمَةُ الْأُمِّ فَلِأَنَّهُ قَتَلَهَا.
-
وَأَمَّا قِيمَةُ الْجَنِينِ؛ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا فَيُحْكَمُ بِالضَّمَانِ احْتِيَاطًا فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيَةً حَامِلًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَجْرِي مَجْرَى صِفَاتِهَا وَحُسْنِهَا وَمَلَاحَتِهَا وَسِمَنِهَا، وَالصَّيْدُ مَضْمُونٌ بِأَوْصَافِهِ وَلَوْ حَلَبَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ الْحَلْبُ؛
-
لِأَنَّ اللَّبَنَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ فَإِذَا نَقَصَهُ الْحَلْبُ، يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ.
-
وَأَمَّا إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ تَسَبُّبًا فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسَبُّبِ يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا.
-
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَلَّقَ بِهِ صَيْدٌ وَمَاتَ أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِلصَّيْدِ فَوَقَعَ فِيهَا فَعَطِبَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسَبُّبِ.
-
وَلَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطًا لِنَفْسِهِ فَتَعَلَّقَ بِهِ صَيْدٌ فَمَاتَ أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِلْمَاءِ أَوْ لِلْخَبْزِ فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَمَاتَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسَبُّبِ، وَهَذَا كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ وَمَاتَ يَضْمَنُ.
-
وَلَوْ كَانَ الْحَفْرُ فِي دَارِ نَفْسِهِ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مُتَعَدِّيًا بِالتَّسَبُّبِ وَفِي الثَّانِي لَا، كَذَا هَذَا وَلَوْ أَعَانَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الصَّيْدِ تُسَبِّبُ إلَى قَتْلِهِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ؛
-
لِأَنَّهُ تَعَاوَنَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وَلَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ يَرَى الصَّيْدَ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ أَوْ إشَارَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَرَاهُ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَتِهِ.
-
فَلَا أَثَرَ لِدَلَالَتِهِ فِي تَفْوِيتِ الْأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ فَلَمْ تَقَعْ الدَّلَالَةُ تَسَبُّبًا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ
-
2/2042/204
بِدَلَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيضٍ عَلَى اصْطِيَادِهِ وَإِنْ رَآهُ الْمَدْلُولُ بِدَلَالَتِهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ) وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الدَّالُّ عَلَى الشَّيْءِ كَفَاعِلِهِ» وَرُوِيَ «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَالدَّالُّ عَلَى الشَّرِّ كَفَاعِلِهِ» فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلدَّلَالَةِ حُكْمُ الْفِعْلِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
-
وَرُوِيَ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ رضي الله عنه شَدَّ عَلَى حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ حَلَالٌ فَقَتَلَهُ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﷺ هَلْ أَشَرْتُمْ؟ هَلْ أَعَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: لَا فَقَالَ: كُلُوا إذًا» فَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِالْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مَعْنًى، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُرْمَةِ الْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ، وَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ إنِّي أَشَرْت إلَى ظَبْيَةٍ فَقَتَلَهَا صَاحِبِي فَسَأَلَ عُمَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنهما فَقَالَ: مَا تَرَى؟
-
فَقَالَ: أَرَى عَلَيْهِ شَاةً فَقَالَ عُمَرُ: رضي الله عنه وَأَنَا أَرَى مِثْلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَشَارَ إلَى بَيْضَةِ نَعَامَةٍ فَكَسَرَهَا صَاحِبُهُ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ.
-
وَكَذَا حُكْمُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ رضي الله عنهما مَحْمُولٌ عَلَى الْقِيمَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ قَدْ أَمَّنَ الصَّيْدَ بِإِحْرَامِهِ، وَالدَّلَالَةُ تُزِيلُ الْأَمْنَ لِأَنَّ أَمْنَ الصَّيْدِ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ وَيِقْظَتِهِ يَكُونُ بِتَوَحُّشِهِ عَنْ النَّاسِ وَفِي حَالِ عَجْزِهِ وَنَوْمِهِ يَكُونُ بِاخْتِفَائِهِ عَنْ النَّاسِ، وَالدَّلَالَةُ تُزِيلُ الِاخْتِفَاءَ فَيَزُولُ الْأَمْنُ، فَكَانَتْ الدَّلَالَةُ فِي إزَالَةِ الْأَمْنِ كَالِاصْطِيَادِ؛
-
وَلِأَنَّ الْإِعَانَةَ وَالدَّلَالَةَ وَالْإِشَارَةَ تَسَبُّبٌ إلَى الْقَتْلِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ؛ لِكَوْنِهِ مُزِيلًا لِلْأَمْنِ وَأَنَّهُ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ فَأَشْبَهَ نَصْبَ الشَّبَكَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَمَّنَ الصَّيْدَ عَنْ التَّعَرُّضِ بِعَقْدِ الْإِحْرَامِ وَالْتَزَمَ ذَلِكَ صَارَ بِهِ الصَّيْدُ كَالْأَمَانَةِ فِي يَدِهِ فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ إذَا دَلَّ سَارِقًا عَلَى سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ.
-
وَلَوْ اسْتَعَارَ مُحْرِمٌ مِنْ مُحْرِمٍ سِكِّينًا؛ لِيَذْبَحَ بِهِ صَيْدًا فَأَعَارَهُ إيَّاهُ فَذَبَحَ بِهِ الصَّيْدَ فَلَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَصَّلَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ يَتَوَصَّلُ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بِغَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ السِّكِّينِ يَضْمَنُ الْمُعِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالدَّالِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا: لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا رَأَى صَيْدًا وَلَهُ قَوْسٌ أَوْ سِلَاحٌ يَقْتُلُ بِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى سِكِّينَتِهِ أَوْ عَلَى قَوْسِهِ فَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ بِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَقْتُلُهُ بِهِ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَضْمَنُ،
-
وَلَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ مَا ذَبَحَهُ مِنْ الصَّيْدِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِحْرَامِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلذَّكَاةِ فَلَا تُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّكَاةُ كَالْمَجُوسِيِّ إذَا ذَبَحَ.
-
وَكَذَا الصَّيْدُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِلذَّبْحِ فِي حَقِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وَالتَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إلَى الْأَعْيَانِ يُوجِبُ خُرُوجَهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ التَّصَرُّفِ شَرْعًا، كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالتَّصَرُّفِ الصَّادِرِ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ وَفِي غَيْرِ مَحِلِّهِ يَكُونُ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَإِنْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَهُوَ قِيمَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ،
-
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ غَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ أَكَلَ مَيْتَةً فَلَا يَلْزَمَنَّهُ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ كَمَا لَوْ أَكَلَهُ غَيْرُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ كَوْنَهُ مَيْتَةً لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ وَعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، فَكَانَتْ الْحُرْمَةُ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ مُضَافَةً إلَى الْإِحْرَامِ فَإِذَا أَكَلَهُ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَكَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا أَكَلَ؛ لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ لَيْسَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ بَلْ مَحْظُورُ إحْرَامِ غَيْرِهِ، وَكَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ حَلَالًا عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَكْلُهُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ الْحُرْمَةَ لِمَكَانِ أَنَّهُ صَيْدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وَهُوَ صَيْدُهُ لَا صَيْدَ غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَنَا أَنَّ حُرْمَتَهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الذَّكَاةِ وَمَحَلِّيَّتِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ هَذَا إذَا أَدَّى الْجَزَاءَ ثُمَّ أَكَلَ.
-
فَأَمَّا إذَا أَكَلَ قَبْلَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءً وَاحِدًا وَيَدْخُلُ ضَمَانُ مَا أَكَلَ فِي الْجَزَاءِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ آخَرُ
-
2/2052/205
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَتَدَاخَلَانِ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى صَيْدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ بِأَمْرِهِ أَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَهُ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازِيَهُ الْمُعَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ صَيْدَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ صَيْدُهُ مَعْنًى.
-
وَكَذَا صَيْدُ الْبَازِي وَالْكَلْبِ وَالسَّهْمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الِاصْطِيَادِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ آلَةُ الِاصْطِيَادِ وَالْفِعْلُ لِمُسْتَعْمِلِ الْآلَةِ لَا لِلْآلَةِ.
-
وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ اصْطَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيُّ لَا يَحِلُّ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَقَتَادَةَ وَجَابِرٍ وَعُثْمَانَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَحِلُّ وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ فِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أَخْبَرَ أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَيْدَ الْمُحْرِمِ أَوْ الْحَلَالِ.
-
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الْآيَةَ مُبْهَمَةٌ لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَصِيدَهُ وَلَا أَنْ تَأْكُلَهُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه «أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ كَرَاهَةً فَقَالَ: لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْك وَلَكِنَّا حُرُمٌ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَقَبِلْنَاهُ مِنْك» وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ لَحْمِ الصَّيْدِ مُطْلَقًا» وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ فَشَدَّ عَلَى حِمَارِ وَحْشٍ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَبَى الْبَعْضُ فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ: ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟»
-
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَحْرِيمَ صَيْدِ الْبَرِّ لَا تَحْرِيمَ لَحْمِ الصَّيْدِ، وَهَذَا لَحْمُ الصَّيْدِ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ حَقِيقَةً؛
-
لِانْعِدَامِ مَعْنَى الصَّيْدِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ وَالتَّوَحُّشُ، عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ فِي الْحَقِيقَةِ مَصْدَرٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَصِيدِ مَجَازًا.
-
وَأَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه رُوِيَ فِي بَعْضِهَا " أَنَّهُ أَهْدَى إلَيْهِ حِمَارًا وَحْشِيًّا " كَذَا رَوَى مَالِكٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَحْمُولٌ عَلَى صَيْدٍ صَادَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِإِعَانَتِهِ أَوْ بِدَلَالَتِهِ أَوْ بِإِشَارَتِهِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ كُلِّهَا، وَسَوَاءٌ صَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ بِأَمْرِهِ عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (إذَا صَادَهُ لَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ) وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادَ لَكُمْ» وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَصِيدًا لَهُ إلَّا بِأَمْرِهِ وَبِهِ نَقُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا حُكْمُ الصَّيْدِ إذَا جَرَحَهُ الْمُحْرِمُ،
-
فَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الصَّيْدِ وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ الْمُتَوَحِّشُ بِأَنْ قَطَعَ رِجْلَ ظَبْيٍ أَوْ جَنَاحَ طَائِرٍ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ حَدِّ الصَّيْدِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛
-
وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا مَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ حَدِّ الصَّيْدِ يَضْمَنُ مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ؛ لِوُجُودِ إتْلَافِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنْ انْدَمَلَتْ الْجِرَاحَةُ وَبَرِئَ الصَّيْدُ لَا يَسْقُطُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ الصَّيْدِ وَبِالِانْدِمَالِ لَا يُتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَمْ يَكُنْ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ آدَمِيًّا فَانْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ إنَّمَا يَجِبُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ وَقَدْ ارْتَفَعَ.
-
فَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ فَكَفَّرَ عَنْهُ،
-
ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَفَّرَ الْجِرَاحَةَ ارْتَفَعَ حُكْمُهَا وَجُعِلَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَقَتْلُهُ الْآنَ ابْتِدَاءً فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَكِنْ ضَمَانُ صَيْدٍ مَجْرُوحٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْجِرَاحَةَ قَدْ أَخْرَجَ ضَمَانَهَا مَرَّةً فَلَا تَجِبُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ جَرَحَهُ وَلَمْ يُكَفِّرْ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْجِرَاحَةِ شَيْءٌ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الْجِرَاحَةِ صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
-
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى أَيْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ صَيْدٍ مَجْرُوحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ النُّقْصَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ مَرَّةً أُخْرَى وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَكَفَّرَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي أَدَّاهَا؛
-
لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى الْكَفَّارَةَ قَبْلَ وُجُوبِهَا لَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَرَحَ إنْسَانًا خَطَأً فَكَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَإِنْ نَتَفَ رِيشَ صَيْدٍ أَوْ قَلَعَ سِنَّ ظَبْيٍ فَنَبَتَ وَعَادَ إلَى مَا كَانَ أَوْ ضَرَبَ عَلَى عَيْنِ ظَبْيٍ فَابْيَضَّتْ ثُمَّ ارْتَفَعَ بَيَاضُهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي سِنِّ الظَّبْيِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا نَبَتَ، وَلَمْ يُحْكَ عَنْهُ فِي غَيْرِهِ شَيْءٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ وُجُوبَ
-
2/2062/206
الْجَزَاءِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ وَبِالنَّبَاتِ وَالْعَوْدِ إلَى مَا كَانَ لَا يُتَبَيَّنُ أَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَكُنْ فَلَا يَسْقُطُ الْجَزَاءُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ لِمَكَانِ النُّقْصَانِ، وَقَدْ زَالَ فَيَزُولُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ ظَبْيٍ لَمْ يُثْغِرْ.
-
(وَأَمَّا) حُكْمُ أَخْذِ الصَّيْدِ فَالْمُحْرِمُ إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِإِحْرَامِهِ، وَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِالْأَخْذِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إلَى حَالَةِ الْأَمْنِ، وَذَلِكَ بِالْإِرْسَالِ فَإِنْ أَرْسَلَهُ مُحْرِمٌ مِنْ يَدِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْسِلِ؛
-
لِأَنَّ الصَّائِدَ مَا مَلَكَ الصَّيْدَ فَلَمْ يَصِرْ بِالْإِرْسَالِ مُتْلِفًا مِلْكَهُ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ لِيَعُودَ إلَى حَالَةِ الْأَمْنِ،
-
فَإِذَا أَرْسَلَ فَقَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ.
-
أَمَّا الْقَاتِلُ فَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ قَتَلَ صَيْدًا.
-
وَأَمَّا الْآخِذُ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ الْأَمْنَ عَلَى الصَّيْدِ بِالْأَخْذِ وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْإِرْسَالِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْإِرْسَالُ لَمْ يَسْقُطْ، وَلِلْآخِذِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَاتِلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَرْجِعُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحْرِمَ لَمْ يَمْلِكْ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ بَدَلَهُ عِنْدَ الْإِتْلَافِ؟ (وَلَنَا) أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ الثُّبُوتِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْأَخْذُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِمِلْكِ غَيْرِ الصَّيْدِ فَيُجْعَلُ سَبَبًا لِمِلْكِ بَدَلِهِ فَيَمْلِكُ بَدَلَهُ عِنْدَ الْإِتْلَافِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ مِلْكَهُ كَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَاءَ إنْسَانٌ وَقَتَلَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَصَبَهُ مِنْ يَدِهِ فَضَمَّنِ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ،
-
فَإِنَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِالضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ وَالْقَاتِلِ.
-
وَكَذَا هَذَا فِي غَصْبِ أُمِّ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.
-
وَلَوْ أَصَابَ الْحَلَالُ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَإِنْ كَانَ مُمْسِكًا إيَّاهُ بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ؛ لِيَعُودَ بِهِ إلَى الْأَمْنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِالْإِحْرَامِ،
-
فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ،
-
وَإِنْ أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَضْمَنُ.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا: إنَّ الْإِرْسَالَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمُحْرِمِ حَقًّا لِلَّهِ فَإِذَا أَرْسَلَهُ الْأَجْنَبِيُّ فَقَدْ احْتَسَبَ بِالْإِرْسَالِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَرْسَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ مِلْكُهُ أَنَّهُ أَخَذَهُ وَهُوَ حَلَالٌ وَأَخْذُ الصَّيْدِ مِنْ الْحَلَالِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ؛
-
لِقَوْلِهِ ﷺ «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ، وَالْعَارِضُ وَهُوَ الْإِحْرَامُ أَثَرُهُ فِي حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَا فِي زَوَالِ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُمَا: إنَّ الْمُرْسِلَ احْتَسَبَ بِالْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَنَقُولُ: الْوَاجِبُ هُوَ الْإِرْسَالُ عَلَى وَجْهٍ يُفَوِّتُ يَدَهُ عَنْ الصَّيْدِ أَصْلًا وَرَأْسًا أَوْ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ الْحَقِيقِيَّةَ عَنْهُ إنْ قَالَا عَلَى وَجْهٍ يُفَوِّتُ يَدَهُ أَصْلًا وَرَأْسًا مَمْنُوعٌ وَإِنْ قَالَا عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَهُ الْحَقِيقِيَّةَ عَنْهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِرْسَالِ فِي بَيْتِهِ،
-
وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اصْطَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الصَّائِدِ هُنَاكَ إرْسَالُ الصَّيْدِ عَلَى وَجْهٍ يَعُودُ إلَيْهِ بِهِ الْأَمْنُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِإِحْرَامِهِ.
-
وَفِي الْإِمْسَاكِ فِي الْقَفَصِ أَوْ فِي الْبَيْتِ لَا يَعُودُ الْأَمْنُ
-
بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ هُنَاكَ مَا اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ، وَقَدْ أَخَذَهُ وَصَارَ مِلْكًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ فَيَجِبُ إزَالَةُ التَّعَرُّضِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِزَوَالِ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ،
-
فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الْقَفَصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَوْ أَرْسَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ فِي يَدِ آخَرَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي قَفَصٍ مَعَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ لَا يَجِبُ إرْسَالُهُ عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ فَمَاتَ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَضْمَنُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَزُولُ، الصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ وَالْعَارِضُ وَهُوَ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ وَيَسْتَوِي فِيمَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، غَيْرَ أَنَّ الْقَارِنَ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ عِنْدَنَا؛
-
لِكَوْنِهِ مُحْرِمًا بِإِحْرَامَيْنِ فَيَصِيرُ جَانِيًا عَلَيْهِمَا فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِكَوْنِهِ مُحْرِمًا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يُوجِبُ فَسَادَ الْحَجِّ فَالْجِمَاعُ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ الْجِمَاعُ، وَأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ لِمَا نَذْكُرُ فِي بَيَانِ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَبَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا بَيَانُ مَا يَخُصُّ الْمُحْرِمَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ وَهِيَ مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.