فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا يَنْتَهِي بِهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 24627 to 24669
-
4/2224/222
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَنْتَهِي بِهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فَعَقْدُ الْإِجَارَةِ يَنْتَهِي بِأَشْيَاءَ مِنْهَا الْإِقَالَةُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْإِقَالَةِ كَالْبَيْعِ.
-
وَمِنْهَا مَوْتُ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْإِجَارَةُ إلَّا لِعُذْرٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى أَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ فِي كَيْفِيَّةِ انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي يَدِ الْوَارِثِ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُورَثُ لِعَدَمِهَا، وَالْمِلْكُ صِفَةُ الْمَوْجُودِ لَا الْمَعْدُومِ فَلَا يَمْلِكُهَا الْوَارِثُ، إذْ الْوَارِثُ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا كَانَ عَلَى مِلْكِ الْمُورَثِ، فَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ يَسْتَحِيلُ وِرَاثَتُهُ،
-
بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِلْكٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مَلَكَهُ الْمُورَثُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْعَقْدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فِي يَدِ الْوَارِثِ لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهِ رَأْسًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْدُومَةً حَالَ حَيَاةِ الْمُورَثِ، وَالْوَارِثُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْوَارِثِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنَافِعُ الْمُدَّةِ تُجْعَلُ مَوْجُودَةً لِلْحَالِ كَأَنَّهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْعَيْنِ، وَالْبَيْعُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، كَذَا الْإِجَارَةُ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا أَجَرَ رَجُلَانِ دَارًا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْمُؤَاجِرَيْنِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَبْطُلُ فِي نَصِيبِهِ عِنْدَنَا، وَتَبْقَى فِي نَصِيبِ الْحَيِّ عَلَى حَالِهَا؛
-
لِأَنَّ هَذَا شُيُوعٌ طَارِئٌ، وَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَمَاتَ أَحَدُ الْمُسْتَأْجِرِينَ فَإِنْ رَضِيَ الْوَارِثُ بِالْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ، وَرَضِيَ الْعَاقِدُ أَيْضًا جَازَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عَقْدٍ مُبْتَدَإٍ،
-
وَلَوْ مَاتَ الْوَكِيلُ بِالْعَقْدِ لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَاقِدٌ،
-
وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَبُو الصَّبِيِّ فِي اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ لَا تُنْقَضُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ لِلصَّبِيِّ وَالظِّئْرِ وَهُمَا قَائِمَانِ،
-
وَلَوْ مَاتَ الظِّئْرُ اُنْتُقِضَتْ الْإِجَارَةُ
-
وَكَذَا لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْقُودٌ لَهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَعْقُودِ لَهُ،
-
وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ يُوجِبُ تَغْيِيرَ مُوجَبِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَاجِرَ فَالْعَقْدُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ مِنْ مِلْكِهِ،
-
وَلَوْ بَقَّيْنَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَاسْتُوْفِيَتْ الْمَنَافِعُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ،
-
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ فَالْعَقْدُ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ مِنْ مَالِهِ،
-
وَلَوْ بَقَّيْنَا الْعَقْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَاسْتُحِقَّتْ الْأُجْرَةُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مُوجَبِ الْعَقْدِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مَنْ لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ لَهُ كَالْوَكِيلِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مِنْهُ لَا يَقَعُ مُقْتَضِيًا اسْتِحْقَاقَ الْمَنَافِعِ،
-
وَلَا اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِبْقَاءُ الْعَقْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يُوجِبُ تَغْيِيرَ مُوجَبِ الْعَقْدِ،
-
وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ فِي الْوَقْفِ إذَا عَقَدَ ثُمَّ مَاتَ لَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ لَهُ فَمَوْتُهُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ.
-
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ فَمَاتَ الْمُؤَاجِرُ فِي بَعْضِ الْمَفَازَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ هَهُنَا يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُسْتَأْجِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ مَالِهِ، وَنَفْسِهِ إلَى التَّلَفِ، فَجُعِلَ
-
4/2234/223
ذَلِكَ عُذْرًا فِي بَقَاءِ الْإِجَارَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِجَارَةَ كَمَا تُفْسَخُ بِالْعُذْرِ تَبْقَى بِالْعُذْرِ.
-
وَقَالُوا فِيمَنْ اكْتَرَى إبِلًا إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا، وَجَائِيًا فَمَاتَ الْجَمَّالُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى مَكَّةَ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ فِي الطَّرِيقِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يَحْمِلُهُ وَيَحْمِلُ قُمَاشَهُ، وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْوَرَثَةِ إذَا كَانُوا غُيَّبًا؛
-
لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَفُوتُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَكَانَ فِي اسْتِيفَاءِ الْعَقْدِ نَظَرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِذَا، وَصَلَ إلَى مَكَّةَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ جَمَّالٍ آخَرَ،
-
ثُمَّ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي الْأَصْلَحِ فَإِنْ رَأَى بَيْعَ الْجِمَالِ وَحِفْظَ الثَّمَنِ لِلْوَرَثَةِ أَصْلَحَ فَعَلَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ رَأَى إمْضَاءَ الْإِجَارَةِ إلَى الْكُوفَةِ أَصْلَحَ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا مُحْتَاطًا، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَحْوَطَ فَيَخْتَارُ ذَلِكَ، قَالُوا: وَالْأَفْضَلُ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ ثِقَةً أَنْ يُمْضِيَ الْقَاضِي الْإِجَارَةَ، وَالْأَفْضَلُ إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ أَنْ يَفْسَخَهَا فَإِنْ فَسَخَهَا وَقَدْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَجَّلَ الْأُجْرَةَ سَمِعَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَيْهَا، وَقَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا؛
-
لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا انْفَسَخَتْ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ إمْسَاكُ الْعَيْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ، وَقَامَ الْقَاضِي مَقَامَ الْغَائِبِ فَنُصِّبَ لَهُ خَصْمًا، وَسَمِعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ.
-
وَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَفِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ مَا سُمِّيَ مِنْ الْأَجْرِ لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِالِانْفِسَاخِ وَقَلْعِ الزَّرْعِ ضَرَرًا بِالْمُسْتَأْجِرِ، وَفِي الْإِبْقَاءِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ضَرَرًا بِالْوَارِثِ، وَيُمْكِنُ تَوْفِيرُ الْحَقَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِإِبْقَاءِ الزَّرْعِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ بِالْأَجْرِ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمُسَمَّى اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ أَجْرُ الْمِثْلِ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ حَقِيقَةً بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا بَقَّيْنَاهُ حُكْمًا، فَأَشْبَهَ شُبْهَةَ الْعَقْدِ، وَاسْتِيفَاءُ الْمَنَافِعِ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ تُوجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ تَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَإِذَا مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى التَّرْكِ بِعِوَضٍ كَانَ إيجَابُ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى أَوْلَى لِوُقُوعِ التَّرَاضِي،
-
بِخِلَافِ التَّرْكِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ مَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَتَعَذَّرَ إيجَابُ الْمُسَمَّى فَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ.
-
وَمِنْهَا هَلَاكُ الْمُسْتَأْجَرِ، وَالْمُسْتَأْجَرِ فِيهِ لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلَاكِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فَائِدَةٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا أَوْ ظَرْفًا أَوْ دَابَّةً مُعَيَّنَةً فَهَلَكَ أَوْ هَلَكَ الثَّوْبُ الْمُسْتَأْجَرُ فِيهِ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ لِلْقِصَارَةِ؛
-
بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى دَوَابَّ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا فَسَلَّمَ إلَيْهِ دَوَابَّ فَقَبَضَهَا فَمَاتَتْ لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ، وَعَلَى الْمُؤَاجِرِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً فَالْعَقْدُ يَقَعُ عَلَى مَنَافِعَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تُسَلَّمُ الْعَيْنُ لِيُقِيمَ مَنَافِعَهَا مَقَامَ مَا فِي ذِمَّتِهِ،
-
فَإِذَا هَلَكَ بَقِيَ مَا فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ إشَارَةِ الرِّوَايَاتِ فِي الدَّارِ إذَا انْهَدَمَ كُلُّهَا أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَى أَوْ الشُّرْبُ مِنْ الْأَرْضِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ أَوْ يَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُخَرَّجُ مَوْتُ الظِّئْرِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَبْطُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ.
-
وَمِنْهَا انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ إلَّا لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ إلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، إلَّا إذَا كَانَ ثَمَّةَ عُذْرٌ بِأَنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ رَطْبَةٌ أَوْ غَرْسٌ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الزَّرْعِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ مُرَاعَاةَ الْحَقَّيْنِ، وَالنَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ لِقَطْعِهِ غَايَةً مَعْلُومَةً،
-
فَأَمَّا الرَّطْبَةُ فَلَيْسَ لِقَطْعِهَا غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَلَوْ لَمْ تُقْطَعْ لَتَعَطَّلَتْ الْأَرْضُ عَلَى صَاحِبِهَا فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَبِخِلَافِ الْغَاصِبِ إذَا زَرَعَ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ،
-
وَلَا يُتْرَكُ إلَى وَقْتِ الْحَصَادِ بِأَجْرٍ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ فِي الْإِجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ نَظَرٌ لَهُ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَأَمَّا الْغَاصِبُ فَظَالِمٌ مُتَعَدٍّ فِي الزَّرْعِ فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بِالتَّرْكِ مَعَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَضَرَّ بِنَفْسِهِ حَيْثُ زَرَعَ أَرَاضِيَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِ.
-
وَمِنْهَا عَجْزُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ مَا اسْتَأْجَرَ شَيْئًا أَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِجَارَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ كَسْبِ الْمُكَاتَبِ، وَبِالْعَجْزِ يَبْطُلُ كَسْبُهُ فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إيجَابِهَا مِنْ مَالِ الْمَوْلَى،
-
فَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَا اسْتَأْجَرَ فَالْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَبْطُلُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى أَصْلٍ نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي كَيْفِيَّةِ مِلْكِ الْمَوْلَى كَسْبَ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ عَجْزِهِ أَنَّ عِنْدَ
-
4/2244/224
أَبِي يُوسُفَ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مَوْقُوفٌ مِلْكُهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى عَجْزِهِ أَوْ عِتْقِهِ،
-
فَإِنْ عَجَزَ مَلَكَهُ الْمَوْلَى مِنْ الْأَصْلِ،
-
وَإِنْ عَتَقَ مَلَكَهُ الْمُكَاتَبُ مِنْ الْأَصْلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ مِلْكُ الْمُكَاتَبِ،
-
ثُمَّ إذَا عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى الْمَوْلَى كَمَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ مِنْ الْمَيِّتِ إلَى وَرَثَتِهِ بِالْمَوْتِ،، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَمَّا وَقَعَ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى فِي الْكَسْبِ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ صَارَ كَأَنَّ الْإِجَارَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْمَوْلَى فَلَا تُنْتَقَضُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ، وَلَمَّا كَانَ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الِانْتِقَالِ مِنْ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ عَجْزِهِ - عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - صَارَ بِمَنْزِلَةِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ الْمَيِّت إلَى وَارِثِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ انْتِقَاضَ الْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا، وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا وُهِبَتْ لَهُ هِبَةٌ ثُمَّ عَجَزَ أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَرْجِعُ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.