فَصْلٌ حُكْمُ الْخِيَارِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 14556 to 14583
-
2/3252/325
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا حُكْمُ الْخِيَارِ، فَهُوَ تَخْيِيرُ الْمَرْأَةِ بَيْنَ الْفُرْقَةِ، وَبَيْنَ النِّكَاحِ،
-
فَإِنْ شَاءَتْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ اخْتَارَتْ الزَّوْجَ،
-
فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَام مَعَ الزَّوْجِ؛ بَطَلَ حَقُّهَا.
-
وَلَمْ يَكُنْ لَهَا خُصُومَةٌ فِي هَذَا النِّكَاحِ أَبَدًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ، فَسَقَطَ خِيَارُهَا،
-
وَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ، فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ.
-
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،
-
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ، وَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ مَا لَمْ يَقُلْ الْقَاضِي: فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الْبُلُوغِ هَكَذَا ذَكَرَ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعَ أَنَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ عَنْهُ، وَمَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُمَا (وَجْهُ) رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ فُرْقَةُ
-
2/3262/326
بُطْلَانٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهَا فَسْخٌ عِنْدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَأْتِي فِي مَوْضِعهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
-
وَالْمَرْأَةُ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهَا الْقَاضِي، وَهُوَ التَّأْجِيلُ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْقَاضِي، فَكَذَا الْفُرْقَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَفُرْقَةِ اللِّعَانِ.
-
(وَجْهُ) الْمَذْكُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَخْيِيرَ الْمَرْأَةِ مِنْ الْقَاضِي تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا، فَكَانَ اخْتِيَارُهَا الْفُرْقَةَ تَفْرِيقًا مِنْ الْقَاضِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا مِنْهَا، وَالْقَاضِي يَمْلِكُ ذَلِكَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الزَّوْجِ، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيقِ تَخْلِيصُهَا مِنْ زَوْجٍ لَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيفَاءُ حَقِّهَا دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَالضَّرَرِ عَنْهَا، وَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبَائِنِ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا يُرَاجِعُهَا الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّفْرِيقِ ثَانِيًا وَثَالِثًا،
-
فَلَا يُفِيدُ التَّفْرِيقُ فَائِدَتَهُ، وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْإِجْمَاعِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ خَلَا بِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْلُ بِهَا،
-
فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ مُسَمًّى، وَالْمُتْعَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى، وَإِذَا.
-
فَرَّقَ الْقَاضِي بِالْعُنَّةِ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَنَتَيْنِ لَزِمَهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى سَنَتَيْنِ ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ حُكْمٌ بِشُغْلِ الرَّحِمِ، وَشَغْلُ الرَّحِمِ يَمْتَدُّ إلَى سَنَتَيْنِ عِنْدَنَا، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ،
-
فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: كُنْتُ قَدْ وَصَلْتُ إلَيْهَا،
-
فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يُبْطِلُ الْحَاكِمُ الْفُرْقَةَ، وَكَفَى بِالْوَلَدِ شَاهِدًا، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ، فَقَدْ ثَبَتَ الدُّخُولُ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ إبْطَالَ الْفُرْقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالدُّخُولِ بَعْدَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي لَا يُبْطِلُ الْفُرْقَةَ.
-
وَكَذَا هَذَا وَكَذَا إذَا ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النَّسَبِ عَلَى الدُّخُولِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْمَجْبُوبِ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَنَتَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ خَلْوَةَ الْمَجْبُوبِ تُوجِبُ الْعِدَّةَ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِنْ الْمَجْبُوبِ إلَّا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ الْفُرْقَةُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْ الْمَجْبُوبِ لَا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَقْذِفُ بِالْمَاءِ، فَكَانَ الْعُلُوقُ بِقَذْفِ الْمَاءِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الدُّخُولُ لَمْ تَثْبُتْ الْفُرْقَةُ،
-
فَإِنْ فَرَّقَ بِالْعُنَّةِ، فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهَا أَبْطَلَ الْفُرْقَةَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهَا بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهَا عِنْدَ الْقَاضِي.
-
وَلَوْ كَانَتْ أَقَرَّتْ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفُرْقَةِ.
-
وَكَذَا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا بِأَنْ أَقَرَّتْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ أَنَّهُ كَانَ وَصَلَ إلَيْهَا قَبْلَ الْفُرْقَةِ لَمْ تَبْطُلْ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا تَضَمَّنَ إبْطَالَ قَضَاءِ الْقَاضِي،
-
فَلَا تُصَدَّقُ عَلَى الْقَاضِي فِي إبْطَالِ قَضَائِهِ،
-
فَلَا تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ زَوْجُ الْأَمَةِ عِنِّينًا، فَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْخِيَارُ إلَى الْأَمَةِ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِفَوَاتِ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ حَقُّ الْأَمَةِ، فَكَانَ الْخِيَارُ إلَيْهَا كَالْحُرَّةِ، وَلَهَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَطْءِ هُوَ الْوَلَدُ، وَالْوَلَدُ مِلْكُ الْمَوْلَى وَحْدَهُ؛
-
وَلِأَنَّ اخْتِيَارَ الْفُرْقَةِ أَوْ الْمُقَامِ مَعَ الزَّوْجِ تَصَرُّفٌ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَنَفْسُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا مِلْكُ الْمَوْلَى، فَكَانَ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ لَهُ.