فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ
العناية شرح الهدايةHanafimasa’il 37625 to 37970
-
10/31510/315
وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي ذَبْحِ شَاةِ غَيْرِهِ بِأَنَّ الذَّابِحَ مُبَاشِرٌ وَالْآمِرَ مُسَبِّبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إشْرَاعَ الْجَنَاحِ كَذَبْحِ الشَّاةِ إذَا ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهَا (وَإِنْ قَالَ لَهُمْ هَذَا فِنَائِي) ظَاهِرٌ.
-
10/31610/316
عَلَى الْأُجَرَاءِ قِيَاسًا (لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ) وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ إلْقَاءِ الطِّينِ وَالْحَطَبِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ وَالرُّكُوبِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَفَى ذَلِكَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ إلَيْهِ.
-
قَالَ) : وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا فَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَمِلَ الْقَنْطَرَةَ،
-
وَكَذَلِكَ (إذَا وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعَدٍّ هُوَ تَسْبِيبٌ، وَالثَّانِي تَعَدٍّ هُوَ مُبَاشَرَةٌ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَخَلُّلَ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ كَمَا فِي الْحَافِرِ مَعَ الْمُلْقِي. .
-
قَالَ (وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَهُوَ ضَامِنٌ،
-
وَكَذَا إذَا سَقَطَ فَتَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ وَإِنْ كَانَ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ عَنْهُ فَعَطِبَ
-
وَقَوْلُهُ (فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ إلَخْ.
-
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يُخَالِفُ هَذَا الظَّاهِرَ وَهُوَ صَرِيحٌ فَلَا تُعْتَبَرُ الدَّلَالَةُ بِمُقَابَلَتِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَيْسَ لِي ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ، وَهَكَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ فَيَكُونُ الصَّرِيحُ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ فَلَا يُعَارِضُ الدَّلَالَةَ.
-
قَالَ (وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْأَوَّلَ) يَعْنِي جَعْلَ الْقَنْطَرَةِ وَوَضْعَ الْخَشَبَةِ (تَعَدٍّ) أَمَّا وَضْعُ الْخَشَبَةِ فَكَوْنُهُ تَعَدِّيًا ظَاهِرٌ وَأَمَّا بِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ فَلِأَنَّ الْبَانِيَ فَوَّتَ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ التَّدْبِيرَ فِي وَضْعِ الْقَنَاطِرِ عَلَى الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ مِنْ حَيْثُ تَعْيِينُ الْمَكَانِ وَالضِّيقِ
-
10/31710/317
بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حَامِلَ الشَّيْءِ قَاصِدٌ حِفْظَهُ فَلَا حَرَجَ فِي التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ، وَاللَّابِسُ لَا يَقْصِدُ حِفْظَ مَا يَلْبَسُهُ فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا فَجَعَلْنَاهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةً فَهُوَ كَالْحَامِلِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ. .
-
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ
-
وَالسَّعَةِ لِلْإِمَامِ فَكَانَ جِنَايَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالْجِنَايَةُ تَعَدٍّ لَا مَحَالَةَ
-
قَوْلُهُ (وَهَذَا اللَّفْظُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ (يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ) وَهُمَا تَلَفُ الْإِنْسَانِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ، وَتَلَفُهُ بِالتَّعَثُّرِ بِهِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَعَطِبَ بِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ وَذَلِكَ لَا يَشْمَلُ التَّعَثُّرَ بِهِ، نَعَمْ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَحْمِلُ الشَّيْءَ فِي الطَّرِيقِ فَيَسْقُطُ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيَعْطَبُ بِهِ إنْسَانٌ فَيَمُوتُ قَالَ الْحَامِلُ ضَامِنٌ يَشْمَلُهُمَا.
-
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بَيِّنٌ. وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ جَعْلُ قَوْلِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّدَاءِ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَوْتَ الْإِنْسَانِ بِسُقُوطِ الرِّدَاءِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله نَظَرَ إلَى الْمَعْطُوفِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
-
وَقَوْلُهُ (فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي بِوَصْفِ السَّلَامَةِ. وَقَوْلُهُ (مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةً) يَعْنِي مِثْلَ اللِّبَدِ وَالْجُوَالِقِ وَدُرُوعِ الْحَرْبِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَرْبِ،
-
وَكَذَا إذَا لَبِسَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِعَدَمِ
-
10/31810/318
لِلْعَشِيرَةِ فَعَلَّقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ جَعَلَ فِيهِ بَوَارِي أَوْ حَصَاةً فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ،
-
وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ ضَمِنَ) قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْقُرَبِ وَكُلُّ أَحَدٍ مَأْذُونٌ فِي إقَامَتِهَا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، كَمَا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَنَصْبِ الْإِمَامِ وَاخْتِيَارِ الْمُتَوَلِّي وَفَتْحِ بَابِهِ وَإِغْلَاقِهِ وَتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ إذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ تَعَدِّيًا أَوْ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَقَصْدُ الْقُرْبَةِ لَا يُنَافِي الْغَرَامَةَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ كَمَا إذَا تَفَرَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالطَّرِيقُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَهْلِهِ.
-
قَالَ: (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
-
عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ
-
وَقَوْلُهُ (لِلْعَشِيرَةِ) يَعْنِي أَهْلَ الْمَسْجِدِ. وَقَوْلُهُ (ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ أَحَدٍ مِنْ الْعَشِيرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ بَعْدُ كَمَا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ. وَقَوْلُهُ (كَنَصْبِ الْإِمَامِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَانِي مَوْجُودًا، أَمَّا إذَا كَانَ فَنَصَّبَ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِسْكَافِ رحمه الله : قَالَ أَبُو اللَّيْثِ رحمه الله : وَبِهِ نَأْخُذُ إلَّا أَنْ يُنَصِّبَ شَخْصًا وَالْقَوْمُ يُرِيدُونَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله اخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ سَلَّامٍ إنَّ الْقَوْمَ أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ، وَالْبَانِي أَوْلَى بِالْعِمَارَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَتَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ إذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ) فَلَهُمْ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا سُبِقُوا بِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُكَرِّرَ الْجَمَاعَةَ. وَقَوْلُهُ (وَقَصْدُ الْقُرْبَةِ لَا يُنَافِي الْغَرَامَةَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْقُرَبِ. وَقَوْلُهُ (كَمَا إذَا انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا) فَإِنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ لَكِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ،
-
فَإِنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أَرْبَعَةً مِمَّنْ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ،
-
فَإِذَا انْقَضَتْ انْقَلَبَتْ قَذْفًا وَاسْتَوْجَبَ الْحَدَّ. قَالَ (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ إلَخْ) وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلٌ مِنْ الْعَشِيرَةِ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ فَإِمَّا إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا،
-
فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا لِأَنَّ النَّفَلَ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ فَرْضًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَلْ كَانَ قَاعِدًا لِغَيْرِهَا ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله . وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ
-
10/31910/319
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ،
-
وَأَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ
-
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ) أَيْ لِتَعْلِيمِ الْفِقْهِ أَوْ الْحَدِيثِ (أَوْ لِلصَّلَاةِ) يَعْنِي مُنْتَظِرًا لَهَا (أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ، بَلْ لَا ضَمَانَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ تَكْرَارٌ، لِأَنَّهُ قَالَ:
-
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ وَغَيْرُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ هَذَا الْمَذْكُورَ كُلَّهُ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضِمْنَ لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ بَيَانٌ لِذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يُفِيدُ اتِّفَاقَ الْمَشَايِخِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَمَا رَأَيْت،
-
10/32010/320
بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إلَّا بِانْتِظَارِهَا فَكَانَ الْجُلُوسُ فِيهِ مُبَاحًا لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا بِالْحَدِيثِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.
-
وَلَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُلْحَقَةٌ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ فَجَعَلْنَا الْجُلُوسَ لِلْأَصْلِ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَالْجُلُوسَ لِمَا يُلْحَقُ بِهِ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إلَى الْكَافِرِ أَوْ إلَى الصَّيْدِ وَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا وَطِئَ غَيْرَهُ وَالنَّوْمِ فِيهِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ جَلَسَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَأَمْرُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إنْ كَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَحْدَهُ. .
-
وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَ فِي الِاعْتِكَافِ. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَقَوْلُهُ (وَلَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا ضَاقَ عَلَى الْمُصَلِّي كَانَ لَهُ إزْعَاجُ الْقَاعِدِ فِيهِ الْمُشْتَغِلِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّدْرِيسِ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ دُونَ الْعَكْسِ، وَمَا عَرَفَ النَّاسُ الْمَسْجِدَ إلَّا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ،
-
وَلَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرَا مِنْ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَا سِوَى الْإِذْنِ وَالْعُكُوفِ بِهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَكَوْنُهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ الْأَصْلِيِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، وَالْبَاقِي وَاضِحٌ
-
10/32110/321
(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ)
-
قَالَ: (وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَطُولِبَ صَاحِبُهُ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْهُ مُبَاشَرَةً، وَالْمُبَاشَرَةُ شَرْطٌ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْبِنَاءِ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَيَلَانُ وَشَغْلُ الْهَوَاءِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَصَارَ كَمَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ.
-
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَائِطَ لَمَّا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ اشْتَمَلَ هَوَاءَ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِمِلْكِهِ وَرَفْعُهُ فِي يَدِهِ،
-
فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَطُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا امْتَنَعَ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ ثَوْبُ إنْسَانٍ فِي حِجْرِهِ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ التَّسْلِيمِ إذَا طُولِبَ بِهِ كَذَا هَذَا،
-
بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الثَّوْبِ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّفْرِيغِ فَيَنْقَطِعُ الْمَارَّةُ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ فَيَتَعَيَّنُ لِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ، وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ الْعَامِّ مِنْهُ،
-
ثُمَّ فِيمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ النُّفُوسِ تَجِبُ الدِّيَةُ وَتَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً دُونَ الْخَطَأِ فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ التَّخْفِيفُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ وَالْإِجْحَافِ بِهِ، وَمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ كَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ وَالشَّرْطُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ وَطَلَبُ النَّقْضِ مِنْهُ دُونَ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِشْهَادَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ إنْكَارِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ.
-
وَصُورَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: