فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 29520 to 31259
-
5/2805/280
(وَأَمَّا) فِي الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ: فَفِي الثَّلَاثَةِ مِنْهَا وَهِيَ الْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا أَبِقَ عِنْدَكَ مُنْذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَفِي الْجُنُونِ بِاَللَّهِ عز وجل مَا جُنَّ عِنْدَك قَطُّ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْعُيُوبُ فِي كَيْفِيَّةِ
-
5/2815/281
الِاسْتِحْلَافِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اتِّحَادَ الْحَالَةِ فِي الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ شَرْطُ ثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْجُنُونِ بَلْ هُوَ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا.
-
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الرَّدِّ وَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ: فَالْمَبِيعُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي،
-
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي " رَدَدْتُ " وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا إلَى التَّرَاضِي بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَا يَنْفَسِخُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِالتَّرَاضِي عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَنْفَسِخُ بِقَوْلِهِ " رَدَدْتُ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إلَى الْقَضَاءِ وَلَا إلَى رِضَا الْبَائِعِ " وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ،
-
وَكَذَلِكَ الرَّدُّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ مُتَّصِلًا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا (وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ هَذَا نَوْعُ فَسْخٍ فَلَا تَفْتَقِرُ صِحَّتُهُ إلَى الْقَضَاءِ وَلَا إلَى الرِّضَا كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَلِهَذَا لَمْ يُفْتَقَرْ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَكَذَا بَعْدَهُ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الصَّفْقَةَ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، وَأَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ بِفَسْخِ الصَّفْقَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا كَالْإِقَالَةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْفَسْخَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْعَقْدَ،
-
ثُمَّ الْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا يَنْفَسِخُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْآخَرِ وَمِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي
-
بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ بَلْ تَمَامُهَا بِالْقَبْضِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ
-
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ الْخِيَارِ فَكَانَ الرَّدُّ فِي مَعْنَى الدَّفْعِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْقَبُولِ، وَبِخِلَافِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ مَنْعُ تَمَامِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ خَلَلًا فِي الرِّضَا، فَكَانَ الرَّدُّ كَالدَّفْعِ أَمَّا هَهُنَا إذْ الصَّفْقَةُ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ فَلَا تَحْتَمِلُ الِانْفِسَاخَ بِنَفْسِ الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةِ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
بَيَانُ مَنْ تَلْزَمُهُ الْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ.
-
فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْخُصُومَةُ فِي الْبَيْعِ تَلْزَمُ الْبَائِعَ سَوَاءً كَانَ حُكْمُ الْعَقْدِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ أَنْ تَلْزَمَهُ الْخُصُومَةُ إلَّا الْقَاضِيَ أَوْ أَمِينَهُ كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِي هَذَا الْبَابِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَاقِدِ إذَا كَانَ أَهْلًا،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَحْجُورًا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا فَالْخُصُومَةُ لَا تَلْزَمُهُ وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَأَمَّا الْقَاضِي أَوْ أَمِينُهُ: فَالْخُصُومَةُ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْقَاضِي إنَّمَا ثَبَتَتْ شَرْعًا نَظَرًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ،
-
فَلَوْ لَزِمَهُ الْعُهْدَةُ لَامْتَنَعَ عَنْ النَّظَرِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْعُهْدَةِ، فَكَانَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْبَابِ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ فِيهِ وَالْوَكِيلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَمَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ مِنْ الْعُهْدَةِ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ.
-
وَالْمُكَاتَبُ وَالْمَأْذُونُ لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكِّلِ نِيَابَةً عَنْهُ، وَتَصَرُّفُ النَّائِبِ كَتَصَرُّفِ الْمَنُوبِ عَنْهُ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ وَالْمَأْذُونُ: فَإِنَّمَا يَتَصَرَّفَانِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ لِأَنْفُسِهِمَا لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمَوْلَى لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِزَالَةُ الْمَانِعِ،
-
فَإِذَا زَالَ الْحَجْرُ بِالْإِذْنِ فَالْعَبْدُ يَتَصَرَّفُ بِمَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ فَكَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ، وَاَلَّذِي يَقَعُ لِلْمَوْلَى هُوَ حُكْمُ التَّصَرُّفِ لَا غَيْرُ،
-
وَإِذَا كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ رُدَّ الْمَبِيعُ عَلَى الْوَكِيلِ هَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ؟ فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: .
-
(إمَّا) أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى الْعَيْبِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِالْعَيْبِ،
-
فَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى الْعَيْبِ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهُ فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ،
-
وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ مُضَافٌ إلَى الْمُوَكِّلِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا مُلْجَأً إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فِي الْخُصُومَةِ وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الِاضْطِرَارُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهِ فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِ،
-
وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِالْعَيْبِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ يَرُدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِثُبُوتِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ بِيَقِينٍ.
-
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَيْبًا يَحْدُثُ مِثْلُهُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ،
-
فَإِنْ كَانَ رَدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ لَا يَرُدُّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُقِرِّ يَلْزَمُهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فَكَانَ حُجَّةً فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لَا فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ.
-
وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَزِمَ الْوَكِيلَ خَاصَّةً سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَإِنْ كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ فَهُوَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَلَا يَمْلِكُ الرَّدَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ،
-
فَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَبِقَبُولِهِمَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ وَالشَّرِيكَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ شَرِكَتِهِمَا تَلْزَمُهُمَا
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَيَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَسْقُطُ وَلَا يَلْزَمُ.
-
فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّدُّ يَمْتَنِعُ بِأَسْبَابٍ (مِنْهَا) :
-
5/2825/282
الرِّضَا بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ لِفَوَاتِ السَّلَامَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً وَلَمَّا رَضِيَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ دَلَّ أَنَّهُ مَا شَرَطَ السَّلَامَةَ؛ وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ،
-
فَإِذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ وَرَضِيَ بِالضَّرَرِ ثُمَّ الرِّضَا نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَدَلَالَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ قَوْلِهِ " رَضِيت بِالْعَيْبِ أَوْ أَجَزْت هَذَا الْبَيْعَ أَوْ أَوْجَبْته " وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ تَصَرُّفٌ فِي الْمَبِيعِ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ نَحْوُ مَا إذَا كَانَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ قَطَعَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ أَرْضًا فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ لَحْمًا فَشَوَاهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ أَوْ لَيْسَ بِعَالِمٍ أَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهُ؛
-
لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَيَكُونُ الْعِلْمُ بِالْعَيْبِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ حَقَّ الرَّدِّ.
-
وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ سَوَاءً كَانَ الرَّدُّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِالتَّرَاضِي بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَإِنْ كَانَ قَبِلَهُ الْبَائِعُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرَّدِّ خُرُوجُ السِّلْعَةِ عَنْ مِلْكِهِ فَإِذَا عَادَتْ إلَيْهِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ وَلِهَذَا إذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءٍ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ،
-
وَكَذَا إذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ عَلَى أَصْلِكُمْ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْقَبُولَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ، بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ بِشِرَاءٍ،
-
وَلَوْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَمْلِكْ الرَّدَّ عَلَى بَائِعِهِ كَذَا هَذَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ مَوْجُودٌ فَكَانَ شُبْهَةُ الشِّرَاءِ قَائِمَةً فَكَانَ الرَّدُّ عِنْدَ التَّرَاضِي بَيْعًا لِوُجُودِ مَعْنَى الْبَيْعِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ أُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْفَسْخِ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ فَبَقِيَ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَإِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَحَقُّ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَعْنَى الْبَيْعِ أَصْلًا؛ لِانْعِدَامِ التَّرَاضِي فَكَانَ فَسْخًا وَالْفَسْخُ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ وَجَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَمَامَ لَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَوُجُودِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ؟
-
، فَكَانَ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ عَنْ الْقَبُولِ، كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ رَدَّ إيجَابَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
-
وَلِهَذَا لَمْ يَفْتَقِرْ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَى الْقَاضِي، وَبِخِلَافِ مَا إذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ لَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الرَّدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى بَائِعِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ فَسْخًا وَرَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ،
-
وَكَذَا لَوْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَاةَ أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَا بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ بِكْرًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَلَوْ قَبَّلَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِيَ لِشَهْوَةٍ فَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ،
-
وَلَوْ اسْتَخْدَمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْقُطَ خِيَارُهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَسْقُطُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى دَابَّةً فَرَكِبَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَإِنْ رَكِبَهَا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ يَسْقُطُ خِيَارُهُ،
-
وَإِنْ رَكِبَهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ لِيَرُدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَهَا عَلَفًا فَفِيهِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ كَمَا فِي الِاسْتِخْدَامِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ،
-
وَلَوْ رَكِبَهَا لِيَنْظُرَ إلَى سَيْرِهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَكُونُ رِضًا يُسْقِطُ خِيَارَهُ، وَفِي شَرْطِ الْخِيَارِ لَا يُسْقِطُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ،
-
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ لِيَنْظُرَ إلَى طُولِهِ وَعَرْضِهِ بَطَلَ خِيَارُهُ وَفِي خِيَارِ الشَّرْطِ لَا يَبْطُلُ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَى دَارًا فَسَكَنَهَا بَعْدَ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ أَوْ رَمَّ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ هَدَمَ يَسْقُطُ خِيَارُهُ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ فِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُوجَدُ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ يُسْقِطُ الْخِيَارَ وَيُلْزِمُ الْبَيْعَ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) إسْقَاطُ الْخِيَارِ صَرِيحًا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: أَسْقَطْت الْخِيَارَ أَوْ أَبْطَلْته أَوْ أَلْزَمْتُ الْبَيْعَ أَوْ أَوْجَبْتُهُ وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ حَقُّهُ، وَالْإِنْسَانُ بِسَبِيلٍ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ اسْتِيفَاءً وَإِسْقَاطًا.
-
(وَمِنْهَا) إبْرَاءُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْعَيْبِ؛
-
5/2835/283
لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ حَقُّهُ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ احْتَمَلَ السُّقُوطَ بِالْإِسْقَاطِ صَرِيحًا؟ فَإِذَا أَسْقَطَهُ يَسْقُطُ.
-
(وَمِنْهَا) هَلَاكُ الْمَبِيعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الرَّدِّ.
-
(وَمِنْهَا) نُقْصَانُهُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ نُقْصَانَ الْمَبِيعِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ،
-
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ فَهَذَا وَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَيْبٌ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي بَيْعِ الْبَاتِّ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ،
-
ثُمَّ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ قَدْرٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ،
-
وَإِنْ كَانَ نُقْصَانَ وَصْفٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِمَا ذَكَرْنَا هُنَالِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيهِ، وَفِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَيْبٌ سَوَاءٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَطُرِحَ عَنْهُ قَدْرُ النُّقْصَانِ الَّذِي حَصَلَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ بِهِ عَيْبًا،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي لَا خِيَارَ لَهُ وَيَصِيرُ قَابِضًا بِالْجِنَايَةِ وَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَجِدْ بِهِ عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
وَإِنْ وَجَدَ عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ،
-
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا آخُذُهُ مَعَ النُّقْصَانِ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَهُ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنُّقْصَانِ بَلْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَسَنَذْكُرُ الْأَصْلَ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي بَيَانِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَمَا لَا يَمْنَعُ، هَذَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْبَائِعِ مَنْعُ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بَعْدَ مَا صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا بِالْجِنَايَةِ،
-
فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ مَنْعٌ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَنْعِ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِلْمَبِيعِ نَاقِضًا ذَلِكَ الْقَبْضَ فَانْتَقَضَ وَجُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، فَكَانَ حَقُّ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَّا قَدْرَ مَا نَقَصَ بِفِعْلِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالْأَرْشِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَاتَّبَعَ الْبَائِعُ الْجَانِيَ بِالْأَرْشِ كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا، هَذَا إذَا حَدَثَ النُّقْصَانُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا،
-
فَأَمَّا إذَا حَدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ حَدَثَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ مَعَهُ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ حَقَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثَبَتَ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي فَلَوْ امْتَنَعَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ نَظَرًا لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِاسْتِحْقَاقِ النَّظَرِ أَوْلَى مِنْ الْبَائِعِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يُدَلِّسْ الْعَيْبَ وَالْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ (وَلَنَا) أَنَّ شَرْطَ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ عِنْدَ الرَّدِّ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مَعِيبًا بِعَيْبٍ وَاحِدٍ وَيَعُودُ عَلَى مِلْكِهِ مَعِيبًا بِعَيْبَيْنِ فَانْعَدَمَ شَرْطُ الرَّدِّ فَلَا يُرَدُّ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَرُدَّهَا بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : تُرَدُّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ مَعَ شَرْطِهِ وَمَا بَعْدَ السَّبَبِ وَشَرْطِهِ إلَّا الْحُكْمُ (أَمَّا) السَّبَبُ فَهُوَ الْعَيْبُ وَقَدْ وُجِدَ (وَأَمَّا) الشَّرْطُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ وَقْتَ الرَّدِّ كَمَا كَانَ وَقْتَ الْقَبْضِ وَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعَيْنِ إذْ هُوَ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فَأَشْبَهَ الِاسْتِخْدَامَ،
-
بِخِلَافِ وَطْءِ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَةَ عُضْوٌ مِنْهَا وَقَدْ أَزَالَهَا بِالْوَطْءِ، وَلَنَا أَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَهَا حُكْمُ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْيَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرُ الْعَيْنِ لَا يُضْمَنُ بِالْعَيْنِ هُوَ الْأَصْلُ، وَإِذْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عِنْدَنَا أَصْلًا فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهَا فِي حُكْمِ إتْلَافِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْيَانِ فَانْعَدَمَ شَرْطُ الرَّدِّ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ كَمَا إذَا قَطَعَ طَرَفًا مِنْهَا، وَكَمَا فِي وَطْءِ الْبِكْرِ
-
بِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ مَحْضَةٍ مَا لَهَا حُكْمُ الْجُزْءِ وَالْعَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ وَفَسَخَ الْعَقْدَ رُفِعَ مِنْ الْأَصْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ مِلْكَ الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ وَأَنَّهُ حَرَامٌ، فَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ الرَّدِّ طَرِيقَ الصِّيَانَةِ عَنْ الْحَرَامِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ.
-
وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ رَجُلَانِ شَيْئًا ثُمَّ اطَّلَعَا عَلَى عَيْبٍ بِهِ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا لَمْ يَرَيَاهُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهُ رَدَّ الْمُشْتَرَى كَمَا اشْتَرَى فَيَصِحُّ، كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي نِصْفِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَرَدَّ النِّصْفَ، وَدَلَالَةُ الْوَصْفِ أَنَّهُ اشْتَرَى النِّصْفَ؛
-
لِأَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَيَا الْعَبْدَ جُمْلَةً
-
5/2845/284
وَاحِدَةً كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرِيًا نِصْفَهُ، وَقَدْ رَدَّ النِّصْفَ فَقَدْ رَدَّ مَا اشْتَرَى كَمَا اشْتَرَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الرَّدِّ.
-
وَثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ عِنْدَ انْعِدَامِ شَرْطِهِ مُمْتَنِعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الرَّدِّ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ مَقْبُوضًا، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ غَيْرَ مَعِيبٍ بِعَيْبٍ زَائِدٍ،
-
فَلَوْ رَدَّهُ لَرَدَّهُ وَهُوَ مَعِيبٌ بِعَيْبٍ زَائِدٍ وَهُوَ عَيْبُ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعَيْنِ لَا يُشْتَرَى بِالثَّمَنِ الَّذِي يُشْتَرَى بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فَلَمْ يُوجَدْ رَدُّ مَا اشْتَرَى كَمَا اشْتَرَى فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْبَائِعِ، وَلِهَذَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فِي عَبْدٍ لِاثْنَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَصِحَّ؛
-
لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ إلَّا عَنْ الْجُمْلَةِ فَإِذَا قَبِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَقَدْ فَرَّقَ الصَّفْقَةَ عَلَى الْبَائِعِ فَلَمْ يَصِحَّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ كَذَا هَذَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ وَوَجَبَ الْأَرْشُ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا وَوَجَبَ الْعُقْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ لِمَا قُلْنَا وَلِمَعْنًى آخَرَ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ أَنَّ النُّقْصَانَ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ يُؤْخَذُ الْأَرْشُ وَالْعُقْرُ لِلْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلِهَذَا يُمْنَعُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَوْ اشْتَرَى مَأْكُولًا فِي جَوْفِهِ كَالْبِطِّيخِ وَالْجَوْزِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهَا فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا فَهَذَا فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ وَجَدَهُ كُلَّهُ فَاسِدًا،
-
وَإِمَّا أَنْ وَجَدَ الْبَعْضَ فَاسِدًا وَالْبَعْضَ صَحِيحًا،
-
فَإِنْ وَجَدَهُ كُلَّهُ فَاسِدًا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَصْلًا فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَبَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حُرٌّ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ مِنْهُ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى الْكَسْرِ فَكَانَ الْكَسْرُ حَاصِلًا بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ وَقْتَ الرَّدِّ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ؛
-
لِأَنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ بِالْكَسْرِ فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ لَرُدَّ مَعِيبًا بِعَيْبَيْنِ فَانْعَدَمَ شَرْطُ الرَّدِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ " الْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَى الْكَسْرِ " فَنَعَمْ، لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْ الْكَسْرِ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ فَيَكُونُ هُوَ بِالْكَسْرِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ بِأَمْرِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَالَةَ الرِّضَا بِالْكَسْرِ،
-
وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ فَاسِدًا دُونَ الْبَعْضِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْفَاسِدُ كَثِيرًا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِي الْقَدْرِ الْفَاسِدِ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ،
-
وَإِذَا بَطَلَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَفْسُدُ فِي الْبَاقِي كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَبَاعَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً،
-
وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَلَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الْفَسَادِ فِيهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْعَادَاتِ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ فَسَادٍ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةً فَيَلْتَحِقُ ذَلِكَ الْقَدْرُ بِالْعَدَمِ،
-
وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ تَفْصِيلًا آخَرَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ كُلَّهُ فَاسِدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
-
وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ فَالْبَيْعُ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَانَ الْقِشْرُ مَالًا، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا وَقَبِلَ قِشْرَهُ وَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ، وَرَدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْمَعِيبِ جَبْرًا لِحَقِّهِ،
-
وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ فَاسِدًا فَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ دُونَ الْقِشْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ إلَّا إذَا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهُ قَلِيلًا قَدْرَ مَا لَا يَخْلُو مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِهِ فَلَا يَرُدُّ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الزِّيَادَةِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِمَّا أَنْ حَدَثَتْ بَعْدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الزِّيَادَتَيْنِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَالْمُتَّصِلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ كَالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالْكِبَرِ وَالسِّمَنِ وَالسَّمْعِ وَانْجِلَاءِ بَيَاضِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالسَّمْنِ أَوْ الْعَسَلِ الْمَلْتُوتِ بِالسَّوِيقِ وَالْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا،
-
وَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهَا، أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ كَالْكَسْبِ وَالصَّدَقَةِ وَالْغَلَّةِ، وَالْبَيْعُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا.
-
(أَمَّا) الزِّيَادَةُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَحُكْمُهَا نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ:
-
فَإِنْ حَدَثَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مُتَوَلَّدَةً مِنْ الْأَصْلِ
-
5/2855/285
فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَابِعَةٌ لِلْأَصْلِ حَقِيقَةً لِقِيَامِهَا بِالْأَصْلِ فَكَانَتْ مَبِيعَةً تَبَعًا، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ تَابِعًا فِي الْعَقْدِ يَكُونُ تَابِعًا فِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفَعَ الْعَقْدَ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ بِالْفَسْخِ فِيهِ مَقْصُودًا، وَيَنْفَسِخُ فِي الزِّيَادَةِ تَبَعًا لِلِانْفِسَاخِ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ بَلْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِيهَا أَصْلًا وَرَأْسًا؟
-
فَلَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ لَكَانَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ مَعَ الزِّيَادَةِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَذَّرٌ لِتَعَذُّرِ الْفَصْلِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَكُونُ تَابِعَةً فِي الْفَسْخِ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ قَابِضًا لِلْمَبِيعِ بِإِحْدَاثِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَصَارَ كَأَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَحُدُوثُهَا بَعْدَ الْقَبْضِ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُمَا جَمِيعًا،
-
وَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ
-
بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ عِنْدَنَا أَنَّهَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، وَسَنَذْكُرُ الْفَرْقَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِالْأَصْلِ عَيْبًا وَلَكِنْ وَجَدَ بِالزِّيَادَةِ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ مَبِيعَةٌ تَبَعًا، وَالْمَبِيعُ تَبَعًا لَا يُحْتَمَلُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِيهِ مَقْصُودًا إلَّا إذَا كَانَ حُدُوثُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِمَّا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْمَبِيعِ كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ فَلَهُ خِيَارُ الرَّدِّ لَكِنْ لَا لِلزِّيَادَةِ بَلْ لِلنُّقْصَانِ.
-
وَلَوْ قَبَضَ الْأَصْلَ وَالزِّيَادَةَ جَمِيعًا ثُمَّ وَجَدَ بِالْأَصْلِ عَيْبًا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَمَا قَسَّمَ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْأَصْلِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ بِالْقَبْضِ، كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ قَبْضُهَا وَقْتَ الْقَبْضِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِالْأَصْلِ عَيْبًا وَلَكِنَّهُ وَجَدَ بِالزِّيَادَةِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا خَاصَّةً بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّهُ صَارَ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ بِالْقَبْضِ فَيَرُدُّهَا بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً مِنْ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ لِانْعِدَامِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَمْلُوكَةٌ بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ أَوْ بِمِلْكِ الْأَصْلِ فَبِالرَّدِّ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ وَتَبْقَى الزِّيَادَةُ مَمْلُوكَةً بِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ مَقْصُودًا أَوْ بِمِلْكِ الْأَصْلِ لَا بِالْبَيْعِ فَكَانَتْ رِبْحًا لَا رِبًا لِاخْتِصَاصِ الرِّبَا بِالْبَيْعِ؛
-
لِأَنَّهُ فَضْلُ مَالٍ قُصِدَ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْبَيْعِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يُوجَدْ ثُمَّ إذَا رَدَّ الْأَصْلَ فَالزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ ثَمَنٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنَّهَا لَا تَطِيبُ لَهُ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهَا رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَلَا تَطِيبُ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلْبَائِعِ لَكِنَّهَا لَا تَطِيبُ لَهُ وَهَذَا إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَإِنْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَاخْتَارَ الْبَيْعَ فَالزِّيَادَةُ لَا تَطِيبُ لَهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَأَنَّهُ تَفْسِيرُ الرِّبَا وَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا:
-
فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ هَالِكَةً لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ خَاصَّةً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَرُدُّ مَعَهُ الزِّيَادَةَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ حَدَثَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَرُدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ فَلَا تَتْبَعُهُ فِي حُكْمِ الْفَسْخِ وَلَوْ وَجَدَ بِالزِّيَادَةِ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا تَحْتَمِلُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّهَا لَوْ رُدَّتْ لَرُدَّتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ هَذَا إذَا حَدَثَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَأَمَّا إذَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ إنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِرَدِّهَا مَعَ الْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ حَقِيقَةً وَقْتَ الْفَسْخِ، فَبِالرَّدِّ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَقْصُودًا وَيَنْفَسِخُ فِي الزِّيَادَةِ تَبَعًا.
-
وَإِنْ أَبَى أَنْ يَرُدَّهُ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ مِنْ الْبَائِعِ وَأَبَى الْبَائِعُ إلَّا الرَّدَّ مَعَ الْعَيْبِ وَدَفَعَ جَمِيعَ الثَّمَنِ اُخْتُلِفَ فِيهِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله وَأَبُو يُوسُفَ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ مِنْ الْبَائِعِ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَطْلُبَ الرَّدَّ وَيَقُولَ: لَا أُعْطِيك نُقْصَانَ الْعَيْبِ وَلَكِنْ رُدَّ عَلَيَّ الْمَبِيعَ مَعِيبًا لِأَدْفَعَ إلَيْك جَمِيعَ الثَّمَنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالنُّقْصَانِ عَلَى الْبَائِعِ إذَا أَبَى ذَلِكَ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ الْمَبِيعَ حَتَّى أَرُدَّ إلَيْك الثَّمَنَ كُلَّهُ وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْ الْأَصْلِ بَعْدَ الْقَبْضِ هَلْ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ إذَا لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الزِّيَادَةِ - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - بِرَدِّ الزِّيَادَةِ وَيُرِيدُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ؟
-
عِنْدَهُمَا يَمْنَعُ، وَعِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ.
-
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي النِّكَاحِ إذَا ازْدَادَ الْمَهْرُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ وَرَدَ الطَّلَاقُ قَبْلَ
-
5/2865/286
الدُّخُولِ أَنَّهَا هَلْ تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؟ عِنْدَهُمَا تَمْنَعُ، وَعَلَيْهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَتْ، وَعِنْدَهُ لَا تَمْنَعُ وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْإِجْمَاعِ وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْأَصْلَ فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَالرَّدُّ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُ وَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا تَابِعَةً فِي الْفَسْخِ إلَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ؛
-
لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ جَدِيدٍ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لَا تَمْنَعُ، وَيَرُدُّ الْأَصْلَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ
-
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَمْنَعُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا مِنْ الْإِقَالَةِ، وَالرَّدُّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عِنْدَنَا مَبِيعَةٌ تَبَعًا لِثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِيهِ تَبَعًا، وَبِالرَّدِّ بِدُونِ الزِّيَادَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَقْصُودًا وَتَبْقَى الزِّيَادَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَبِيعًا مَقْصُودًا بِلَا ثَمَنٍ لِيَسْتَحِقَّ بِالْبَيْعِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الرِّبَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ.
-
بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ بِدُونِ الْأَصْلِ أَيْضًا احْتِرَازًا عَنْ الرِّبَا بَلْ تُرَدُّ مَعَ الْأَصْلِ، وَرَدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ لَا يَتَضَمَّنُ الرِّبَا ثُمَّ إنَّمَا لَا يُرَدُّ الْأَصْلُ مَعَ الزِّيَادَةِ هَهُنَا وَرُدَّ هُنَاكَ، أَمَّا امْتِنَاعُ رَدِّ الْأَصْلِ بِدُونِ الزِّيَادَةِ فَلِمَا قُلْنَا إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا (وَأَمَّا) رَدُّهُ مَعَ الزِّيَادَةِ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ التَّابِعُ بَعْدَ الرَّدِّ رِبْحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ؛
-
لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الزِّيَادَةِ، وَيَعُودُ إلَى الْبَائِعِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْمُشْتَرِي بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَكَانَ الْوَلَدُ لِلْبَائِعِ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا الْوَلَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ حَصَلَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ لَا يَكُونُ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ بَلْ رِبْحَ مَا ضُمِنَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْأَصْلِ لَا يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدُّ الْأَصْلُ عَلَى الْبَائِعِ وَالزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي طَيِّبَةٌ لَهُ؛
-
لِمَا مَرَّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ أَصْلًا لِانْعِدَامِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهَا بَلْ مُلِكَتْ بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ فَأَمْكَنَ إثْبَاتُ حُكْمِ الْفَسْخِ فِيهِ بِدُونِ الزِّيَادَةِ فَيُرَدُّ الْأَصْلُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ وَتَبْقَى الزِّيَادَةُ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي بِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهَا شَرْعًا، فَتَطِيبُ لَهُ.
-
هَذَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا إذَا كَانَتْ هَالِكَةً فَهَلَاكُهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ:
-
فَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْأَصْلَ بِالْعَيْبِ وَتُجْعَلُ الزِّيَادَةُ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ وَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ وَيَرُدَّ نُقْصَانَ الْعَيْبِ، سَوَاءٌ كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ أَوْجَبَ نُقْصَانًا فِي الْأَصْلِ أَوْ لَمْ يُوجِبْ نُقْصَانًا فِيهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الزِّيَادَةِ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِالْأَصْلِ لِكَوْنِهَا مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْأَصْلِ، وَذَا يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ؛
-
لِأَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فَيَقُومُ الضَّمَانُ مَقَامَ الْعَيْنِ فَكَأَنَّ عَيْنَهُ قَائِمَةٌ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يُفْسَخُ بِهِ الْعَقْدُ فَالْكَلَامُ هَهُنَا يَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الْفَسْخِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ، فَالِاخْتِيَارِيُّ نَحْوُ قَوْلِهِ فَسَخْتُهُ أَوْ نَقَضْتُهُ أَوْ رَدَدْته وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَالضَّرُورِيُّ هَلَاكُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ جَوَازِ الْفَسْخِ فَمِنْهَا سُقُوطُ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بِسُقُوطِ الْخِيَارِ فَيَخْرُجُ عَنْ احْتِمَالِ الْفَسْخِ وَمِنْهَا عِلْمُ صَاحِبِهِ بِالْفَسْخِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَضَاءُ أَوْ الرِّضَا؟ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَلَا رِضَا الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَضَاءُ أَوْ الرِّضَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ الْفَسْخُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ فَإِنْ تَضَمَّنَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ إضْرَارٌ بِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَالضَّرَرُ وَاجِبُ الدَّفْعِ مَا أَمْكَنَ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ الْبَائِعُ؛
-
لِأَنَّ الضَّرَرَ الْمَرْضِيَّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَضَرِّرِ وَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ.
-
وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مَعِيبًا فَأَرَادَ رَدَّ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا؛ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ وَالدَّارِ وَالْكَرْمِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ الْمُتَقَارِبِ فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً كَالْعَبْدَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ وَالدَّابَّتَيْنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فِي وِعَاءَيْنِ أَوْ صُبْرَتَيْنِ وَكُلِّ شَيْئَيْنِ يُنْتَفَعُ بِأَحَدِهِمَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِدُونِ الْآخَرِ (وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ شَيْئَيْنِ حَقِيقَةً وَشَيْئًا وَاحِدًا تَقْدِيرًا كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْمُكَعَّبَيْنِ
-
5/2875/287
وَمِصْرَاعَيْ الْبَابِ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يُنْتَفَعُ بِأَحَدِهِمَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِدُونِ الْآخَرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ كُلَّ الْمَبِيعِ وَإِمَّا أَنْ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ قَبَضَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ.
-
وَالْحَادِثُ فِي الْمَبِيعِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْبًا أَوْ اسْتِحْقَاقًا: أَمَّا الْعَيْبُ فَإِنْ وَجَدَهُ بِبَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِشَيْءٍ مِنْهُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُلِّ وَلَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُلَّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ؛
-
لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَمَامَ لَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا بَاطِلٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّ الْمَوْجُودَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَصْلُ الْعَقْدِ وَالْمِلْكِ لَا صِفَةَ التَّأْكِيدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ الِانْفِسَاخُ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ عَدَمُ التَّأْكِيدِ وَإِذَا قَبَضَ وَقَعَ الْأَمْرُ عَنْ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ فَكَانَ حُصُولُ التَّأْكِيدِ بِالْقَبْضِ، وَالتَّأْكِيدُ إثْبَاتٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْ لَهُ شُبْهَةُ الْإِثْبَاتِ،
-
وَكَذَا مِلْكُ التَّصَرُّفِ يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ فَيَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَنُقْصَانُ الْمِلْكِ دَلِيلُ نُقْصَانِ الْعَقْدِ
-
وَكَذَا الْمُشْتَرَى إذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا إلَى التَّرَاضِي.
-
وَلَوْ كَانَتْ الصَّفْقَةُ تَامَّةً قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَا احْتَمَلَ الِانْفِسَاخَ بِنَفْسِ الرَّدِّ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ أَنَّ الصَّفْقَةَ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ تَمَامِهَا أَنَّ التَّفْرِيقَ إضْرَارٌ بِالْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ وَاجِبُ الدَّفْعِ مَا أَمْكَنَ، وَبَيَانُ الضَّرَرِ أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَشْيَاءَ حَقِيقَةً شَيْئًا وَاحِدًا تَقْدِيرًا، وَالتَّفْرِيقُ تَضَمَّنَ الشَّرِكَةَ وَالشَّرِكَةُ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ فَكَانَ التَّفْرِيقُ عَيْبًا وَأَنَّهُ عَيْبٌ زَائِدٌ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْبَائِعُ.
-
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَشْيَاءَ فَالتَّفْرِيقُ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا آخَرَ وَهُوَ لُزُومُ الْبَيْعِ فِي الْجَيِّدِ بِثَمَنِ الرَّدِيءِ؛ لِأَنَّ ضَمَّ الرَّدِيءِ إلَى الْجَيِّدِ وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الصَّفْقَةِ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ تَرْوِيجًا لِلرَّدِيءِ بِوَاسِطَةِ الْجَيِّدِ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَرَى الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بِالرَّدِيءِ فَيَرُدَّهُ فَيَلْزَمَ الْبَيْعُ فِي الْجَيِّدِ بِثَمَنِ الرَّدِيءِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْبَائِعُ فَدَلَّ أَنَّ فِي التَّفْرِيقِ ضَرَرًا فَيَجِبُ دَفْعُهُ مَا أَمْكَنَ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ فِي الْقَبُولِ بِأَنْ أَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى جُمْلَةٍ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْبَائِعِ بِلُزُومِ حُكْمِ الْبَيْعِ فِي الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الْإِيجَابِ إلَيْهِ؛
-
لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ إلَّا فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ إلَّا فِي الْجُمْلَةِ لِئَلَّا يَزُولَ مِلْكُهُ مِنْ غَيْرِ إزَالَتِهِ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، عَلَى أَنَّ تَمَامَ الصَّفْقَةِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالْقَبْضِ كَانَ الْقَبْضُ فِي مَعْنَى الْقَبُولِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ رَدُّ الْبَعْضِ وَقَبْضُ الْبَعْضِ تَفْرِيقًا فِي الْقَبُولِ وَمِنْ وَجْهٍ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِرَدِّ الْمَعِيبِ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهُ وَيَدْفَعَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَيَجُوزَ وَيَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ نَظَرًا لَهُ فَإِذَا رَضِيَ بِهِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ بَعْضَ الْمَبِيعِ دُونَ الْبَعْضِ فَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ رَدَّ الْمَعِيبِ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ، وَسَوَاءٌ وَجَدَ الْعَيْبَ بِغَيْرِ الْمَقْبُوضِ أَوْ بِالْمَقْبُوضِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِقَبْضِ جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَكَانَ رَدُّ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْعَيْبَ بِغَيْرِ الْمَقْبُوضِ فَكَذَلِكَ فَأَمَّا إذَا وَجَدَ بِالْمَقْبُوضِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَهُوَ نَظَرَ إلَى الْمَعِيبِ مِنْهُمَا أَيِّهِمَا كَانَ وَاعْتَبَرَ الْآخَرَ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ اُعْتُبِرَ الْآخَرُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقْبِضَا جَمِيعًا،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ مَقْبُوضًا اُعْتُبِرَ الْآخَرُ مَقْبُوضًا فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُمَا جَمِيعًا لَكِنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ إذْ لَيْسَ اعْتِبَارُ غَيْرِ الْمَعِيبِ بِالْمَعِيبِ فِي الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَعِيبِ بِغَيْرِ الْمَعِيبِ فِي الْقَبْضِ بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ، وَالْعَمَلُ بِالْأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى هَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا مِنْ الْمَبِيعِ أَوْ قَبَضَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ.
-
فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الْكُلَّ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُلِّ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُلَّ وَاسْتَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ قَدْرَ الْمَعِيبِ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ إلْزَامَ عَيْبِ الشَّرِكَةِ وَأَنَّهَا عَيْبٌ حَادِثُ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ أَشْيَاءَ حَقِيقَةً؛
-
شَيْئًا وَاحِدًا تَقْدِيرًا - فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إفْرَادَ أَحَدِهِمَا بِالرَّدِّ إضْرَارٌ بِالْبَائِعِ إذْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِأَحَدِهِمَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِدُونِ الْآخَرِ فَكَانَا فِيمَا وُضِعَا لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا
-
5/2885/288
وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَبِالرَّدِّ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالشَّرِكَةُ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ وَإِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِأَحَدِهِمَا بِدُونِ صَاحِبِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ كَانَ التَّفْرِيقُ فَيَعُودُ الْمَبِيعُ إلَى الْبَائِعِ بِعَيْبٍ زَائِدٍ حَادِثٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ أَشْيَاءَ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ إلَّا عِنْدَ التَّرَاضِي وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَرُدُّهُمَا أَوْ يُمْسِكُهُمَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ إضْرَارًا بِالْبَائِعِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ضَمَّ الرَّدِيءِ إلَى الْجَيِّدِ فِي الْبَيْعِ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ لِيُرَوِّجَ الرَّدِيءَ بِوَاسِطَةِ الْجَيِّدِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَيْبُ بِالرَّدِيءِ فَيَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فِي الْجَيِّدِ بِثَمَنِ الرَّدِيءِ، وَهَذَا إضْرَارٌ بِالْبَائِعِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَا هَذَا.
-
(وَلَنَا) أَنَّ مَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَهُمَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ إنَّمَا يَثْبُتُ لِفَوَاتِ السَّلَامَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً؛ وَالثَّابِتَةِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالسَّلَامَةُ فَاتَتْ فِي أَحَدِهِمَا فَكَانَ لَهُ رَدُّهُ خَاصَّةً فَلَوْ امْتَنَعَ الرَّدُّ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لِتَضَمُّنِهِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ، وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ بَاطِلٌ قَبْلَ التَّمَامِ لَا بَعْدَهُ وَالصَّفْقَةُ قَدْ تَمَّتْ بِقَبْضِهِمَا فَزَالَ الْمَانِعُ.
-
(وَأَمَّا) قَوْلُهُمَا: يَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ بِرَدِّ الرَّدِيءِ خَاصَّةً، فَنَعَمْ لَكِنَّ هَذَا ضَرَرٌ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى بَيْعِ الْمَعِيبِ وَتَدْلِيسِ الْعَيْبِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالْعَيْبِ - دَلَالَةُ الرِّضَا بِالرَّدِّ،
-
بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَمَامَ لِلْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ قَبْلَ الْقَبْضِ دَلَالَةَ الرِّضَا بِالرَّدِّ فَكَانَ الرَّدُّ ضَرَرًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ بِهِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ رَدَّ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ سَوَاءٌ قَبَضَ الْكُلَّ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا أَوْ قَبَضَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ.
-
وَلَوْ تَمَّتْ الصَّفْقَةُ لَمَا اُحْتُمِلَ الرَّدُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ التَّرَاضِي دَلَّ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ،
-
وَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أُمْسِكُ الْمَعِيبَ وَآخُذُ النُّقْصَانَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أُمْسِكُ الْمَعِيبَ - دَلَالَةُ الرِّضَا بِالْمَعِيبِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَشْيَاءَ فَوَجَدَ بِالْكُلِّ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ أَنَّ الْمَرْدُودَ إنْ كَانَ مِمَّا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ بِهِ وَحْدَهُ لَكَانَ لَهُ رَدُّهُ وَحْدَهُ كَالْعَبْدَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ - فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ الْبَعْضَ فَقَدْ رَضِيَ بِعَيْنِهِ فَبَطَل حَقُّ الرَّدِّ فِيهِ؛
-
لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ صِفَةَ السَّلَامَةِ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً وَلَا مُسْتَحَقَّةً بِالْعَقْدِ فِيهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَيَرُدُّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ مِمَّا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ بِهِ وَحْدَهُ لَكَانَ لَا يَرُدُّهُ كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا تَعْيِيبٌ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَبَضَ الْمَعِيبَ - وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ - لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَسَقَطَ خِيَارُهُ وَلَزِمَهُ الْعَبْدَانِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَعِيبِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ دَلِيلُ الرِّضَا وَلِلْقَبْضِ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ فَكَانَ الرِّضَا بِهِ عِنْدَ الْقَبْضِ كَالرِّضَا بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ يَسْقُطُ خِيَارُهُ فَلَزِمَاهُ جَمِيعًا، كَذَا هَذَا وَلَوْ قَبَضَ الصَّحِيحَ مِنْهُمَا،
-
وَلَوْ كَانَا مَعِيبَيْنِ فَقَبَضَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالصَّفْقَةُ لَا تَتِمُّ بِقَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ بِقَبْضِ الْكُلِّ فَلَوْ لَزِمَهُ الْعَقْدُ فِي الْمَقْبُوضِ دُونَ الْآخَرِ لَتَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ، وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بَاطِلٌ وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ حَقِّهِ عَنْ غَيْرِ الْمَقْبُوضِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَبَقِيَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى مَا كَانَ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَمْ يَجُزْ الْمُسْتَحَقُّ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ الْبَائِعِ، وَلَمْ تُوجَدْ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ فَبَطَلَ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِحْقَاقُ مَا اسْتَحَقَّهُ يُوجِبُ الْعَيْبَ فِي الْبَاقِي أَوْ لَا يُوجِبُ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَدَ تَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّمَامِ فَصَارَ كَعَيْبٍ ظَهَرَ بِالسِّلْعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخِيَارَ فَكَذَا هَذَا وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ قَبْضِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ سَوَاءٌ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْمَقْبُوضِ وَعَلَى غَيْرِ الْمَقْبُوضِ.
-
فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الْكُلَّ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ لِمَا قُلْنَا ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ مَا اسْتَحَقَّ يُوجِبُ الْعَيْبَ فِي الْبَاقِي بِأَنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا
-
5/2895/289
كَالدَّارِ وَالْكَرْمِ وَالْأَرْضِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهَا - فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَاسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ مَا اسْتَحَقَّ لَا يُوجِبُ الْعَيْبَ فِي الْبَاقِي بِأَنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى كَالْعَبْدَيْنِ فَاسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا أَوْ كَانَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ أَوْ جُمْلَةَ وَزْنِيٍّ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارُ الرَّدِّ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَمَا لَا يَمْنَعُ.
-
فَالْكَلَامُ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ شَرَائِطِ ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ هَذَا الْحَقُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَمَا لَا يَبْطُلُ (أَمَّا) الشَّرَائِطُ (فَمِنْهَا) امْتِنَاعُ الرَّدِّ وَتَعَذُّرُهُ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ حَتَّى لَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ثُمَّ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ وَيَرْجِعَ بِالنُّقْصَانِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ كَالْخُلْفِ عَنْ الرَّدِّ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْخُلْفِ وَلِأَنَّ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مَعَ عِلْمِهِ دَلَالَةُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَالرِّضَا بِالْعَيْبِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ كَمَا يَمْنَعُ الرَّدَّ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُ الرَّدِّ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَابِسًا الْمَبِيعَ بِفِعْلِهِ مُمْسِكًا عَنْ الرَّدِّ، وَهَذَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْحَقِّ أَصْلًا وَرَأْسًا وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ أَوْ انْتَقَصَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛
-
لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ فِي الْهَلَاكِ لِضَرُورَةِ فَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَفِي النُّقْصَانِ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى الْبَائِعِ وَهُوَ دَفْعُ ضَرَرٍ زَائِدٍ يَلْحَقُهُ بِالرَّدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَقْبَلُهُ مَعَ النُّقْصَانِ فَأَدْفَعُ إلَيْك جَمِيعَ الثَّمَنِ؟
-
وَإِذَا كَانَ امْتِنَاعُ الرَّدِّ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ لُزُومُ الضَّرَرِ إيَّاهُ بِالرَّدِّ فَإِذَا دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْهُ بِامْتِنَاعِ الرَّدِّ لَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي بِالرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النُّقْصَانُ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّ الرَّدَّ امْتَنَعَ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي بَلْ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا مَوْطُوءَةً؟ .
-
وَلَوْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ عِنْدَ الْبَائِعِ فَوَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا قَدْ وَطِئَهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَإِمْكَانُ الرَّدِّ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْهَا عِنْدَ الْبَائِعِ فَوَطِئَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ؛
-
لِأَنَّ وَطْءَ الْبِكْرِ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعَيْنِ بِإِزَالَةِ الْعُذْرَةِ، وَالِامْتِنَاعُ هَهُنَا لَيْسَ لِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي بَلْ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ فَلَا يُمْنَعُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ أَمْ لَا؟
-
وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ فَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا حَقِيقَةً هَالِكًا تَقْدِيرًا بِأَنْ أُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ الْهَلَاكِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ، أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ، أَوْ لَحْمًا فَشَوَاهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ وَلَوْ حَدَثَ فِي الْمَبِيعِ أَوْ بِسَبَبِهِ زِيَادَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ الرَّدِّ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالْأَرْشِ وَالْعُقْرِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛
-
لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ هَهُنَا لَا مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي بَلْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْأَصْلَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لَبَقِيَتْ الزِّيَادَةُ مَبِيعًا مَقْصُودًا بِلَا ثَمَنٍ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الرِّبَا فِي مُتَعَارَفِ الشَّرْعِ.
-
وَحُرْمَةُ الرِّبَا تَثْبُتُ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَلِهَذَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ لَا يُقْضَى بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ حَقًّا لِلشَّرْعِ لَا تَسْقُطُ بِرِضَا الْعَبْدِ وَإِذَا كَانَ امْتِنَاعُ الرَّدِّ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الشَّرْعِ لَا إلَى الْمُشْتَرِي بَقِيَ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنُّقْصَانِ جَبْرًا لِحَقِّهِ وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمَانِعَةُ سَمْنًا أَوْ عَسَلًا لَتَّهُ بِسَوِيقٍ أَوْ عُصْفُرًا أَوْ زَعْفَرَانًا صَبَغَ بِهِ الثَّوْبَ أَوْ بِنَاءً عَلَى الْأَرْضِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛
-
لِأَنَّ التَّعَذُّرَ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي وَلَا مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ بَلْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُهُ كَذَلِكَ؟ وَتَعَذُّرُ الرَّدِّ لِحَقِّ الشَّرْعِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ لِمَا ذَكَرْنَا.
-
وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ هَهُنَا مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ صَارَ مُمْسِكًا عَنْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَامَ مَقَامَهُ فَصَارَ مُبْطِلًا لِلرَّدِّ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ صَيْرُورَةَ الْعَبْدِ حُرًّا يَدًا فَصَارَ بِالْكِتَابَةِ مُمْسِكًا عَنْ الرَّدِّ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا؛ لِأَنَّ
-
5/2905/290
الْإِعْتَاقَ عَلَى مَالٍ فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ بِمُقَابَلَتِهِ، وَالْبَيْعُ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ، كَذَا هَذَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرْجِعُ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الرَّدَّ امْتَنَعَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ أَوْ الْكِتَابَةَ (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ هَهُنَا لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ بَلْ الْمِلْكُ يَنْتَهِي بِالْإِعْتَاقِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّ عَدَمُ الْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ إذْ الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا؛
-
لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَحَوَّاءَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْحُرَّيْنِ يَكُونُ حُرًّا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ ضَرَبَ الْمِلْكَ وَالْمَالِيَّةَ عَلَيْهِ بِعَارِضِ الْكُفْرِ مُؤَقَّتًا إلَى غَايَةِ الْإِعْتَاقِ، وَالْمُؤَقَّتُ إلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ فَيَنْتَهِي الْمِلْكُ وَالْمَالِيَّةُ عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْتَهَى بِالْمَوْتِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِحَبْسٍ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْعِوَضَ فَقَدْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي مَقَامَ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ اسْتَبَقَاهُ عَلَى مِلْكِهِ فَصَارَ حَابِسًا إيَّاهُ بِفِعْلِهِ مُمْسِكًا عَنْ الرَّدِّ فَلَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي بَلْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ وَلَوْ قَتَلَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَتَنْتَهِي حَيَاتُهُ عِنْدَ الْقَتْلِ كَمَا تَنْتَهِي عِنْدَ الْمَوْتِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَهُنَاكَ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ كَذَا هَهُنَا (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فَوَاتَ الْحَيَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَثَرُ فِعْلِ الْقَاتِلِ حَقِيقَةً فَهُوَ أَثَرُ فِعْلِهِ عَادَةً فَجُعِلَ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ كَأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ حَقِيقَةً وَإِزَالَتُهَا وَإِنْ كَانَ انْتِهَاءً حَقِيقَةً كَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالْبَيْعِ فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَصَارَ حَابِسًا لِلْعَبْدِ بِصُنْعِهِ مُمْسِكًا.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا فَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَتَّى تَخَرَّقَ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَرْجِعُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ أَكْلَ الطَّعَامِ وَلُبْسَ الثَّوْبِ اسْتِعْمَالُ الشَّيْءِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا إتْلَافٌ،
-
بِخِلَافِ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ إزَالَةُ الْحَيَاةِ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ فَكَانَ حَبْسًا وَإِمْسَاكًا (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِأَكْلِ الطَّعَامِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ أَخْرَجَهُمَا عَنْ مِلْكِهِ حَقِيقَةً إذْ الْمِلْكُ فِيهِمَا ثَبَتَ مُطْلَقًا لَا مُؤَقَّتًا
-
بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ وَلَوْ اُسْتُهْلِكَ الطَّعَامُ أَوْ الثَّوْبُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَرَاءَ الْأَكْلِ وَاللُّبْسِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ اسْتِهْلَاكَهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ إبْطَالٌ مَحْضٌ فَيُشْبِهُ الْقَتْلَ وَلَوْ أَكَلَ بَعْضَ الطَّعَامِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِي وَلَا أَنْ يَرْجِعَ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛
-
لِأَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ امْتَنَعَ رَدُّ بَعْضِهِ بِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي فَيَبْطُلُ حَقُّهُ أَصْلًا فِي الرَّدِّ وَالرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بَعْضَ الطَّعَامِ دُونَ بَعْضٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: يَرُدُّ الْبَاقِي وَيَرْجِعُ بِأَرْشِ الْكُلِّ الْمَأْكُولِ وَالْبَاقِي إلَّا إذَا رَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَرُدُّ الْبَاقِي وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِيمَا أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَبْعِيضِ الطَّعَامِ ضَرَرٌ فَيُمْكِنُ رَدُّ الْبَعْضِ فِيهِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ بَاعَ بَعْضَ الطَّعَامِ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَرُدَّ الْبَاقِي وَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَرُدُّ الْبَاقِي وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إلَّا إذَا رَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ وَالرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ لِأَجْلِ الْبَيْعِ وَأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَمْتَنِعُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ بِقَدْرِ الْمَانِعِ.
-
(وَلَنَا) مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَالْعَبْدِ فَالِامْتِنَاعُ فِي الْبَعْضِ لِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي الْكُلِّ.
-
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا فَبَنَاهَا مَسْجِدًا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَنَاهَا مَسْجِدًا فَقَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَكَفَّنَ بِهِ مَيِّتًا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَارِثَ الْمَيِّتِ وَقَدْ اشْتَرَى مِنْ التَّرِكَةِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْكَفَنِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْمَيِّتِ وَقَدْ امْتَنَعَ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنُّقْصَانِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا فَتَبَرَّعَ بِالْكَفَنِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُشْتَرَى وَقَعَ لَهُ فَإِذَا كَفَّنَ بِهِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّكْفِينِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا)
-
5/2915/291
عَدَمُ وُصُولِ عِوَضِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي مَعَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ بِأَنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فِي يَدِهِ خَطَأً لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقِيقَةُ الْعَيْبِ وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَةُ الْمَعِيبِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِقْدَارِ الْعَيْبِ وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَتُهُ قَامَتْ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ فَكَأَنَّهَا قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَهُ وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ، كَذَا هَذَا.
-
وَمِنْهَا عَدَمُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ صَرِيحًا وَدَلَالَةً وَهِيَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ تَصَرُّفًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّ الرَّدِّ وَالرُّجُوعِ جَمِيعًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا يَمْنَعُ الرَّدَّ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مَا لَا يُخْرِجُ السِّلْعَةَ عَنْ مِلْكِهِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا الْكِتَابَةَ لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ الرِّضَا، وَفِي الْكِتَابَةِ يَرْجِعُ؛
-
لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مِمَّا يُخْرِجُ السِّلْعَةَ عَنْ مِلْكِهِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا الْإِعْتَاقُ لَا عَلَى مَالٍ اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الرُّجُوعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَمَا لَا يَبْطُلُ:.
-
فَحَقُّ الرُّجُوعِ يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الْإِبْطَالِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ نَحْوَ قَوْلِهِ: أَبْطَلْته أَوْ أَسْقَطْته أَوْ أَبْرَأْتُك عَنْهُ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّجُوعِ حَقُّهُ كَخِيَارِ الرَّدِّ لِثُبُوتِهِ بِالشَّرْطِ وَهِيَ السَّلَامَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً،
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْإِنْسَانُ بِسَبِيلٍ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ اسْتِيفَاءً وَإِسْقَاطًا وَيَسْقُطُ أَيْضًا بِالرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ، وَدَلَالَةٌ فَالصَّرِيحُ هُوَ أَنْ يَقُولَ: رَضِيت بِالْعَيْبِ الَّذِي بِهِ أَوْ اخْتَرْت أَوْ أَجَزْت الْبَيْعَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ تَصَرُّفًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ، كَمَا إذَا انْتَقَصَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَامْتَنَعَ الرَّدُّ بِسَبَبِ النُّقْصَانِ وَوَجَبَ الْأَرْشُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِأَنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَ وَسَلَّمَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ اسْتَوْلَدَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛
-
لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمُخْرِجَ عَنْ الْمِلْكِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ دَلَالَةُ الْإِمْسَاكِ عَنْ الرَّدِّ، وَذَا دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَيَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ وَلَوْ امْتَنَعَ الرَّدُّ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ وَغَيْرِهِ، أَوْ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْأَصْلِ غَيْرِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْهُ كَالْأَرْشِ وَالْعُقْرِ، وَالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ غَيْرِ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالصَّبْغِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
-
ثُمَّ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالْأَرْشِ بَلْ يَبْقَى الْأَرْشُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَقَعْ دَلَالَةً عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الِاسْتِرْدَادِ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ مَعَ الْعَيْبِ وَأَرُدُّ إلَيْك جَمِيعَ الثَّمَنِ؟
-
وَإِذَا كَانَ الرَّدُّ مُمْتَنِعًا قَبْلَ التَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِالتَّصَرُّفِ مُمْسِكًا عَنْ الرَّدِّ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا فَبَقِيَ الْأَرْشُ وَاجِبًا كَمَا كَانَ.
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ الرَّدُّ مُمْتَنِعًا حَتْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْبَلَهُ نَاقِصًا مَعَ الْعَيْبِ؟ فَكَانَ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّفِهِ مُفَوِّتًا عَلَى نَفْسِهِ حَقَّ الرَّدِّ فَكَانَ حَابِسًا لِلْمَبِيعِ بِفِعْلِهِ مُمْسِكًا إيَّاهُ عَنْ الرَّدِّ وَأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَيَبْطُلُ حَقُّ الرُّجُوعِ فَصَارَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ وُجُوبَ الْأَرْشِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَالْإِلْزَامِ بَلْ كَانَ خِيَارُ الِاسْتِرْدَادِ لِلْبَائِعِ مَعَ الْعَيْبِ فَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا مُخْرِجًا عَنْ الْمِلْكِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَرْشِ،
-
وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهُ ثَابِتًا حَتْمًا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الِاسْتِرْدَادِ فَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ الْأَرْشَ (وَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الْعَيْبِ فَطَرِيقُهُ أَنْ تُقَوَّمَ السِّلْعَةُ وَلَيْسَ بِهَا ذَلِكَ الْعَيْبُ وَتُقَوَّمَ وَبِهَا ذَلِكَ؛ فَيُنْظَرُ إلَى نُقْصَانِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ؛ فَيُرْجَعُ عَلَى بَائِعِهِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ ثَمَنِهِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ قَدْرَ عُشْرِ الْقِيمَةِ يُرْجَعُ عَلَى بَائِعِهِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْرَ خُمْسِهَا يُرْجَعُ بِخُمْسِ الثَّمَنِ مِثَالُهُ: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ يُنْقِصُهُ عُشْرَ قِيمَتِهِ - وَهُوَ دِرْهَمٌ - يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ بِعَشَرَةٍ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ يُنْقِصُهُ عُشْرَ الْقِيمَةِ - وَذَلِكَ دِرْهَمَانِ - فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ وَذَلِكَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةً وَقَدْ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ، وَالْعَيْبُ يُنْقِصُهُ عُشْرَ الْقِيمَةِ - وَذَلِكَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ - يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ وَذَلِكَ دِرْهَمَانِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
خِيَار الرُّؤْيَة
-
(وَأَمَّا) الْخِيَارُ
-
5/2925/292
الثَّابِتُ شَرْعًا لَا شَرْطًا.
-
فَهُوَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ ثُبُوتِهِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَسْقُطُ وَلَا يَلْزَمُ.
-
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي شَرْعِيَّتِهِ فَقَدْ مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ.
-
(وَأَمَّا) صِفَتُهُ فَهِيَ أَنَّ شِرَاءَ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» وَلِأَنَّ جَهَالَةَ الْوَصْفِ تُؤَثِّرُ فِي الرِّضَا فَتُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ، وَاخْتِلَافُ الرِّضَا فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ اعْتِرَاضَ النَّدَمِ لِمَا عَسَى لَا يَصْلُحُ لَهُ إذَا رَآهُ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّدَارُكِ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ نَظَرًا لَهُ، كَمَا ثَبَتَ خِيَارُ الرَّجْعَةِ شَرْعًا نَظَرًا لِلزَّوْجِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ، كَمَا قَالَ تبارك وتعالى ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (وَأَمَّا) بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ فَهَلْ يَلْزَمُ؟
-
رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يَلْزَمُ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ،
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَلْزَمُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا يَثْبُتُ لَهُ فِي شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي - وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي - مَوْجُودٌ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ، فَوُرُودُ الشَّرْعِ بِالْخِيَارِ ثَمَّةَ يَكُونُ وُرُودًا هَهُنَا دَلَالَةً (وَجْهُ) قَوْلِهِ الْآخَرِ مَا رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنهما بَاعَ أَرْضًا لَهُ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما وَلَمْ يَكُونَا رَأَيَاهَا، فَقِيلَ لِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ رضي الله عنه : غُبِنْت، فَقَالَ: لِي الْخِيَارُ لِأَنِّي بِعْت مَا لَمْ أَرَهُ،
-
وَقِيلَ لِطَلْحَةَ مِثْلُ ذَلِكَ فَقَالَ: لِي الْخِيَارُ لِأَنِّي اشْتَرَيْت مَا لَمْ أَرَهُ، فَحَكَّمَا فِي ذَلِكَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ فَقَضَى بِالْخِيَارِ لِطَلْحَةَ رضي الله عنه وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَالِاعْتِبَارُ بِجَانِبِ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛
-
لِأَنَّ مُشْتَرِيَ مَا لَمْ يَرَهُ مُشْتَرٍ عَلَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا ظَنَّهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مُشْتَرٍ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ جَيِّدٌ فَإِذَا هُوَ رَدِيءٌ،
-
وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ جَيِّدٌ فَإِذَا هُوَ رَدِيءٌ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَبَائِعُ شَيْءٍ لَمْ يَرَهُ يَبِيعُ عَلَى أَنَّهُ أَدْوَنُ مِمَّا ظَنَّهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ بَائِعِ شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ رَدِيءٌ فَإِذَا هُوَ جَيِّدٌ،
-
وَمَنْ بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ رَدِيءٌ فَإِذَا هُوَ جَيِّدٌ لَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا.
-
(وَأَمَّا) حُكْمُهُ فَحُكْمُ الْمَبِيعِ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْحَلِّ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ لِلْحَالِّ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ الْخِيَارُ شَرْعًا لَا شَرْطًا
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ بِنَصِّ كَلَامِ الْعَاقِدَيْنِ فَأَثَّرَ فِي الرُّكْنِ بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عَلَى مَا مَرَّ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
-
(فَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ حَتَّى إنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِعَيْنٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،
-
وَلَوْ تَبَايَعَا دَيْنًا بِدَيْنٍ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا بِدَيْنٍ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْعَقْدِ لَا يَتَعَيَّنُ لِلْفَسْخِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ، وَقِيَامُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ بِمِثْلِهِ،
-
فَإِذَا قَبَضَ يَرُدُّهُ هَكَذَا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ الرَّدُّ مُفِيدًا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَيْنًا لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، فَيَتَعَيَّنُ فِي الْفَسْخِ أَيْضًا، فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْمَمْلُوكِ بِالْعَقْدِ وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لَا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى الْمَالِ وَالْقِسْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ تَنْفَسِخُ بِرَدِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَثْبُتُ فِي الْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَحْتَمِلُ الِانْفِسَاخَ بِرَدِّ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ بِرَدِّهِ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَمَا لَا فَلَا، وَالْفِقْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) عَدَمُ الرُّؤْيَةِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ يَرَاهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ لُزُومُ الْعَقْدِ وَانْبِرَامُهُ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ وُجِدَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطٍ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا ثُبُوتَ الْخِيَارِ شَرْعًا بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ بِالْخِيَارِ فِيمَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» ، فَبَقِيَ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ مَبْقِيًّا عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرَهُ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَلَكِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ نُظِرَ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ وَقْتَ الشِّرَاءِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ - فَلَا خِيَارَ لَهُ؛
-
لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْأَصْلِ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ
-
5/2935/293
وَهَذَا قَدْ اشْتَرَى شَيْئًا قَدْ رَآهُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ فَقَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ فَكَانَ مُشْتَرِيًا شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ.
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ تَغَيَّرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ وَالتَّغَيُّرُ عَارِضٌ فَكَانَ الْبَائِعُ مُتَمَسِّكًا بِالْأَصْلِ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعِيًا أَمْرًا عَارِضًا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ لَكِنْ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ أَمْرٌ يَجْرِي فِيهِ الْبَدَلُ وَالْإِقْرَارُ فَيَجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَافُ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِدَعْوَى التَّغَيُّرِ يَدَّعِي حَقَّ الرَّدِّ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: رَأَيْته وَقْتَ الشِّرَاءِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ أَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛
-
لِأَنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ أَصْلٌ وَالرُّؤْيَةَ عَارِضٌ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْمُشْتَرِي فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ بِدَعْوَى الرُّؤْيَةِ يَدَّعِي عَلَيْهِ إلْزَامَ الْعَقْدِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
-
وَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الَّذِي بِعْتُك، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ
-
بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: هَذَا مَالُك، لَا يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ الرَّدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ ثَابِتٌ لَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا، وَلَكِنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ هَذَا الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعًا إلَى الْمَقْبُوضِ، وَالِاخْتِلَافُ مَتَى وَقَعَ فِي تَعْيِينِ نَفْسِ الْمَقْبُوضِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْقَابِضِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَقَبْضِ الْغَصْبِ فَفِي الْقَبْضِ الْحَقُّ أَوْلَى،
-
بِخِلَافِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَنْفَرِدُ بِالرَّدِّ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ التَّرَاضِي؟ فَكَانَ هُوَ بِقَوْلِهِ: هَذَا مَالُك بِعَيْنِهِ، مُدَّعِيًا حَقَّ الرَّدِّ فِي هَذَا الْمُعَيَّنِ، وَالْبَائِعُ يُنْكَرُ ثُبُوتَ حَقِّ الرَّدِّ فِيهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
-
هَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي بَصِيرًا،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ أَعْمَى فَشَرْطُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ عَدَمُ الْحَبْسِ فِيمَا يُحْبَسُ وَالذَّوْقُ فِيمَا يُذَاقُ وَالشَّمُّ فِيمَا يُشَمُّ وَالْوَصْفُ فِيمَا يُوصَفُ وَقْتَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَصِيرِ، فَكَانَ انْعِدَامُهَا شَرْطًا لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ،
-
فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهُ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ،
-
وَكَذَا إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَبْضِ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ وُجُودِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ كَالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَصِيرِ بِأَنْ رَآهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَلَالَةُ الرِّضَا بِلُزُومِ الْعَقْدِ عَلَى مَا نَذْكُرهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا رَأَى الْمُشْتَرِي كُلَّ الْمَبِيعِ وَقْتَ الشِّرَاءِ.
-
(فَأَمَّا) إذَا رَأَى بَعْضَهُ دُونَ الْبَعْضِ فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَشْيَاءَ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا فَرَأَى بَعْضَهُ لَا يَخْلُو (إمَّا) إنْ كَانَ مَا رَآهُ مِنْهُ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ وَمَا لَمْ يَرَهُ مِنْهُ تَبَعًا (وَإِمَّا) إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مَا لَمْ يَرَهُ تَبَعًا لِمَا رَآهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ رُؤْيَةُ مَا رَآهُ تُفِيدُ لَهُ الْعِلْمَ بِحَالِ مَا لَمْ يَرَهُ أَوْ لَا تُفِيدُ؛
-
لِأَنَّ حُكْمَ التَّبَعِ حُكْمُ الْأَصْلِ فَكَانَ رُؤْيَةُ الْأَصْلِ رُؤْيَةَ التَّبَعِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ رُؤْيَةُ مَا رَأَى تُفِيدُ لَهُ الْعِلْمَ بِحَالِ مَا لَمْ يَرَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْعِلْمُ بِحَالِ الْبَاقِي فَكَأَنَّهُ رَأَى الْكُلَّ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ لَهُ الْعِلْمَ بِحَالِ الْبَاقِي فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَحْصُلْ بِرُؤْيَةِ مَا رَأَى فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ أَصْلًا.
-
فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً فَرَأَى وَجْهَهُ دُونَ سَائِرِ أَعْضَائِهِ لَا خِيَارَ لَهُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ لَا تُفِيدُ لَهُ الْعِلْمَ بِمَا وَرَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ أَصْلٌ فِي الرُّؤْيَةِ فِي بَنِي آدَمَ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ تَبَعٌ لَهُ فِيهَا وَلَوْ رَأَى سَائِرَ أَعْضَائِهِ دُونَ الْوَجْهِ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ التَّبَعِ لَا تَكُونُ رُؤْيَةَ الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَرَأَى وَجْهَهُ لَا غَيْرُ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَسْقُطُ خِيَارُهُ وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّقِيقِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ مَا لَمْ يَرَ وَجْهَهُ وَمُؤَخَّرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُضْوٌ مَقْصُودٌ فِي الرُّؤْيَةِ فِي هَذَا الْجِنْسِ فَمَا لَمْ يَرَهُمَا فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ.
-
وَإِنْ اشْتَرَى شَاةً فَإِنْ كَانَتْ نَعْجَةً حَلُوبًا اشْتَرَاهَا لِلْقُنْيَةِ أَوْ اشْتَرَى بَقَرَةً حَلُوبًا أَوْ نَاقَةً حَلُوبًا اشْتَرَاهَا لِلْقُنْيَةِ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى ضَرْعِهَا،
-
وَإِنْ اشْتَرَى شَاةً لِلَّحْمِ لَا بُدَّ مِنْ الْجَسِّ حَتَّى لَوْ رَآهَا مِنْ بَعِيدٍ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَقْصُودٌ مِنْ شَاةِ اللَّحْمِ وَالضَّرْعَ مَقْصُودٌ مِنْ الْحَلُوبِ، وَالرُّؤْيَةُ مِنْ بَعِيدٍ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِهَذَيْنِ الْمَقْصُودَيْنِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْبُسُطُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ وَجْهُهُ وَظَهْرُهُ فَرَأَى وَجْهَهُ دُونَ ظَهْرِهِ كَالْمَغَافِرِ وَنَحْوِهَا لَا خِيَارَ لَهُ،
-
وَإِنْ رَأَى الظَّهْرَ دُونَ الْوَجْهِ فَلَهُ الْخِيَارُ، كَذَا
-
5/2945/294
رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَاحِدًا فَرَأَى ظَاهِرَهُ مَطْوِيًّا وَلَمْ يَنْشُرْهُ فَإِنْ كَانَ سَاذَجًا لَيْسَ بِمُنَقَّشٍ وَلَا بِذِي عَلَمٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِهِ مَطْوِيًّا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْبَاقِي،
-
وَإِنْ كَانَ مُنَقَّشًا فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ مَا لَمْ يَنْشُرْهُ وَيَرَى نَقْشَهُ؛ لِأَنَّ النَّقْشَ فِي الثَّوْبِ الْمُنَقَّشِ مَقْصُودٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَقَّشًا وَلَكِنَّهُ ذُو عَلَمٍ فَرَأَى عَلَمَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ كُلَّهُ،
-
وَلَوْ رَأَى كُلَّهُ إلَّا عَلَمَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ الْمُعْلَمِ مَقْصُودٌ كَالنَّقْشِ فِي الْمُنَقَّشِ.
-
وَلَوْ - اشْتَرَى دَارًا فَرَأَى خَارِجَهَا أَوْ بُسْتَانًا فَرَأَى خَارِجَهُ وَرُءُوسَ الْأَشْجَارِ فَلَا خِيَارَ لَهُ، كَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ شَيْءٌ وَاحِدٌ
-
وَكَذَا الْبُسْتَانُ فَكَانَ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ رُؤْيَةَ الْكُلِّ، إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا إنَّ هَذَا مُؤَوَّلٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي دَاخِلِ الدَّارِ بُيُوتٌ وَأَبْنِيَةٌ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِرُؤْيَةِ الْخَارِجِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ دَاخِلَهَا أَبْنِيَةٌ فَلَهُ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَرَ دَاخِلَهَا؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّارِ وَالْخَارِجُ كَالتَّابِعِ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ الْمُعَلَّمِ إذَا رَأَى كُلَّهُ إلَّا عَلَمَهُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَجَابَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي زَمَنِهِ،
-
فَإِنَّ دُورَهُمْ فِي زَمَنِهِ كَانَتْ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْبِنَاءِ، وَكَانَتْ عَلَى تَقْطِيعٍ وَاحِدٍ وَهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَخْتَلِفُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالْعِلْمُ بِهِ يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الْخَارِجِ.
-
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ دَاخِلِ الدَّارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِاخْتِلَافِ الْأَبْنِيَةِ فِي دَاخِلِ الدُّورِ فِي زَمَانِنَا اخْتِلَافًا فَاحِشًا فَرُؤْيَةُ الْخَارِجِ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالدَّاخِلِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرَى شَيْئًا وَاحِدًا فَرَأَى بَعْضَهُ.
-
فَأَمَّا إنْ كَانَ أَشْيَاءَ فَرَأَى وَقْتَ الشِّرَاءِ بَعْضَهَا دُونَ الْبَعْضِ فَلَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ فَرَأَى بَعْضَهَا وَقْتَ الشِّرَاءِ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ فِيهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْبَاقِي فَكَانَ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ كَرُؤْيَةِ الْكُلِّ إلَّا إذَا وَجَدَ الْبَاقِي،
-
بِخِلَافِ مَا رَأَى فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لَكِنْ خِيَارُ الْعَيْبِ لَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
-
وَإِنْ كَانَ فِي وِعَاءَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ؛ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ: لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْوِعَاءَيْنِ جَعَلَهُمَا كَجِنْسَيْنِ، وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: لَا خِيَارَ لَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْبَاقِي سَوَاءٌ كَانَ فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي وِعَاءَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ عَلَى صِفَتَيْنِ فَلَهُ الْخِيَارُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ مِنْ جِنْسٍ وَعَلَى وَصْفٍ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِجِنْسٍ آخَرَ وَعَلَى وَصْفٍ آخَرَ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ بِأَنْ اشْتَرَى جَمَاعَةَ عَبِيدٍ أَوْ جَوَارٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ قَطِيعَ غَنَمٍ أَوْ جِرَابٍ هَرَوِيٌّ فَرَأَى بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا إلَّا وَاحِدًا فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ أَوْ يُمْسِكَ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَا وَرَاءَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ
-
بِخِلَافِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ مِنْهُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْبَاقِي.
-
وَلَوْ اشْتَرَى جَمَاعَةَ ثِيَابٍ فِي جِرَابٍ وَرَأَى أَطْرَافَ الْكُلِّ أَوْ طَيَّ الْكُلِّ لَا خِيَارَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَتْ مُعْلَمَةً أَوْ مُنَقَّشَةً؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْلَمَةً وَلَا مُنَقَّشَةً وَلَمْ يَكُنْ الْبَعْضُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَقْصُودًا وَالْبَعْضُ تَبَعًا، وَرُؤْيَةُ الْبَعْضِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِحَالِ الْبَاقِي فَكَانَ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ رُؤْيَةَ الْكُلِّ.
-
كَمَا إذَا اشْتَرَى الْبِطِّيخَ فِي السريجة وَالرُّمَّانَ فِي الْقُفَّةِ فَرَأَى الْبَعْضَ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مِنْهَا لَيْسَ تَبَعًا لِلْبَعْضِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ فَرُؤْيَةُ الْبَعْضِ مِنْهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْبَاقِي لِكَوْنِهَا مُتَفَاوِتَةً تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ فَرَأَى الْبَعْضَ مِنْهَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ لَهُ الْخِيَارُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛
-
لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ صَغِيرِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ وَكَبِيرِهِمَا مُتَقَارِبٌ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ عُرْفًا وَعَادَةً وَشَرْعًا، وَلِهَذَا أُلْحِقَ بِالْعَدَمِ فِي السَّلَمِ حَتَّى جَازَ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِزُفَرَ فَكَانَ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ مُعَرِّفًا حَالَ الْبَاقِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ السَّلَمِ وَهُوَ أَنَّ الْبَيْضَ وَالْجَوْزَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ حَقِيقَةً وَالْأَصْلُ فِي الْحَقَائِقِ اعْتِبَارُهَا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَهْدَرَ هَذَا التَّفَاوُتَ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَدَمِ فِي السَّلَمِ لِحَاجَةِ النَّاسِ،
-
وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِهْدَارِ فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ فَبَقِيَ التَّفَاوُتُ فِيهِ مُعْتَبَرًا فَرُؤْيَةُ الْبَعْضِ لَا تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِحَالِ الْبَاقِي، فَبَقِيَ الْخِيَارُ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى دُهْنًا فِي قَارُورَةٍ فَرَأَى خَارِجَ الْقَارُورَةِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ أَنَّهُ
-
5/2955/295
لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مِنْ الْخَارِجِ تُقَيِّدُ الْعِلْمَ بِالدَّاخِلِ، فَكَأَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ خَارِجٌ.
-
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَا فِي دَاخِلِ الْقَارُورَةِ لَا يَحْصُلُ بِالرُّؤْيَةِ مِنْ خَارِجِ الْقَارُورَةِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الدَّاخِلِ يَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ الْقَارُورَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، وَقَالُوا فِي الْمُشْتَرِي إذَا رَأَى الْمَبِيعَ فِي الْمِرْآةِ: إنَّ لَهُ الْخِيَارَ، وَكَذَا فِي الْمَاءِ.
-
وَقَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ عَيْنَهُ، وَإِنَّمَا رَأَى مِثَالَهُ،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رَأَى عَيْنَ الْمَبِيعِ لَا إنْ غَيْرَ الْمَبِيعِ فِي الْمِرْآةِ وَالْمَاءِ بَلْ يَرَاهُ حَيْثُ هُوَ لَكِنْ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِ الرُّؤْيَةُ، وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّا نَرَى اللَّهَ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - بِلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَكِنْ قَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهَيْئَتِهِ لِتَفَاوُتِ الْمِرْآةِ فَيَعْلَمُ بِأَصْلِهِ لَا بِهَيْئَتِهِ فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لَا لِمَا قَالُوا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ فِي الْعُرْفِ لَا يَشْتَرِي الْإِنْسَانُ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ لِيَرَاهُ فِي الْمِرْآةِ أَوْ فِي الْمَاءِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَذَا الطَّرِيقِ،
-
فَلَا تَكُونُ رُؤْيَتُهُ فِي الْمِرْآةِ،
-
وَإِنْ رَأَى عَيْنَهُ مُسْقِطَةً لِلْخِيَارِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ رَأَى فَرْجَ أُمِّ امْرَأَتِهِ فِي الْمَاءِ، أَوْ فِي الْمِرْآةِ فَنَظَرَ إلَيْهِ بِشَهْوَةٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ،
-
وَكَذَا لَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِلْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا لِمَا قُلْنَا.
-
وَلَوْ اشْتَرَى سَمَكًا فِي دَائِرَةٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ اصْطِيَادٍ وَحِيلَةٍ حَتَّى جَازَ الْبَيْعُ فَرَآهُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ أَخَذَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى عَيْنَ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ مَا رَآهُ كَمَا هُوَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُرَى فِي الْمَاءِ كَمَا هُوَ بَلْ يُرَى أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ، فَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ، وَهُوَ مَعْرِفَتُهُ كَمَا هُوَ فَلَهُ الْخِيَارُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ وَقْتِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
-
فَوَقْتُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ هُوَ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ لَا قَبْلَهَا، حَتَّى لَوْ أَجَازَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَرَضِيَ بِهِ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ: أَجَزْتُ أَوْ رَضِيتُ أَوْ مَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى،
-
ثُمَّ رَآهُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الرُّؤْيَةِ،
-
فَلَوْ ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ الْإِجَازَةِ قَبْلَ الرُّؤْيَة وَأَجَازَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ مَجْهُولُ الْوَصْفِ، وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْعِلْمُ بِوُجُودِ سَبَبِهِ مُحَالٌ، فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ (وَأَمَّا) الْفَسْخُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛