فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 29520 to 31259
-
5/2705/270
فَإِنْ كَانَ شَاةً، فَحَلَبَهَا أَوْ شَرِبَ لَبَنَهَا، فَهُوَ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْمِلْكِ أَوْ الْإِذْنِ مِنْ الْمَالِكِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَوْ التَّقْرِيرِ، فَيَكُونُ إجَازَةً.
-
، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا، فَسَكَنَهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ أَسْكَنَهَا غَيْرَهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرٍ أَجْرٍ، أَوْ رَمَّ شَيْئًا مِنْهَا، أَوْ جَصَّصَهَا، أَوْ طَيَّنَهَا، أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا شَيْئًا، أَوْ هَدَمَ فِيهَا شَيْئًا، فَذَلِكَ كُلُّهُ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ أَوْ تَقْرِيرِهِ، فَكَانَ إجَازَةً دَلَالَةً، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ فِي سُكْنَى الْمُشْتَرِي رِوَايَتَانِ، وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا، فَحَمَلَ إحْدَاهُمَا عَلَى ابْتِدَاءِ السُّكْنَى، وَالْأُخْرَى عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ،
-
وَلَوْ كَانَ فِيهَا سَاكِنٌ بِأَجْرٍ، فَبَاعَهَا الْبَائِعُ بِرِضَا الْمُسْتَأْجِرِ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، فَتَرَكَهُ الْمُشْتَرِي فِيهَا أَوْ اسْتَأْوَى الْغَلَّةَ، فَهُوَ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ، فَكَانَ أَخْذُهَا دَلَالَةً قَصْدَ تَمَلُّكِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَقْرِيرَ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، وَذَلِكَ قَصَدَ تَمَلُّكَ الدَّارِ أَوْ تَقَرَّرَ مِلْكِهِ فِيهَا، فَكَانَ إجَازَةً.
-
، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَرْضًا فِيهَا حَرْثٌ، فَسَقَاهُ أَوْ حَصَدَهُ أَوْ قَصَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهُوَ إجَازَةٌ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ تَصَرُّفٌ فِي الْحَرْثِ بِالتَّزْكِيَةِ، فَكَانَ فِي دَلِيلِ اخْتِيَارِ الْبَيْعِ وَإِيجَابِهِ
-
5/2715/271
وَكَذَلِكَ الْقَصْلُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِالتَّنْقِيصِ، فَكَانَ دَلِيلَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَوْ التَّقَرُّرِ،
-
وَلَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرِ تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ سَقَى مِنْهُ دَوَابَّهُ لَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ.
-
، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ رَحًى، فَطَحَنَ فِيهَا،
-
فَإِنْ هُوَ طَحَنَ؛ لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ طَحْنِهَا، فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ مَا شُرِعَ لَهُ الْخِيَارُ،
-
وَلَوْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ إجَازَةً؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ لِلِاخْتِيَارِ، فَكَانَ دَلِيلَ الرِّضَا بِوُجُوبِ الْبَيْعِ.
-
(وَأَمَّا) خِيَارُ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، فَيَسْقُطُ بِمَا يَسْقُطُ بِهِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، فَأَيَّهُمَا أَجَازَ صَرِيحًا أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجَازَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ مِنْ جَانِبِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ أَجَازَ،
-
وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَأَيَّهُمَا فَسَخَ صَرِيحًا أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ أَوْ، فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسْخِ انْفَسَخَ أَصْلًا وَرَأْسًا،
-
وَلَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ مِنْ صَاحِبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ حُكْمُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ بِالْإِبْطَالِ، وَالْعَقْدُ بَعْدَ مَا بَطَلَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ مُتَلَاشٍ (وَأَمَّا) الْإِجَازَةُ، فَهِيَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ بِالتَّغْيِيرِ، وَهُوَ الْإِلْزَامُ لَا بِالْإِعْدَامِ،
-
فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ احْتِمَالِ الْفَسْخِ، وَالْإِجَازَةِ،
-
وَلَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا، وَفَسَخَ الْآخَرُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ عَلَى الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ أَقْوَى مِنْ الْإِجَازَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْحَقُ الْإِجَازَةَ،
-
فَإِنَّ الْمُجَازَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ،
-
فَأَمَّا الْإِجَازَةُ، فَلَا تَلْحَقُ الْفَسْخَ،
-
فَإِنَّ الْمَفْسُوخَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ، فَكَانَ الْفَسْخُ أَقْوَى مِنْ الْإِجَازَةِ، فَكَانَ أَوْلَى.
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْفَسْخِ، وَالْإِجَازَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَسَخْنَا الْبَيْعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا بَلْ أَجَزْنَا الْبَيْعَ جَمِيعًا، فَاخْتِلَافُهُمَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ، وَأَحَدَهُمَا لَا يَنْفَرِدُ بِالْإِجَازَةِ،
-
وَلَوْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّهُ الْمُدَّعِي،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَضَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ الْفَسْخِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَعْدَ الْإِجَازَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الْجَوَازِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَتَرَجَّحَ جَانِبُهُ بِشَهَادَةِ الْحَالِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،
-
وَلَوْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَمْرًا
-
بِخِلَافِ الظَّاهِرِ، وَالْبَيِّنَاتُ شُرِعَتْ لَهُ.
-
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَاخْتَلَفَا فِي الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ سَوَاءٌ ادَّعَى الْفَسْخَ أَوْ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي،
-
وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِجَازَةَ أَيَّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الْجَوَازِ، وَهِيَ مَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
وَلَوْ أُرِّخَتْ الْبَيِّنَاتُ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَأَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا أَوْلَى سَوَاءٌ قَامَتْ عَلَى الْفَسْخِ أَوْ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ،
-
وَإِنْ كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ لِغَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ بِأَنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلِلشَّارِطِ، وَالْمَشْرُوطِ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ.
-
وَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ، وَأَيُّهُمَا، فَسَخَ انْفَسَخَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَارِطًا لِنَفْسِهِ مُقْتَضَى الشَّرْطِ لِغَيْرِهِ، وَصَارَ الْمَشْرُوطُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ لِلشَّارِطِ فِي الْفَسْخِ، وَالْإِجَازَةِ،
-
فَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا، وَفَسَخَ الْآخَرُ،
-
فَإِنْ كَانَا عَلَى التَّعَاقُبِ، فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى، فَسْخًا كَانَ أَوْ إجَازَةً؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالشَّرْطِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ، وُجُودُهُ بَطَلَ الْآخَرُ،
-
وَإِنْ كَانَا مَعًا ذُكِرَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ عَنْ، وِلَايَةِ الْمِلْكِ أَوْلَى نَقْضًا كَانَ أَوْ إجَازَةً، وَذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ أَنَّ النَّقْضَ أَوْلَى مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ (وَجْهُ) رِوَايَةِ الْبُيُوعِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةِ الْمِلْكِ،
-
فَلَا يُعَارِضُهُ الصَّادِرُ عَنْ وِلَايَةِ النِّيَابَةِ.
-
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الْمَأْذُونِ أَنَّ النَّقْضَ أَوْلَى مِنْ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْمُجَازَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، أَمَّا الْمَفْسُوخُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ، فَكَانَ الرُّجْحَانُ فِي الْمَأْذُونِ لِلنَّقْضِ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ،
-
وَقِيلَ مَا رُوِيَ فِي الْبُيُوعِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَدِّمُ وِلَايَةَ الْمِلْكِ عَلَى وِلَايَةِ النِّيَابَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْمَأْذُونِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى تَقْدِيمَ وِلَايَةِ الْمِلْكِ، وَأَصْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِنْ إنْسَانٍ وَبَاعَ الْمَالِكُ مِنْ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ الْكَلَامَانِ مَعَ أَنَّ بَيْعَ الْمُوَكِّلِ أَوْلَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُجْعَلُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيُخَيَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ، فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي بَيَانِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ، فَنَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ، وَالِاخْتِيَارِيُّ نَوْعَانِ: أَيْضًا صَرِيحٌ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَدَلَالَةٌ (أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَنَحْوَ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، فَسَخْتُ الْبَيْعَ أَوْ نَقَضْتُهُ أَوْ أَبْطَلْتُهُ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ
-
5/2725/272
لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ التَّرَاضِي،
-
وَلَا قَضَاءُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ.
-
(وَأَمَّا) الْفَسْخُ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ، فَهُوَ أَنْ يَتَصَرَّفَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، وَفِي الثَّمَنِ إنْ كَانَ عَيْنًا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ، فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفُ الْمُلَّاكِ دَلِيلُ اسْتِبْقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ،
-
وَإِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَتَصَرُّفُهُ فِي الثَّمَنِ إذَا كَانَ عَيْنًا تَصَرُّفُ الْمُلَّاكِ دَلِيلُ اسْتِبْقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ،
-
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْفَسْخِ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ يَكُونُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ دَلَالَةً، وَالْحَاصِلُ إنْ وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ مَا لَوْ وُجِدَ مِنْهُ فِي الثَّمَنِ؛ لَكَانَ إجَازَةً لِلْبَيْعِ يَكُونُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْفَسْخِ لَا يَقِفُ عَلَى عِلْمِ صَاحِبِهِ بِلَا خِلَافٍ
-
بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ هَهُنَا لَا يَثْبُتُ بِالْفَسْخِ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا لِغَيْرِهِ،
-
فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَسْخِ مَقْصُودًا كَبَيْعِ الشِّرْبِ، وَالطَّرِيقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَقْصُودًا،
-
وَيَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) الضَّرُورِيُّ، فَنَحْوَ أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاتًّا لَبَطَلَ،
-
فَإِذَا كَانَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ،
-
وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَالْمِثْلُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ إمَّا بُطْلَانُ الْبَيْعِ، فَلِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ بِحَالٍ لَا يَحْتَمِلُ إنْشَاءَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ، فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ضَرُورَةً.
-
وَأَمَّا لُزُومُ الْقِيمَةِ، فَقَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنَّهُ يَهْلِكُ أَمَانَةً (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْخِيَارَ مَنَعَ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ، فَكَانَ الْمَبِيعُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْبَائِعِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَيَهْلِكُ هَلَاكَ الْأَمَانَاتِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْبَيْعَ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمَبِيعَ فِي قَبْضِ الْمُشْتَرِي عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ،
-
فَلَا يَكُونُ دُونَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ بَلْ هُوَ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ لَا بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا بِحُكْمِهِ، وَهَهُنَا إنْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْعَقْدِ، فَقَدْ وُجِدَ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْمِثْلِ، فَهَذَا أَوْلَى،
-
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَلَكِنْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ،
-
وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ إمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ،
-
فَإِذَا قَبَضَهُ، فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ،
-
فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ، كَمَا كَانَ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ.
-
(وَإِمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَالْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَهُوَ التَّعَيُّبُ بِعَيْبٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِي يَدِهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَقَدُّمِ عَيْبٍ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ سَبَبِ مَوْتِهِ فِي الْهَلَاكِ عَادَةً، وَأَنَّهُ يَكُونُ عَيْبًا، وَتَعَيُّبُ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ،
-
وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
فَإِذَا هَلَكَ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ.
-
وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَبِيعَ أَجْنَبِيٌّ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَالْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ الضَّمَانُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ لِلضَّمَانِ، وَهُوَ إتْلَافُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ، وَالْهَالِكُ إلَى خَلَفٍ قَائِمٌ مَعْنًى، فَكَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْإِجَازَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ فِي يَدِ الْبَائِعِ؛
-
لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا،
-
فَإِنْ شَاءَ، فَسَخَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْجَانِي بِالضَّمَانِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَالضَّمَانُ بَدَلُ الْمَضْمُونِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ، فَكَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا مَعْنًى، فَكَانَ الْخِيَارُ عَلَى حَالِهِ إنْ شَاءَ، فَسَخَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ، وَاتَّبَعَهُ بِالثَّمَنِ.
-
وَلَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ،
-
فَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ الْمَبِيعِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ مَا انْتَقَصَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ،
-
فَلَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ بِإِبْقَاءِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي،
-
فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ، فَإِنْ أَجَازَهُ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ،
-
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لِتَغَيُّرِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مَا انْتَقَصَ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ قَدْرِ النُّقْصَانِ مِنْ الثَّمَنِ، فَالْإِجَازَةُ تَتَضَمَّنُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّمَامِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ النُّقْصَانِ هَلَكَ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ الضَّمَانُ، فَكَانَ قَائِمًا مَعْنًى، وَلَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْهَالِكِ.
-
فَكَانَ الْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ؛ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِالْأَرْشِ،
-
وَإِنْ شَاءَ؛ أَجَازَ، وَاتَّبَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي يَتَّبِعُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَالْبَائِعُ
-
5/2735/273
عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، فَكَانَ قَدْرُ النُّقْصَانِ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَكَانَ هَلَاكًا إلَى خَلَفٍ، فَكَانَ الْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ، وَالْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ؛ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَاتَّبَعَ الْمُشْتَرِيَ بِالضَّمَانِ،
-
وَإِنْ شَاءَ؛ أَجَازَهُ، وَاتَّبَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
-
فَالْبَائِعُ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِنْ شَاءَ؛ أَجَازَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، فَإِنْ أَجَازَ؛ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ التَّعَيُّبُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ جَازَ فِي الْكُلِّ،
-
وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ بِحُدُوثِ التَّغَيُّرِ فِي الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي يَدِهِ فِي ضَمَانِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّعَيُّبُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي،
-
فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ،
-
وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَّبِعَ الْجَانِي بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْعَبْدَ بِإِجَازَةِ الْبَائِعِ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ،
-
وَإِنْ فَسَخَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ التَّعَيُّبُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي،
-
فَإِنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُ الْبَاقِي، وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ، وَبِالْفَسْخِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّ قَدْرِ الْفَائِتِ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهِ.
-
وَكَذَا إذَا تَعَيَّبَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كَانَ التَّعَيُّبُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ؛ اتَّبَعَ الْأَجْنَبِيَّ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ؛ اتَّبَعَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،
-
فَإِنْ اخْتَارَ اتِّبَاعَ الْأَجْنَبِيِّ؛ فَالْأَجْنَبِيُّ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ،
-
وَإِنْ اخْتَارَ اتِّبَاعَ الْمُشْتَرِي، فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ الْأَرْشِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَامَ مَقَامَ الْبَائِعِ فِي حَقِّ مِلْكِ بَدَلِ الْفَائِتِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ فِي حَقِّ مِلْكِ نَفْسِ الْفَائِتِ كَغَاصِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا قُتِلَ الْمُدَبَّرُ فِي يَدِهِ، وَضَمِنَهُ لِلْمَالِكِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَاتِلِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَ الْمُدَبَّرِ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ جَوَازِ الْفَسْخِ، فَمِنْهَا قِيَامُ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا بَطَلَ، فَقَدْ لَزِمَ الْبَيْعُ،
-
فَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَمِنْهَا عِلْمُ صَاحِبِهِ بِالْفَسْخِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ حَتَّى لَوْ فُسِخَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَانَ فَسْخُهُ مَوْقُوفًا عِنْدَهُمَا إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ بِفَسْخِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ نَفَذَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَ الْعَقْدُ،
-
وَكَذَا لَوْ أَجَازَ الْفَاسِخُ الْعَقْدَ؛ نَفَذَ فَسْخُهُ قَبْلَ عِلْمِ صَاحِبِهِ وَجَازَتْ إجَازَتُهُ، وَلَزِمَ الْعُقَدُ وَبَطَلَ فَسْخُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ،
-
ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: عِلْمُ صَاحِبِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ فُسِخَ يَصِحُّ فَسْخُهُ عَلِمَ صَاحِبُهُ بِالْفَسْخِ أَوْ لَا.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ، فَصَلَ بَيْنَ خِيَارِ الْبَائِعِ، وَخِيَارِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعِلْمَ فِي خِيَارِ الْبَائِعِ، وَشَرَطَ فِي خِيَارِ الْمُشْتَرِي.
-
(وَأَمَّا) خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ،
-
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْفَسْخِ فِيهِ شَرْطٌ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَزْلَ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ،
-
وَإِنْ، فَسَخَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الشَّرِكَةَ أَوْ نَهَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارِبَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لَا يَصِحُّ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِجَازَةَ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ، فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَصَلَ بِتَسْلِيطِ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ وَرِضَاهُ،
-
فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ عَلَى عِلْمِهِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفَسْخَ لَوْ نَفَذَ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ لَتَضَرَّرَ بِهِ صَاحِبُهُ،
-
فَلَا يَنْفُذُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ كَالْمُوَكِّلِ إذَا عَزَلَ، وَكِيلَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَبَيَانُ الضَّرَرِ أَنَّ صَاحِبَهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْفَسْخِ، فَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكَهُ،
-
فَلَوْ جَازَ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ؛ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ عَزْلُ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَذَا هَذَا
-
بِخِلَافِ الْإِجَازَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ،
-
وَكَذَا لَا ضَرَرَ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْفَسْخِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْإِجَازَةَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ.
-
(وَأَمَّا) الْخِيَارُ الثَّابِتُ بِالشَّرْطِ دَلَالَةً، فَهُوَ خِيَارُ الْعَيْبِ، وَالْكَلَامُ فِي.
-
بَيْعِ الْمَعِيبِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ الْحُكْمِ، وَفِي بَيَانِ تَفْسِيرِ الْعَيْبِ الَّذِي يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَتَفْصِيلِ الْمُفَسَّرِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَفِي طَرِيقِ إثْبَاتِ الْعَيْبِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ، وَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ،
-
وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ، وَفِي بَيَانِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ،
-
وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَفِي بَيَانِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَمَا لَا يَمْنَعُ، وَفِي بَيَانِ طَرِيقِ الرُّجُوعِ.
-
(أَمَّا) حُكْمُهُ، فَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ مُطْلَقٌ عَنْ الشَّرْطِ، وَالثَّابِتُ بِدَلَالَةِ
-
5/2745/274
النَّصِّ شَرْطُ السَّلَامَةِ لَا شَرْطُ السَّبَبِ،
-
وَلَا شَرْطُ الْحُكْمِ، وَأَثَرُهُ فِي مَنْعِ اللُّزُومِ لَا فِي مَنْعِ أَصْلِ الْحُكْمِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُنَاكَ دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ، فَيَمْنَعُ انْعِقَادَهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
-
(وَأَمَّا) صِفَتُهُ، فَهِيَ أَنَّهُ مِلْكٌ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً، فَمَا لَمْ يُسَلَّمْ الْمَبِيعُ لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ،
-
فَلَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السَّلَامَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً أَنَّ السَّلَامَةَ فِي الْبَيْعِ مَطْلُوبَةُ الْمُشْتَرِي عَادَةً إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ،
-
وَلَا يَتَكَامَلُ انْتِفَاعُهُ إلَّا بِقَيْدِ السَّلَامَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ جَمِيعَ الثَّمَنِ إلَّا لِيُسَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، فَكَانَتْ السَّلَامَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً، فَكَانَتْ كَالْمَشْرُوطَةِ نَصًّا،
-
فَإِذَا، فَاتَتْ الْمُسَاوَاةُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا طَبَّاخَةٌ، فَلَمْ يَجِدْهَا كَذَلِكَ،
-
وَكَذَا السَّلَامَةُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالْمُعَاوَضَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ عَادَةً وَحَقِيقَةً، وَتَحْقِيقُ الْمُسَاوَاةِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ، وَالسَّلَامَةِ بِالسَّلَامَةِ، فَكَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ مُقْتَضِيًا لِلسَّلَامَةِ،
-
فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ الْمَبِيعُ لِلْمُشْتَرِي يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ قَدْرِ الْفَائِتِ بِالْعَيْبِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلِأَنَّ السَّلَامَةَ لَمَّا كَانَتْ مَرْغُوبَةَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَحْصُلْ، فَقَدْ اخْتَلَّ رِضَاهُ، وَهَذَا يُوجِبُ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، فَانْعِدَامُ الرِّضَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَاخْتِلَالُهُ يُوجِبُ الْخِيَارَ فِيهِ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الدَّلِيلِ، وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ هَذَا الْخِيَارِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ، فَهُوَ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةٍ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» ، وَالنَّظَرَانِ الْمَذْكُورَانِ هُمَا نَظَرُ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ، وَذِكْرُ الثَّلَاثِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلتَّوْقِيتِ؛
-
لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْخِيَارِ لَيْسَ بِمُوَقَّتٍ بَلْ هُوَ بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى إنْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَادَةً، فَيَرْضَى بِهِ، فَيُمْسِكُهُ أَوْ لَا يَرْضَى بِهِ، فَيَرُدُّهُ، وَالصَّاعُ مِنْ التَّمْرِ كَأَنَّهُ قِيمَةُ اللَّبَنِ الَّذِي حَلَبَهُ الْمُشْتَرِي عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) تَفْسِيرُ الْعَيْبِ الَّذِي يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَتَفْصِيلُ الْمُفَسَّرِ، فَكُلُّ مَا يُوجِبُ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ نُقْصَانًا فَاحِشًا أَوْ يَسِيرًا، فَهُوَ عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَمَا لَا فَلَا نَحْوَ الْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْحَوَلِ وَالْقَبَلِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَوْلِ مَصْدَرُ الْأَقْبَلِ، وَهُوَ الَّذِي كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى طَرَفِ أَنْفِهِ، وَالسَّبَلِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْفَانِ، وَالْعَشَا مَصْدَرُ الْأَعْشَى، وَهُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَالْخَوَصِ مَصْدَرُ الْأَخْوَصِ، وَهُوَ غَائِرُ الْعَيْنِ، وَالْحَوَصِ مَصْدَرُ الْأَحْوَصِ، وَهُوَ الضَّيِّقُ مُؤَخَّرِ الْعَيْنِ، وَالْغَرَبِ وَهُوَ وَرَمٌ فِي الْآمَاقِ، وَهِيَ أَطْرَافُ الْعَيْنِ الَّتِي تَلِي الْأَنْفَ،
-
وَقِيلَ هُوَ دُرُورُ الدَّمْعِ دَائِمًا، وَالظَّفَرَةُ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ ناخنه، وَالشَّتَرِ، وَهُوَ انْقِلَابُ جَفْنِ الْعَيْنِ وَالْبَرَصِ وَالْقَرَعِ، وَالسَّلْعِ وَالشَّلَلِ وَالزَّمَانَةِ، وَالْفَدَعِ، وَهُوَ اعْوِجَاجٌ فِي الرُّسْغِ مِنْ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَالْفَجَجِ مَصْدَرُ الْأَفْجَجُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَدَانَى عَقِبَاهُ، وَيَنْكَشِفُ سَاقَاهُ فِي الْمَشْيِ، وَالصَّكَكِ مَصْدَرُ الْأَصَكِّ، وَهُوَ الَّذِي تَصْطَكُّ رُكْبَتَاهُ.
-
وَالْحَنَفُ مَصْدَرُ الْأَحْنَفِ، وَهُوَ الَّذِي أَقْبَلَتْ إحْدَى إبْهَامِ رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَالْبَزَا مَصْدَرُ الْأَبْزَى، وَهُوَ خُرُوجُ الصَّدْرِ، وَالْعُسْرِ مَصْدَرُ الْأَعْسَرِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِشِمَالِهِ، وَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَالنَّاقِصَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ وَالسَّوْدَاءِ وَالنَّاقِصَةِ وَالظُّفْرِ الْأَسْوَدِ، وَالْبَخَرِ، وَهُوَ نَتْنُ الْفَمِ فِي الْجَوَارِي لَا فِي الْعَبِيدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا؛
-
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَنْ دَاءٍ، وَالزَّفَرِ، وَهُوَ نَتْنُ الْإِبِطِ فِي الْجَارِيَةِ لَا فِي الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يَفْحُشَ، فَيَكُونُ عَيْبًا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَدَرِ مَصْدَرُ الْأُدْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي بِهِ أُدْرَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: فَتْحُ، وَالرَّتَقِ وَهُوَ انْسِدَادُ فَرْجِ الْجَارِيَةِ وَالْفَتْقِ وَهُوَ انْفِتَاحُ فَرْجِهَا وَالْقَرَنِ، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ كَالْأُدْرَةِ فِي الرِّجَالِ وَالشَّمَطِ، وَالشَّيْبِ فِي الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ وَالسَّلُول وَالْقُرُوحِ وَالشِّجَاجِ وَالْأَمْرَاضِ كُلِّهَا وَالْحَبَلِ فِي الْجَوَارِي لَا فِي الْبَهَائِمِ؛
-
لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْبَهِيمَةِ، وَحَذْفِ الْحُرُوفِ فِي الْمُصْحَفِ الْكَرِيمِ أَوْ فِي بَعْضِهِ، وَالزِّنَا فِي الْجَارِيَةِ لَا فِي الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْفِرَاشَ، وَقَدْ يُقْصَدُ الْفِرَاشُ فِي الْإِمَاءِ
-
بِخِلَافِ الْغُلَامِ إلَّا إذَا فَحُشَ.
-
وَصَارَ اتِّبَاعُ النِّسَاءِ عَادَةً لَهُ، فَيَكُونُ عَيْبًا فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَعْطِيلَ مَنَافِعِهِ عَلَى الْمَوْلَى،
-
وَكَذَا إذَا ظَهَرَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَيْبٌ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: بِبَلْخٍ: الزِّنَا يَكُونُ عَيْبًا فِي الْغُلَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، فَلَا يُسْتَخْدَمُ
-
5/2755/275
وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ الْكَبِيرَ لَا يُشْتَرَى لِلِاسْتِخْدَامِ فِي الْبَيْتِ بَلْ لِلْأَعْمَالِ الْخَارِجَةِ، وَكَوْنُ الْمُشْتَرَى وَلَدَ الزِّنَا فِي الْجَارِيَةِ لَا فِي الْعَبِيدِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ الْفِرَاشُ مِنْ الْجَوَارِي،
-
فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ يُعَيَّرُ وَلَدُهُ بِأُمِّهِ
-
بِخِلَافِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَى لِلْخِدْمَةِ عَادَةً، وَالْكُفْرُ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ السَّلِيمَ يَنْفِرُ عَنْ صُحْبَةِ الْكَافِرِ.
-
(وَأَمَّا) الْإِسْلَامُ، فَلَيْسَ بِعَيْبٍ بِأَنْ اشْتَرَى نَصْرَانِيٌّ عَبْدًا، فَوَجَدَهُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ زِيَادَةٌ، وَالنِّكَاحُ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ مَمْلُوكَةٌ لِلزَّوْجِ، وَالْعَبْدُ يُبَاعُ فِي الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي ثَمَنِهِمَا، وَالْعِدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لَا مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ؛
-
لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ
-
بِخِلَافِ الْبَائِنِ، وَالثَّلَاثِ، وَاحْتِبَاسُ الْحَيْضَةِ فِي الْجَارِيَةِ الْبَالِغَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً شَهْرَانِ فَصَاعِدًا، وَالِاسْتِحَاضَةُ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ فِي أَوَانِهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِدَاءٍ عَادَةً،
-
وَكَذَا اسْتِمْرَارُ الدَّمِ فِي أَيَّامِ الطُّهْرِ، وَالْإِحْرَامُ فِي الْجَارِيَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ إزَالَتَهُ،
-
فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَالْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ أَوْ الصِّهْرِيَّةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْجَوَارِيَ لَا يُشْتَرَيْنَ لِلِاسْتِمْتَاعِ عَادَةً بَلْ لِلِاسْتِخْدَامِ فِي الْبَيْتِ، وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ لَا تَقْدَحُ فِي ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ حَيْثُ يَكُونُ عَيْبًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ إلَّا حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَخِلُّ بِالِاسْتِخْدَامِ.
-
وَالثِّيَابَةُ فِي الْجَارِيَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا عَلَى شَرْطِ الْبَكَارَةِ، فَيَرُدَّهَا بَعْدَ الشَّرْطِ، وَالدَّيْنُ وَالْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّهُ يُدْفَعُ بِالْجِنَايَةِ، وَيُبَاعُ بِالدَّيْنِ، وَالْجَهْلُ بِالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ فِي الْجَارِيَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ بَلْ هُوَ حِرْفَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا، فَانْعِدَامُهُ لَا يَكُونُ عَيْبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ، فَيَرُدَّهَا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ لَا لِلْعَيْبِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ تُحْسِنُ الطَّبْخَ وَالْخَبْزَ فِي يَدِ الْبَائِعِ،
-
ثُمَّ نَسِيَتْ فِي يَدِهِ، فَاشْتَرَاهَا فَوَجَدَهَا لَا تُحْسِنُ ذَلِكَ رَدَّهَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُحْسِنُ ذَلِكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَهِيَ صِفَةٌ مَرْغُوبَةٌ تُشْتَرَى لَهَا الْجَارِيَةُ عَادَةً.
-
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا رَغْبَةً فِيهَا، فَصَارَتْ مَشْرُوطَةً دَلَالَةً، فَيَرُدُّهَا لِانْعِدَامِ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ نَصًّا، وَانْعِدَامُ الْخِتَانِ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ إذَا كَانَا مَوْلُودَيْنِ كَبِيرَيْنِ،
-
فَإِنْ كَانَا مَوْلُودَيْنِ صَغِيرَيْنِ، فَلَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ فِيهِ زِيَادَةُ أَلَمٍ، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْجَارِيَةِ فِي عُرْفِ بِلَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْتِنُونَ الْجَوَارِيَ،
-
فَأَمَّا فِي عُرْفِ دِيَارِنَا، فَالْجَارِيَةُ لَا تُخْتَنُ، فَعَدَمُ الْخِتَانِ فِيهَا لَا يَكُونُ عَيْبًا أَصْلًا،
-
وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ كَبِيرًا حَرْبِيًّا لَا يَكُونُ عَيْبًا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرَّقِيقِ يُؤْتَى بِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ لَا خِتَانَ لَهُمْ،
-
فَلَوْ جُعِلَ ذَلِكَ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، وَلِأَنَّ الْخِتَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَعَادَتِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ اشْتَرَاهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَالَةَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَالْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ وَالْجُنُونُ؛ لِأَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ نُقْصَانًا، فَاحِشًا، فَكَانَ عَيْبًا إلَّا أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ اتِّحَادُ الْحَالَةِ؟ .
-
وَهَلْ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِالْحُجَّةِ لِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ؟ فَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْحَنَفُ مَصْدَرُ الْأَحْنَفِ مِنْ الْخَيَلِ، وَهُوَ الَّذِي إحْدَى عَيْنَيْهِ زَرْقَاءُ، وَالْأُخْرَى كَحْلَاءُ، وَالصَّدَفِ مَصْدَرُ الْأَصْدَفِ، وَهُوَ الدَّابَّةُ الَّتِي يَتَدَانَى فَخْذَاهَا، وَيَتَبَاعَدُ حَافِرَاهَا، وَيَلْتَوِي رُسْغَاهَا، وَالْعَزْلُ مَصْدَرُ الْأَعْزَلِ، وَهُوَ مِنْ الدَّوَابِّ الَّذِي يَقَعُ ذَنَبُهُ مِنْ جَانِبٍ عَادَةً لَا خِلْقَةً، وَالْمَشَشُ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْعَظْمِ لِآفَةٍ أَصَابَتْهُ، وَالْجَرَدُ مَصْدَرُ الْأَجْرَدِ، وَهُوَ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي أَصَابَهُ انْقِطَاعُ عَصَبٍ مِنْ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، فَهُوَ يُنْقِصُهَا إذَا سَارَ، وَالْحَرَّانُ، وَالْحَرُونُ مَصْدَرُ الْحَرُونِ، وَهُوَ الَّذِي يَقِفُ،
-
وَلَا يَنْقَادُ لِلسَّائِقِ، وَلَا لِلْقَائِدِ، وَالْجِمَاحُ وَالْجُمُوحُ مَصْدَرُ الْجَمُوحِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَدَّ الْفَرَسُ، فَيَغْلِبُ رَاكِبَهُ، وَخَلْعُ الرَّسَنِ ظَاهِرٌ، وَبَلُّ الْمِخْلَاةِ كَذَلِكَ، وَالْهَشْمُ فِي الْأَوَانِي، وَالصَّدْعُ فِي الْحَوَائِطِ وَالْجُذُوعِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْعُيُوبِ، فَأَنْوَاعُ الْعُيُوبِ فِيهَا كَثِيرَةٌ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهَا هَهُنَا كُلِّهَا، وَالتَّعْوِيلُ فِي الْبَابِ عَلَى عُرْفِ التُّجَّارِ، فَمَا نَقَصَ الثَّمَنَ فِي عُرْفِهِمْ، فَهُوَ عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَمَا لَا فَلَا، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
، وَأَمَّا شَرَائِطُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ (فَمِنْهَا) ثُبُوتُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ حَتَّى لَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ لِفَوَاتِ صِفَةِ السَّلَامَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ دَلَالَةً، وَقَدْ حُصِّلَتْ السِّلْعَةُ سَلِيمَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي (وَمِنْهَا) ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَا قَبَضَ الْمَبِيعَ،
-
وَلَا يُكْتَفَى بِالثُّبُوتِ عِنْدَ الْبَائِعِ لِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ فِي جَمِيعِ الْعُيُوبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيمَا سِوَى الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْبَوْلِ فِي
-
5/2765/276
الْفِرَاشِ، وَالْجُنُونِ، فَكَذَلِكَ، فَأَمَّا فِي الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ، فَثُبُوتُهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الثُّبُوتُ عِنْدَ الْبَائِعِ كَافٍ، وَبَعْضُهُمْ فَصَّلَ فِي الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ، فَقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجُنُونِ،
-
وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مَنْ فَصَّلَ هَذِهِ الْعُيُوبَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ سَائِرِهَا فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ هَذِهِ الْعُيُوبَ عُيُوبٌ لَازِمَةٌ لَا زَوَالَ لَهَا إذَا ثَبَتَتْ فِي شَخْصٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ، فَثُبُوتُهَا عِنْدَ الْبَائِعِ يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَهُ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُيُوبِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ (وَجْهُ) قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجُنُونِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْجُنُونَ لِفَسَادٍ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ، وَهُوَ الدِّمَاغُ، وَهَذَا مِمَّا لَا زَوَالَ لَهُ عَادَةً إذَا ثَبَتَ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: إنَّ الْجُنُونَ عَيْبٌ لَازِمٌ
-
بِخِلَافِ الْإِبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ بَلْ تَحْتَمِلُ الزَّوَالَ لِزَوَالِ أَسْبَابِهَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الْعَامَّةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ نَصًّا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الرَّدِّ فِي هَذِهِ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ، فَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الثَّابِتَ عِنْدَ الْبَائِعِ مُحْتَمِلُ الزَّوَالِ قَابِلُ الِارْتِفَاعِ،
-
فَأَمَّا مَا سِوَى الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ لَا شَكَّ فِيهِ،
-
وَكَذَلِكَ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ؛ لِأَنَّ حُدُوثَهَا فِي الذَّاتِ لِلْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُدُوثِ، وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلزَّوَالِ، فَكَانَتْ هِيَ مُحْتَمِلَةً لِلزَّوَالِ لِاحْتِمَالِ زَوَالِ أَسْبَابِهَا،
-
فَإِنْ بَقِيَتْ يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ،
-
وَإِنْ ارْتَفَعَتْ لَا يَثْبُتُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِالِاحْتِمَالِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا قَائِمَةٌ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ الْجُنُونُ إذَا ثَبَتَ لَا يَزُولُ عَادَةً مَمْنُوعٌ،
-
فَإِنَّ الْمَجْنُونَ قَدْ يُفِيقُ، وَيَزُولُ جُنُونُهُ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ، كَمَا فِي الْأَنْوَاعِ الْأُخَرِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ هُنَاكَ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْحَالَةِ لِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ.
-
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي حَالَةِ الصِّغَرِ أَوْ فِي حَالِ الْكِبَرِ حَتَّى لَوْ أَبَقَ أَوْ سَرَقَ أَوْ بَالَ فِي الْفِرَاشِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَهُوَ صَغِيرٌ عَاقِلٌ،
-
ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، وَفِي الْجُنُونِ اتِّحَادُ الْحَالَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَالِ فِي الْعُيُوبِ الثَّلَاثِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْبَوْلِ عَلَى الْفِرَاشِ فِي حَالِ الصِّغَرِ هُوَ ضَعْفٌ فِي الْمَثَانَةِ، وَفِي الْكِبَرِ هُوَ دَاءٌ فِي الْبَاطِنِ، وَالسَّبَبُ فِي الْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةِ فِي الصِّغَرِ هُوَ الْجَهْلُ، وَقِلَّةُ التَّمْيِيزِ، وَفِي الْكِبَرِ الشَّرَارَةُ وَخُبْثُ الطَّبِيعَةِ، وَاخْتِلَافُ السَّبَبِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ، فَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ غَيْرَ الْمَوْجُودِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَكَانَ عَيْبًا حَادِثًا، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ
-
بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَهُوَ فَسَادٌ فِي مَحَلِّ الْعَقْلِ، وَهُوَ الدِّمَاغُ، فَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ عَيْنَ الْمَوْجُودِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ الْجُنُونُ عَيْبٌ لَازِمٌ أَبَدًا لَا مَا قَالَهُ أُولَئِكَ، وَاَللَّهُ عز وجل الْمُوَفِّقُ (وَمِنْهَا) عَقْلُ الصَّبِيِّ فِي الْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ عَلَى الْفِرَاشِ حَتَّى لَوْ أَبَقَ أَوْ سَرَقَ أَوْ بَالَ عَلَى الْفِرَاشِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَعْقِلُ،
-
ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ كَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، وَهَذَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَعْقِلُ،
-
ثُمَّ وُجِدَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَا عَقَلَ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِعَيْبٍ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْعَيْبِ فِي يَدِهِ (وَمِنْهَا) اتِّحَادُ الْحَالِ فِي الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ،
-
فَإِنْ اخْتَلَفَ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الرَّدِّ بِأَنْ أَبَقَ أَوْ سَرَقَ أَوْ بَالَ عَلَى الْفِرَاشِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ صَغِيرٌ عَاقِلٌ،
-
ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَالِ دَلِيلُ اخْتِلَافِ سَبَبِ الْعَيْبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاخْتِلَافُ سَبَبِ الْعَيْبِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَيْبِ، فَكَانَ الْمَوْجُودُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَيْبًا حَادِثًا عِنْدَ الرَّدِّ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) جَهْلُ الْمُشْتَرِي بِوُجُودِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ،
-
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ عِنْدَ أَحَدِهِمَا،
-
فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الشِّرَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ رِضًا بِهِ دَلَالَةً،
-
وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَ الْعَقْدِ،
-
ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الصَّفْقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَبْضِ، فَكَانَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْقَبْضِ كَالْعِلْمِ عِنْدَ الْعَقْدِ (وَمِنْهَا) عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ شَرَطَ،
-
فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَنَا صَحِيحٌ،
-
فَإِذَا أَبْرَأَهُ، فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَصَحَّ الْإِسْقَاطُ، فَيَسْقُطُ ضَرُورَةً.
-
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِهِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ أَمَّا الْكَلَامُ فِي جَوَازِهِ، فَقَدْ مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ هَهُنَا إلَى بَيَانِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الْبَرَاءَةُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ عَامَّةً بِأَنْ قَالَ: بِعْت عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ
-
5/2775/277
الْعُيُوبِ أَوْ قَالَ: مِنْ كُلِّ عَيْبٍ.
-
وَأَمَّا أَنْ كَانَتْ خَاصَّةً بِأَنْ قَالَ: مِنْ عَيْبِ كَذَا، وَسَمَّاهُ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ قَيَّدَ الْبَرَاءَةَ بِعَيْبٍ قَائِمٍ حَالَةَ الْعَقْدِ،
-
وَإِمَّا أَنْ أَطْلَقَهَا إطْلَاقًا.
-
وَإِمَّا أَنْ أَضَافَهَا إلَى عَيْبٍ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
-
فَإِنْ قَيَّدَهَا بِعَيْبٍ قَائِمٍ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ عَامَّةً بِأَنْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ أَوْ خَاصَّةً بِأَنْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِمَّا بِهِ مِنْ عَيْبِ كَذَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُقَيَّدَ بِوَصْفٍ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ،
-
وَإِنْ أَطْلَقَهَا إطْلَاقًا دَخَلَ فِيهِ الْقَائِمُ، وَالْحَادِثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَادِثُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْعَيْبِ يَقْتَضِي، وُجُودَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْمَعْدُومِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالْحَادِثُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْبَيْعِ،
-
فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِبْرَاءِ،
-
فَلَوْ دَخَلَ إنَّمَا يَدْخُلُ بِالْإِضَافَةِ إلَى حَالَةِ الْحُدُوثِ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، وَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْ الْحَادِثُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ نَصًّا، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْلَى (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ يَتَنَاوَلُ الْحَادِثَ نَصًّا، وَدَلَالَةً (أَمَّا) النَّصُّ، فَإِنَّهُ عَمَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْعُيُوبِ كُلِّهَا أَوْ خَصَّهَا بِجِنْسٍ مِنْ الْعُيُوبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَصًّا، فَتَخْصِيصُهُ أَوْ تَقْيِيدُهُ بِالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ (وَأَمَّا) الدَّلَالَةُ، فَهِيَ أَنَّ غَرَضَ الْبَائِعِ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ انْسِدَادُ طَرِيقِ الرَّدِّ،
-
وَلَا يَنْسَدُّ إلَّا بِدُخُولِ الْحَادِثِ، فَكَانَ دَاخِلًا فِيهِ دَلَالَةً.
-
(وَأَمَّا) قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّ هَذَا إبْرَاءٌ عَمَّا لَيْسَ بِثَابِتٍ، فَعِبَارَةُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَرْفِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ إبْرَاءٌ عَنْ الثَّابِتِ لَكِنْ تَقْدِيرًا، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِهِ، كَمَا يَثْبُتُ بِالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَبْضَ حُكْمُ الْعَقْدِ، فَكَانَ هَذَا إبْرَاءً عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ تَقْدِيرًا، وَالثَّانِي: أَنَّ سَبَبَ حَقِّ الرَّدِّ مَوْجُودٌ، وَهُوَ الْبَيْعُ؛
-
لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ سَلِيمًا عَنْ الْعَيْبِ،
-
فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ لِيُسَلَّمَ لَهُ الثَّمَنُ، فَكَانَ، وُجُودُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ سَبَبًا لِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ، وَالْبَيْعُ سَبَبٌ لِوُجُودِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَكَانَ ثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ حُكْمَ الْبَيْعِ السَّابِقِ، وَالْبَيْعُ سَبَبٌ، فَكَانَ هَذَا إبْرَاءً عَنْ حَقِّ الرَّدِّ بَعْدَ، وُجُودِ سَبَبِهِ، وَسَبَبُ الشَّيْءِ إذَا، وُجِدَ يُجْعَلُ هُوَ ثُبُوتًا تَقْدِيرًا لِاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ، فَكَانَ إبْرَاءً عَنْ الثَّابِتِ تَقْدِيرًا.
-
وَلِهَذَا صَحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْجِرَاحَةِ؛ لِكَوْنِ الْجُرْحِ سَبَبَ السِّرَايَةِ، فَكَانَ إبْرَاءً عَمَّا يَحْدُثُ مِنْ الْجُرْحِ تَقْدِيرًا،
-
وَكَذَا الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ يَصِحُّ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ لَا تُمَلَّكُ عِنْدَنَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا، وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ عَنْ حَقٍّ لَيْسَ بِثَابِتٍ لَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَأَنَّهُ صَحِيحٌ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الْجُرْحِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الْأُجْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
-
بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ عَنْ كُلِّ حَقٍّ لَهُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَادِثَ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ مَعْدُومٌ لِلْحَالِ بِنَفْسِهِ وَبِسَبَبِهِ،
-
فَلَوْ انْصَرَفَ إلَيْهِ الْإِبْرَاءُ؛ لَكَانَ ذَلِكَ إبْرَاءً عَمَّا لَيْسَ بِثَابِتٍ أَصْلًا لَا حَقِيقَةً،
-
وَلَا تَقْدِيرًا لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْحَقِّ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَوْ تَنَاوَلَ الْحَادِثَ؛ لَكَانَ هَذَا تَعْلِيقَ الْبَرَاءَةِ بِشَرْطٍ أَوْ الْإِضَافَةَ إلَى وَقْتٍ مَمْنُوعٍ بَلْ هَذَا إبْرَاءٌ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ، وَقْتَ الْإِبْرَاءِ تَقْدِيرًا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا تَعْلِيقًا،
-
وَلَا إضَافَةً، فَيَصِحُّ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ،
-
وَإِنْ أَضَافَهَا إلَى عَيْبٍ حَادِثٍ بِأَنْ قَالَ: عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَالْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ؛ لِأَنَّهُ.
-
وَإِنْ كَانَ إسْقَاطًا، فَفِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ الِارْتِدَادَ بِالرَّدِّ،
-
وَلَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَصَّا، كَمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، فَكَانَ هَذَا بَيْعًا أَدْخَلَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا، فَيُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ،
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ، فَقَالَ الْبَائِعُ: هُوَ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ، فَدَخَلَ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ هُوَ حَادِثٌ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ مُطْلَقَةً، فَهَذَا لَا يَتَفَرَّعُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ الْمُطْلَقَةِ عِنْدَهُ،
-
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَالَ زُفَرُ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمُبْرِئُ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ فِيمَا أَبْرَأَ، قَوْلُهُ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَرَاءَةَ عَامَّةٌ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي حَقَّ الرَّدِّ بِعُمُومِ الْبَرَاءَةِ عَنْ حَقِّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأْهُ عَنْ الدَّعَاوَى كُلِّهَا،
-
ثُمَّ ادَّعَى شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ، وَهُوَ يُنْكِرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ دُونَ الْمُشْتَرِي لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا،
-
وَلَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِعَيْبٍ يَكُونُ
-
5/2785/278
عِنْدَ الْعَقْدِ، فَاخْتَلَفَ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِحَالِ الْعَقْدِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَوْجُودَ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي الْعَيْبَ لِأَقْرَبِ الْوَقْتَيْنِ، وَالْبَائِعُ يَدَّعِيهِ لِأَبْعَدِهِمَا، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَيْبِ أَصْلٌ، وَالْوُجُودُ عَارِضٌ، فَكَانَ إحَالَةُ الْمَوْجُودِ إلَى أَقْرَبِ الْوَقْتَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْأَصْلِ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي ذَلِكَ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَقَبَضَهُ فَسَاوَمَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرِهِ، فَإِنَّهُ لَا عَيْبَ بِهِ،
-
ثُمَّ لَمْ يَتَّفِقْ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: إنَّك أَقْرَرْتَ أَنَّهُ لَا عَيْبَ بِهِ، فَقَدْ أَكْذَبْت شُهُودَكَ لَا يَبْطُلُ بِهَذَا الْكَلَامِ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْمُتَعَارَفِ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ لِتَرْوِيجِ السِّلْعَةِ، وَلِأَنَّ ظَاهِرَهُ كَذِبٌ؛
-
لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الْعُيُوبَ كُلَّهَا، وَالْآدَمِيُّ لَا يَخْلُو عَنْ عَيْبٍ، فَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ،
-
وَلَوْ عَيَّنَ نَوْعًا مِنْ الْعُيُوبِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهِ عَيْبُ كَذَا،
-
ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، وَأَرَادَ الرَّدَّ،
-
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ سِوَى النَّوْعِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا إقْرَارَ مِنْهُ بِهَذَا النَّوْعِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي عَيَّنَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ التَّحْقِيقُ فِي الْمُتَعَارَفِ لَا تَرْوِيجُ السِّلْعَةِ، فَصَارَ مُنَاقِضًا؛ وَلِأَنَّ الْآدَمِيَّ يَخْلُو عَنْ عَيْبٍ مُعِينٍ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِكَذِبِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِكَذِبِهِ حَقِيقَةً، فَالْتَحَقَ كَلَامُهُ بِالْعَدَمِ.
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ عَيْبٍ، وَاحِدٍ شَجَّةٍ أَوْ جُرْحٍ، فَوَجَدَ شَجَّتَيْنِ أَوْ جُرْحَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي يَرُدُّ أَيَّهمَا شَاءَ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ عِنْدَ امْتِنَاعِ الرَّدِّ بِاعْتِرَاضِ أَسْبَابِ الِامْتِنَاعِ مِنْ هَلَاكِ الْمَبِيعِ أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ آخَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الرَّدِّ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ،
-
فَأَمَّا عِنْدَ إمْكَانِ الرَّدِّ،
-
فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةٌ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي، وَالِاحْتِمَالُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ أَطْلَقَ الْبَرَاءَةَ إلَى شَجَّةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ عَيْنٍ،
-
وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَالُ مِنْهُ كَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي لَكِنَّ مَنْفَعَةَ الْإِبْرَاءِ عَائِدَةٌ إلَى الْبَائِعِ، فَصَارَ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ، فَوَّضَ التَّعْيِينَ إلَيْهِ، فَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ،
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُسَمَّى مَرَضًا لَا دَاءً.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ دَاءٌ،
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ غَائِلَةٍ، فَهِيَ عَلَى السَّرِقَةِ، وَالْإِبَاقِ وَالْفُجُورِ وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْغَائِلَةَ هِيَ الْجِنَايَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُكْتَبُ فِي عُهْدَةِ الْمَمَالِيكِ لَا دَاءَ،
-
وَلَا غَائِلَةَ عَلَى مَا «كُتِبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَمَا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَهَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ بِهِ، وَلَا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ» ، وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(وَأَمَّا) طَرِيقُ إثْبَاتِ الْعَيْبِ،
-
فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ إثْبَاتِ الْعَيْبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَيْبِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الْعَيْبُ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا شَاهِدًا يَقِفُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَالنَّاقِصَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ وَالسَّاقِطَةِ وَبَيَاضِ الْعَيْنِ وَالْعَوَرِ وَالْقُرُوحِ وَالشِّجَاجِ وَنَحْوِهَا (وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ بَاطِنًا خَفِيًّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا الْخَوَاصُّ مِنْ النَّاسِ، وَهُمْ الْأَطِبَّاءُ، وَالْبَيَاطِرَةُ.
-
(وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ بِأَنْ كَانَ عَلَى فَرْجِ الْجَارِيَةِ أَوْ مَوَاضِعِ الْعَوْرَةِ مِنْهَا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ بِأَنْ كَانَ دَاخِلَ الْفَرْجِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَاةُ كَارْتِفَاعِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْبَوْلِ عَلَى الْفِرَاشِ وَالْجُنُونِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرِيدَ إثْبَاتَ كَوْنِ الْعَيْبِ فِي يَدِهِ لِلْحَالِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ إثْبَاتَ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَالْقَبْضِ فَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَ كَوْنِهِ لِلْحَالِ،
-
فَإِنْ كَانَ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالْحِسِّ وَالْعِيَانِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِنَظَرِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيَّانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَطِبَّاءُ وَالْبَيَاطِرَةُ، فَيَثْبُتُ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، وَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ فَيُسْأَلُونَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ؟ .
-
ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَوْلِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ
-
5/2795/279
الشَّهَادَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ، وَذَكَرَ شَيْخِي الْإِمَامُ الزَّاهِدُ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ رحمه الله فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَثْبُتُ بِقَوْلِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ مِنْهُمْ،
-
وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو الْمَعِينِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ تَصَانِيفِهِ (وَجْهُ) هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا يَتَّصِلُ بِهَا الْقَضَاءُ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِهَا الْخُصُومَةُ، فَقَطْ،
-
فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ ثَبَتَ تَعَبُّدًا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي خَبَرِ الْمُسْلِمِ لَا يَقِفُ عَلَى عَدَدٍ بَلْ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَدَالَةِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ، وَرَدَ بِهِ تَعَبُّدًا، فَيُرَاعَى فِيهِ مَوْرِدُ التَّعَبُّدِ، وَهُوَ شَهَادَةٌ يَتَّصِلُ بِهَا الْقَضَاءُ، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَا يَتَّصِلُ بِهَا الْقَضَاءُ، فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
-
وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ النُّصُوصُ الْمُقْتَضِيَةُ لِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي عُمُومِ الشَّهَادَةِ، وَالْمَعْقُولُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَّصِلُ بِهَا الْقَضَاءُ لَكِنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الْقَضَاءِ لَا وُجُودَ لِلْقَضَاءِ بِدُونِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْعَيْبُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِالرَّدِّ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْقَضَاءِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إثْبَاتِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ، فَالْقَاضِي يُرِيهُنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عز وجل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، وَالنِّسَاءُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَهْلُ الذِّكْرِ،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ مِنْهُنَّ بَلْ يُكْتَفَى بِقَوْلِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ، وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ حُجَّةٌ فِي الشَّرْعِ كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فِي النَّسَبِ.
-
لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرَجِّحُ جَانِبَ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ،
-
وَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ الْعَيْبِ مُبَاحٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا الْبَابِ،
-
وَلَا تُهْمَةَ فِيهِنَّ، وَرُخْصَةُ النَّظَرِ ثَابِتَةٌ لَهُنَّ حَالَةَ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، فَيُلْحَقُ هَذَا بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَاةُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهَا؛ لِكَوْنِهَا مُتَّهَمَةً،
-
وَإِنْ كَانَ فِي دَاخِلِ فَرْجِهَا،
-
فَلَا طَرِيقَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَكَانَ الطَّرِيقُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هُوَ اسْتِحْلَافُ الْبَائِعِ بِاَللَّهِ عز وجل لَيْسَ بِهِ لِلْحَالِ هَذَا الْعَيْبُ.
-
(وَأَمَّا) الْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ، وَالْجُنُونُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْخَبَرِ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِيهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ،
-
فَإِنْ لَمْ يُقِمْ لِلْمُشْتَرِي حُجَّةً عَلَى إثْبَاتِ الْعَيْبِ لِلْحَالِ فِي هَذِهِ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ هَلْ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ؟ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَسَكَتَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: يُسْتَحْلَفُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مُخَالِفُهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ ذُكِرَتْ فِي النَّوَادِرِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحْلَفُ، وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي حَقَّ الرَّدِّ،
-
وَلَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْعَيْبِ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَطَرِيقُ الْإِثْبَاتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ نُكُولُ الْبَائِعِ،
-
فَإِذَا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ يُسْتَحْلَفُ لِيَنْكُلَ الْبَائِعُ، فَيَثْبُتُ الْعَيْبُ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إثْبَاتِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَكُونُ عَقِيبَ الدَّعْوَى عَلَى الْبَائِعِ،
-
وَلَا دَعْوَى لَهُ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَيْبِ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ، فَلَمْ تَثْبُتْ دَعْوَاهُ عَلَى الْبَائِعِ،
-
فَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَقَوْلُهُمَا لَهُ طَرِيقُ الْإِثْبَاتِ، وَهُوَ النُّكُولَ قُلْنَا النُّكُولُ بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ وَانْعِدَامُ الدَّعْوَى يَمْنَعُ الِاسْتِحْلَافَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَافَ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْعُيُوبِ عَلَى الْعِلْمِ لَا عَلَى الْبَتَاتِ وَبِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَبَقَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،
-
وَلَا سَرَقَ وَلَا بَالَ عَلَى الْفِرَاشِ وَلَا جُنَّ،
-
وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَيَّ غَيْرِ فِعْلِهِ.
-
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا لَيْسَ بِفِعْلِهِ،
-
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ أَصْلُهُ خَبَرُ الْمَثْنَوِيِّ،
-
فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَثْبُتْ الْعَيْبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ نَكَلَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ، فَيُحْتَاجُ إلَى الْإِثْبَاتِ عِنْدَهُ.
-
وَإِذَا أَرَادَ إثْبَاتَ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْحُدُوثَ أَصْلًا كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَنَحْوِهَا أَوْ لَا يَحْتَمِلُ حُدُوثَ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ كَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ، وَنَحْوِهَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ بِثُبُوتِ كَوْنِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ الْحُدُوثَ أَوَّلًا يَحْتَمِلُ حُدُوثَ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَمَلُ حُدُوثُ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ كَوْنِهِ عِنْدَ
-
5/2805/280
الْمُشْتَرِي بَلْ يَحْتَاجُ الْمُشْتَرِي إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُحْتُمِلَ حُدُوثُ مِثْلَهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ اُحْتُمِلَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَحَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،
-
فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِالِاحْتِمَالِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ طَبِيبَتَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ طَبِيبَتَيْنِ.
-
وَإِنَّمَا شُرِطَ الْعَدَدُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يُقْضَى بِهَا عَلَى الْخَصْمِ، فَكَانَ الْعَدَدُ فِيهَا شَرْطًا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ الَّتِي يُقْضَى بِهَا عَلَى الْخُصُومِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ يُرَدُّ بِثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،
-
وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالثُّبُوتِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ حُجَّةٌ ضَرُورَةً، وَالضَّرُورَةُ فِي الْقَبُولِ فِي حَقِّ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ لِاحْتِمَالِ الْحُدُوثِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ؛
-
لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ،
-
وَإِذَا كَانَ الثُّبُوتُ عِنْدَ الْبَائِعِ فِيمَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ شَرْطًا لِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ.
-
فَيَقُولُ الْقَاضِي: هَلْ كَانَ هَذَا الْعَيْبُ عِنْدَكَ؟
-
فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، رُدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الرِّضَا أَوْ الْإِبْرَاءَ،
-
وَإِنْ قَالَ: لَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقَّ الرَّدِّ وَهُوَ يُنْكِرُ،
-
فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ الدَّفْعَ أَوْ الْإِبْرَاءَ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَتَنْدَفِعُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَطَلَبَ يَمِينَ الْمُشْتَرِي حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِاَللَّهِ سبحانه وتعالى مَا رَضِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ وَإِلَّا أَبْرَأَهُ عَنْهُ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ مُنْذُ رَآهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الدَّفْعَ بِالرِّضَا وَالْإِبْرَاءَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِفَسْخِ الْعَقْدِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الرِّضَا وَالْإِبْرَاءِ وَالْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَفْسَخُ مَا لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا رَضِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ وَلَا أَبْرَأَهُ عَنْهُ وَلَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ مَا عَلِمَ بِهِ مِنْ الْعَيْبِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِالْفَسْخِ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالدَّفْعِ بِدَعْوَى الرِّضَا وَالْإِبْرَاءِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَيُفْسَخُ قَضَاؤُهُ، فَكَانَ الِاسْتِحْلَافُ قَبْلَ الْفَسْخِ فِيهِ صِيَانَةٌ لِلْقَضَاءِ عَنْ النَّقْضِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَ الْمُشْتَرِي فَتَحْلِيفُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْخَصْمِ إنْشَاءُ الْخُصُومَةِ، وَالْقَاضِي نُصِّبَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ لَا لِإِنْشَائِهَا، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِي هَذَا صِيَانَةَ قَضَاءِ الْقَاضِي عَنْ الْفَسْخِ فَنَقُولُ: الصِّيَانَةُ حَاصِلَةٌ بِدُونِهِ؛
-
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِ الرِّضَا مِنْ الْمُشْتَرِي، إذْ لَوْ عَلِمَ لَادَّعَى الدَّفْعَ بِدَعْوَى، وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ دَعْوَى الدَّفْعِ عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الرِّضَا مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يَدَّعِي الدَّفْعَ بَعْدَ ذَلِكَ.
-
وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى إثْبَاتِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي يَمِينَهُ فَفِيمَا سِوَى الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ بِعْتُهُ وَسَلَّمْتُهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الِاسْتِحْلَافِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْبَيْعِ يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْدُثَ الْعَيْبُ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا احْتِيَاطَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحْلِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَمِنْ الْجَائِزِ حُدُوثُ الْعَيْبِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيَكُونُ الْبَائِعُ صَادِقًا فِي يَمِينِهِ؛
-
لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ وُجُودُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ جَمِيعًا فَلَا يَحْنَثُ بِوُجُودِهِ فِي أَحَدِهِمَا فَيَبْطُلُ حَقُّ الْمُشْتَرِي فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي هَذَا الِاسْتِحْلَافِ عَلَى حَاصِلِ الدَّعْوَى بِاَللَّهِ عز وجل مَا لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِهَذَا الْعَيْبِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ سَلَّمْتُهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ الَّذِي يَدَّعِي وَهُوَ صَحِيحٌ؛
-
لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالْحَادِثُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.
-
وَإِنَّمَا لَمْ يُسْتَحْلَفْ عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحْلِفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ " وَهُوَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ " بِصِفَةِ السَّلَامَةِ ثُمَّ إذَا حَلَفَ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ نَكَلَ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ إلَّا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ أَوْ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ أَوْ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَيَبْرَأُ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَطَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُشْتَرِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ،
-
وَلَا يُحَلِّفْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.