فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعHanafimasa’il 46070 to 47200
-
7/3447/344
وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ رضي الله عنهم : الْوَصِيَّةُ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبِيهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله إنَّ الذُّكُورَ مَعَ الْإِنَاثِ إذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ الذُّكُورُ الْإِنَاثَ، وَيَتَنَاوَلُ اسْمَ الذُّكُورِ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ حَالَةَ الِانْفِرَادِ؛ وَلِهَذَا تَتَنَاوَلُ الْخِطَابَاتِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِاسْمِ الْجَمْعِ الذُّكُورَ، وَالْإِنَاثَ جَمِيعًا، فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَهُمَا اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْبَنِينَ جَمْعُ ابْنٍ، وَالِابْنُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ حَقِيقَةً.
-
وَكَذَا الْبَنُونَ، فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الذُّكُورَ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُنَّ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا حَالَةُ الِاجْتِمَاعِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي خِطَابَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إنَّ خِطَابَ الذُّكُورِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ بِصِيغَتِهِ بَلْ بِدَلِيلٍ زَائِدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النِّسَاءَ شَكَوْنَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى يُخَاطِبُ الرِّجَالَ دُونَنَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الْآيَةَ،
-
فَلَوْ كَانَ خِطَابُ الرِّجَالِ يَتَنَاوَلُهُنَّ لَمْ يَكُنْ لِشِكَايَتِهِنَّ مَعْنًى،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فُلَانٌ أَبَا قَبِيلَةٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ فَخِذٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْقَبِيلَةِ، وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ لَا يُرَادُ بِهَا الْأَعْيَانُ.
-
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى الْقَبِيلَةِ، وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي النِّسْبَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلِهَذَا يَتَنَاوَلُ الِاسْمُ الْإِنَاثَ مِنْهُمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ ذَكَرٌ،
-
وَلَا يَتَنَاوَلُ الِاسْمُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ الْمَعْرُوفِ الْإِنَاثَ اللَّاتِي لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ،
-
فَإِنْ كَانَ لِفُلَانٍ بَنُو صُلْبٍ وَبَنُو ابْنٍ، فَالْوَصِيَّةُ لِبَنِي الصُّلْبِ؛ لِأَنَّهُمْ بَنُوهُ فِي الْحَقِيقَةِ (وَأَمَّا) بَنُو الِابْنِ، فَبَنُو بَنِيهِ حَقِيقَةً لَا بَنُوهُ، وَإِنَّمَا يُسَمَّوْنَ بَنِيهِ مَجَازًا، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَنُو الصُّلْبِ، فَالْوَصِيَّةُ لِبَنِي الِابْنِ؛ لِأَنَّهُمْ بَنُوهُ مَجَازًا، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ.
-
وَأَمَّا أَبْنَاءُ الْبَنَاتِ، فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ كَأَبْنَاءِ الْبَنِينَ، وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ لِصُلْبِهِ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ يَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فَقَدْ وُجِدَ مَنْ يَسْتَحِقُّ كُلَّ الْوَصِيَّةِ،
-
فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِمْ،
-
وَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ لِصُلْبِهِ؛ صُرِفَ نِصْفُ الثُّلُثِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ فِي الْوَاحِدِ مَعْنَى الْجَمْعِ،
-
فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَاحِدُ كُلَّ الْوَصِيَّةِ بَلْ النِّصْفَ، وَيُرَدُّ النِّصْفُ الْبَاقِي إلَى، وَرَثَةِ الْمُوصِي،
-
وَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ، وَاحِدٌ لِصُلْبِهِ وَابْنُ
-
7/3457/345
ابْنِهِ، فَالنِّصْفُ لِابْنِهِ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَعِنْدَهُمَا النِّصْفُ لِابْنِهِ، وَمَا بَقِيَ، فَلِابْنِ ابْنِهِ،
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ،
-
وَإِذَا صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً سَقَطَ الْمَجَازُ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِلثَّابِتِ الْمُسْتَقِرِّ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمَجَازُ مَا انْتَقَلَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي مَحَلِّهِ، وَمُنْتَقِلًا عَنْ مَحَلِّهِ.
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ بَنَاتٌ وَبَنُو ابْنٍ،
-
فَلَا شَيْءَ لِلْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَفِي قَوْلِهِمَا هُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَدُ الصُّلْبِ إذَا كَانَ حَيًّا يَسْقُطُ مَعَهُ، وَلَدُ الْوَلَدِ غَيْرَ أَنَّ وَلَدَ الصُّلْبِ هَهُنَا الْبَنَاتُ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَاسْمُ الْبَنِينَ لَا يَتَنَاوَلُ الْبَنَاتِ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَعَلَى أَصْلِهِمَا تُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يُجَزْ أَوْلَادُ الْوَلَدِ بِالْوَصِيَّةِ، وَيَتَنَاوَلُهُمَا الِاسْمُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، وَصَارُوا كَالْبَطْنِ الْوَاحِدِ، فَيَشْتَرِكُ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ،
-
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِإِخْوَةِ فُلَانٍ، وَهُمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - هُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله هُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ لَا يُزَادُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى، وَالْحُجَجُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
-
وَلَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، فَالذَّكَرُ فِيهِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ اسْمٌ لِلْمَوْلُودِ، وَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَى،
-
وَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ حَامِلٌ دَخَلَ مَا فِي بَطْنِهَا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ،
-
ثُمَّ الْحَمْلُ يَدْخُلُ فِي الْمِيرَاثِ، فَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ بَنَاتٌ وَبَنُو ابْنٍ، فَالْوَصِيَّةُ لِبَنَاتِهِ دُونَ بَنِي ابْنِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ لِلْبَنَاتِ بِانْفِرَادِهِنَّ حَقِيقَةٌ وَلِأَوْلَادِ الِابْنِ مَجَازٌ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدُ صُلْبٍ، فَالْوَصِيَّةُ لِوَلَدِ الِابْنِ يَسْتَوِي فِيهِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ، فَيُعْمَلُ بِالْمَجَازِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِيهَا كَوَلَدِ الْبَنِينَ، وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا أَخَذَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ، فَصَارَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله رِوَايَتَانِ (وَجْهُ) رِوَايَةِ الْخَصَّافِ أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَى أَبَوَيْهِ جَمِيعًا؛
-
لِأَنَّهُ وَلَدُ أَبِيهِ وَوَلَدُ أُمِّهِ حَقِيقَةً لِانْخِلَاقِهِ مِنْ مَائِهِمَا جَمِيعًا،
-
ثُمَّ وَلَدُ ابْنِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَكَذَا وَلَدُ بِنْتِهِ؛ وَلِهَذَا يُضَافُ أَوْلَادُ سَيِّدَتِنَا، فَاطِمَةَ رضي الله عنها إلَى أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَقَالَ ﷺ لِلْحَسَنِ رضي الله عنه إنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ» .
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَالَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رضي الله عنهما إنَّ ابْنَيَّ لَسَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
-
وَكَذَا يُقَالُ لِسَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَسَبُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَى أَبُ الْأُمِّ قَالَ الشَّاعِرُ
-
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
-
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ وَإِلَى أُمِّهِ قُلْنَا: نَعَمْ، وَبِنْتُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ حَقِيقَةً، فَكَانَ وَلَدُهَا وَلَدَهُ حَقِيقَةً بِوَاسِطَتِهَا حَتَّى تَثْبُتَ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْأَوْلَادِ فِي حَقِّهِ، كَمَا تَثْبُتُ فِي أَوْلَادِ الْبَنِينَ إلَّا أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأُمَّهَاتِ مَهْجُورٌ عَادَةً،
-
فَلَا يُنْسَبُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَى آبَاءِ الْأُمَّهَاتِ بِوَسَاطَتِهِنَّ،
-
وَلَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ النِّسْبَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَأَوْلَادُ سَيِّدَتِنَا، فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ تُهْجَرْ نِسْبَتُهُمْ إلَيْهَا، فَيُنْسَبُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَاسِطَتِهَا،
-
وَقِيلَ إنَّهُمْ خُصُّوا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عليه الصلاة والسلام تَشْرِيفًا وَإِكْرَامًا لَهُمْ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ رحمه الله فِي هَذَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ بَنِي بِنْتٍ بَنُو أَبِيهِمْ إلَّا أَوْلَادَ، فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَإِنَّهُمْ أَوْلَادِي» ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ، فَالثُّلُثُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ الْوَاحِدَ، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً،
-
وَلَا يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ قَالَ هِشَامٌ: سَأَلَتْ مُحَمَّدًا عَنْ رَجُلٍ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَقَالَ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ ابْنَيَّ،
-
ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، فَكَمْ يُجْعَلُ لِلْمُوصَى لَهُ قَالَ: ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ إنْ شَاءُوا أَعْطُوهُ أَقَلَّ الْأَنْصِبَاءِ قُلْت لَهُ:
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ، وَابْنٌ قَالَ: فَكَذَلِكَ أَيْضًا قُلْت
-
7/3467/346
فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ وَبِنْتٌ أَوْ ابْنَانِ وَبِنْتَانِ أَوْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَقَالَ: قَدْ أَوْصَيْت: لِفُلَانٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ ابْنِي، فَقَالَ: يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ فِي هَذَا نَصِيبُ ابْنٍ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: أَحَدَ ابْنِي وَلَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ عُلِمَ أَنَّهُ سَمَّى الْأُنْثَى ابْنًا لِاجْتِمَاعِهَا مَعَ الذَّكَرِ، فَدَخَلَتْ فِي الْكَلَامِ، فَكَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْمِلُوا الْوَصِيَّةَ عَلَى نَصِيبِهِمَا،
-
وَإِذَا كَانَ لَهُ بَنُونَ، وَبَنَاتٌ أَوْ ابْنَانِ وَبَنَاتٌ فَقَالَ: أَحَدُ بَنِيَّ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ، فَتُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى نَصِيبِ، وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ نَصِيبِ الْبَنَاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله :
-
فَإِذَا كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَابْنٌ أَوْ ابْنٌ وَبِنْتَانِ أَوْ ابْنٌ وَبَنَاتٌ فَالِابْنُ وَحْدَهُ لَا يَكُونُ بَنِينَ.
-
وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْإِنَاثِ مَعَهُ، فَحُمِلَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِهِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ،
-
وَإِنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ عَلَى الذُّكُورِ إلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ.
-
وَلَوْ أَوْصَى لِيَتَامَى بَنِي فُلَانٍ فَإِنْ كَانَ يَتَامَاهُمْ يُحْصَوْنَ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ، وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ، فَأَمْكَنَ إيقَاعُهَا تَمْلِيكًا مِنْهُمْ، فَصَحَّتْ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِيَتَامَى هَذِهِ السِّكَّةِ، أَوْ هَذِهِ الدَّارِ، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَنْ مَاتَ أَبُوهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَهَذَا لَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَقْرِ وَالْغِنَى.
-
وَقَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾
-
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» قَدْ سُمُّوا يَتَامَى،
-
وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ، فَكُلُّ صَغِيرٍ مَاتَ أَبُوهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ،
-
وَمَنْ لَا فَلَا، فَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَتُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُرِفَتْ إلَى الْأَغْنِيَاءِ لَبَطَلَتْ لِجَهَالَةِ الْمُوصَى لَهُ،
-
وَلَوْ صُرِفَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ لَجَازَتْ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَإِخْرَاجٌ لِلْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مَعْلُومٌ، وَأَمْكَنَ أَنْ تُجْعَلَ الْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ لُغَةً لَكِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ سَبَبِ الْحَاجَةِ، وَعَمَّا يُوجِبُ الْحَاجَةَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الصِّغَرَ وَالِانْفِرَادَ عَنْ الْأَبِ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ إذْ الصَّغِيرُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ،
-
وَلَا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِإِيصَالِ مَنَافِعَ مَالِهِ إلَيْهِ،
-
وَكَذَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِ مَالِهِ، واسْتِنْمائِهِ،
-
وَلَا بَقَاءَ لِلْمَالِ عَادَةً إلَّا بِالْحِفْظِ وَالِاسْتِنْمَاء، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيَصِيرُ فِي الْحُكْمِ كَمَنْ انْقَطَعَتْ عَلَيْهِ مَنَافِعُ مَالِهِ بِسَبَبِ بُعْدِهِ عَنْ مَالِهِ، وَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ، فَصَارَ الِاسْم بِهَذِهِ الْوَسَاطَةِ مُنْبِئًا عَنْ الْحَاجَةِ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَعَلَ اللَّهُ لِلْيَتَامَى سَهْمًا مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ .
-
وَقَالَ تبارك وتعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ هَذَا التَّصَرُّفِ بِجَعْلِهِ إيصَاءً بِالصَّدَقَةِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى لِزَمْنَى بَنِي فُلَانٍ أَوْ لِعُمْيَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى سَبَبِ الْحَاجَةِ عَادَةً، وَهُوَ الزَّمَانَةُ، وَالْعَمَى،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُ تَصْحِيحُهُ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ بِجَهَالَةِ الْمُوصَى لَهُمْ،
-
وَلَا بِطَرِيقِ الْإِيصَاءِ بِالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِ الِابْنِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ،
-
وَلَا مَا يُوجِبُ الْحَاجَةَ، وَهَهُنَا، بِخِلَافِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ،
-
ثُمَّ إذَا صَحَّتْ، وَانْصَرَفَتْ الْوَصِيَّةُ إلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الْيَتَامَى،
-
فَإِنْ صُرِفَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَصَاعِدًا؛ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ صُرِفَ جَمِيعُ الثُّلُثِ إلَى، وَاحِدٍ؛ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَالْأَفْضَلُ لِلْمُوصِي أَنْ يَصْرِفَ إلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظُ، وَتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْمُوصِي،
-
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَرَامِلِ بَنِي فُلَانٍ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ سَوَاءٌ كُنَّ يُحْصَيْنَ، أَوْ لَا يُحْصَيْنَ أَمَّا إذَا كُنَّ يُحْصَيْنَ،
-
فَلَا يُشْكِلُ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ تَمْلِيكًا مِنْهُنَّ بِأَعْيَانِهِنَّ؛ لِكَوْنِهِنَّ مَعْلُومَاتٍ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا كُنَّ لَا يُحْصَيْنَ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْمِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْمَلَةَ اسْمٌ لِامْرَأَةٍ بَالِغَةٍ، فَارَقَتْ زَوْجَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله .
-
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ: الْأَرْمَلَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَرْمَلَ الْقَوْمُ، فَهُمْ مُرْمِلُونَ إذَا فَنِيَ زَادُهُمْ وَمَنْ فَنِيَ زَادُهُ كَانَ مُحْتَاجًا، فَكَانَ فِي الِاسْمُ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ، فَتَقَعُ وَصِيَّةً بِالصَّدَقَةِ، وَإِخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ تبارك وتعالى وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى وَاحِدٌ مَعْلُومٌ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الرِّجَالُ الَّذِينَ فَارَقُوا أَزْوَاجَهُمْ؟
-
قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: رضي الله عنهم لَا يَدْخُلُونَ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله يَدْخُلُ فِي كُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ كَرْمَةِ فُلَانٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُتَبِيُّ، وَاحْتَجَّا بِقَوْلِ جَرِيرٍ الشَّاعِرِ
-
7/3477/347
هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَيْتَ حَاجَتَهَا … فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
-
أَطْلَقَ اسْمَ الْأَرْمَلِ عَلَى الرَّجُلِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الِاسْمِ لِلْمَرْأَةِ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ اللُّغَةِ رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبِيدٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وَأَقْرَانُهُمْ كَمَا رُوِينَا عَنْ الْخَلِيلِ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَقْرَانِهِمَا.
-
وَقَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: امْرَأَةٌ أَرْمَلَةُ،
-
وَلَا يُقَالُ: رَجُلٌ أَرْمَلُ إلَّا فِي الْمَلِيحِ مِنْ الشِّعْرِ.
-
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ رحمه الله لَا يُقَالُ: رَجُلٌ أَرْمَلُ إلَّا فِي الشِّعْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الِاسْمَ لَمَّا كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمْ أَرْمَلَ الْقَوْمُ إذَا، فَنِيَ زَادُهُمْ، فَالْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي فَنِيَ زَادُهَا بِمَوْتِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْمَرْأَةِ،
-
فَإِذَا مَاتَ، فَقَدْ فَنِيَ زَادُهَا، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ جَرِيرٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَلِيحِ الشِّعْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ أَوْ هُوَ شَاذٌّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، أَوْ لِازْدِوَاجِ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .
-
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ .
-
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر:
-
، فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي … مَدَى الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكِحِي أَتَأَيَّمْ
-
(وَمَعْلُومٌ) أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُسَمَّى أَيِّمًا لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِازْدِوَاجِهِ بِقَوْلِهِ،
-
وَإِنْ تَتَأَيَّمِي كَذَا هَهُنَا، وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا لَا يُذْكَرُ إلَّا لِضَرُورَةِ تَمْلِيحِ الشِّعْرِ، وَازْدِوَاجِ الْكَلَامِ، أَوْ فِي الشُّذُوذِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا تَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْأَفْهَام وَالْأَوْهَامُ، وَذَلِكَ مَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ أَوْصَى لِأَيَامَى بَنِي فُلَانٍ،
-
فَإِنْ كُنَّ يُحْصَيْنَ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كُنَّ لَا يُحْصَيْنَ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْأَيِّمِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ لِتُجْعَلَ، وَصِيَّتَهُ بِالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْأَيِّمَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِامْرَأَةٍ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا، وَفَارَقَهَا زَوْجُهَا، وَشَرَحَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله قَالَ الْأَيِّمُ كُلُّ امْرَأَةٍ جُومِعَتْ بِنِكَاحٍ جَائِزٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ فُجُورٍ،
-
وَلَا زَوْجَ لَهَا غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ،
-
فَلَا يَكُونُ إيصَاءً بِالتَّصَدُّقِ،
-
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِأَرَامِلِ بَنِي فُلَانٍ، وَهُنَّ لَا يُحْصَيْنَ إنَّهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَرْمَلَةِ يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَجُعِلَ وَصِيَّةً بِالصَّدَقَةِ،
-
ثُمَّ إذَا كُنَّ يُحْصَيْنَ حَتَّى جَازَتْ الْوَصِيَّةُ يَدْخُلُ فِيهَا الصَّغِيرَةُ، وَالْبَالِغَةُ، وَالْغَنِيَّةُ وَالْفَقِيرَةُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ فِي اللُّغَةِ لَا يَتَعَرَّضُ لِمَا سِوَى الْأُنُوثَةِ وَحُلُولِ الْجِمَاعِ بِهَا فِي قُبُلِهَا وَفِرَاقِهَا زَوْجَهَا.
-
وَقَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ حَتَّى يَجُوزَ إنْكَاحُ الصِّغَارِ، كَمَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْكِبَارِ،
-
وَكَذَا لَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَقْرِ وَالْغِنَى؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ،
-
وَلَوْ كَانَ مُتَعَرِّضًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ مَعْنًى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَيِّمَ اسْمٌ لِامْرَأَةِ جُومِعَتْ فِي قُبُلهَا، فَارَقَهَا زَوْجُهَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
-
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ الْبَلْخِيّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - إنَّ الْجِمَاعَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ.
-
وَكَذَا الْأُنُوثَةُ بَلْ يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا وَعَلَى الْبِكْرِ، وَيَقَعُ عَلَى الرَّجُلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَاحْتَجَّا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ
-
إنَّ الْقُبُورَ تَنْكِحُ الْأَيَامَى … النِّسْوَةَ الْأَرَامِلَ الْيَتَامَى
-
، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَبْرَ يَضُمُّ الْبِكْرَ إلَى نَفْسِهِ كَمَا يَضُمُّ الثَّيِّبَ.
-
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
-
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي … مَدَى الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكِحِي أَتَأَيَّمْ
-
أَيْ أَمْكُثُ بِلَا زَوْجٍ مَا مَكَثْتِ أَنْتِ بِلَا زَوْجٍ.
-
وَقَالَ آخَرُ:
-
فَلَا تَنْكِحَنْ جَبَّارَةً إنَّ شَرَّهَا … عَلَيْك حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَيَّمَا
-
، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ مَا حَكَيْنَا عَنْ نَقَلَةِ اللُّغَةِ، وَهُمْ أَهْلُ دَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ، فَيُقْبَلُ نَقْلُهُمْ إيَّاهُ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ، وَمَا وَرَدَ فِي اسْتِعْمَالِ بَعْضِ الْفُصَحَاءِ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ إمَّا بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ، وَالِازْدِوَاجِ أَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَ لَهَا الِاسْمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأُنُوثَةَ أَصْلٌ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ أَنَّهُ لَا يُدْخَلُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ فِيهِ يُقَالُ: امْرَأَةٌ أَيِّمٌ،
-
وَلَا يُقَالُ أَيِّمَةٌ، وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَى لَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِإِدْخَالِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ فِي الْمَرْأَةِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي صِفَةِ الْأَيِّمِ جُومِعَتْ بِفُجُورٍ، أَوْ غَيْرِ فُجُورٍ مَذْهَبُهُمَا،
-
فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله الَّتِي جُومِعَتْ بِفُجُورٍ لَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الَّتِي جُومِعَتْ بِفُجُورٍ بِكْرٌ لَا أَيِّمٌ عِنْدَهُ حَتَّى
-
7/3487/348
تُزَوَّجَ، كَمَا تُزَوَّجُ الْأَبْكَارُ عِنْدَهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا أَيِّمٌ حَقِيقَةً لِوُجُودِ الْجِمَاعِ إلَّا أَنَّهَا تُزَوَّجُ كَمَا تُزَوَّجُ الْأَبْكَارُ عِنْدَهُ لِمُشَارَكَتِهَا الْأَبْكَارَ عِنْدَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ السُّكُوتُ مَقَامَ الرِّضَا نُطْقًا فِي حَقِّهَا بِاعْتِبَارِ السُّكُوتِ، وَهُوَ الْحَيَاءُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ،
-
وَلَوْ أَوْصَى لِكُلِّ ثَيِّبٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كُنَّ يُحْصَيْنَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ كُلُّ امْرَأَةٍ جُومِعَتْ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ بَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَقِيرَةُ وَالْغَنِيَّةُ وَالصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ؛
-
لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ.
-
وَقَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أَدْخَلَ فِيهِ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، وَالْفَقِيرَاتِ وَالْغَنِيَّاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُنَّ دَخَلْنَ فِيمَا يُقَابِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى ، وَأَبْكَارًا فَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ثَيِّبَاتٍ فَدَلَّ الْأَمْرُ عَلَى اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الثَّيِّبَاتِ بِالْأَبْكَارِ، وَهُنَّ اللَّاتِي لَمْ يُجَامَعْنَ، فَكَانَتْ الثَّيِّبَاتُ اللَّاتِي جُومِعْنَ لِتَصِحَّ الْمُقَابَلَةُ،
-
وَلَا تُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهَا زَوْجَهَا،
-
بِخِلَافِ الْأَرْمَلَةِ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ كَذَا تَقْتَضِي، فَيُتَّبَعُ فِيهِ وَضْعُ أَرْبَابِ اللُّغَةِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّجُلَ حَقِيقَةً،
-
وَإِنْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إطْلَاقٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِلِازْدِوَاجِ وَالْمُقَابَلَةِ،
-
وَإِنْ كُنَّ لَا يُحْصَيْنَ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِاسْمِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ اسْمٌ لِأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ عليه الصلاة والسلام جُومِعَتْ، وَلَيْسَ فِي الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِّ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ،
-
فَلَا يُرَادُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ إلَّا التَّمْلِيكُ وَالْمُتَمَلِّكُ مَجْهُولٌ،
-
فَلَا يَصِحُّ، وَلَوْ أَوْصَى لِكُلِّ بِكْرٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ يَجُوزُ إذَا كُنَّ مَحْصُوَّاتٍ لَمَا قُلْنَا، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ الْغَنِيَّةُ وَالْفَقِيرَةُ إذْ الْبِكْرُ اسْمٌ لِامْرَأَةٍ لَمْ تُجَامَعْ بِنِكَاحٍ،
-
وَلَا غَيْرِهِ كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله ، وَإِطْلَاقُ هَذَا الِاسْمِ عَلَى الذَّكَرِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَهُوَ الْمَجَازُ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ وَالِازْدِوَاجِ، أَوْ كَانَ لَهَا حَقِيقَةً،
-
ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُتَعَارَفِ الْخَلْقِ عَلَى الْأُنْثَى، فَصَارَ بِحَالٍ لَا تَنْصَرِفُ أَوْهَامُ النَّاسِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ إلَّا إلَى الْأُنْثَى، فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى الْمَجَازِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ عُذْرَتُهَا زَالَتْ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالْوَثْبَةِ، أَوْ بِذَرُورِ الدَّمِ تَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُجَامَعْ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ خَالَفَ مُحَمَّدًا رحمه الله قَالُوا إنَّ هَذِهِ أَيْضًا لَا تَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبِكْرٍ،
-
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله لِمَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله أَنَّ الَّتِي زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِفُجُورٍ لَا تَكُونُ بِكْرًا،
-
وَلَا تَكُونُ لَهَا، وَصِيَّةٌ.
-
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِي رحمه الله : إنَّ هَذَا قَوْلَهُمَا (فَأَمَّا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، فَإِنَّهَا بِكْرٌ، وَتَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبِكْرٍ حَقِيقَةً لِعَدَمِ حَدِّ الْبَكَارَةِ، وَإِنَّمَا تُزَوَّجُ تَزَوُّجَ الْأَبْكَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
وَلَوْ أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَاتِهِ، أَوْ لِأَنْسَابِهِ أَوْ لِأَرْحَامِهِ، أَوْ لِذَوِي أَرْحَامِهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْخَمْسَةُ سَوَاءٌ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِلْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - يُعْتَبَرُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الرَّحِمُ الْمَحْرَمُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَجَمْعُ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا،
-
وَأَنْ يَكُونَ سِوَى الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ،
-
وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ، وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِلْعَلَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ يُصْرَفُ الثُّلُثُ إلَى مَنْ اتَّصَلَ بِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ، وَبِسَيِّدِنَا الْعَبَّاسِ رضي الله عنهما لَا إلَى مَنْ فَوْقَهُمَا مِنْ الْآبَاءِ،
-
وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ: اعْتِبَارُ جَمْعِ الْوَصِيَّةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ (أَمَّا) الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ لَفْظَ ذَوِي: لَفْظُ جَمْعٍ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَفِي بَابِ الْمِيرَاثِ كَذَلِكَ،
-
فَإِنَّ الثِّنْتَيْنِ مِنْ الْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ أُلْحِقَتَا بِالثَّلَاثِ، فَصَاعِدًا فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ، وَحَجْبُ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ عَلَى مَا مَرَّ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ اسْتَحَقَّ الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا كُلَّ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذِي لَيْسَ بِلَفْظِ جَمْعٍ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ لَا يُسَمَّيَانِ قَرَابَتَيْنِ عُرْفًا وَحَقِيقَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَصْلٌ، وَالْوَلَدَ فَرْعُهُ وَجُزْؤُهُ، وَالْقَرِيبُ مَنْ يَقْرُبُ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْ نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْقَرِيبِ.
-
وَقَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ عَطَفَ الْأَقْرَبَ عَلَى الْوَالِدِ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ فِي الْأَصْلِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ فِي
-
7/3497/349
هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهَا الْجَدُّ وَوَلَدُ الْوَلَدِ؟ ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَوَلَدَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الْوَالِدُ، وَالْوَلَدُ كَذَا الْجَدُّ وَوَلَدُ الْوَلَدِ (وَأَمَّا) الثَّالِثُ فَلِمَا رُوِينَا عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا، وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُعْتَبَرُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ، فَالْأَقْرَبُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُعْتَبَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَرِيبَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنَى، وَهُوَ الْقُرْبُ، وَقَدْ وُجِدَ الْقُرْبُ، فَيَتَنَاوَلُ الرَّحِمَ الْمَحْرَمَ، وَغَيْرَهُ وَالْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَالْإِخْوَةُ لِأُمٍّ؛
-
لِكَوْنِهِ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنْ الْأُخُوَّةِ كَذَا هَذَا.
-
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَخَصَّ، وَعَمَّ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ تبارك وتعالى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا يَا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ ضَرًّا، وَلَا نَفْعًا» ،
-
وَكَذَلِكَ قَالَ عليه الصلاة والسلام لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ وَذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ، فَدَلَّ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ قَرِيبٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ لِتَعَذُّرِ إدْخَالِ أَوْلَادِ سَيِّدِنَا آدَمَ عليه الصلاة والسلام فِيهِ، فَتُعْتَبَرُ النِّسْبَةُ إلَى أَقْصَى أَبٍ فِي الْإِسْلَامِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الْإِسْلَامُ صَارَتْ الْمَعْرِفَةُ بِالْإِسْلَامِ، وَالشَّرَفُ بِهِ، فَصَارَ الْجَدُّ الْمُسْلِمُ هُوَ النَّسَبُ، فَتَشَرَّفُوا بِهِ،
-
فَلَا يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ أَوْ الرَّحِمِ، فَالْقَرَابَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ قَرَابَةُ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ؛ وَلِأَنَّ مَعْنَى الِاسْمِ يَتَكَامَلُ بِهَا.
-
وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنْ الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ فَنَاقِصٌ، فَكَانَ الِاسْمُ لِلرَّحِمِ الْمُحْرَمِ لَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ،
-
فَأَمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا أَوْ عَامًّا،
-
وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُتَجَانِسٌ،
-
وَلَا إلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُتَفَاوِتٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ لِمَا قُلْنَا حَقِيقَةً، وَلِغَيْرِهِ مَجَازًا،
-
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الِاسْمِ، وَهُوَ الْإِخْوَةُ لَا يَتَفَاوَتُ، فَكَانَ اسْمًا عَامًا، فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ هُوَ صِلَةُ الْقَرَابَةِ، وَهَذِهِ الْقَرَابَةُ هِيَ وَاجِبَةُ الْوَصْلِ مُحَرَّمَةُ الْقَطْعِ لَا تِلْكَ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الدَّيِّنِ الْمُسَارَعَةُ إلَى إقَامَةِ الْوَاجِبِ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْإِخْوَةِ وَاجِبَةُ الْوَصْلِ مُحَرَّمَةُ الْقَطْعِ عَلَى اخْتِلَافِ جِهَاتِهَا، فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - عَلَى زَعْمِهِمَا كَانَ يَسْتَقِيمُ فِي زَمَانِهِمَا؛ لِأَنَّ أَقْصَى أَبِ الْإِسْلَامِ كَانَ قَرِيبًا يَصِلُ إلَيْهِ بِثَلَاثَةِ آبَاءٍ أَوْ أَرْبَعَةِ آبَاءٍ، فَكَانَ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا،
-
فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا، فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ عَهْدَ الْإِسْلَامِ قَدْ طَالَ، فَتَقَعُ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ مَجْهُولِينَ،
-
فَلَا تَصِحُّ إلَّا أَنْ نَقُولَ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ وَأَوْلَادِ جَدِّهِ وَأَوْلَادِ جَدِّ أَبِيهِ وَإِلَى أَوْلَادِ أُمِّهِ وَأَوْلَادِ جَدَّتِهِ وَجَدَّةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا، فَيُصْرَفُ إلَيْهِمْ،
-
فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ،
-
فَإِنْ تَرَكَ عَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ، وَهُمْ لَيْسُوا بِوَرَثَتِهِ بِأَنْ مَاتَ، وَتَرَكَ ابْنًا وَعَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْعَمَّيْنِ لَا لِلْخَالَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ، فَالْأَقْرَبُ، وَالْعَمَّانِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْخَالَيْنِ، فَكَانَا أَوْلَى بِالْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَهُمَا الْوَصِيَّةُ تَكُونُ بَيْنَ الْعَمَّيْنِ، وَالْخَالَيْنِ أَرْبَاعًا؛
-
لِأَنَّ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا.
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَاحِدٌ وَخَالَانِ، فَلِلْعَمِّ نِصْفُ الثُّلُثِ، وَلِلْخَالَيْنِ النِّصْفُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ حَصَلَتْ بِاسْمِ الْجَمْعِ، وَأَقَلُّ مَنْ يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْجَمْعِ فِي الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ،
-
فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَمُّ الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَنْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِثْلُهُ،
-
وَإِذَا اسْتَحَقَّ هُوَ النِّصْفَ بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ أَقْرَبَ مِنْ الْخَالَيْنِ، فَكَانَ لَهُمَا، وَعِنْدَهُمَا يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَنِصْفُ الثُّلُثِ لِعَمِّهِ، وَالنِّصْفُ يُرَدُّ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَّ الْوَاحِدَ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَتَبْطُلُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ، وَعِنْدَهُمَا يُصْرَفُ النِّصْفُ الْآخَرُ إلَى ذِي الرَّحِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْرَمٍ.
-
وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ بَيْتِهِ يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ جَمْعِهِ آبَاؤُهُمْ أَقْصَى أَبٍ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى أَنَّ الْمُوصِيَ لَوْ كَانَ عَلَوِيًّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه
-
7/3507/350
مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ عَبَّاسِيًّا يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعَبَّاسِ رضي الله عنه مِنْ قِبَلِ الْأَبِ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بَعْدَ إنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَهْلُ بَيْتِ النَّسَبِ وَالنَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ وَأَوْلَادِ النِّسَاءِ آبَاؤُهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ،
-
فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْإِنْسَانِ أَبُوهُ وَمَنْ يُنْسَبُ إلَى بَيْتِهِ، فَالْأَبُ أَصْلُ الْبَيْتِ، فَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ مَنْ تَقَرَّبَ إلَى الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ لَا بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَبٍ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِنَسَبِهِ أَوْ حَسَبِهِ، فَهُوَ عَلَى قَرَابَتِهِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ كَانَ آبَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
-
وَكَذَلِكَ الْحَسَبُ، فَإِنَّ الْهَاشِمِيَّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً، فَوَلَدَتْ مِنْهُ يُنْسَبُ الْوَلَدُ إلَيْهِ لَا إلَى أُمِّهِ، وَحَسْبُهُ أَهْلُ بَيْتِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، فَثَبَتَ أَنَّ النَّسَبَ وَالْحَسَبَ يَخْتَصُّ بِالْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى لِجِنْسِ فُلَانٍ، فَهُمْ بَنُو الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ،
-
وَلَا يَتَجَنَّسُ بِأُمِّهِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ جِنْسَهُ فِي النَّسَبِ.
-
وَكَذَلِكَ اللُّحْمَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِنْسِ، وَذَكَر الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، فَالْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجِنْسُ وَاللُّحْمَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الطَّرَفَيْنِ،
-
بِخِلَافِ الْجِنْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِآلِ فُلَانٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ لِأَهْلِ بَيْتِ فُلَانٍ،
-
فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ قَرَابَةِ الْأُمِّ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ،
-
وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ فُلَانٍ، فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجَةِ فُلَانٍ خَاصَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هَذَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ يَعُولُهُمْ فُلَانٌ مِمَّنْ تَضُمُّهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْأَحْرَارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ زَوْجَتُهُ وَالْيَتِيمُ فِي حِجْرِهِ، وَالْوَلَدُ إذَا كَانَ يَعُولُهُ،
-
فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا قَدْ اعْتَزَلَ عَنْهُ، أَوْ كَانَ بِنْتًا قَدْ تَزَوَّجَتْ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَمَالِيكُهُ،
-
وَلَا وَارِثُ الْمُوصِي، وَلَا الْمُوصَى لِأَهْلِهِ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْأَهْلَ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى خَبَرًا عَنْ نَبِيِّهِ سَيِّدِنَا نُوحٍ عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ .
-
وَقَالَ تبارك وتعالى فِي قِصَّةِ لُوطٍ عليه الصلاة والسلام ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْأَهْلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ يُقَال: فُلَانٌ مُتَأَهِّلٌ وَفُلَانٌ لَمْ يَتَأَهَّلْ، وَفُلَانٌ لَهُ أَهْلٌ، وَفُلَانٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ، وَيُرَادُ بِهِ الزَّوْجَةُ، فَتُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَمَالِيكُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الْمَوْلَى،
-
وَلَا يَدْخُل فِيهِ وَارِثُ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْهُ لَا يَدْخُلُ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْلَى،
-
وَلَا يَدْخُلُ فُلَانٌ الَّذِي أَوْصَى لِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ، وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ،
-
فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ إنَّ فُلَانًا لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِإِخْوَتِهِ، وَلَهُ سِتَّةُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلَهُ أَوْلَادٌ يَحُوزُونَ مِيرَاثَهُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ إخْوَتِهِ سَوَاءٌ؛
-
لِأَنَّهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ سَوَاءٌ،
-
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِأَقْرِبَاءِ فُلَانِ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ تَحْتَمِلُ التَّفَاوُتَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.
-
وَأَمَّا الْأُخُوَّةُ، فَلَا تَحْتَمِلُ التَّفَاوُتَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ فُلَانٍ،
-
وَلَا يُقَالُ هَذَا أَكْثَرُ أُخُوَّةٍ مِنْ فُلَانٍ هَذَا إذَا كَانَ لَهُ، وَلَدٌ يَحُوزُ مِيرَاثَهُ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ،
-
وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلِلْإِخْوَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ثُلُثُ ذَلِكَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ،
-
وَلَا يُقَالُ: إذَا لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِلْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَلِلْإِخْوَةِ لِأُمٍّ يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ كُلُّ الثُّلُثِ إلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِأَنَّا نَقُولُ نَعَمْ هَكَذَا لَوْ لَمْ تَصِحَّ الْإِضَافَة إلَى الْإِخْوَةِ لِأَبٍ، وَأُمٍّ وَإِلَى الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ، وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِمْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ؛
-
جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَصَارَ هَذَا كَرَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ، فَمَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلِلْبَاقِي مِنْهُمْ ثُلُثُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِمْ، وَقَعَتْ صَحِيحَةً كَذَا هَذَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْإِضَافَةَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَصِيَّةِ أَصْلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْإِضَافَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي الصِّلَةِ وَلَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَبَنُو أَخٍ وَبَنُو أُخْتٍ: يُوضَعُ الثُّلُثُ فِي جَمِيعِ قَرَابَتِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ،
-
وَمَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ يُرَادُ بِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، فَكَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ،
-
وَمَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ.
-
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله
-
7/3517/351
فِي الزِّيَادَاتِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَخْتَانِهِ،
-
ثُمَّ مَاتَ، فَالْأَخْتَانُ أَزْوَاجُ الْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَات، وَالْعَمَّاتِ، وَالْخَالَاتِ، فَكُلُّ امْرَأَةٍ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمُوصِي، فَزَوْجُهَا مِنْ أَخْتَانِهِ، وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ ذَكَرٍ، وَأُنْثَى، فَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَخْتَانِهِ،
-
وَلَا يَكُونُ الْأَخْتَانُ إلَّا أَزْوَاجَ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ،
-
وَمَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِهِمْ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ،
-
وَلَا يَكُونُ مِنْ الْأَخْتَانِ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نِسَاءِ الْمُوصِي أَيْ: زَوْجَاتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الزَّوْجَةِ، فَهُوَ صِهْرٌ، وَلَيْسَ بِخَتَنٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْإِمْلَاءِ أَيْضًا إذَا قَالَ: قَدْ أَوْصَيْتُ لِأَخْتَانِي، فَأَخْتَانُهُ أَزْوَاجُ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الزَّوْجِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ أُخْتٌ، وَبِنْتُ أُخْتٍ، وَخَالَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجٌ، وَلِزَوْجِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَبٌ، فَكُلُّهُمْ جَمِيعًا أَخْتَانٌ، وَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، أُمُّ الزَّوْجِ، وَأَخْتَانُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فِيهِ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى أَنَّ الْأَخْتَانَ مَا ذُكِرَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ.
-
وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: إذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِأَصْهَارِي، فَهُوَ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَزَوْجَةِ أَبِيهِ، وَزَوْجَةِ ابْنِهِ، وَزَوْجَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَصْهَارُهُ،
-
وَلَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الزَّوْجَةُ،
-
وَلَا امْرَأَةُ أَبِيهِ، وَلَا امْرَأَةُ أَخِيهِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَالدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَصْهَارَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمَّا أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا أَعْتَقَ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إكْرَامًا لَهَا» .
-
وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَهُ عليه الصلاة والسلام .
-
وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رضي الله عنه إذَا أَوْصَى فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِجِيرَانِي، فَهُوَ لِجِيرَانِهِ الْمُلَاصِقِينَ لِدَارِهِ مِنْ السُّكَّانِ عَبِيدًا كَانُوا أَوْ أَحْرَارًا نِسَاءً كَانُوا أَوْ رِجَالًا ذِمَّةً كَانُوا أَوْ مُسْلِمِينَ بِالسَّوِيَّةِ قَرُبَتْ الْأَبْوَابُ، أَوْ بَعُدَتْ إذَا كَانُوا مُلَاصِقِينَ لِلدَّارِ، وَعِنْدَهُمَا الثُّلُثُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ الْجِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ مِمَّنْ يَضُمُّهُمْ مَسْجِدٌ، أَوْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَدَعْوَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهَؤُلَاءِ جِيرَانُهُ فِي كَلَامِ النَّاسِ.
-
وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه إذَا أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ لَلْمُلَاصِقِينَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ لَلسَّكَّانِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ تِلْكَ الدُّورَ الَّتِي تَجِبُ لِأَجْلِهَا الشُّفْعَةُ،
-
وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَهُ دَارٌ فِي تِلْكَ الدُّورِ، وَلَيْسَ بِسَاكِنٍ فِيهَا، فَلَيْسَ مِنْ جِيرَانِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله :
-
فَأَمَّا أَنَا، فَأَسْتَحْسِنُ أَنْ أَجْعَلَ الْوَصِيَّةَ لِجِيرَانِهِ الْمُلَاصِقِينَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الدُّورَ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا، وَلِمَنْ يَجْمَعُهُ مَسْجِدُ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ الَّتِي فِيهَا الْمُوصِي مِنْ الْمُلَاصِقِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ السُّكَّانِ مِمَّنْ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ، وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ فِي الْوَصِيَّةِ الْأَقْرَبُونَ، وَالْأَبْعَدُونَ، وَالْكَافِرُ، وَالْمُسْلِمُ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لِلْمَمَالِيكِ، وَالْمُدَبَّرِينَ، وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ (وَأَمَّا) الْمُكَاتَبُونَ، فَهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا كَانُوا سُكَّانًا فِي الْمَحَلَّةِ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: إنَّ اسْمَ الْجَارِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْمُلَاصِقِ يَقَعُ عَلَى الْمُقَابِلِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْمَعُهُمَا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ،
-
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى جَارًا.
-
وَقَالَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» (وَرُوِيَ) أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه فَسَّرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ مَسْجِدٌ وَاحِدٌ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوصِي مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْجَارِ هُوَ الْبِرُّ بِهِ، وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُلَاصِقِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْجِوَارَ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ بِلَا حَائِلٍ بَيْنَهُمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْمُجَاوَرَةِ،
-
فَأَمَّا مَعَ الْحَائِلِ، فَلَا يَكُونُ مُجَاوِرًا حَقِيقَةً، وَلِهَذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِلْمُلَاصِقِ لَا لِلْمُقَابِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَارٍ حَقِيقَةً (وَمُطْلَقُ) الِاسْمِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجِيرَانَ الْمُلَاصِقِينَ هُمْ الَّذِينَ يَكُونُ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حُقُوقٌ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا حَالَ حَيَاتِهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ قَضَاءَ حَقٍّ كَانَ عَلَيْهِ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَنْصَرِفُ الْوَصِيَّةُ إلَى الْجِيرَانِ الْمُلَاصِقِينَ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السُّكْنَى فِي الْمِلْكِ الْمُلَاصِقِ لِمِلْكِ الْمُوصِي،
-
فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ جَارٌ لَهُ، فَيَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ جَارُ الْمَسْجِدِ، وَجَارُ الْمَسْجِدِ فَسَّرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -،
-
فَإِذَا أَوْصَى لِمَوَالِي فُلَانٍ، وَهُوَ أَبُو فَخِذٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: لِمَوَالِي قَبِيلَةِ فُلَانٍ، وَلِبَنِي قَبِيلَةِ فُلَانٍ، وَيُرِيدُ بِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ، وَالْمُنْتَمِينَ إلَيْهِمْ بِالْوَلَاءِ هَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَيَصِيرُ كَالْمَنْطُوقِ بِمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ،
-
وَلَوْ قَالَ: نَصُّ هَذَا ثَبَتَ الْمَالُ لِلْمُنْتَسِبِينَ إلَى هَذِهِ الْقَبِيلَةِ، وَالْمُنْتَمِينَ إلَيْهِمْ بِالْوَلَاءِ كَانَ الْجَوَابُ مَا قُلْنَا كَذَا هَهُنَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ أَبَا فَخِذٍ أَوْ قَبِيلَةٍ
-
7/3527/352
فَإِنَّ هُنَاكَ لَا عُرْفَ فَعُمِلَ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ،
-
وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ،
-
ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِمَوَالِي فُلَانٍ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ جَمِيعُ مَنْ نَجَّزَ عَتَاقَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَفِي مَرَضِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا؛؛ لِأَنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَوْتِ، وَكُلُّ مَنْ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ بَعْدَ أَنْ نَجَّزَ إعْتَاقُهُ صَارَ مَوْلًى بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ،
-
فَأَمَّا الْمُدَبَّرُونَ، وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ؟ (رُوِيَ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ، وَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ تَعَلُّقَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ أَوَانَ الْمَوْتِ، وَهُمْ مَوَالِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْوَصِيَّةَ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَوَانَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ وَقْتُ الْمَوْتِ أَوَانُ عِتْقِهِمْ، فَيُعْتَقُونَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ،
-
ثُمَّ يَصِيرُونَ مَوَالِيهِ بَعْدَهُ، وَالْوَصِيَّةُ تَنَاوَلَتْ مَنْ كَانَ مَوْلًى عِنْدَ مَوْتِهِ، وَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَيْسُوا بِمَوَالِيهِ،
-
فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ (وَلَوْ كَانَ) قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَتَقَ، وَدَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الضَّرْبِ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ حُصُولِهِ مِنْ قِبَلِهِ، فَيَصِيرُ مَوْلًى لَهُ،
-
ثُمَّ يَعْتِقُهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ تُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ، فَكَانَ مَوْلًى وَقْتَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ، وَوُجُوبِهَا،
-
بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
الشَّرْط الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى بِهِ
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى بِهِ، فَأَنْوَاعٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَالًا، أَوْ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابُ الْمِلْكِ، أَوْ إيجَابُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِلْكِ مِنْ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَمَحَلُّ الْمِلْكِ هُوَ الْمَالُ،
-
فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ مِنْ أَحَدٍ، وَلِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ أَحَدٍ،
-
وَلَا بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُتَقَوِّمًا،
-
فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ كَالْخَمْرِ فَإِنَّهَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ مَالًا حَتَّى تُوَرَّثَ لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَضْمُونَةً بِالْإِتْلَافِ،
-
فَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلَهُ بِالْخَمْرِ،
-
وَيَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَلِّ، وَتَجُوزُ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ،
-
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَهِبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا، أَوْ مَنْفَعَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى تَجُوزَ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ، وَسُكْنَى الدَّارِ، وَظَهْرِ الْفَرَسِ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى رحمه الله لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ (وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةٌ بِمَالِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ تَحْصُلُ الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ، وَمِلْكُ الْمَنَافِعِ تَابِعٌ لَمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فَكَانَتْ الْمَنَافِعُ مِلْكَهُمْ؛
-
لِأَنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ، فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةً مِنْ مَالِ الْوَارِثِ،
-
فَلَا تَصِحُّ؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ إذْ الْإِعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَذَلِكَ، وَالْعَارِيَّةُ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُعِيرِ، فَالْمَوْتُ لَمَّا أَثَّرَ فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ صِحَّتِهِ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ مِنْ الصِّحَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ تَمَلَّكَ حَالَ حَيَاتِهِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ الْعُقُودِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَحْتَمِلُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ عَدَمِ الْمَحَلِّ، وَالْحَظْرِ، وَالْجَهَالَةِ،
-
ثُمَّ لَمَا جَازَ تَمْلِيكُهَا بِبَعْضِ الْعُقُودِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِهَذَا الْعَقْدِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِمَالِ الْوَارِثِ، فَمَمْنُوعٌ، وَقَوْلُهُ: مِلْكُ الرَّقَبَةِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي مُسَلَّمٌ لَكِنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ يَتْبَعُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ إذَا أُفْرِدَ الْمَنْفَعَةُ بِالتَّمْلِيكِ وَإِذَا لَمْ يُفْرَدْ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَهُنَا أُفْرِدَ بِالتَّمْلِيكِ فَلَا يَتْبَعُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوصِي إذَا أُفْرِدَ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ بِالْوَصِيَّةِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِالتَّمْلِيكِ، وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ،
-
فَلَا يَبْقَى تَبَعًا لِمِلْكِ الذَّاتِ بَلْ يَصِيرُ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ،
-
بِخِلَافِ الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ،
-
وَإِنْ جَعَلَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ مَقْصُودًا بِالتَّمْلِيكِ لَكِنْ فِي الْحَالِ لَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعَارُ الشَّيْءُ لِلِانْتِفَاعِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ عَادَةً لَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَنْتَفِي الْعَقْدُ بِالْمَوْتِ.
-
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ، فَتَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ قَصْدُهُ تَمْلِيكَهُ الْمَنْفَعَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَتْ الْمَنَافِعُ مَقْصُودَةً بِالتَّمْلِيكِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ الْفَرْقُ، وَنَظِيرُهُ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَمَاتَ الْمُوَكِّلُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ،
-
وَلَوْ أَضَافَ الْوَكَالَةَ إلَى مَا بَعْدِ مَوْتِهِ؛ جَازَ حَتَّى يَكُونَ وَصِيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ مِنْ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ كَانَتْ مُطْلَقَةً عَنْ التَّوْقِيت؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ،
-
ثُمَّ الْإِعَارَةُ تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً، وَمُطْلَقَةً عَنْ الْوَقْتِ.
-
وَكَذَا الْوَصِيَّةُ غَيْرَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ
-
7/3537/353
مُطْلَقَةً، فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ مَا عَاشَ،
-
وَإِذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ،
-
وَإِذَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ يُعْتَبَرُ فِيهَا خُرُوجُ الْعَيْنِ الَّتِي أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ الثُّلُثِ،
-
وَلَا يُضَمُّ إلَيْهَا قِيمَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَالْعَيْنُ مِلْكٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ؛؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ بِوَصِيَّتِهِ بِالْمَنَافِعِ مَنَعَ الْعَيْنَ عَنْ الْوَارِثِ، وَحَبَسَهَا عَنْهُ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَيْنِ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، فَصَارَتْ مَمْنُوعَةً عَنْ الْوَارِثِ مَحْبُوسَةً عَنْهُ، وَالْمُوصِي لَا يَمْلِكُ مَنْعَ مَا زَادَ عَنْ الثُّلُثِ عَلَى الْوَارِثِ، فَاعْتُبِرَ خُرُوجُ الْعَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ (وَلِهَذَا) لَوْ أَجَّلَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ دَيْنًا مُعَجَّلًا لَهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الثُّلُثِ،
-
وَإِنْ كَانَ التَّأْجِيلُ لَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ مِلْكِ الدَّيْنِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ مَنْعُ الْوَارِثِ عَنْ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي قَدْرِ الثُّلُثِ كَذَا هَهُنَا،
-
وَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ خُرُوجَ الْعَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ،
-
فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ الْمَنَافِعِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، فَيَسْتَخْدِمَ الْعَبْدَ، وَيَسْكُنَ الدَّارَ مَا عَاشَ إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً عَنْ الْوَقْتِ،
-
فَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنْفَعَةِ قَدْ بَطَلَتْ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْإِعَارَةِ، فَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَالِكِ إيَّاهُ كَمَا تَبْطُلُ الْإِعَارَةُ بِمَوْتِ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ بِانْفِرَادِهَا لَا تَحْتَمِلُ الْإِرْثَ،
-
وَإِنْ كَانَ تَمَلُّكُهَا بِعِوَضٍ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم كَإِجَارَةِ فُلَانٍ لَا يُحْتَمَلُ فِيمَا هُوَ تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِغَلَّةِ دَارِهِ، أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلِهِ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ، وَفِي النَّخْلِ ثَمَرٌ.
-
وَكَانَ وَجَبَ بِمَا اسْتَغَلَّ الدَّارَ آخَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْنٌ مَلَكَهَا الْمُوصَى لَهُ، وَتَرَكَهُ بِالْمَوْتِ، فَيَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَفِي الْمَنْفَعَةِ لَا حَتَّى أَنَّ مَا يَحْصُلُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَلْ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوصَى لَهُ،
-
فَلَا يُوَرَّثُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الْمَنَافِعِ فِي قَدْرِ مَا تَخْرُجُ الْعَيْنُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ سِوَى الْعَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ، وَالدَّارِ، تُقَسَّمُ الْمَنْفَعَةُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ، وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ أَثْلَاثًا ثُلُثُهَا لِلْمُوصَى لَهُ، وَثُلُثَاهَا لِلْوَرَثَةِ، فَيَسْتَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ الْعَبْدَ يَوْمًا، وَالْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ، وَفِي الدَّارِ يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا، وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا مَا دَامَ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا،
-
فَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ الْمَنْفَعَةُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَحَكَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِسُكْنَى دَارِهِ لِرَجُلٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهَا، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ إنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَصِحَّ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَالشُّيُوعُ شَائِعٌ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَالشُّيُوعُ يُؤَثِّرُ فِي الْمَنَافِعِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ (وَهَذَا) لَا يَتَفَرَّعُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛
-
لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ بَاطِلَةٌ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَبْقَى السُّكْنَى كُلُّهَا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ،
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، وَلَوْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَيْعَ الثُّلُثَيْنِ، أَوْ الْقِسْمَةَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (عِنْدَ) أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُمْ ذَلِكَ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الْمِلْكَ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَحَقُّ الْغَيْرِ هَهُنَا تَعَلَّقَ بِالثُّلُثِ لَا بِالثُّلُثَيْنِ؛
-
لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِالثُّلُثِ لَا غَيْرَ، فَخَلَا ثُلُثَا الدَّارِ عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا، فَكَانَ لَهُمْ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، وَالْقِسْمَةِ.
-
وَكَذَا الْحَاجَةُ دَعَتْ إلَى الْقِسْمَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَنَافِعِ كُلِّ الدَّارِ عَلَى الشُّيُوعِ، وَذَلِكَ بِمَنْعِ جَوَازِ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ،
-
فَإِنَّ رَقَبَةَ الْمُسْتَأْجَرِ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ لَكِنْ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ مَنَعَ جَوَازَ الْبَيْعِ، وَنَفَاذَهُ بِدُونِ إجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ كَذَا هَهُنَا.
-
وَكَذَا فِي الْقِسْمَةِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ مُطْلَقَةً عَنْ الْوَقْتِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛
-
فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَنْتَفِعُ بِهَا إلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ سَنَةً كَامِلَةً،
-
ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ، وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ أَثْلَاثًا يَخْدُمُ الْعَبْدُ يَوْمًا لِلْمُوصَى لَهُ، وَيَوْمَيْنِ لِلْوَرَثَةِ، فَيَسْتَوْفِي الْمُوصَى لَهُ خِدْمَةَ السَّنَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا دَارًا يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا، وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا يُهَايِئَانِ مَكَانًا؛ لِأَنَّ التَّهَايُؤَ بِالْمَكَانِ فِي الدَّارِ مُمْكِنٌ، وَفِي الْعَبْدِ لَا يُمْكِنُ لِاسْتِحَالَةِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ بِثُلُثِهِ لِأَحَدِهِمَا، وَبِثُلُثَيْهِ لِلْآخَرِ، فَمَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْمُهَايَئَات زَمَانًا،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ مِنْ الْوَقْتِ سَنَةً بِعَيْنِهَا بِأَنْ قَالَ: سَنَةَ كَذَا، أَوْ شَهْرَ كَذَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ خِدْمَةَ الْعَبْدِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ أَوْ الشَّهْرَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ، فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهِ الْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ
-
7/3547/354
وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا، وَفِي الدَّارِ يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا، وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ،
-
فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ، أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ يَحْصُلُ لِلْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةُ السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ،
-
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُكْمِلَ ذَلِكَ مِنْ سَنَةٍ أُخْرَى، أَوْ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُضِيفَتْ إلَى تِلْكَ السَّنَةِ، أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرِ لَا إلَى غَيْرِهِمَا.
-
وَلَوْ عَيَّنَ الشَّهْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِأَنْ قَالَ: هَذَا الشَّهْرُ، أَوْ هَذِهِ السَّنَةُ يُنْظَرُ إنْ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الشَّهْرِ، أَوْ تِلْكَ السَّنَةِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ نَفَاذُهَا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ الشَّهْرُ، أَوْ تِلْكَ السَّنَةُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ،
-
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ، أَوْ السَّنَةُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا فَمَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ، أَوْ السَّنَةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا، وَالْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ إلَى أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ، أَوْ السَّنَةُ، وَفِي الدَّارِ يَسْكُنَاهَا أَثْلَاثًا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا،
-
وَلَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِإِنْسَانٍ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ، أَوْ بِسُكْنَى دَارِهِ لِإِنْسَانٍ، وَبِرَقَبَتِهَا لِآخَرَ، وَالرَّقَبَةُ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَالرَّقَبَةُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَالْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمَّا احْتَمَلَتْ الْإِفْرَادَ مِنْ الرَّقَبَةِ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى لَا تُمَلَّكَ الْوَرَثَةُ الرَّقَبَةَ، وَالْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ، فَيَسْتَوِي فِيهَا الْإِفْرَادُ بِاسْتِيفَاءِ الرَّقَبَةِ لِنَفْسِهِ، وَتَمْلِيكِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَالْآخَرُ بِالْمَنْفَعَةِ،
-
فَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى مَلَكَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ الرَّقَبَةَ، وَصَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْمَنْفَعَةَ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى بِرَقَبَةِ شَجَرَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ لِإِنْسَانٍ، وَبِثَمَرَتِهِ لِآخَرَ، أَوْ بِرَقَبَةِ أَرْضٍ لِرَجُلٍ، وَبِغَلَّتِهَا لِآخَرَ، أَوْ بِأَمَةٍ لِرَجُلٍ، وَبِمَا فِي بَطْنِهَا لِآخَرَ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ، وَالْغَلَّةَ، وَالْحَمْلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْتَمِلُ الْإِفْرَادَ بِالْوَصِيَّةِ،
-
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ الْأَصْلَ لِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ
-
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَوْجُودًا وَقْتَ كَلَامِ الْوَصِيَّةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ، فَالْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي كَلَامِ الْمُوصِي مَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ لِلْحَالِ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ،
-
وَلَا مَالَ لَهُ عِنْدَ كَلَامِ الْوَصِيَّةِ.
-
وَكَذَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ، أَوْ بِغَلَّةِ أَرْضِهِ، أَوْ بِغَلَّةِ أَشْجَارِهِ أَوْ بِغَلَّةِ عَبْدِهِ، أَوْ بِسُكْنَى دَارِهِ، أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ، أَوْ دَابَّتِهِ، وَبِالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ غَنَمِهِ،، وَبِاللَّبَنِ فِي ضَرْعِهَا، وَثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ، وَثَمَرَةِ أَشْجَارِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا لِلْحَالِ.
-
وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي هَلْ هُوَ شَرْطُ بَقَاءِ الْوَصِيَّةِ
-
(وَأَمَّا) وُجُودُهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَهَلْ هُوَ شَرْطُ بَقَاءِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الصِّحَّةِ؟
-
(فَأَمَّا) فِي الثُّلُثِ، وَالْعَيْنِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فَشَرْطٌ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَهُ مَالٌ عِنْدَ كَلَامِ الْوَصِيَّةِ،
-
ثُمَّ هَلَكَ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
-
وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِي الْبَطْنِ، وَالضَّرْعِ، وَبِمَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ الصُّوفِ، وَاللَّبَنِ، وَالْوَلَدِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُوصَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا وَقْتَ مَوْتِهِ.
-
وَأَمَّا فِي الْوَصِيَّةِ بِالثَّمَرَةِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ بِغَلَّةِ الدَّارِ، وَالْعَبْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ جِنْسَ هَذِهِ الْوَصَايَا عَلَى أَقْسَامٍ بَعْضُهَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَاَلَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ الْأَبَدَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ، وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِالْغَلَّةِ، وَسُكْنَى الدَّارِ، وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ، وَبَعْضُهَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْمَوْتِ،
-
وَلَا يَقَعُ عَلَى مَا يَحْدُثُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْأَبَدَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ، وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِي الْبَطْنِ، وَالضَّرْعِ، وَبِمَا عَلَى الظَّهْرِ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا، وَلَدٌ، وَفِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، وَعَلَى ظَهْرِهَا صُوفٌ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي بَعْضِهَا إنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْأَبَدِ يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ، وَالْحَادِثِ،