فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مبحث حق السلطان على القاتل

الفقه على المذاهب الأربعةالفقه المقارنالمسائل ٣٠٬٧٢٧ إلى ٣١٬٧٢٣

  1. ٥/٢٣٤٥/٢٣٤

    - ولا يقال: إذا عفا أولياء الدم عن القاتل كان إطلاقه خطراً على الأمن؟ لأنا نقول: إن ولي الدم في الغلب مصر على القصاص،

  2. وإذا فرض وعفا عنه ولكن رأي الحاكم أن إطلاقه يهدد الامن العام، له أن يعزره بما شاء، وله أن يجعله تحت المراقبة، التي تحول بينه وبين العدوان حتى يتحقق، من حسن سلوكه.

  3. فإن من محاسن الشريعة الإسلامية ودقتها، انها جعلت عقوبة القتل قصاصاً يقبل فيه الحاكم الصلح، أو العفو عن أولياء الدم بشروط وتفاصيل تطلب في في كتب الفقه،

  4. ولا يسعها المقام (١)

  5. (اختلف العلماء في القاتل عمداً إذا عفا عنه أولياء الدم هل يبقى للسلطان فيه حق أو لا؟ المالكية، والحنيفية رحمهم الله قالوا: إن للحاكم حقاً على القاتل إذا عفا عنه اولياء الدم وله أن يجلده مائة جلدة، ويسجنه سنة كاملة، وبه قال أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وروي ذلك عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

  6. الشافعية، والحنابلة رحمهم الله - قالوا: لا يجب على الحاكم شيء من ذلك إلا أن يكون القاتل معروفاً بالشر والأذى، فيجوز للإمام أن يؤدبه على حب ما يرى بالحبس، أو الضرب، أو التأنيب، وحجتهم في ذلك طاهر الشرع. قالوا: وليس لمحجور فلس عقو عن مال إن أوجبنا أحدهما لا بعينه، لأنه ممنوه من التبرع به،

  7. وإن أوجبنا القود عيناً فإن عفا عن الدية ثبتت كثيره،

  8. وإن اطلق العقو فلا يدة أيضاً،

  9. وإن عفا المحدور أو المفلس على أن لا مال أصلاً،

  10. فلا يجب شيء لأن القتل لم يوجب المال.

  11. وقيل: إن المفلس يصح اقتصاصه. وإساطه، واحترز بمحجور عن المفلس قبل الحجر عليه فإنه كموسر، وبمفلس عن المحجور عليه بسلب عبارته كصبي ومجنون فعفوهما لغو المبذر حكمه بعد الحجر عليه بالتبذير في إساقط القود واستيفائه كرشيد، لأن الحجر عليه لحق نفسه لا لغيره فلا تجب الجية في صورتي عفو.

  12. موت القاتل الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل آخر متعمداً، ووجب عليه القصاص ثم مات بعد ذلك بأجله من غير تعد، سقط حق ولي الدم عن القصاص والدية جميعاً،

  13. ولا شيء على ورثة القاتل لفوات محل الاستيفاء. الشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا مات القاتل عمداً بعد جنايتع، لا يسقط الحق عنه بل تبقى الدية

  14. ٥/٢٣٥٥/٢٣٥

    في تركته، وترد إلى ورثة المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الوجاب احدهما عنهم،

  15. فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية. في تركته، وترد إلى المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الواجب احدهما عندهم،

  16. فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية. اختلاف ورثة الدم في العفو اتفق الفقهاء على أن المقتول عمداً، إذا كان مسلماً معصوم الدم، وكان القاتل مكلفاً عاقلاً، ولم يكن أباً ولا جداً للمقتول، وكان له أولاد ذكور كبار عقلاء، وحضروا مجلس القضاء وطالبوا بالقصاص، فإنه يجب على الحاكم تنفيذ الحكم من غير تأخير، إلا إذا كان الجاني امرأة حاملاص، فإنه يؤجل القود، حتى تضع حملها، وترضع مولودها.

  17. وإن تنازلوا عن القصاص، وطلبوا الدية، وجبت لهم الدية،

  18. ولو بغير رضا الجاني، أما إذا اختلفوا في العفو فطلب بعضهم القصاص. وعفا البعض الآخر عن الجاني، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية في مال القاتل، وتقسم على الورثة،

  19. وإن لم يرض باقي الورثة، لأن القصاص لا يتجزأ، ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، لحرمة دم الآدمي. لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة في إقامة القصاص على القاتل، أما إذا كان الورثة نساء ورجالاً. واختلفوا في العفو، أو إقامة الحد والقصاص، أو أخذ الدية فقد اختلف فيه الأئمة رحمهم الله تعالى.

  20. المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يسقط القصاص إن عفا رجل من المستحقين حيث كان العافي مساوياً في درجة الباقي من الورثة، والاستحقاق، كابنين، أو عمين، أو أخوين، وأولى، إن كان العافي أعلى درجة كعفو ابن مع اخ،

  21. فإن كان العافي انزل درجة من الباقين، لم يعتبر عفوه، كعفو أخ مع ابن للمقتول.

  22. وكذا، إن كان العافي لم يساو الباقي، في الاستحقاق كإخوة لام، مع إخوة لاب، لان الاستيفاء حق للغاصب الذكر،

  23. فلا دخل فيه لزوج ولا لأخ لأم، اوجد لها، ويقدم الأقرب فالأقرب، فيتقدم ابن فاينه، إلا الجد الأدنى، والاخوة فسيان في القتل والعفو،

  24. ولا كلام للجد الأعلى مع الإخوة. أما إذا كان القائم بالدم نساء فقط، وذلك لعدم مساواة عاصب لهن في الدرجة، بأن لم يوجد أصلاً أو وجد، وكان أنزل. فالبنت، وبنت الابن، احق من الخت قي عفو وضده، فمتى طلبت القصاص الثابت ببينة أو اعتراف، أو العفو عن القتل فيها،

  25. ولا كلام للأخت، وإن كانت مساوية في الإرث ولا شيء لها من الدية، أما لو احتاج القصاص لقسامة، فليس لهما أن يقسما، لأن النساء لا يقسمن في العمد، بل العصبة فقط، فحيث اقسموا وأرادوا القتل، وعفت البنت فلا عفو لها، والقول للعصبة في القصاص،

  26. وإن عفوا، وأرادت القتل،

  27. فلا عفو لهم هم، والقول لها في طلب القصاص،

  28. فلا عفو بإجماع الجميع، أو بعض البنات، وبعض منهم.

  29. وإن عفت واحدة من البنات، أو بنات ابن أو أخوات ولم يكن عاصب أو كان، ولا كلام،

  30. ٥/٢٣٦٥/٢٣٦

    لكون البنت أعلى درجة منه والقتل ثابت بالبينة أو الإقرار، نظر الحاكم العد في الصواب، من إمضاء لعفو بعض البنات، أو رد لعفوهن لأنه بمنزلة العاصب، إذ يرث الباقي من التركة لبيت المال. وفي اجتماع رجال ونساء أعلى درجه منهن ولم يحزن الميراث، لم يسقط القصاص إلا بعفو الفريقين،

  31. فمن أراد القصاص من الفريقين. فالقول قوله، أو ببعض من كل من الفريقين، ومهما عفا البعض من المستحقين للدمن، مع تساوي درجاتهم، بعد ثبوت الدم مطلقاً ببينة أو غيرها، فإنه يسقط القصاص،

  32. وإذا سقط فلمن بقي من الورثة ممن لم يعف، وله التكلم، في نصيبه من دية عمد،

  33. وكذا لو عقا جميع من له التكلم مرتباً سقط حقه من الدم،

  34. ومن الدية، وما بقي منها يكون لمن بقي ممن له التكلم، ولغيره من بقية الورثة، كالزوج أو الزوجة، أو الاخوة، وما بقي ممن لا تكلم له بأخذ نصيبه من الدية. كولدين، لأنه مال ثبت بعفو الأول،

  35. بخلاف لو عفا في فور واحد،

  36. فلا شيء لمن تكلم له، كما إذا اكان من له التكلم واحداً، وعفا، كإرثه للدم، كما لو قتل احد ولديه اباه،

  37. ثم مات غير القاتل،

  38. ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله،

  39. وكذا لو ورث القاتل بعض الدم، كما لو كان غير القاتل أكثر من واحد، مات أحدهم عن القاتل وغيره، فقد ورث القاتل بعض الدم، فيسقط القصاص. ولمن بقي من الورثة نصيبه من الدية، هذا إن استقل الباقي بالعفو، أما لو عفا من يستقل بالعفو فلا يسقط القود عمن ورث قسطاً، إلا بعفو الجميع, أو بعض من كل، كما لو قتل شقيق أخاه وترك المقتول بتات ثلاثة اخوة أشقاء غير القاتل فمات أحد الثلاثة، فقد ورث القاتل قسطاً،

  40. ولا يسقط القوج إلا بعفو الجميع، أبو بعض من كل. الأئمة الثلاثة قاولا: كل وارث يعتبر قوله في اسقاط القصاص وغسقاط حقه من الدية، وفي أخذ حقه، والتمسك به. وقال الشافعي: الغائب منهم والحاضر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى سواء في الاستحقاق ولاية الدم عن المقتول عمداً، لأن الدم كالدية.

  41. عفو المقتول عمداً المقتول عمداً عن دمه قبل موته المالكية قالوا: إذا قال البالغ، العاقل، المعصوم الدم، لإنسان: إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله، فإنه لا يسقط القود عن قالتله،

  42. وكذا لو قال له بعد أن جرحه، ولم ينفذ مقتله: أبرأتك من دمي.

  43. فلا يسقط القصاص، لأنه أسقط حقاً قبل وجبوبه،

  44. بخلاف ما إذا أبرأه من دمه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: إن مت فقد أبرأتك، فإنه يبرأ،

  45. ولو كان قبل إنفاذ مقتله، ولكن لابد من كون البراءة بعد الجمرح، وللولي حق القصاص، أو العفو مجاباً، أو على الدية إن رضي الجاني بها،

  46. فإن لم يرض الجاني بالدية، خير الولي بين أن يقتص من القاتل، أو يعفو عنه بغير عوض،

  47. وإن عفا عن الجاني ولم يقيد عفوه بدية ولا غيرها، فيقضى بالعفو مجرداً عن الدية، إلا أن تظهر بقرائن الأحوال إرادتها مع الدية

  48. ٥/٢٣٧٥/٢٣٧

    حال العفو، ويقول: إنما عفوت لأخذ المدية، فيصدق يمينه، ويبقى الولي بعد حلفه، على حقه في القصاص إن امتنع الجاني عن دفع الدية. وإلا دفعها، وتم العفو كما طلب الولي. الشافعية قالوا: إن قال حر مكلف، رشيد، أو سفيه، لوجل آخر: اقطع يدي مثلاً ففعل الآجنبي فهو هدر، لا قصاص فيه ولا دية، للإذن فيه لأنه اسقط حقه باختياره،

  49. فإن سرى الجرح للنفس فمان أو قال له ابتداء: اقتلني، فقتله فهو هدر في الأظهر من المذهب للإذن في ذلك الفعل. وقبل تجب الدية على القاتل، والخلاف مبني على أن الدية ثبتت لميت ابتداء في آخر جزء من حياته ثم يتلقاها الوارث، أو على أن الدية ثبتت للوارث ابتداء عقب هلاك المقتول؟

  50. إن قلنا بالأول وهو الأصح لم تجب الدية في حال السراية، لأنه أذن فيما بملك وإلا وجبت، ففي صورة القطع تجب نصف الدية، لأنه الحادث بالسراية، وفي حالة الأمر بالقتل ابتداء تجب الدية، وعلى القول الأول تسقط الدية ولكن تجب الكفارة،

  51. فإن الكفارة تجب على الصح لحق الله تعالى والإذن لا يؤثر فيها، تجب على كل حال،

  52. ولو قال له: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله،

  53. فلا قصاص ولا دية في الأظهر.

  54. ولو قطع عضو من شخص يجب فيه القود، فعفا المقطوع عن قوده وإريه،

  55. فإن لم يسر القطع بأن اندمل فلا شيء من قصاص، أو أرش، لاسقاط الحق بعد ثبوته.

  56. وإن سرى القطع للنفس،

  57. فلا قصاص في نفس ولا طرف، لأن السراية تولدت من معفو عنه، فصارت شبهة واقعة للقصاص. أما إذا سرى إلى عضو آخر فلا قصاص فيه وإن لم يعف عن الأول.

  58. وأما أرش العضو في صورة سراية القطع للنفس،

  59. فإن جرى من المقطوع في لفظ العفة عن الجاني، لفظ وصيته، كأن قال بعد عفوه عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إسقاطن أو جرى عفو عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إساقط، أو جرى عفو عن الجناية، سقط الأرش قطعاً،

  60. وقيل: ما جرى من هذه الثلاثة وصيته، لاعباره من الثاث، وتجب الزيادة على ارش العضو المعفو عنه أن كان إلى تمام الجية للسراية، سواء تعرض في عفوه لما يحدص منها، أم لا، وفي قول: إن تعرض في عفوه عن الجناية لما يحدث منها سقطت تلك الزيادة، والظهر عدم اسقوط، لأن إسقاط الشيء قبل ثبوته غير منتظم، فلمو سرى قطع العضو المعفو عن قوده وارشه كأصبع، إلى عضو آخر، كباقي الكف، فاندمل القطع، ضمن دية السراية فقط، لأنه إنما عفا عن موجب جناية موجودة فلا يتناول غيرها،

  61. ومن له قصاص نفس بسراية قطع طرف، كأن قطع يده فمات بسراية، لو عفا وليه عن النفس،

  62. فلا قطع له، لأن المستحق القتل، والقطع طريقه، وقد عفا عنه، أو عفا وليه عن الطرف، فله جز الرقبة في الأصح لأن كلاً منهما حقه، والثاني المنع، لأنه استحق القتل بالقطع الساري، وقد عفا عنه.

  63. ولو قطعه الولي ثم عفا عن النفس مجاناً أو بعوض،

  64. فإن سرى القطع إلى النفس، ظهر بطلان العفو ووقعت السراية قصاصاً، لأن السبب وجد قبل العفو، وترتب عليه مقتضاه فلم يؤثر فيه العفو،

  65. وإن الم يسرق قطع الولي، بل وقت، فيصح عفوه، لأنه أثر في سقوط القصاص، ويستقر العفو المعفو عليه، إذ لم يستوف بالقطع تمام الدية،

  66. ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء.

  67. ٥/٢٣٨٥/٢٣٨

    ولو وكل الولي غيره في استيفاء القصاص ثم عفا، فاقتص الوكيل جاهلاً بذلك،

  68. فلا قصاص عليه لعذره والأظهر وجوب الدية، لأنه بأن أنه قتله بغير حق، فتجب على الوكيل دية مغلظة، لورثة الجاني، لا للموكل،

  69. والأصح أن الوكيل لا يرجع بالدية على الثاني أمكن الموكل إعلام الوكيل بالعفو أم لا لأنه محسن بالعفو،

  70. ولو وجب قصاص عليها فنكحها عليه جاز وسقط،

  71. فإن فارق قبل الوطء، رجع بنصف الأرش، اهـ. الحنفية، والحنابلة رحمهم الله تعالى قالوا: إذا عفا المقتول عن دمهن في القتل العمد جاز ذلك على الأولياء، وسقط القصاص عن القاتل،

  72. ولا يجب شيء لورثته من بعده. لأن الحق الذي جعل للولي إنما هو حق المقتول أولاً، فناب فيه الوارث منابه، وأقيم مقامه، فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته. وقد أجمع العلماء على قوله تعالى:

  73. {فمن تصدق به فهو كفارة له} أن المراذ في الآية الكريمة هة المقتولن يتصدق بدمه، وذلك في حالة إصابته قبل موته، وإنما اختلفوا على من يعود الضمير في قول تعالى: {فهو كفارة له} فقيل: يعود الضمير على القاتل لمن رأى به توبة.

  74. وقيل: يعود الضمير على المقتول الذي تصدق على قالتله بدمه، أو القود من أطرافه في الجراحة، فيكون هذا التصدق كفارة لذنوبه وخطاياه، إذا فعا عن قاتله، أو عن جرحه. فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

  75. {فمن تصدق به} يقول:

  76. فمن عفا عنه وتصدق عليهن فهو كفارة للمطلوب، وأجر للطالب. وروي عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى:

  77. {فمن تصدق به فهو كفارة له} للمجروح، فيهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به وهكذا، وروي عن الشعبي عن رجل من النصار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:

  78. {فمن تصدق به فهو كفارة له} قالك (هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو بجرح في بدنه فيعفو عن ذلك) قال: (فيحط عنه خطاياه،

  79. فإن كان ربع الدية فربع خطاياه،

  80. وإن كان الثلث، فثلث خطاياه،

  81. وإن كانت الدية، حطت عنه الخطايا كذلك) . وروى الإمام أحمد قال: حدّثنا وكيع، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: انا سنرضيه، فألح الأنصاري فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أو الدرداء: سمعت رسول الله يقول: (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطية) فقال الأنصاري.

  82. فإني قد عفوت. وروي عن عدي بن ثابت: أن رجلاً اهتم فمه رجل على عهد معاوية رضي الله عنه، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى فأعطي ثلاثة، فأبى، فحدث رجل من أصحاب

  83. ٥/٢٣٩٥/٢٣٩

    رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له، من يوم أن ولد، إلى يوم يموت) والأحاديث في ذلك كثيرة. الحنفية قالوا: من قطع يد رجل عفا المقطوعة يده عن القطع.

  84. ثم مات بعد ذلك، فعلى القاطع الدية في ماله،

  85. وإن عفا عن القطع وما يحدث منه،

  86. ثم مات من ذلك فهو عفو عن النفس،

  87. ثم إن كان خطأ فهو من الثلث،

  88. وإن كان عمداً فهو من جميع المال. لأن العفو عن القطع والشجة والجراحة ليس لعفو عما يحدث منه،

  89. فإذا وقع شيء من ذلك وعفا المجني عليه عنه بعد الجرح،

  90. ثم سرى ومات بسببه، فعلى الجاني الدية في ماله خاصة. لأن سبب الضمان قد تحقق وهو قتل نفس معصومة مقومة، والعفو لم يتناوله بصريحه، لأنه عفا عن القطع، وهو غير القتل لا محالة، وبالسراية تبين أن الواقع قتل، لا قطع وحقه فيه، فما هو حقه لم يفع عنه، وما عفا عنه فليس بحقه،

  91. فلا يكون معتبراص، ألا ترى أن الولي لو قال بعد السراية: عفوتك عن اليدن لم يكن عفواً،

  92. ولو قال المجني عليه: عفوتك عن القتل، وأقتصد القطع لم يكن عفواً، فكذا إذا عفا عن اليد ثم سرى القطع،

  93. وإذا لم يكن معتبراً وجب الضمان. والقياس يقتضي القصاص لأنه هو الموجب للعمد، إلا أنا تركناه لأن صورة العفو اورثت شبهة، وهي دارئة للقود، فتجب الدية في ماله. وقال الصاحبان رحمهما الله تعالى: من قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع،

  94. ثم مات من ذلك القطع بسبب السراية، فهو عفو عن النفس أيضاًن فلا شيء على القاطع، لأن العفو عن القطع عفو عن موجبه، لأن الفعل عرض لا يبقى،

  95. فلا يتصور العفو عنه، فيكون العفو عنه عفواً عن موجبه، وموجبه أما القطع إذا اقتصر، ولم يسر،

  96. وإما القتل، إن سرى القطع ومات بسببه، فكان العفو، عفواً عنهما جميعاص، ولأن اسم القطع يتناول الساري والمقتصر فإن الاذن بالقطع به، وبما حدث منه، حتى إذا قال شخص لآخر: اقطع يدي فقطعه،

  97. ثم سرى إلى النفس، فإنه لم يضمن، والعفو إذن انتهاء، فيعتبر بإذن ابتداء، فصار كما إذا عفا عن الجناية، فإنه يتناول الجناية السارية، والمقتصرة. وقال الإمام: لا نسلم أن الساري نوع من القطع،

  98. وإن السراية صفة له، بل السراية قتل من الابتداء، لأن القتل فعل مزهق للروح، ولما انزهق الروح به عرفنا أنه كان قتلاً، ولأن القتل ليس بموجب للقطع من حيث كونه قطعاً،

  99. فلا يتناوله العفو، بخلاف العفوعن الجناية لأنه اسم جنس، وبخلاف العفو عن الشجة وما يحدث منها، لأنه صريح في العفو عن السراية والقتل،

  100. ولو كان القطع خطاً فقد أجراه مجرى العمد، في العفو عن القطع مطلقاً، والعفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الشجة، والعفو عن الجناية، ولأن العفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الجناية عفو عن الدية بالاتفاق، والعفو عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عندهما إذا كان خطأ، وعند أبي حنيفة يكون عفواً عن أرش اليد لاغير، والعفو عن الشجة عفو عن الدية إذا سرت عندهما، وعنده عن أرش الشجة

  101. ٥/٢٤٠٥/٢٤٠

    لا غير، والقطع إن كان خطأ وجبت الدية من ثلث المال،

  102. وإن كان عمداً فهو جميع المال عند أبي حنيفة رحمه الله اهـ. الصلح في القتل عمداً على مال اتفق الأئمة على أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء القتيل على مال سقط القصاص، ووجب المال، قليلاً كان أو كثيراً، زائداً على مقدار الدية، لقوله تعالى:

  103. {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان} على ماقيل: إن الآية نزلت في الصلح وهو قول ابن عباس والحسن، والضحاك، ومجاهد وهو موافق للام،

  104. فإن لفظ (عفا) إذا استعمل باللام كان معناه البدل، أي فمن أعطى من جهة أخيه في الدين المقتول شيئاً من المال، بطريق الصلح، عن مجاملة وحسن معاملة. ولأن القصاص حق ثابت للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً، فكذا تعويضاً، لاشتماله على إحسان الأولياء، وإحياء القاتل، فيجوز بالتراضي، والقليل والكثيرفيه سواء، لأنه ليس فيه نص مقدر فيفوض إلى اصطلاحهما كالخلع وغيره،

  105. وإن لم يذكروا خالاً،

  106. ولا مؤجلاً فهو حال، لأنه مال واجب بالعقد، والأصل في أمثاله الحلول، مثل المهر، والثمن،

  107. بخلاف الدية، لانها ما وجبت بالعقد. المالكية قالوا: يجوز صلح الجاني مع ولي الدم في القتل العمد، ومع المجني عليه في الجرح العمد، بأقل من الدية، أو أكثر منها، حالاً ومؤجلاً، بذهب أو فضة أو عرض. عفو احد الشركاء في الدم الحنفية قالوا: إذا عفا احد الشركاء في الجم، أو صالح عن حقه على عوض، سقط حق الباقين في القصاصن وكان لهم نصيبهم من الدية، لان الدية متجزئة، لكونها من قبيل الأموال في الجملة، بالاتفاق، فيجب أن يكونا للجميع حتى للزوجين، لأن وجوبهما اولاً للميت،

  108. ثم يثبت للورثة. ولا يقع للميت إلا بأن يسند الوجوب إلى سببه وهو الجرح، فكانا كسائر الأموال في ثبوتهما قبل الموت، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله دخلت دينه فهيا، وتعضى منه ديونه، وكان الإمام على رضي الله عنه يقسم الدية على من أحرز الميراثن وكفى به قدوة،

  109. وإذا ثبت ذلك، فكل من الورثة يتمكن من الاستيفاء، والعفو، والزوجية تبقى بعد الموت حكماً في حق الإرث، أو يثبت للورثة بعد الموت مستنداً إلى سببه وهو الجرح،

  110. وإذا سقط القصاص ينقلب نصيب الباقين مالاً، لأنه امتنع بمعنى راجع إلى القاتل، وليس للعافي شيء من المال، لأنه أسقط حقه بفعله ورضاه. الشافعية، والمالكية - قالوا: إنه لا حظ للزوجين في القصاص والدية، ولاحق لهما فيهما،

  111. ٥/٢٤١٥/٢٤١

    وذلك لأن الوراثة فيما يجب بعد الموت خلافة، وهي فيه بالنسب، لا السبب، لانقطاعه بعد الموت. والزوجية تنقطع بالموت ولأن المالكية يقولون: لاحظ للنساء في القصاص، والدية معاً. والشافعية يقولون: لاحظ للناء في استيفاء القصاص، ولهن حق العفو فقط اه.

  112. إذا اقتص من الجاني فمات الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لو اقتص المجني عليه من الجاني، بالعطع مثلاً فمات من أثر القصاص، بسبب السراية، من العضو المقطوع،

  113. فلا شيء على المجني عليه، لأنه استوفى حقه وهو القطع،

  114. ولا يمكن التقيد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراس عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام، والبزاغ، والحجام، والمأمور قطع اليج، ولقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه} الحنفية قالوا: إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فسرى القطع إلى الجسد، ومات بسببه تجب الدية للورثة على عاقلة المقتص له، لأنه قتل بغير حق، لأن حقه القطع، وهذا وقط قتلاً، ولهذا لو وقع ظلماً لكان قتلا ووجب فيه القصاص، ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة، وهو مسمى القتل، إلا أن القصاص سقط للشبهةن فوجب المال،

  115. بخلاف الإمام وغيرهن لأنه ملكف فيها بالفعل إما تقلداً كالإمام، أو عقداً كما في غيره منها. فالقاضي إذا تقلد القضاء يجب عليه أن يحكم،

  116. فإذا قطع يد السارق فمات من ذلك فإنه لا شيء عليه، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي، وفيما نحن فيه من الاستيفاء لا وجوب،

  117. ولا التزام إذ هو مندوب إلى العفو، فيكون من باب الإطلاق والإباحة، قال تعالى:

  118. {وإن تعفوا اقرب للتقوى} ولو رمى صيداً فأصاب إنساناً ضمن، كذا هذا. مبحث تأخير القصاص للولد الصغير الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل وله أولياء صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا القاتل.

  119. ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن القصاص حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة يثبت لكل واحد كملاً كالولاية في النكاح. ولثبوت التفرقة بين الصغار، والكبار الغيب من حيث احتمال العفو في الحال وعدمه،

  120. فإن العفو من الغائب موهوم حال استيفاء القصاص، لجواز أن يكون الغائب عفا عن حقه في القصاص، والحاضر لا يشعر به،

  121. فلو استوفى كان استيفاء مع الشبهة وهو لا يجوز،

  122. وأما العفو في الصغير فميئوس منه حال استيفاء القصاص، لأنه ليس من أهل العفو، وإنما يتوهم العفو منه بعد بلوغه سن الرشد، والشبهة في المال لا تعتبر لأن ذلك يؤدي إلى سد باب القصاص، لاحتمال أن يقدم ولي المقتول على قتله،

  123. وكذلك إذا كان احد الاولياء مجنوناً يجب على القاضي تعجل القصاص،

  124. ولا ينتظر شفاءه من الجنون المطبع، وهو الذي لا يفيق.

  125. ٥/٢٤٢٥/٢٤٢

    الشافعية، والحنابلة في أظهر روايتهم والصاحبان من الحنفية قالوا: إذا كان أولياء الدم فيهم صغار وكبار فليس للكبار تعجيل القصاص بل ينتظر ويحبس القاتل ولا يخلى سبيله بكفيل، حتى يدرك الصغار، ويبرأ المجنون منهم، فيكون له الخيار بين القصاص وأخذ الديةن أو العفو عن الجاني، أو الصلح على مال.

  126. ذلك لأن القصاص مشترك بينهم،

  127. ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزي، وفي استيفائهم الكل إبطال حق الصغير والمجنون، فيجب أن يؤخر القصاص إلى ادراكه، أو يفيق المجنون، كما إذا كان بين الكبيرينن وكان أحدهما غائباً، أو كان بين الموليين وليتفقوا على مستوف وإلا فقرعة يدخلها العاجز، وهذا الخلاف إذا لم يكن في الورثة اب للقتيل، أما إذا كان فيهم الب فلهم الاستيفاء بالاتفاق،

  128. ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن الأب له الولاية على النفس.

  129. ولو سبق أحدهم فقتله فالأظهر لا قصاص، وللباقين قسط الدية في تركته،

  130. وقيل: من المستوفى، وإن بادر بعد عفو غيره لزمه القصاص،

  131. وقيل: لا. استيفاء الأب لولده الصغير الحنفية، والمالكية قالوا: إذا قتل ولي الصغيرن أو المعتةه، فللأب وهو حد المقتول استيفاء القصاص، من القاتل نيابة عن المعتوه، والصغير، لأنه من الولاية على النفس، لأن القصاص شرع للتشفين وللأب شفقة كاملة، فيعد ضرر الولد ضرر نفسه، فجعل ما يحصل له من التشفي كالحاصل للابن، فالأب يلي القصاص كما يلي الإنكاح، سواء كان شريكه أم لا، وللأب أن يصالح لأنه أنظر في حق المعتوه والصغير، وليس له أن ينقص عن قدر الدية،

  132. فإن نقص المال المصالح عليه عن عدر الدية يجب كمال الدية، وليس له أن يعفو عن القاتل بغير مال، لأن فيه إبطال حقهن

  133. وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمداً أو يد الصغير، فللأب أن يستوفي القصاص. قتل الوالد بولده الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل الرجل بابنه لقول صلى الله عليه وسلم: (لا يقاد الوالد بولده) وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، فيصلح مخصصاً لعموم الآية الدالة على وجب القصاص في القتلى، وذلك مثل إخراج قتل المولى عبده أو عبد ولده، ولأن عمر قضى بالدية في قاتل ابنه ولم ينكر عليه أحد.

  134. ولأن الأب لإحياء الولد،

  135. فمن المحال أن يستحق له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتله،

  136. وإن وجده في صف الأعداء مقاتلاً، أو زانياً وهو محصن،

  137. ويجب على الأب الدية للورثة،

  138. ويحرم منها. المالكية قالوا: لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه ويذبحه، أو يحبسه حتى يموت، مما لا عذر له فيه ولا شبهة فإن حذفه بالسيف، أو بالعصا، أو بالحجر الكبير غير قاصد لقلته،

  139. فلا يقتل فيه، والجد

  140. ٥/٢٤٣٥/٢٤٣

    في ذلك عندهم مثل الأب، وحجتهم في ذلك عموم القصاص بين المسلمين، لا فرق بين الأب وغيره وقاسوه على الرجل إذا زنا بابنته وهو محصن، فإنه يرجم بالاتفاق، ولأن الآية في القصاص عممتن فلا تخصص بخبر الآحاد،

  141. فإذا ثبت العمد وجب عليه القصاص،

  142. ومن ورث قصاصاً على أبيه سقط لحرمة الأبوة اهـ. مبحث شبه العمد الحنفية قالوا: القتل على خمسة اوجه، عمد، وشبه عمد، وخطأ وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب فالعمد، ما تعمد ضربه بسلاح، أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب، وليطة القصب، والمروة المحددة، والنار.

  143. وشبه العمد: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح،

  144. ولا ما أجري محرى السلاح، سواء كان الهلاك به غالباً كالحجر والعصا الكبيرين، ومدقة القصار، أو لم يكن كالسوط والعصا الصغير، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن قتيل خطأ العمد، قتيل السوط، والعصا) رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، ووجه الاستدلال به، أنه عليه الصلاة والسلام جعل قتيل السوط والعصا مطلقاً شبه عمد، فتخصصه بالصغيرة إبطال للإطلاق، وهو غير جائز.

  145. ولأن العصا الكبيرة، والصغيرة تساويا في كونهما غير موضوعتين للقتل،

  146. ولا مستعملتين له غالباً، إذ لا يمكن الاستعمال على غرة من المقصود قتله، وبالاستعمال على غرة يحصل القتل غالباص،

  147. وإذا تساويا، والقتل بالعصا الصغيرة شبه عمد بالاتفاق فكذا الكبيرة، فقصرت العمدية نظراً إلى الألة، فكان شبه عمد. الشافعية، والحنابلة، والصاحبان من الحنفية - قالوا: شبه العمد، هو أن يتعمد الضرب بما لا يحصل الهلاك به غالباً، كالعصا الصغيرة، إذا لم يوال في الضربات، أما إذا والى فيها فهو عمد،

  148. وقيل: شبه عمد، وسمي هذا النوع شبه عمد، لاقتصار معنى العمد فيه، وإلا لكان عمداً، واقتصاره إنما يتصور في استعمال آلة لا يقتل بها غالباً كالعصا الصغيرة،

  149. فإن القصد باستعمالها غير القتل كالتأديب، ونحوه، فتجب الدية لا القصاص، أما إذا استعمل آلة يقتل بها، كالضرب بحجر عظيم، أو حشبة عظيمة، أو مدق القصار أو نحوه، فإنه لا يقصد باستعمال هذه الأشياء إلا القتل كالحديدة، والسيف، فكان قتلاً عمداً موجباً للقود، قالوا: وقد واققنا أو حنيفة بأن القتل بالعمود الحديد موجب للقود.

  150. وموجب شبه العمد على القولين، الإثم لأنه قتل وهو قاصد الضرب، والكفارة لأنه خطأ نظراً إلى أن الآلة تدخل تحت قوله تعالى {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} الآية، ولأنه شبيه بالخطأ،

  151. ويجب فيه الدية مغلظة على العاقلة. وهي مائة من الإبلن اربعون منها في بطونها أولادها، وتجب في

  152. ٥/٢٤٤٥/٢٤٤

    ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقد روي عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ووافقه الصحابة من غير نكير من واحد منهم، فكان كالمروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه مما لا يعرف بالرأي، ويتعلق به حرمان الميراث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في إسقاط القصاص، دون حرمان الميراث، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط، أو العصا، فيه مائة من الإبل منها اربعون في بطونها أولادها) رواه الخمسة.

  153. وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولايقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون جماء في غير ضغينة،

  154. ولا حمل سلاح) . المالكية قالوا: إن الضرب بالعصا، والحجر الصغيرين عمد، فإنهم قالوا: إننا لانعرف ماهو قتل شبه العمد، وإنما القتل عندهم نوعان فقط، عمد وخطأ، ما وقع بسبب من السباب أو من غير مكلف. أو غير قاصد للمقتول، أو القتل بما مثله لا يقتل في العادة به، كالسوط.

  155. وهذا لا قود فيه، وإنما تجب فيه الدية، وقتل العمد ما سواه: إذ لا واسطة بين العمد، والخطأ في سائر الأفعال، فكذا في هذا الفعل، وشبه الخطأ أن يتعمد القتل، ويخطىء القصد، أو يضربه بسوط لا يقتل مثله غالباً، أو يلكزه بيده، أو يلطمه لطماً بليغاً، فيجب القصاص في كل ذلك،

  156. فإن تعمد الجاني الضرب بقضيب أو سوط لا يقتل به غالباً أو مثقل، كحجر، أو خنق، ومنع من طعام حتى ماب، أو منع من شرب محتى مات فالقود أن قصد بذلك موته،

  157. فإن قصد مجرد التعذيب فالدية. الشافعية قالوا: الفعل المزحق ثلاثة: عمد وخطأ، وشبه عمد،

  158. ولا قصاص إلا في العمد، وهو قصد مالفعل والشخص بما يقتل غالباً، جارح، أو مثقل. فالأول وهو الواجب: قتل المرتد إذا لم يتب، والحربي إذا لم يسلم، أو يعط الدية. والثاني وهو الحرام: قتل المعصوم بغير حق. والثالث وهو المكروه: قتل الغازي قريبه الكافر إذا لم يسب الله، أو رسول صلى الله عليه وسلم.

  159. والرابع وهو المندوب: قتل الغازي قريبه الكافر إذا حدث منه سب لله، أو الرسول صلى الله عليه وسلم. والخامس وهو المباح: قتل الإمام الأسير، وهو مخير فيه.

  160. وأما قتل الخطأ، فلا يوصف بحرام ولا حلال، لأنه غير مكلف فيما أخطأ فهو كفعل المجنون والبهيمة،

  161. فإن فقد قصد أحدهما بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه فخطأ،

  162. وإن قصدهما بما لا يقتل غالباً فشبه عمد، ومنه الضرب بسوط، أو عصا،

  163. فلو غرز إبرة بمقتل فعمد،

  164. ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب،

  165. فلا شيء بحال، ولو حبسه ومنعه الطعان والشراب والطلب حتى مات، فإن

  166. ٥/٢٤٥٥/٢٤٥

    مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً، أو عطشاً فعمد، وإلا فإن لم يكن به جوع، وعطش سابق فشبه عمد،

  167. وإن كان به بعض جوع أو عطش، وعلم الحابس الحال، وكانت مدة حبسه بحيث لو أضيفت لمدة جوعه، أو عطشه السابق بلغت المدة القاتلة فعمد، لظهور الإهلاك من الرجل الحابس،

  168. وأما إذا لم يبلغ مجموع المدنين ذلك فهو كما لو لم يكن به شيء سابق،

  169. وإن لم يعلم الحال فهو شبه العمد. مبحث القال بمثقل، والإغراق، أو الإحراق بالنار المالكية قالوا: إن حبس شخص آخر ومنعه الطعام، أو الشراب حتى مات بسبب ذلك أو خنقه بيده، فيجب عليه القود في كل ذلك إن قصد بذلك موتهن أو علم أنه يموت من ذلك.

  170. ومن سقى غيره سماً في طعام، أو شراب فمات فعليه القود، فقد وري عنهم أن منع فضل مائه، مسافراص، عالماً بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم سقه قتل به،

  171. وإن لم يل قتله بيده،

  172. ومن ضرب غيره بمثقل كحجر، إن نفذ الضارب مقتله، أو لم ينفذه، ممات مغموراً مما ذكر، بأن ضربه فرفع مغموراً من الضربن أو الجرح حتى مات فيقتص منه بلا قسامة، كما لو رفع ميتاً مما ذكر،

  173. فإن لم ينقذ له مقتل، وأفاق بعد الضرب أو الجرح،

  174. ثم مات لمقتص إلا بالقسامة،

  175. وكذلك من طرح معصوماً غمر محسن للعوم في نهرن لعداوة، أو غيرها، أو طرح من يحسن العوم عداوة، فغرق في الحالين يجب القصاص وإلا لم يكن لعداوة، والدية في اللعب.

  176. ومن تسبب في الإتلاف كحفر بئر، بأن حفرها ببينة فوقع فيها المقصود، أو وضع شيئاً مزلقاً، أو اتخذ كلباً عقوراً لمعين، وهلك المقصود بالبئر وما بعده فيجب القود من المتسبب،

  177. وإن هلك غير المقصود، أو قصد مطلق الضرر فهلك بها إنسان فتجب الدية في الحر المعصوم، والقيمة في غيره،

  178. وإن لم يقصد ضرراً بالحفر وما بعده،

  179. فلا شيء عليه، ويكون هدراً، وتقديم مسموم لمعصوم عالماً بأنه مسموم فتناوله غير عالم فمات يجب القصاص،

  180. فإن تناوله عالماً بسمه، فهو القاتل لنفسهن وإن لم يعلم المقدم فهو من الخطأ،

  181. ومن رمى على غيره حية، وهي حية فمات،

  182. وإن لم تلدغه فمات من الخوف فعليه القود،

  183. وإن كانت ميتة فتجب الدية،

  184. وكذا إن كان شأنها عدم اللدغ لصغرها،

  185. فإن كان على وجه اللعب فالديةن وإن كان على وجه العداوة فالقود.

  186. ومن أشار على غيره بسلاح كسيف، ومدفع، وبندقة، وخنجر، فهرب المشار إليه خوفاً منه، وطلبه المشير في هروبه، لعداوة بينهما، فمات بلا سقوط، فيجب القود بلا قسامة،

  187. وإن لم يضربه بالقتل،

  188. وإن سقط حال هروبه فبقسامة، لا حتمال موته من سقوطه، واشارته فقط بلا عداوة ولا هرب يكون خطأ، فتجب الدية مخمسة على العاقلة،

  189. وكذا إن هرب ولا عداوة ومات فدية خطأ. الشافعية، والحنابلة قالوا: يجب القصاص بالسبب،

  190. فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا:

  191. ٥/٢٤٦٥/٢٤٦

    تعمدنا الكذب فيها، وعلمنا أنه يقتل، أو يقطع بشهادتنا لزمهما حينئذ القصاص، لآنهما تسبببا في إهلاكه، بما قتل غالباً، فأشبه ذلك الإكراه الحسي، إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما،

  192. فلا قصاص عليهما. لأنهما لم يلجأ إلى قتله حساً ولا شرعاً، فصار قولهم شرطاً محصناً، فيجب على الولي القصاص، أما لو قال الولي عرفت كذبهما بعد القتل،

  193. فلا يسقط القصاص عنهما.

  194. ولو ضيف بمسموم يقتل غالباً، أو ناوله صبياً غير مميز، أو مجنوناً فأكله فمات منه، وجب القصاص عليه أو ضيف به بالغاً عاقلاً، ولم يعلم الضيف بالسم حال الطعام، فدية ولا قصاص، لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء،

  195. وقيل: يجب القصاص. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم امر بقتل المرأة اليهودية التي سمت له الشاة بخيبر، فمات منها بشر بن وائل بن معرور، أما إذا علم الضيف حال الطعام،

  196. فلا شيء على المضيف قطعاً لأنه المهلك نفسه،

  197. ولا يجب على المجني عليه معالجة الجناية بما يدفعها،

  198. فلو ترك المجروح علاج جرح مهلك له، فمات منه وجب القصاص، جزمماً على الجارح، لأن البرء غير موثوق به لو عولج، والجراحة في نفسها مهلكة،

  199. ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقاً كمنبسط فمكث فيه مضطجعاً حتى هلك فهدر أو ماء مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة،

  200. فإن لم يحسنها، أو كان مكتوفاً، أو زمناً تعمد،

  201. وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه،

  202. وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه،

  203. وإن أمكنه التخلص من الغرق فتركها،

  204. فلا دية في الأظهر.

  205. وإن ألقاه في نار يمكن معها الخلاص منها فمكث فيها حتى مات ففي الدية قولان،

  206. وقيل: تجب الدية في الإلقاء في النار،

  207. بخلاف الماء، لأن النار تحرق بأول ملاقاتها، وتؤثر قروحاً قاتلة،

  208. بخلاف الماء، ولو حفر بئراً فرداه فيها آخر، والتردية تقتل غالباً، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل في الأول، والمردي في الثاني، والقاد في الثالث،

  209. ولو ألقاه في ماء مغرف لا يمكنه الخلاص منه كلجة البحر، فالتقمه حوت وجب القصاص في الأظهر، لأنه هلك بسببه،

  210. ولا نظر إلى جهة الهلاك، كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها. قالوا: ومحل الخلاف ما لم يرفع الحوت رأسه ويلقمه، وإلا وجب القصاص قطعاً، ومحله أيضاً إذا كان لا يعلم بالحوت الذي في اللجة،

  211. فإن علم به وجب القود قطعاً. كما لو ألقاه على أسد في ريببته، أو أما قطار سريق. أما إذا ألقاه في ماء غير مغرق، فالتقمه حوت وهو لا يعلم به الملقي فلا قصاً قطعاً، لأنه لم يقصد إهلالكه، ولم يشعر بسبب الإهلاك كما لو دفعه دفعاً خفيفاً، فوقع على سكين فمات ولم يعلم بها الدافع، فتجب في الحالتين دية شبه العمد،

  212. وإن شهر المجنون سلاحاً على غيره فقتله ذلك الغير فلا ضمان عليه لانع قتله دفاعاً عن نفسه،

  213. وكذلك لو شهر الصبي سلاحاً على غيره فقتله فلا ضمان، لأنه يصير محمولاً على قتله بفعله فأشبه المكره،

  214. وكذلك فعل الدابة لو هجمت على لإنسان فقتلها فلا ضمان لأنه دفاع عن النفس.

  215. ٥/٢٤٧٥/٢٤٧

    الحنفية قالوا: من شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عليه عصاً في المصر ليلاً، أو شهر عليه عصاً نهاراً في طريق غير المصر فتله المشهور عليه عمداً، وكان الشاهر عاقلاً مكلفاً،

  216. فلا شيء عليهن لقوله عليه الصلاة والسلام (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أطل دمه) ولأنه يعد في نظر الشرع باغ، فتسقط عصمته ببغيه، ولأنه تعين طريقاً لدفع القتل عن نفسهن فجاز له قتله، لدفع الشر عن نفسه، وجعف الشر مباح أو واجب، ولأن السراح لا يلبث فيحتاج إلى دفعه بالقتل، والعصا الصغيرة،

  217. وإن كانت تلبث، وكن في الليل لا يلحقه الغوث، فيضطر إلى جفعه بالقتل،

  218. وكذلك في النهار في غير المصرن في طريق لا يلحقه الغوث، وفي الصحراء فإذا قتله كان دمه هدراً،

  219. ولا ضمان على قاتله.

  220. وإن شهر المجنون على غيره سلاحاً فقتله المشهور عليه عمداً، فعليه الدية في مالهن لأنه قتل شخصاً معصوماً، أو أتلف مالاً معصوماً حقاً للمالك، وفعل الدابة لا يصلح مسقطاً

  221. وكذا فعلهما، وإن كانت عصمتهما حقهما لعدم اختيار صحيح، ولهذا لا يجب القصاص لتحقق الفعل منهما

  222. بخلاف البالغ العاقل، لأن له أختياراً صحيحاً، وإنما لا يجب القصاص مع القتل العمد بسلاح، لوجود المبيحن وهو دفع الشر عن نفسه، فتجب الجية حتى لا يهدر دم المسلم المعصوم.

  223. ومن شهر على غيره سلاحاً في المصر، فضربه ثم قتله الآخر، فعلى القاتل القصاص لأنه ضربه فانصرف عنه، لأنه خرج من أن يكون محارباً بالانصراف، فعادت عصمته إليه،

  224. ومن دخل عليه غيره ليلاً، واخرج السرقة، فاتبعه صاحب الدار، وقتله ليخلص المتاع فلا شيء عليه، ودمه هدر، لقول صلى الله عليه وسلم: (قاتل دون مالك) ولأنه يباح له القتل دفاعاً للابتداء، فكذا استرداداً في الانتهاء، وذلك إذا كان لا يتمكن من استرداد ماله، إلا بالقتل.

  225. ومن حفر بئراً في طريق المسلمين، أو وضع حجراً فتلف بذلك إنسان، فديته على عاقلته،

  226. وإن تلف به بهيمة، فضمانه في مالهن لأنه متعد فيه فيضمن ما يتولد منه، غير أن العاقلة تتحمل النفس دون المال، فكان ضمان البهيمة في ماله خاصة، وإلقاء التراب، واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر، والخشبة.

  227. وإذا كنس الطريق أو رشها، فعطب احد بموضع كنسه أو رشه لا ضمان عليه، لأنه ليس بمتعد فإنه ما أحدث شيئاً فيه، وإنما قصد رفع الأذى عن الطريقن حتى لو جمع الكناسة في الطريق، وتعلق بها إنسان فإنه يضمن دينه، لتعديه بشغله الطريق بالكناسة.

  228. ولو وضع حجراً، فنحاه غيره عن موضعه، فعطب به إنسان، فالضمان على لاذي نحاه، لأن حكم فعله قد انتسخ، والبالوعة يحفرها الرجل في الطريق،

  229. فإن امره السلطان بذلك، أو آخرجه عليه لم يضمن ما تلف به، لأنه غير متعد حيث فعل ذلك بأمر من له الولاية في حقوق العامة. وإن كان حفر

  230. ٥/٢٤٨٥/٢٤٨

    البالوعة، أو رفع غطاءها بغير امره فهو متعد، فيضم ما تلف به، إما بالتصرف في حق غيره، أو بالافتيات على رأي الإمام، أو هو مباح مقيد بشرط السلامة،

  231. وكذا كل ما فعل في طريق العامة،

  232. وإذا فر البئر في ملكه فلا يضمن لأنه غير متعد،

  233. وكذا إذا حفرها في فناء جارهن لأن له ذلك لمصلحة داره والفناء في تصرفه،

  234. ولو حفرها في الطريق ومات الواقع فيها جوعاً، أو غماً، لا ضمان على الحافر، لأنه مات لمعنى في نفسه،

  235. فلا يضاف إلى الحفر، والضمان إنما يجب إذا مات من الوقوع. وقال أبو يوسف رحمه الله: إن مات جوعاً فكذلك،

  236. وإن ماتغماً فاحافر ضامن له، لأنه لا سبب للغم سوى الوقوع، أما الجوع فلا يختص بالبئر. وقال محمد: هو ضامن في الوجوه كلها، لأنه إنما حدث بسبب الوقوع إذ لولاه لكان الطعام قريباً منه،

  237. وإن استأجر أجراء فحفروها له في غير ملكه، فذلك على المستأجر فقط وإن علموا ذلك، فالضمان على الاجراء، لأنه لا يصح امره بما ليس بمملوك له،

  238. ولا غرس. قالوا: ومن غرق صبياً، أو بالغاً في البحر فلا قصاص عليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إلا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط، والعصا) وفيه، وفي كل خطأ أرش، ولأن الآلة غير مستعملة في القتل،

  239. ولا معدة له لتعذر استعماله، فتمكنت شبهة عدم العمدية، ولأن القصاص ينبىء عن المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره. أما إذا بالنار حتى مات، فيجب فيه القصاص بالسيف،

  240. وكذلك الضرب بحديدة مدببة، أو خشبة محددة: أو حجر محدد، فإنه يجب فيه القصاص بالسيف، لأنه عمد. قالوا: من شج نفسه، وشجه رجل، وعقره أسد، وأصابته حية، فمات من ذلك كله، فإنه يجب على الجنبي ثاث الدية، لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه هدر في الدنيا والآخرة، وفعله بنفسه هدر في الدنيا، معتر في الآخرة حتى يأثم عليه، فعند أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلى عليه، وعند أبي يوسف يغسل،

  241. ولا يصلى عليه، لأنه تعدى على نفسه بشجها، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فيكون الثالث بفعل كل واحد ثلثه، فيجب عليه ثلث الدية. مبحث من مات متاثرا بجراحه اتفق الأئمة: على أن من جرح رجلاً عمداً، فلم يزل صاحب الجرح ملازماً لفراشه حتى مات من أثر الجراح، فإنه يجب عليه القصاص، لوجود السبب، وهو سفك دم محقون على التأبيد عمداً، وعدم وجود ما يبطل حكمه من عفو، أو شبهة تدرأه، فأضيف إليه.

  242. واتفقوا: على أنه إذا تكافأت الدماء، أن ينفذ القصاص في القتل العمد، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، والرجل بالرجل، والذمي بالذمي، والمستأمن بالمستأمن.

  243. ٥/٢٤٩٥/٢٤٩

    لقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى} فقد جاءت الآية الكريمة مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قبل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} .

  244. وبينه النبي صلى الله عليه وسلم حين قتل الرجل اليهودي بالمراة، في المدينة، وحين أمر بقتل المرأة اليهودية التي وضعت السم في الطعام في غزوة خيبر فمات بسببه صحابي من أصحابه رضوان الله عليهم. مبحث قتل المؤمن بالكافر المالكية قالوا: يقتل الأدنى صفة بالأعلى، كذمي قتل مسلماً، أو كحر كتابي يقتل بعبد مسلم، لأن الإسلام أعلى من الحرية.

  245. ولا يقتل الأعلى بالأدنى، كمسلم بكافر، وكمسلم رقيق، بحر كتابي، ويقتل الذكر بالأنثى، حيث لم يكن القاتل زائداً حرية، أو إسلاماً، ويقتل الصحيح بالمرض،

  246. ولو كان مشرفاً على الهلاك أو محتضراً للموت. وقتل كامل الأعضاء والحواس بالناقص عضواص، كيد ورجل، أو الناقص حاسة كسمع وبصر، واحتجوا على مذهبهم بما روي من حديث الإمام على كرم الله وجهه، أنه سأله قيس بن عبادة والأشقر، هل عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لم يعهده إلى الناس؟

  247. قال: لا. إلا ما في كتابي هذا، وأخرج كتاباً من قراب سيفه،

  248. فإذا فيه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم،

  249. ولا يقتل مؤمن بكافر،

  250. ولا ذو عهد في عهده، لو أحدث حدثاً، أو آوى محدثاث فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين) خرجه أبو دادو. وما روي أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقتل مؤمن بكافر) .

  251. وما روي عن أبي جحيفة أنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه: (هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا. والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يعطيه الله تعالى رجلاً في القرآن الكريم، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟

  252. قال: العقل، وفكاك ألأسير،

  253. وأن لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري رحمه الله وأخرجه أبو داود، والنسائي. رحمهما الله تعالى. واحتجوا أيضاً على مذهبهم، بإجماع العلماء على أنه لا يقتل مسلم بالحربي الذي أمن أي اخذ الامان. قالوا:

  254. فلا يقتل المؤمن بالذمي إلا أن يضجعه فيذبحه، أو يقتله غيلة ويأخذ ماله،

  255. فلا يشترط فيه الشوط المتقدمة، بل يقتل ولا صلح ولا عفو. الشافعية والحنابلة قالوا: يشترط عندهم في القاتل مكافأته، ومساواته للقتيل في الصفة بأن لم يفضله بإسلام أو أمان، أو حرية، أو أصلية، أو سيادة، ويعتبر حال الجناية، حينئذ، فلا يقتل مسلم،

  256. ٥/٢٥٠٥/٢٥٠

    ولو كان زانياً محصناً، أو تاركاً للصلا' متعمداً، بذمي،

  257. ولا كتابي، لخبر البخاري رحمه الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقتل مسلم بذمي) . قال ابن المنذر: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يعارضه. ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالإجماع، كما قال ابن عبد البر، فالنفس بذلك أولى، والحديث المذكور يقتضي عموم الكافر،

  258. فلا يجوز تخصص بإضمار (الحربي) ولأنه لو كان لامعنى كما قال الأحناف، لخلا عن الفائدة، لأنه يصير التقديرن لا يقتل المسلم إذا قتل كافراً حربياص، ومعلوم أن قتله عبادة، فكيف يعقل أنه يقتل به؟. ويقتل ذمي بالمسلم لشرفه، وبالذمي وإن اختلفت ملتهما، كاليهوجي، بالمسيحي،

  259. فلو اسلم الذميي القاتل كافراً مكافئاً له، لم سقط القصاص. لتكافئهما حال الجناية. لأن الاعتبار بالعقوبات حال الجناية،

  260. ولا نظر لما يحدث بعدها. قالوا: ويقتل رجل بامرأة وخنثى، كعكسه، وعالم بجاهل، وشريف بخسيس، وشيخ بشاب كعكسهما، لأنه صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن (إن الذكر يقتل بالأنثى) رواه النسائي وقوله صلوات الله وسلامه عليه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) خرجه أبو داود.

  261. ولو جرح ذمي، ذمياً، وأسلم الجارح،

  262. ثم مات المجروح بالسراية،

  263. فلا يسقط القصاص بالنفس للتطافؤ حالة الجرح المفضي إلى الهلاك، وذا أسلم المقتول عند إشرافه على القتل، أو بعد جرحه لا يقتص له وارثه الكافر، بل إنما يقتص له الحاكم بعد طلب الوارث،

  264. وإذا لم يطلب، فليس للإمان أن يقتص.

  265. ولا يقتل حر بمن فيه رق، ويقتل قن، وعبد، ومكاتب، وأم ولد بعضهم ببعض. لو قتل عبد عبداً،

  266. ثم عتق القاتل، أو عتق بعد الجرح، فكحدوث الإسلام، وهو عدم سقوط القصاص في القتل جزماص،

  267. ولا قصاص بين عبد مسلم، وحر وذمي لعلو الإسلام وشرفه. الحنفية قالوا: يقتل المسلم بالذمي، لأن الله تعالى قال: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالانثى} فهو تخصيص بالذكر، وهو لا ينافي ما عده، كما في قوله، (والأنثى بالأنثى) فإنه لا ينافي الذكر بالأنثى،

  268. ولا العكس بافجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل بالمقتول، وذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ري أن قبيلتين من العرب تدعي إحداهما فضلاً عن الأخرى، اقتتلتا فقالت: مدعية الفضل لا نرضى إلا بقتل الذكر منهم بالأنثى منا، والحر منهم بقتل العبد منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة، رداً عليهم فجاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حراً، وحكم العبد إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينة قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس

  269. ٥/٢٥١٥/٢٥١

    بالنفس} وقتل المسلم بالذمي نفس بنفس، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد. قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاصن وهي حرمة الدم الثابتة على التأييد والمسلم كذل:، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يقق ذلك: أن المسلم تقطع يده بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواتع لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه، وأجمع العلماء على أن العور والأشل إذا قتل رجلاً سالم الأعضاء، أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية، من أجل أنه قتل إذا عينين وهو أعور، وقت ل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل لى أن النفس مكافئة للنفس، ويكافىء الطفل فيها الكبير.

  270. واحتجوا بما روى محمد بن الحسن عن إبراهيم رحمهما الله تعالى (أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (انا أحق من وفى بذمته،

  271. ثم أمر به فقتل) . ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي ثابتة، نظراً إلى التكليف أو الدرا، ولأن المبيح للدم إنما هو كفر المحارب، قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر،

  272. ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله،

  273. ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} آية ٢٩ من التوبة. ولأن قتل الذمي بالذمي، دليل على أن كفر الذمي لا يورث الشبهة، إذ لو أورثها لما جرى القصاص بينهما، كما لا يجري بين الحربيين، ولأن الأسلام أعلى من حرية الذمي والأعلى لا يقتل بالأدنى،

  274. ولا يقتل المسلم بالمستأمن، لأنه غير محقون الدم على التأبيد،

  275. وكذلك كفره باعث على الحرب لأنه على قصد الرجوع إلى داره، فصار كالحربي،

  276. ولا يقتل الذمي بالمستأمن، ويقتل المستأمن بالمستأمن، ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير،

  277. والصحيح بالعمى والزمن، وبناقص الطراف وبالمجنون، للآيات الدالة بعمومها على وجوب القصاص، ولأن في اعتبار التفاوت فيما وراء العصمة، امتنعاع القصاص، وظهر التقاتل، والتفاني بين أفراد المجتمع. مبحث قتل الحر بالعبد الحنفية قالوا: يقتل الحر بالحر، والحر بالعبدن لعموم الآيات الواردة في القصاص، ولآن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين، أو بالدار، والعبد والحر يستويان فيهما، فيجري القصاص بينهما، وحقيقة الكفر لا تمنع ممن جريان القصاص، لأنه لو صلح لما جرى بين العبدين، كما لا يجري بين المستأمنين وليس كذلك، ونص الآية فيه تخصيص بالذكر، وهو لا ينفي ما عداه، كما في قوله تعالى {والأنثى بالأنثى} فإنه لا ينفي أن يقتل الأنثى بالذكر،

  278. ولا العكس بالإجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل، أو الاسراف في القصاص، كأن يقتل العشرة بالواحد.

  279. ٥/٢٥٢٥/٢٥٢

    وإذا قتل الحر العبد،

  280. فإن أراد سيد العبد قتل القاتل، وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا، واخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن الإمام علي، والحسن. واحتجوا على مذهبهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) .

  281. وما روي عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل عبده قتلناه،

  282. ومن جدع عبده جدعنا) رواه أحمد والاربعة، وحسنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري. فالحديث دليل على أن الحر يقاد بالعبد في النفس والكراف، والجدع قطع الأنف، واو الأذن، أو اليد، أو الشفة في القاموس.

  283. ومن طريق المعنى قالوا: ولما كان قتل العبد محرماً كقتل الحر، وجب أن يكون القصاص فيه كالقصاص في الحر، وقال النخعي وجماعة: يقتل الحر بالعبد سواء كان عبد القاتل، أو عبد غير القاتل، واحتجوا، على هذا بعموم قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وهو ضعيف.

  284. المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل حر بعبد، ولأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفية بين المالك، والمملوك، ولهذا لا يقطع طرف الحر بطرف العبد،

  285. بخلاف العبد بالعبد، لأنهما يستويان، وبخلاف العبد حيث يقتل بالحر لأنه تفاوت إلى نقصان، وهم يقتلون الادنى بالأعلى، دون العكس. قال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد، والحرار، فيما دون النفوس، كانت النفوس أحرى بذلك،

  286. ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضاً: فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ، لم شبهه في العمد. وأيضاً:

  287. فإن العبد سلعة من السلع، يباع ويشترى، ويتصرف في الحر كما يشاء،

  288. فلا مساواة بينه، وبين الحر،

  289. ولا مقاومة. واحتجوا بما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالىعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لايقتل مسلم بكافر) . مبحث قتل الرجل بالمرأة اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على أنه يجوزقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير،

  290. والصحيح بالمريض لعموم الآيات الواردة في وجوب القصاص، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ورد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه امر بقتل الرجل اليهودي الذي اعترف بقتل المرأة المسلمة في المدينة، وبما روي عن على كرم الله وجهه، وعبد الله قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً، فهو بهاقود، كما تقتل المرأة

  291. ٥/٢٥٣٥/٢٥٣

    بالرجل ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف (المسلمون تتكافأ دماؤهم، فالمرأة تكافىء الرجل، وتدخل تحت الحديث، ولات اعتبار التفاوت فميا وراء عصمة الدم، يجعل القصاص ممتنعاً، ويظهر الفتنة، والتفاني بين العباد، وهذا نشر للفساد فلا يصح، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم (أن الرجل يقتل بالمرأة) .

  292. القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: يجوز القصاص بين الرجال، والنساء فيما دون النفس، فقد اعتبروا الأطراف اخرى، واولى، ولقوله تعالى {والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن} روى على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، وبقطع الأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه احرار المسلمين فيما بينهما، رجالهم، ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس، وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم، ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس، وما دون النفس رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.

  293. الحنابلة في باقي قولهم: أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى اوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل. الحنفية قالوا: لا قصاص بين الرجل والمرأة، فيما دون النفس،

  294. ولا بين الحر والعبد،

  295. ولا بين العبيد، لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة، والتفاوت معلوم قطعاً بتقويم الشرع،

  296. فإن الشرع قوم اليد الواحدة للحر بخمسمائة دينار قطعاً ويقيناً،

  297. ولا بتلغ يد العبد إلى ذلك،

  298. فإن بلغت كانت بالحرز والطن،

  299. فلا تكون مساوية ليد الحر يقيناً،

  300. فإذا كان التفاوت معلوماً قطعاً أمكن لنا اعتباره