مبحث الجناية على الأطراف.
الفقه على المذاهب الأربعةالفقه المقارنالمسائل ٣١٬٧٢٤ إلى ٣٢٬٥٩٥
-
٥/٣١٢٥/٣١٢
ولا من إزالة شعر حاجب، فعمد هذه المذكورات كالخطأ عدم القصاص والعقل، وإنما يجب الأدب في عمدها دون خطئها، وتجب حكومة في شعر اللحية، وشعر العين، وشعر الحاجب إن لم ينبت كما كان اولاً، لأن الأهداب والحواجب ليست أعضاء لها منفعة ولا فعل بين ضروري في الخلقة، أما إذا نشأ من هذه الضربات جرح، أو ذهاب منفعة، فإنه يجب فيها القصاص.
-
أما الضرب بالسوط فيجب في عمدها القصاص،
-
وإن لم ينشأ عنه جرح،
-
ولا ذهاب منفعة، لأن الضرب بالسوط عهد للأدب والحدود، وليس فيه متألف في العادة.
-
ولا قصاص أن عظم الخطر في الجراحات التي في الجسد غير المثقلة، والآمة، فإنه لاقصاص فيها من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر،
-
فلا قصاص في كسر عظم الصدر، وكسر
-
٥/٣١٣٥/٣١٣
عظم الصلب، ورض الأنثيين، وفيها العقل كاملاً بعد البرء، وذلك
-
بخلاف ما إذا قطعهما، أو جرحهما فإنه يجب القصاص على الجاني، لأنه ليس من المتالف.
-
وأن جرحه جرحاً في القصاص كموضحة مثلاً، فذهب بسببه نمو بصره، أو شلت يده، اقتص منه،
-
ويجب أن يفعل بالجاني بعد تمام برء المجني عليه مثل ما فعل من الجناية،
-
فإن حصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، أو زاد الذاهب من الجاني، بأن ذهب بسبب الموضحة شيء آخر مع الذاهب، بأن أوضح فذهب بصره وسمعه،
-
فلا كلام لذلك الجاني الذي اقتص منه، لأنه ظالم يستحق القصاص بالوجه الذي فعل به، والزيادة أمر من الله تعالى،
-
وإذا لم يحصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، بأن لم يحصل شيء أصلاً، أو حصل غيره، فيجب عقل ما ذهب من المجني عليه في مال الجاني إذا كان الجرح عمداً، أو العاقلة إن كان خطأ، كأن ضربه بقضيب مما لا قصاص فيه، أو لطمه على خده، أو قفاه، لأن الضرب لا يقتص فيه، إنما يقتص من الجروح لقول تعالى {والجروح قصاص} فذهب بصر المجني عليه من أثر الضرب، فإنه لا يضرب بل يجب عليه العقل، إلا أن يمكن الاذهاب من الجاني بفعل فيه يذهب منه مثل ما أذهب بما لا قصاص فيه، كحيلة تذهب بصره بلا ضرب، فإنه يفعل به.
-
وإذا قطع بعد الجناية عضو رجل قاطع لعضو غيره عمداً، وسقط بآفة سماوية، أو قطع عضوه بسبب سرقة، أو قطع بقصاص لغير المجني عليه أولاً،
-
فلا شيء للمحني عليه، لا قصاص،
-
ولا دية، لأنه إنما تعلق حقه بالعضو المماثل وقد ذهب،
-
وكذا لو مات القاطع فلا شيء على الورثة'
-
بخلاف مقطوع العضو قبل حدوث الجناية فتجب عليه الدية، وفي القصاص يجوز أن يؤخذ من الجاني عضو قوي بعضو ضعيف جنى عليه،
-
فإذا جنى صاحب عين ضعيفة الأبصار خلقة، أو من كبر صاحبها،
-
فإن السليمة تقلع بالضعيفة، ما لم يكن الضعف جداً، وإلا فإن كان العضو شديد الضعف فإنه تجب الدية،
-
وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين اخذ دية،
-
وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين أخذ دية كاملة من مال الجاني، أي دية غين نفسه،
-
وإذا كان المشهور في المذهب تحتم القصاص في العمد، وإنما وجب التخيير لعدم مساواة غين الجاني، والمجني عليه في الدية، لأن دية عين المجني عليه ألف دينار،
-
بخلاف عين الجاني فديتها خمسمائة دينار،
-
فلو ألزمناه بالقصاص لكان أخذ الأدنى في الأعلى، وهو ظلم له، فيجب التخيير،
-
وإن فقأ أعور من سالم عيناً مماثلة عين الجاني السالمة، فيجوز للمجني عليه سالم العينين القصاص من الأعور الجاني بفقء عينه السالمة فيصير أعمى، أو ترك القصاص، ويأخذ من الجاني دية عينه، وهي ألف دينار على أهل الذهب، لتعين القصاص بالمماثلة، وصارت الثانية عين أعور فيها دية كاملة، لأنه ينتفع بالواحدة انتفاع صاحب العينين.
-
وإن فقأ الأعور من السالم غير المماثلة لعينه، بأن فقأ من السالم المماثلة للعوراء، فإنه يجب نصف دية فقط في مال الجاني،
-
ولا يجوز للمجني عليه أن يقتص منه لعدم المحل المماثل، وإن فقأ
-
٥/٣١٤٥/٣١٤
الأعور عيني السالم عمداً، في مرة، أو في مرتين، وساء فقأ التي ليس له مثلها أولاً، أو ثانيا على الرجح، فيجب القود للمجني عليه، بأن يفقأ من الجاني العين المماثلة فيصير أعمى مثله، ويأخذ من الجاني نصف الدية، بدل العين التي ليس لها ممثلة، ولم يخير سالم العينين في المماثلة، بحيث يكون له القصاص، أو أخذ الدية، لئلا يلزم عليه أخذ دية ونصف، حيث اختار الدية في العينين، وهو خلاف ما ورد عن الشارع صلوات الله وسلامه عليه.
-
مبحث دية الأصابع والكف الشافعية، والمالكية، والحنفية - قالوا: في قطع اصابع اليد نصف الدية، لأن في قطعها تفويت جنس منفعة البطش وهو الموجب،
-
فإن قطعها مع الكف ففيه أيضاً نصف الدية، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية) ، ولأن الكف تبع للأصابع لأن البطش بها،
-
وإن قطعها مع نصف الساعد، ففي الصابع والكف نصف الدية، وفي الزيادة حكومة عدل، لأن الشرع أوجب في اليد الواحدة نصف الدية، واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب،
-
فلا يزاد على تقدير الشرع،
-
وأن قطع الكف عن المفصل وفيها أصبع واحدة ففيه عشر الدية،
-
وإن كان أصبعان فالخمس،
-
ولا شيء في الكف، لأن الأصابع اصل، والكف تابع حقيقة وشرعاً، لأن البطش يقوم بها ولو كان في الكف ثلاثة أصابع يجب أرش الأصابع،
-
ولا شيء في الكف بالأجماع لأن الصابع أصول في التقوم، وللأكثر حكم الكل، فاستتبعت الكف، كما إذا كانت الأصابع قائمة بأسرها. قالوا: وفي الصابع الزائدة حكومة عدل، تشريفاً للآدمي، لانها جزء من يده، ولكن لا منفعة فيها،
-
ولا زينة، وكذلك السن الزائدة، فيها حكومة عدل،
-
وإن كانت كف المجني عليه ناقصة الصابع مثلاً، لم تقطع السليمة بها،
-
ولو قطع أصبعاً فتأكل غيرها، أو شل أصبع بجوارها أو كف،
-
فلا قصاص في المتآكل، والمشلول بالسراية، لعدم تحقق العمديية، بل فيه الدية، أو حكومة في مال الجاني،
-
ولو اقتص في أصبع من خمسة فسرى لغيرها لم تقع السراية. قصاصاً، بل يجب على الجاني للأصابع الأربع أربعة أخماس الدية،
-
ولا حكومة لمنابت الصابع، بل تدخل في ديتها،
-
ولو ضرب يده فتورمت،
-
ثم سقطت بعد أيام وجب القصاص،
-
ولا أثر في القصاص في يد لخضرة أظفار وسوادها، لأنه علة ومرض في الظفر، وتقطع ذاهبة الأظفار بسلميتها، لانها دونها، دون العكس، لأن الكامل لا يؤخذ بالناقص.
-
ولو نقصت يده أصبعاً فقطع يداً كاملة قطع وعليه أرش الصبع،
-
ولو قطع كامل اليد ناقصة،
-
فإن شاء المقطوع أخذ دية اصابعه الربع وإن شاء قطعها،
-
ولو قطع كفاً بلا أصابع فلا قصاص إلا أن تكون كفه مثلها، ولقد قطع فاقد الصابع كاملها قطع كفه وأخذ دية الأصابع اهـ. مبحث في الشجاج اتفق الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى: على أن الشجاج في اللغة، والفقه، عشرة.
-
٥/٣١٥٥/٣١٥
أولها - الحارصة - وهي التي شقت الجلد، ولاتخرج الدم. ثانيها - الدامعة - وهي التي تظهر الدم ولا تسيله، كدمع العين. ثالثها - الدامية - وهي التي تسيل الدم، بأن تضعف الجلد بلا شق له حتى يرشح الدم. رابعها - الباضعة - وهي التي تبضع الجلد، وتقطعه، أي - تشقه.
-
خامسها - المتلاحمة - وهي ما غاصت في اللحم في عدة مواضع منه، ولم تقرب للعظم. سادسها - السمحاق: وهي التي تصل إلى السمحاق، وهي جلدة رقيقة بين اللحم، وعظم الرأس وتسمى (الملطاه) . سابعها - الموضحة: وهي التي توضح العظم وتبينه، أي - تكشفه.
-
ثامنها - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم وتكسره. تاسعها - المنقلة: وهي التي تنقل العظم بعد الكسر، وتحوله. عاشرها - الآمة: وهي التي تصل إلى أم الرأسن وهو الذي فه الدماغ، وتسمى (المأمومة) فقد علم بالاستقراء بحسب الآثار أن الشجاج لا تزيد على ما ذكر من العشر.
-
أما ما بعدها وهي - الدامغة - وهي التي تخرج الجماغ من موضعه،
-
فإن النفس لا تبقى بعدها عادة، فيكون ذلك قتلاً لا شجاص، وهي مرتبة على الحقيقة اللغوية في الصحيح. الموضحة اتفق الفقهاء، على وجوب القصاص في الموضحة إن كانت عمداً، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالقصاص في الموضحة، ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان، فيتحقق القصاص،
-
ولا يشترط فيها ما لوه بال واتساع، بل يثبت القصاص فيها،
-
وإن كان الشج ضيقاً،
-
ولو قدر مغرز إبرة. واتفقوا: على أن الموضحة، إن كانت خطأ فيجب فيها نصف عشر الدية وهو خمس من الإبل وقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم، وثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الموضحة خمس) يعني من الإبل، ولما رواه الترمذي وحسنه (في الموضحة خمس من الإبل) وذلك لحر، ذكر، مسلم، غير جنين، وتراعى هذه النسبة في حق غيره من المرأة، والكتابي وغيرهما، ففي موضحة الكتابي الخطأ، يجب بعير وثلثان، وفي موشحة المجوسي ونحوه، ثلث بعير، وفي موضحة المرأة المسلمة، الحرة، يجب بعيران، ونصف بعير، وهو نصف عشر ديتها.
-
موضع الموضحة المالكية - قالوا: المضحة ما أظهرت عظم الرأس، أو عظم الجبهة وهو ما بين الحاجبين وشعر
-
٥/٣١٦٥/٣١٦
الرأس، أو عظم الخدين، واللحي الأعلى،
-
ولا تكون في اللحي الأسفل، لأنه في حكم العنق،
-
ولا تكون في عظم النف،
-
وإن وجب القصاص من عمده، وذلك لأن الوجه مشتق من المواجهة،
-
ولا مواجهة للناظر فيهما،
-
فلو وجد في اللحي الأسفل والأنف لا يجب الأرش المقدر. الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: الموضحة تكون في جميع الوجه والرأس، والجبهة والوجنتين، والذقن داخل في الوجه. وأتفق الأئمة الأربع: على أن هذه الشجاج العشر المذكورة تختص بالوجه، والرأس لغة، وما كان في غير الرأس والوجه، يسمى جراحة، والحكم مرتب على الحقيقة في الصحيح، حتى لو تحققت في غيرهما نحو الساق، واليد، لا يكون لها أرش مقدر، وإنما تجب حكومة عدل، لأن التقدير بالتوقيف، وهو إنما ورد فيما يختص بهما، ولأنه إنما ورد الحكم في الموضحة لمعنى الشين الذي يلحقه ببقاء أثر الجراحة، والشين يختص بما يظهر منها في الغالب، وهو هذان العضوان لا سواهما.
-
بقية الشجاج الحنفية - قالوا: لا قصاص في بقية الشجاج لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لاحد ينتهي السكين اليهن ولأن فيما قوق الموضحة، وهي الهاشمة، والمنقلة، والآمة، فيها كسر العظم،
-
ولا قصاص فيه وهذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله. وقال محمد في الأصل - وهو ظاهر الرواية - يجب القصاص فيما قبل الموضحة، لأنه يمكن اعتبار المساواة فيهن إذ ليس فيه كسر العظم،
-
ولا خوف هلاك غالب، فيسبر غورها بمسبار،
-
ثم تمخذ حديدة بقدر ذلك، فيقطع بها مقدرا ما قطع، فيتحقق استيفاء القصاص. قالوا: وفيما دون الموضحة، وهي الست المتقدمة عليها، من الحارصة إلى السمحاق، يجب حكومة عدل، لأنه ليس فيها أرش مقدر،
-
ولا يمكن غهداره، فوجب اعتبراه بحكم العد، وهو ماثور عن النخعي، وعمر بن عبد العزيز. قالوا: وفي الهاشمة عشر الدية، وفي المنقلة عشر الدية، ونسف عشر الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الديةن فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية.
-
لما روي في كتاب عمرو بن حزم، رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة غشر، وفي المنقلة خمس عشر، وفي الآمة، ويروى المأمومة ثلث الدية وقال عليه الصلاة والسلام: (في الجائفة ثلث الجية) وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية، ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين، إحداهما من الجانب البطن، والأخرى من جانب الظهر، وفي كل جائفة ثلث الدية.
-
فلهذا وجب في النافذة ثلث الدية. وقالوا: إن الجائفة تختص بالجوف، جوف الرأس، أو جوف البطن. وتفسير حكومة العدل على ما قاله الإمام الطحاوي رحمه الله: إن يقوم مملكوكاً بدون هذا الأثر
-
٥/٣١٧٥/٣١٧
ويقوم، وبه هذا الأثر ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القميتين،
-
فإن كان نصف عشر القيمة، يجب نصف عشر الدية،
-
وإن كان ربع عشر، فربع عشر. الشافعية - قالوا: في الهاشمة مع إيضاح، أو احتاج إليه بشق لإخراج عظم، أو تقويمه، عشرة من الإبل، وهي عشر دية الكامل بالحرية، لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أنه صلى الله عليه وسلم: (اوجب في الهاشمة عشراً من الإبل) رواه الدارقطني والبيهقي وفعل ذلك لا يكون إلا عن توقيت، وهاشمة دون إيضاح خمس من الإبل على الصح، لأن العشرة في مقابلة الإيضاح والهشم، وأرش الموضحة خمسة، فتعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم.
-
وقيل: في الهشم إذا خخلا عن غيضاح العظم تجب حكومة، لأنه كسر عظم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام - ومنقلة - خمسة عشر بعيراَ، روى النسائي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل في كتاب (الأم) فيه الإجماع،
-
وكذا أبن المنذر، ويجب القصاص في الموضحة فقط. وفي مأمونة ثلث الدية لخبر عمرو بن حزم بذلك قال في البحر: وهو إجماع، وفي الدامغة ما في المأمومة على الأصح المنصوص،
-
وقيل: تزاد حكومة لخرق غشاء الدماغ. قالوا: وإنما يجب في المأمومة، وما قبلها ما ذكر إن اتحد الجاني،
-
وأما لو تعدد فحكمه ما يأتي: لو أوضح واحد، ذكراً، حراً، مسلماً فهشم آخر - بعد الإيضاح، أو قبله - ونقل ثالث. وام رابع، فعلى كل من الثلاثة خمس من الإبل، أما الأول فبسبب الإيضاح وأما الثاني فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة،
-
وأما الثالث فلنه الزائد عليهما من دية المنقلة، وعلى الرابع تمام الثلث وهو ثمانية عشر بعيراً وثلث بعير، وهو مابين المنقلة والمأمومة. قالوا: والشجاج الخمس التي قبل الموضحة من الحارصة إلى اسمحاق. إن عرفت نسبتها من الموضحة، بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلاً عرف أن المقطوع ثلث، أو نصف في عمق اللحم، وجب قسط من أرشها بالنسبة،
-
فإن شككنا في قدرها من الموضحة، اوجبينا اليقين،
-
وإن لم تعرف نسبته منها فتجب حكومة عدل لا بتلغ أرض موشحة، كجرح سائر البدن، كالإيضاح والهشم، والتنقيلن فإن فيه الحكومة فقط، لأن أدلة ما مر في الإيضاح، والهشم، والتنقيل لم يشمله لاختصاص أسماء الثلاثة بجراحة الرأس، والوجه، وليس غيرهما في معناهما.
-
قالوا: وفي جائفة وإن صغرت ثلث دية، لثبوت ذلك في حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه. وهذا كالمستثنى مما قبله إذ لا جرح في البدن يقدر غيرها، وهي جرح يصل إلى جوف فيه قوة تحيل الغذاء، أو الدواء، كداخل بطن، وداخل صدر، وداخل ثغرة نحر، وداخل جبين، وداخل خاصرة،
-
ولا فرق بين أن يجيف بحديدة، أو خشبة،
-
ولا جائفة في الفم، والأنف، والجفن، والعين، وممر البول، إذ لا يعظم فيها الخطر على النفس كالأمور المتقدمة، ولأنها لا تعد من الأجواف، فتجب
-
٥/٣١٨٥/٣١٨
فيها حكومة، فلو وصلت الجراحة إلى الفم بإيضاح من الوجه، وجب على الجاني أرش موضحة، وهو خمس من الإبل،
-
ولو وصلت الجراحة داخل النف، بكسر قصبة الأنف فيجب أرش هاشمة، وهة عشر من الإبل مع وجوب حكومة فيهما للفوذ إلى الفم، والأنف، لأنها جناية أخرى، ولزيادة الخطر، والقبح فيهما. قالوا:
-
وإن حز بسكين من كتف، أو فخذ إلى البطن فأجافه، فيجب على الجاني أرش جائفة، وهو ثلث دية - وحكومة لجراحة الكتف' أو الفخذ، لأنها في غير محل الجائفة،
-
وإن حز بها من الصدر إلى البطن أو النحر، فيجب فيها أش جائفة بلا حكومة، لأن جميعه محل الجائفة،
-
ولو أجافه حتى لذع كبده، أو طحاله لزمه مع دية الجائفة حكومة في ذلك،
-
ولو كسر ضلعه كانت حكومته معتبرة بنفوذ الجائفة،
-
فإن نفذت في غير الضلع لزمه حكومة مع الدية،
-
وإن لم تنفذ إلا بكسره، دخلت حكومة كسره في دية الجائفة.
-
ولا يختلف أرش موضحة بكبرها،
-
ولا صغرها، لاتباع الاسمن ولا بكونها بارزة، أو مستورة بالشعر،
-
ولا يشترط أن تكون موضحة بل لو غرز فيه غبرة فوصلت إلى الجوف تسمى جائفةن ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما في ارأس من الشجاج فهو على الأسماء اهـ. واعلم أن الموضحة تتعدد صورة، وحكماً، ومحلاً، وفاعلاً،
-
فلو أوضح الجاني مع اتحاد الحكم موضعين بينهما لحم، وجلد معاً. قيل: أو بينهما لحم فقط، أو جلد فقط، فموضحتان أما في الأولى فلاختلاف الصورة مع قوة الحادز،
-
وأما في الثانية فلوجود حاجز بين الموضعين،
-
والأصح أنها واحدة، ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط،
-
وقيل: لا يجب أكثر من دية النفس. قالوا:
-
ولو انقسمت موضحة عمداً، وخطأ فموضحتان، أو شملت رأساً ووجهاً فموضحتان، على الصحيح،
-
ولو وسع الجاني موضحته مع اتحاد الحكم فواحدة على الصحيح وقيل: ثنتان.
-
ولو وسع غير الجاني الموضحة، فثنتان، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره. كما لو قطع يد رجل، وحز آخر رقبته،
-
فإن على كل منهما جنايته. والجائفة كالموضحة في الاتحاد، والتعدد، المتقدم،
-
ولو طعنه بآلة نفذت في بطنه وخرجت من ظهره، أو عكسه أو نفذت من جنب وخرجت من جنب فهما جائفتان في الأصح. اعتباراً للخارجة بالداخلة، وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قضى في رجل رمى ردلاً بسهم فأنفذه بثلثي الدية، وثبت أيضاً أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قضى بهذا الحكم،
-
ولا مخالف لهما فكان لإجماعاً اهـ. المالكية رحمهم الله تعالى - قالوا: يقتص من الموضحة. ويقتص مما قبلها من كل ما لا يظهر به العظم وهي سنة. ثلاث متعلقة بالجلد، وهي، الدامية، والحارصة والسممحاق، وثلاث متعلقة باللحم، وهي الباضعة، والمتلاحمة، والملطاء، بكسر الميم.
-
قالوا: والهاشمة، تعتبر في القصاص إن اتحد المحل، بالمساحة حولاً، وعرضاً، وعمقاً، وما بعد الموضحة من الشجاج فلا قصاص فيه، بل يتعين فيه العقل، فيستوي عمده، وخطؤه، وهي:
-
٥/٣١٩٥/٣١٩
المتنقلة (بفتح النون كسر القاف مشددة) وهي لا تكون إلا في الرأس، أو الوجه، هي ما ينقل فيها فراش العظم، وهو العظم الرقيق الكائف فوق العظم كقشر البصل، أي ما يزيل منها الطبيب فراش العظم لأجل الدواء، ليلتئم الجرح. وإنما لم يكن فيها قصاص لشدة خطرها على النفس، وإزهاق الروح.
-
وآمة. بفتح الهمزة ممدودة، وهي ما أفضت لأم الدماغ، أي الجرح الواصل لأم دماغ، ولم تخرقها. وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه، متى انكشفت عنه مات، والدماغ اسم للمخ. قالوا:
-
ولا يجب القصاص إن عظم الخطر، واشتد الخوف في غير الجراحات التي بعد الموضحة. أي جراح الجسد غير المنقلة، والآمة، المتقدمتين. لأنه لا قصاص فيهما من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، والجراحات التي في الجسد ويخاف منها إزهاق الروح، ككسر عظم الصدر، وكسر عظم الصلب، أو العنق، ورض الأنثيين.
-
مبحث في بأخير القصاص الحنفية - قالوا: من جرح رجلاً جراحة عمداً، ووجب القصاص،
-
فلا يقتص منه حتى يبرأ من الجراحة، لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (يستأني في الجراحات سنة) ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها لأن حكمها في الحال غير معلوم، لأنها ربما تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل، وإنما يستقر الأمر بالبرء.
-
المالكية - قالوا: يجب تأخير القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد، أو حر يخاف منه الموت، لئلا يموت فيلزم أخذ نفس بدون نفس،
-
وكذلك يؤخر إقامة القصاص في الأطراف إذا كان الجاني مريضاً حتى يبرأ من مرضه، ويؤخر أيضاً القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ المجروح، لاحتمال أن يموت، فيكون الواجب القتل بقسامة، وينتظر برء المجني عليه،
-
ولو تأخر البرء سنة، خوف أن يؤول إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة، وتجب الحكومة إذا برئ على شين، وإلا ففيه الأدب في العمد. الشافعية - قالوا: يجب أن يقتص المستحق على الفور، إن طلب ذلك في النفس جزماً، ويقتص من الجاني فيما دون النفس في الحال، اعتباراً بالقصاص في النفس، لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل، ولأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل، كقيم المتلفات، والتأخير أولى لاحتمال العفو،
-
ويجوز للمجني عليه أن يقطع الأطراف متوالية،
-
ولو فرقت من الجاني، لأنها حقوق واجبه في الحال. تأخير قصاص الحامل واتفق الأئمة: على أن المرأة الحامل إذا وجب عليها القصاص في النفس أو الأطراف، إذا طلب المجني عليه حبسها، فإنها تحبس حتى تضع حملها، ويؤخر عنها القصاص في النفس والأطراف حتى
-
٥/٣٢٠٥/٣٢٠
تضع وترضع وليدها وينقضي النفاس، ويستغني عنها ولدها بغيرها من امرأة أخرى، أو بهيمة يحل لبنها، أو فطام حولين، إذا فقد ما يستغني الولد به، وذلك في قصاص النفس. لأنه اجتمع فيها حقان، حق الجنين وحق الولي في التعجيل، ومع الصبر يحصل استيفاء الجنين، فهو أولى من تفويت أحدهما.
-
أما في قصاص الطرف أو حد القذف، فيؤجل لأن في استيفائه قد يحصل إجهاض الجنين، وهو متلف له غالباً، وهو بريء،
-
فلا يهلك بجريمة غيره،
-
ولا فرق بين أن يكون الجنين من حلال، أو جرام،
-
ولا بين أن يحدث بعد وجوب العقوبة، أو قبلها، حتى أن المرتدة لو حملت من الزنا بعد الردة، لا تقتل حتى تضع حملها،
-
وأما تأخيرها لارضاع اللبأ (هو اللبن الرقيق الذي ينزل من المرأة في الأيام الأولى من الولادة) فلأن الولد لا يعيش إلا به محققاً، أو غالباً مع أن التأخير يسير،
-
وأما تأخيرها للاستغناء بغيرها،
-
فلأ جل حياة الولد أيضاً، فلأنه إذا وجب التأخير لوضعه فوجوبه بعد وجوده وتيقن حياته أولى،
-
ويسن صبر الولي بالاستيفاء بعد وجود مرضعات يتناوبنه، أو لبن شاة، أو نحوه، حتى توجد امرأة فاضلة مرضعة لئلا يفسد خلقه نشؤه بالألبان المختلفة، ولبن البهيمة، وتجبر المرضعة بالأجرة،
-
فلو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة. قالوا:
-
ولو بادر المستحق وقتلها بعد انفصال الولد قبل وجود ما يغنه فمات الولد، لزمه القود فيه، لأنه تسبب في موته، كما لو حبس رجلاً ببيت ومنعه الطعام والشراب حتى مات.
-
وإن قتلها وهي حامل، ولم ينفصل حملها، أو انفصل سالماً ثم مات بعد ذلك فلا ضمان عليه لأنه لا يعلم أنه مات بسبب الجناية،
-
فإن انفصل ميتاً فالواجب، في غرة، وكفارة،
-
وإن انفصل متألماً؟ ثم مات، فتجب دية وكفارة، لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، والدية والغرة تجب على العاقلة، لأن الجنين لا يباشر بالجناية،
-
ولا تتيقن حياته فيكون هلاكه خطأ، أو شبه عمد،
-
بخلاف الكفارة، فإنها تجب في ماله خاصة،
-
وإن قتلها الولي بأمر الحاكم - كان الضمان على الإمام علماً بالحمل، أو جهلا، أو علم الإمام وحده. لأن البحث عليه، وهو الآمر به، والمباشر كالآلة، لصدور فعله عن رأيه وبحثه. قالوا:
-
والصحيح تصديقها في حملها إذا أمكن حملها عادة بغير مخيلة، لقول تعالى:
-
{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} من آية [٢٢٨ سورة البقرة] أي من حمل أو حيض،
-
ومن حرم عليه كتمان شيء، وجب قبوله إذا أظهره كالشهادة، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل قول الغامدية في الحمل، ولم يطلب منها البينة،
-
ولا حلف يمين، أما إذا لم يمكن حملها عادة كآيسة مثلاً،
-
فلا تصدق في ادعاء الحمل، لأن الواقع يكذبها.
-
وقيل: لا تصدق في اعترافها بالحمل، لأن الأصل عدم الحمل، وهي متهمة بتأخير الواجب،
-
فلا بد من بينة تقوم على ظهور مخايله أو إقرار المستحق. وعلى القول الأول هل تحلف أو لا؟ قولان، أرجحهما الأول. لأن لها غرضاً في التأخير.
-
٥/٣٢١٥/٣٢١
مبحث موت المجني عليه بعد القصاص. الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا قطعت يد رجل عمداً، فاقتص له من يد الجاني،
-
ثم مات المجني عليه، فإنه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود، إذا استوفى طرف من عليه القود. وعن أبي يوسف: أنه يسقط حقه في القصاص. أنه لما اقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، والحنفية: يقولون: إنما أقدم على القطع ظناً منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود، فلم يكن مبرئاً عنه بدون العلم به.
-
الشافعية - قالوا: لو اقتص مقطوع عضو فيه نصف الدية من قاطعه،
-
ثم المقطوع الأول سراية، فيجب القصاص من القاطع،
-
ويجوز لأولياء الدم العفو عنه بنصف دية فقط لأن اليد المستوفاة قبل الموت مقابلة بالنصف الآخر.
-
وأن مات الجاني حتف أنفه، أو قتله غير القاتل، تعين نصف الدين في تركة الجاني،
-
ولو قطع ينده فاقتص المقطوع،
-
ثم مات سراية، فلوليه حز رقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه؛
-
فإن عفا عن حزها،
-
فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية بقصاص اليدين. مبحث الديات المالكية، الشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: الدية: هي المال الواجب بجناية على الحر في نفس، أو فيما دونها، وأصلها ودية مشتقة من الودي، وهو رفع الدية، ولأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى:
-
{ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا} آية ٩٢ من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة. قالوا: يجب في قتل الذكر، الحر، المسلم، المحقون الدم، والقاتل له لا رق فيه، مائة بعير، لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم في قوله: (في النفس مائة من الإبل) رواه النسائي.
-
وأول من سنها مائة عبد المطلب حد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجاءت الشربعة مقررة لها، والبعير يطلق على الذكر والأنثى،
-
ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل،
-
وأن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة،
-
بخلاف الجناية على الرقيق فإن فيه القيمة المختلفة، أما إذا كان المقتول غير محقون الدم كتارك الصلاة كسلاً، والزاني المحصن، إذا قتل كل منهما وهو مسلم فلا دية فيه،
-
ولا كفارة، وقد يعرض للدية ما يغلظها وهو أحد أسباب خمسة، كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو للذي رحم محرم، وقد يعرض لها ما ينقصها وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتل
-
٥/٣٢٢٥/٣٢٢
الجنين، والكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث. وهي مثلثة قي قتل العمد سواء أوجب فيه قصاص وعفي عنه أم لا، كقتل الوالد ولده، والمراد بتثليثها جعلها ثلاثة أقسام.
-
وإن كان بعضها أزيد من بعض، وهي ثلاثون حقه، وهي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة، وثلاثون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة، وأربعون خلفة، أي حاملاً، لخبر الإمام الترمذي بذلك، فهي مغلظة من ثلاثة أوجه، كونها على الجاني، وكونها حالة،
-
ومن جهة السن. وهي في العمد على الجاني مثلثة معجلة، وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة. وإنما أوجبوا الدية حالة في العمد تعظيماً لحرمة المسلم المجني عليه، وجبراً لخاطر أولياء الدم. قالوا: وتغلظ الدية في جرح العمد كما تغلظ في النفس من تثليث، وتربيع، لا فرق في الجرح بين ما يقتص في كالموضحة أو لا.
-
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في قتل العمد، وشبه العمد دية مغلظة على العاقلة والكفارة على وحرمان الميراث، لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث، والأصل في وجب الدية المغلظة على عاقلة القاتل في شبه العمد حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقد روي عن حمل بن مالك قال: كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، أو بمسطح خيمة، فألقت جنيناً ميتاً، فاختصم أولياؤها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه اللام لأولياء الضاربة (دوه) فقال أخوها: اتدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب،
-
ولا أكل، ودم مثله يطل، فقال عليه السلام: (أسجع كسجع الكهان؟ وفي رواية (دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه) ولا ريب أن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالدية على العاقلة على ما ذكروا في تفصيل الحديث، إنما كان بجناية شبه العمد، ودون الخطأ، فكأن وجوب الدية على العاقلة في جناية شبه العمد ثابتاً بالنص، دون القياس.
-
وقالوا: والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد، فهي على العاقلة، اعتباراً وتجب في ثلاث سنين، لقضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتؤجل تعظيماً لحرمة الجاني، ورحمة به،
-
فإن المجني عليه قد نفذت في الأقدار عند انتهاء أجله المقدر والجاني ترجى توبته، والعفو عنه، إذا أجلت الدية ثلاث سنين. ودية شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وهي الناقة التي طعنت في السنة الثانية من غمرها، وخمس وعشرون بنت لبون، وهي الناقة التي طعنت ففي الثالثة.
-
وخمس وعشرون ناقة، وهي التي طعنت في السنة الرابعة، وخمس وعشرون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة من سنها، وإنما غلظت الدية لقوله صلى الله عليه وسلم (في نفس المؤمن مائة من الإبل) ووجه الاستدلال به، أنه الثابت منه عليه السلام وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ،
-
ولا بد منه بالإجماع،
-
٥/٣٢٣٥/٣٢٣
وما رواه غير ثابت لاختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة التغليظ،
-
فإن عمر، وزيداً وغيرهما قالوا: مثل ما قالوا. وقال على رضي الله عنه تجب ًثلاثاً، ثلاث وثلاثون ناقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة، وقال أبن مسعود بمثل ما قال الحنفية أرباعاُ والرأي لا مدخل له في التقارير، فكان كالمرفوع، ويصير معارضاً لما رووه،
-
وإذا تعارضا، كان الأخذ بالمتيقن أولى، ودية شبه العمد مثل دية العمد المحض. قالوا:
-
ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة.
-
فلا يزاد في الدراهم على عشرة آلاف درهم،
-
ولا يزاد في الدنانير عن ألف دينار. دية الخطأ الحنفية - والحنابلة - قالوا: إن الدية في الخطأ مائة من الإبل على العاقلة، وتجب الكفارة في مال القاتل، والدية تكون أخماساً، عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون أبن مخاض، وعشرون ناقة، وعشرون جذعة، وهذا قول أبن مسعود رضي الله تعالى عنه أخذوا به، ولأنه أخف فكان أليف بحالة الخطأ، لأن الخاطئ معذور.
-
الشافعية، والمالكية - قالوا: قي قتل الخطأ تجب الدية أخماساً مؤجلة على العاقلة إلا أنهم جعلوا عشرين أبن لبون، مكان عشرين أبن مخاض، لخبر الترمذي وغيره بذلك، فهي مخففة في الخطأ من ثلاثة اوجه من كونها على العاقلة من السن في الإبل،
-
ومن التأجيل في دفعها، ودية شبه العمد مثلثة على العاقلة، مؤجلة، فهي مخففة من وجهين، مغلظة من وجه. أنواع الدية الحنفية، والحنابلة - قالوا: يجوز أخذ الدراهم، والدنانير مع وجود الإبل،
-
ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة، الإبل، والذهب، والفضة.
-
فمن الإبل مائة، ومن الفضة عشرة آلاف درهم،
-
ومن الذهب ألف دينار، لأن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وغير هذه الأنواع الثلاثة مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان شيء مما وجب ضمانه بالإتلاف، والتقدير الإبل عرف بالآثار المشهورة. وقال أبو يوسف، ومحمد - تثبت الدية من الإبل، والذهب، والفضة،
-
ومن البقر مائتا بقرة،
-
ومن الغنم ألفا شاة،
-
ومن الحلل مائتا حلة، كل حلة ثوباً، لأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها. الشافعية، والمالكية - قالوا: لا يؤخذ في الدية بقر،
-
ولا غنم، ولا حلل - ولا غرض،
-
ومن لزمته دية، وله أبل فتؤخذ الدية منها،
-
ولا يكلف غيرها، لأنها تؤخذ على سبيل المواساة.
-
٥/٣٢٤٥/٣٢٤
وقيل: تؤخذ من غالب إبل قبيلته، إن كانت إبله من غير ذلك،
-
وإن لم يكن له إبل فتؤخذ من غالب إبل قبيلة بدوي، لأنها بدل متلف، وإلا فتؤخذ من غالب إبل أقرب بلاد إلى موضع المؤدي، ما لم تبلغ مؤنة نقلها مع قيمتها أكثر من ثمن المثل بقبيلة العدم، فإنه لا يجب حينئذ نقلها،
-
وإذا وجب نوع من الإبل لا يعدل عنه إلى نوع من غير ذلك الواجب،
-
ولا يعدل إلى قيمة عنه إلا بتراض من المؤدي، والمستحق، لأن المقصود بها تعظيم حرمة المجني عليه.
-
ولو عدمت إبل الدية، فالقديم الواجب ألف دينار على أهل الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة على أهل الدراهم، للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم) صححه أبن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم، والقول الجديد، الواجب قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت لأنها بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند أعواز أصله، وتقوم بنقد غالب بلده، لأنه أقرب من غيره، وأضبط،
-
وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود منها، وقيمة الباقي. المالكية - قالوا: لا يشترط في الإبل حد السن، وإنما المدار على أن تكون الإبل حاملاً، سواء كانت حقة، أو كانت جذعة، أو غيرهما. واتفقوا على أنه لا تؤخذ في الدية الإبل المريضة،
-
ولا المعيبة إلا برضى المستحق بذلك إذا كان أهلاً للتبرع، لأن الحق له، فله إسقاطه، ويثبت حمل الخلفة المأخوذة من الدية، بأهل خبرة بذلك. بأن يشهد عدلان منهم عند إنكار المستحق حملها إلحاقاً لها بالتقويم،
-
وإن أخذها المستحق. بقولهما، أو بتصديق المستحق على حملها،
-
ثم ماتت عند المستحق وشق جوفها فبانت حائلاً، غرمها وأخذ بدلها حاملاً،
-
والأصح أجزاؤها قبل خمس سنين لصدق الاسم عليها. مبحث دية المرأة، والمسيحي، واليهودي الشافعية - قالوا: دية المرأة، والخنثى المشكل، الحران، دية كل منهما في نفس أو جرح، كنصف دية رجل حر، ممن هما على ديته. لما روى البيهقي خبر (دية المرأة نصف دية الرجل) وألحق بنفسها جرحها، وألحق بها الخنثى، لأن زيادته عليها مشكوك فيها، ففي قتل المرأة والخنثى خطأ يجب: عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا وفي قتلهما عمداً، أو شبه عمد، خمس عشرة حقة، وخمس عشرة جذعة، وعشرون خلفة.
-
ودية اليهودي، والنصراني، والمعاهد، والمستأمن، إذا كان معصوماً تحل مناكحته، ثلث دية مسلم نفساً، وغيرها، أما في النفس فروي مرفوعاً وقال الشافعي في الأم (قضى بذلك عمرو، وعثمان رضي الله عنهما) ، ولأنه اقل ما أجمع عليه، وهذا التقدير لا يعقل بلا توقيف، ففي قتله عمداً، عشر حقائق، وعشر جذعات، وثلاث عشة خلفة وثلث،
-
وكذلك في شبه العمد، وفي قتله الخطأ لم تغلظ.
-
٥/٣٢٥٥/٣٢٥
فتجب ستة وثلثان من كل من بنات المخاض، وبنات اللبون، وبني اللبون، والحقاق، والجذاع والسامرة، كاليهود والصابئة كالنصارى إن لم يكفرهما أهل ملتهما، ومجوسي له أمان ديته أخس الديات وهي ثلثا عشرة دية مسلم، كما قال به عمر، وعثمان، وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهم ففيه عند تغليظ الدية، حقتان، وجدعتان، وخلفتان وثلثا خلفة، وعند تخفيف الدية.
-
تجب بعير وثلث من كل سن، والمعنى في ذلك إن في اليهودي، والنصراني خمس فضائل وهي حصول كتاب، ودين كان حقاً بالإجماع، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، وقرون بالجزية، وليس للمجوسي من هذه الخصال إلا التقرير بالجزية، فكانت ديته من الخمس من دية اليهودي والنصراني،
-
وكذلك الوثني، كعابد شمس، وقمر، وزنديق،
-
ومن لا ينتحل ديناً، ممن له أمان عندنا، كدخوله لنا رسولاً من قبلهم، أما الوثني الذي لا أمان له، فدمه هدر، ودية نساء من ذكر على النصف من دية رجالهم.
-
والمذهب عندهم أن من قتل معصوماً، ولم تبلغه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أن تمسك بدين لم يبدل، فدية أهل ديته ديته،
-
فإن كان كتابياً فدية كتابي،
-
وإن كان مجوسياً فدية مجوسي،
-
وإن تمسك بدين بدل، ولم يبلغه ما يخالفه، أو لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، فديته كدية المجوسي.
-
وقيل: تجب دية أهل ديته،
-
وقيل: لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق،
-
ولا عهد له ولا ذمة، وقال الزركشي: وعلى المذهب يجب فيمن تمسك الآن باليهودية، أو النصرانية دية مجوسي، لأنه لحقه التبديل - آي إذا لم تحل مناكحتم. قالوا:
-
ولا يجوز قتل من لم تبلغه الدعوة المحمدية، بل يعذر، ويقتص لمن أسلم بدار الحرب، ولم يهاجر منها بعد إسلامه،
-
وإن تمكن من الهجرة، لأن العصمة بالإسلام اهـ. الحنفية - قالوا: دية المرأة على النصف من دية الرجل، وقد ورد بهذا اللفظ موقوفاً عن الإمام على كرم الله وجهه، ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثلث الدية وما فوقها ينتصف، وما دونه لا يتنصف وبه أخذ الإمام الشافعي.
-
وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية) وبما حكي عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل، قلت:
-
فإن قطع أصبعين منها؟ قال عليه عشرون من الإبل، قلت:
-
فإن قطع ثلاث أصابع؟ قال: عليه ثلاثون من الإبل. قلت:
-
فإن قطع أربع أصابع؟ قال: عليه عشرون من الإبل، قلت: سبحان الله! لما كثر ألمها، واشتد مصابها قل أرشها، قال: أعراقي أنت؟ فقلت: لا. بل جاهل مسترشد، أو عالم مستثبت، قال: إنه السنة، وبه أخذ الإمام الشافعي رحمه الله، والحجة عليه، ما رواه الحنفية بعمومه،
-
وأن حالها انقص من حال الرجل، ومنفعتها أقل. وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس، فكذا في أطرافها، وأجزائها، اعتباراً بها وبالثلث وما فوقه، لئلا يلزم مخالفة التبع للأصل، والحديث المروي نادر،
-
ولو كان هذا الحكم سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالفوها.
-
٥/٣٢٦٥/٣٢٦
وقالوا: ودية المسلم والذمي سواء، لما روي عن النبس صلوات الصلاة وسلامه عليه أنه قال: (دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار)
-
وكذلك قضى أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما. وما رواه الشافعي رحمه الله لم يعرف راويه، ولم يذكر في كتب الحديث، وما رووه اشهر مما رواه الإمام مالك رحمه الله، فإنه ظهر به عمل الصاحبة رضوان الله تعالى عليهم.
-
وذلك في العمد والخطأ من غير فرق بينهما، لعموم الآية الكريمة، إن {النفس بالنفس} ولم تنسخ بآية أخرى. المالكية - قالوا: إن دية المرأة، ودية اليهودي، والنصراني، على النصف من دية الرجل المسلم، في العمد، والخطأ من غير فرق، وهي ستة آلاف درهم، وخمسمائة دينار، لقوله عليه الصلاة والسلام: (عقل المسلم) والكل عنده اثنا عشر ألفاً من الدراهم.
-
أما المجوسي المعاهد، والمرتد فدية كل منهما ثلث خمس دية المسلم خطأ وعمداً، فتكون من الذهب ستة وستين ديناراً، وثلثي دينار،
-
ومن الورق ثمانمائة درهم،
-
ومن الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير، ودية أنثى كل من ذلك نصفه. فدية الحرة المسلمة من الإبل خمسون وهكذا، ودية المجوسية المرتدة أربعمائة درهم وهكذا. الحنابلة - قالوا: إن كان للنصراني، ولليهودي عهد وقتله مسلم عمداً، فديته كدية المسلم،
-
وإن قتله خطأ فنصف دية المسلم، أما غير المعصوم من المرتدين،
-
ومن لا أمان لهم فإنه مقتول بكل حال،
-
وأما من لا تحل مناكحته فهو كالمجوسي،
-
وأما الأطراف والجراح فبالقياس على النفس اهـ. مبحث الجناية على الجنين الحنفية - قالوا: إن الجنين إذا كان محققاً في بطن الأم فليس له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الآدمي، لكنه منفرد بالحياة معد لأن يكون نفساً له ذمة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلاً لوجوب الحق له من عتق، أو إرث، أو نسب، أو وصية، وباعتبار الوجه الأول لا يكون أهلاً لوجوب الحق عليه،
-
فإما بعدما يولد فله ذمة صالحة. ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه يكون ضامناً له، ويلزمه مهر امرأنه بعقد الولي.
-
فإذا ضرب رجل بطن امرأة حامل فألقت من بطنها جنيناً ميتاً، فيجب فيه غرة، وهي نصف عشر دية الرجل، إذا كان ذكراً، وفي الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم، لأن نصف العشر من عشرة آلاف درهم، هو العشر من خمسة آلاف درهم.
-
والدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنين غرة، عبد أو أمة، قيمته خمسمائة) ويروى (أو خمسمائة) والغرة على العاقلة إذا كانت خمسمائة درهم، لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه قضى بالغرة على العاقلة، ولأنه بدل النفس، ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم دية، حيث قال: (دوه) وقالوا له: أندي من لا صاح ولا أستهل - الحديث.
-
٥/٣٢٧٥/٣٢٧
إلا أن العواقل لا تتحمل ما دون خمسمائة درهم. وتجب في سنة، لما روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: (بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على العاقلة في سنة) ولأنه إن كان بدل النفس من حيث أنه نفس على حجة، فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم فعملنا بالشبه الأول قي حق التوريث، وبالثاني في حق التأجيل إلى سنة.
-
ويستوي فيه الذكر والأنثى، لإطلاق الحديث، ولأن في الحيين إنما ظهر التفاوت، لتفاوت معاني الآدمية،
-
ولا تفاوت في الجنين، فيقدر بمقدار واحد، وهو خمسمائة.
-
فإن ألقته حياً ثم مات. فتجب في دية كاملة، لأنه أتلف حياً بالضرب السابق.
-
وإن ألقته ميتاً ثم ماتت ألم بعده، فعليه دية بقتل ألم، وعليه غرة بإلقائها الجنين، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في هذا بالدية، والغرة.
-
وإن ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حياً،
-
ثم مات، فتجب عليه دية في الأم، ودية في الجنين، لأن موت الأم أحد سببي موته، لأنه يختنق بموتها، إذ تنفسه بتنفسها،
-
فلا يجب الضمان بالشك، وما يجب في الجنين موروث عنه، لأنه بدل نفسه فيرثه، ورثته،
-
ولا يرثه الضارب، حتى لو ضرب بطن امرأنه فألقت ابنه ميتاً، فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها، لأنه قالت بغير حق مباشرة،
-
ولا ميراث للقال، هذا في جنين المرأة الحرة،
-
وأما جنين الامة إذا كان ذكرا فيجب نصف عشر قمته لو كان حياً، وعشر قمته لو كان أنثى، لأنه بدل نفسه، لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان،
-
ولا معتبر به في ضمان الجنين فكان بدل نفسه فيقدر بها،
-
ويجب في مال الضارب مطلقاً من غير تقييد بالبلوغ إلى خمسمائة درهم. وقال أبو يوسف: يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتباراً بجنين البهائم، ولأن الضمان في قتل الرقيق ضمان ماله عنده. فصح الاعتبار على اصله.
-
فإن ضربت الأمة، فاعتق المولى ما في بطنها،
-
ثم ألقته حياً، ثم مات، ففيه قيمته حياً،
-
ولا تجب الدية، وإن ما بعد العتق، لأنه قتله بالضرب السابق، وقد كان في حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية، وتجب قيمته حياً، لأنه بالضرب صار قاتلاً إياه وهو حي فنظرنا إلى حالتي السبب، والتلف. قالوا:
-
ولا كفارة في الجنين، لأن الكفارة فيها معنى العقوبة، قود عرفت في النفوس المطلقة،
-
فلا تتعداها، ولهذا لم يجب كل البدل، إلا أن يشاء لأنه ارتكب محظوراً،
-
فإذا تقرب إلى الله تعال كان أفضل له، ويستغفر مما صنع. قالوا: والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع هذه الأحكام، لإطلاق الأحاديث، ولأنه ولد في حق أمومية الولد، وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك، فكذا في حق هذا الحكم، ولأنه بهذا القدر يتميز من العلقة والدم، فكان نفساً، والله تعال أعلم.
-
الشافعية - رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في الجنين غرة إن انفصل ميتاً بجناية في حياتها، أو
-
٥/٣٢٨٥/٣٢٨
انفصل بعد موتها بجناية في حياتها،
-
وكذا إذا انفصل بعض الجنين بلا انفصال من أمه كخورج رأسه ميتاً.
-
وقيل: لا بد من أنفصاله، لأن ما لم ينفصل يصير كالعضو منها، سواء أكانت الدناية بالقول كالتهديد، أو بالفعل، أو بالترك.
-
وإذا لم يكن معصوماً عند الجناية، كجنين حربية من حربين وإن أسلم أحدهما بعد الجناية، أو لم يكن الجنين مضموناً كأن كان الجاني مالكاً للجنين ولأمه، بأن جنى السيد على أمته الحامل، وجنينها من غيره، وهو مالك له فعتقت ثم القت الدنين، أو كانت أمه ميتة، أو لم ينفصل ولا ظهر بالجناية على أمه،
-
فلا يجب شيء في هذه الصور، لعدم احترامه في الولى، وعدم ضمان الجاني في الثانية، ولظهر موته بموتها في الثالثة، ولعدم تحقق وجوده في الأخيرين.
-
وإن انفصل حياً، وبقي بعد انفصاله زماناً بلا ألم فيه ثم مات فلا ضمان على الجاني.
-
وإن مات حين خرج بعد انفصاله، أو تحرك تحركاً شديداً كقبض يد وبسطها،
-
ولو كانت حركة مذبوح، أو دام ألمه ومات منه، فتجب دية نفس كاملة على الجاني،
-
ولو انفصل الجنين لدون ستة أشهر.
-
ولو ألقت امرأة بجناية عليها جنينين ميتين فغرتان تجبان فيهما، أو ثلاثاً فثلاث وهكذا.
-
ولو ألقت يداً أو رجلاً وماتت فغرة، لأن العلم قد حضل بوجود الجنين والغالب أن اليد بانت بالجناية، أما إذا عاشت ولم تلق جنيناً،
-
فلا يجب على الجاني إلا نصف غرة، كما أن الحي لا يجب فيها إلا نصف دية،
-
ولا يضمن باقيه، لأنا لم نتحقق ثلثه،
-
وإن ماتت ثم ألقت ميتاً فعليه دية في الأم، وغرة في الجنين لأنه مات بالضرب.
-
ولو ألقت يداً، ثم جنيناً ميتاً بلا يد قبل الاندمال، وزال الألم من الم فغرة، لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية، أو حياً فمات من الجناية، فتجب دية، وحل فيها أرش اليد،
-
فإن عاش وشهد القوابل، أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة، فتجب نصف دية لليد،
-
وإن لم تشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرة لليد عملاً باليقين، وتجب على العاقلة في ثلاث سيني لأنه بدل النفس، ولهذا يكون موروثاً بين ورثته،
-
وإذا ألقت امرأة لحماً بسبب جناية عليها فيجب فيه غرة إذا قال القوابل فيه صورة خفية على غيرهن. وتجب الغرة أيضاً إذا القت امرأة لحماً لا صورة فيه أصلاً، تعرفها القوافل، ولكن قلن إنه لو بقي ذلك اللح، لتصور، وتخلق، كما تنقضي به العدة، وذلك إذا كانت مضغة.
-
أما لو ألقت علقة لم يجب فيها شيء قطعاً كما لا تنقضي به العدة. قالوا: والغرة الواجبة عبد، أو أمة، كما نطق به الخبر، والخبرة في ذلك إلى الغارم، ويجبر المستحق على قبولها من أي نوع كانت،
-
ويشترط أن يكون مميزاً سليماً من عيب مبيع لأن المعيب ليس من الخيار،
-
والأصح قبول رقيق كبير من عبد أو أمة، لم يعجز بهرم، لأنه من الخيار، مالم تنقص منافعه،
-
ويشترط في الغرة بلوغها في القيمة نصف عشر دية الأب المسلم، وهو عشر دية الأم المسلمة.
-
٥/٣٢٩٥/٣٢٩
ففي الحر المسلم رقيق قيمته خمسة أبعرة، كما روي عنعلي، وعمر، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم، ولأنها دية فصارت مقدرة كسائر الديات (ولأن الجنين على أقل أحوال الإنسان، فاعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات، وهو دية الموضحة والسن،
-
فإن فقدت ثلث الغرة حساً بأن لن توجد أو شرعاً، بأن وجدت بأكثر من ثمن مثلها، فتجب خمسة أبعرة بدلاً عنها، لأنها مقدرة بها عند وجودها، فعند عدمها يؤخذ ما كانت مقدرة به، ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه،
-
فإن فقدت الإبل الدية،
-
فإن فقد بعضها وجبت قيمته مع الموجود.
-
وقيل: لا يشترط بلوغها ما ذكر: بل متى وجدت سليمة مميزة وجب قبولها،
-
وإن قلت قيمتها لإطلاق لقظ العبد، والأمة في الخبر، وسواء كان الجنين ذكراً، أم أنثى، لإطلاق الخبر. والغرة لورثة الجنين على فرائض الله تعالى، لأنها دية نفس، ويقدر انفاصله حياً ثم موته، وهي واجبة على عاقلة الجاني، لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم: (قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة) .
-
وقيل: إن تعمد الجناية بأن قصدها بما يلقى غالباص، فالغرة عليه، والجناية عليه خطأ أو شبه عمد، سواء أكانت الجناية على أم خطأ، أو عمداً، أو شبه عمد، لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد، ولهذا للا يجب القصا في الجنين إذا خرج حياً وما، لأن القصا إنما يجب في القتل العمد،
-
ولا يتصور العمد فيه. قالوا: والجنين اليهودي، أو النصراني بالبع لابويه قيل: كمسلم في الغرة،
-
وقيل: هو هدر، وهذان القولان مبنيان على أن الغرة غير مقدرة بالقيمة،
-
والأصح غرة كثلث غرة مسلم، كما في ديته، وهو بعير وثلثا بعير. كما هو الحكم على الكبير منهم. قالوا: والجنين الرقيق، ذكراً كان أو غيره فيه عشر قيمة امه، قنة كانت أو مديرة، أم مكاتبه، أو مستولدة، قياساً على الجنين الحر،
-
فإن الغرة في الجنين معتبرة بعشر ما تضمن به الم، وإنما لم يعتبروا قيمته في نفسه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتاص، واستثنى ما إذا كانت الأم هي الجانية على نفسها، فإنه لا يجب في جنينها المملوك للسيد شيء، إذ لا يجب للسيد على رقيقه شيء، وتعتبر قيمة الم يوم الجناية عليها، لأنه وقت الوجوب،
-
وقيل: يوم الإجهاض للجنين، لأنه وقت استقرار الجناية. هذا إذا انفصل الجنين ميتاً كما علم سابقاً،
-
فإن انفصل حياً، ومات من أثر الجناية، فإنه يجب فيه قيمته يوم الانفصال قطعاص،
-
وإن نقصت عن عشر قيمة امه، وتصرف الغرة في الجنين لسيده،
-
فإن كانت الأم مقطوعة أطرافها والجنين سليم أطرافه قومت بتقديرها سلمية في الأصح لسلامته، كما لو كانت كافرة، والجنين مسلم، فإنه يقدر فيها الإسلام، وتقوم مسلمة،
-
وكذا لو كانت حرة والجنين رقيق، فإنها تقدر رقيقة. وهكذا. قالوا: وتحمل العشر المذكورة عاقلة الجاني في الأظهر من المذهب كما مر في الغرة، وإذا
-
٥/٣٣٠٥/٣٣٠
سقط جنين ميت فادعى وارثه على إنسان أنه سقط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة،
-
ولا يقبل إلا شهادة رجلين،
-
فإن أقر بالجناية، وانكر الاسقاط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة،
-
ولا يقبل إلا شهادة رجلين،
-
فإن أقر بالجناية، وأنكر الاسقاط، وقال: السقط ملتقط، فهو المصدق أيضاً، وعلى المدعي البينة، ويقبل فيها شهداة النساء، لأن الإسقاط ولادة. المالكية - قالوا: في إلقاء الجنين سبب ضرب، أو تخويف لغير وجه شرعي - أما إذا كان بسبب ضرب للتأديب فلا شيء فيه - أو بسبب شم ريح عفنة، أو فتح كنيف، إن كان علقة - دم لا يذوب من صب الماء الحار عليه - سواء أكانت الجناية خطأ، أو عمداً من أجنبي، أو أم، كشر بها ما يسقط به الحمل.
-
فأسقطته ذكراص، أو أنثى، كان من زوج، أو زنا، فيجب فيه عشر واجب أمه،
-
فإن كانت الم حرة وجب عشر ديتهان وإن كانت الم أمة وجب فيه عشر قيمتها، وتعتبر قيمتها يوم الضرب،
-
وقيل: يوم الإلقاء، وإن جنى أب فعليه عشر دية أم الجنين لغيرهن ولا يرث منه، ويكن العشر الواجب نقداً معجلاً حالاً في مال الجاني عمداً، أو خطأ، ما لم تبلغ الغرة ثلث ديته، فتكون على العاقلة كما لو ضرب مجوسي حرة مسلمة فألقت جنيناً، أو تجب غرة في جنين الحرة، والتخيير يكون للجاني لا للمستحق.
-
أما جنين الأمة فيتعين فيه النقد عبداً ووليدة بدل من غرة الأمة الصغيرة بلغت سبع الستين لتحرز التفرقة. وإنما يجب العشر، أو الغرة إذا نفصل عنها كله ميتاً وهي حية،
-
فإن ماتت قبل انفصاله فلا شيء فيه لاندراجه في جية الم،
-
وإن استهل، أو نزل ضارخاً، أو رضع، أو فعل شيئاً من كل ما يدل على أنه حي حياة مستقرة، فالدية لازمة فيه إن أقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجاني،
-
وإن مات عاجلاً ببعد تحقق حياته فإن لم يقسموا فلا غرة ولا دية، لأنه يحتمل موته، بغير فعل الجاني،
-
فإن ماتت امه وهو مستهل ومات فتجب على الجاني ديتان،
-
وإن تعمد الجاني بضرب بطن الأم فنزل مستهلاً ومات فالقصاص بالقسامة وهذا هو الراجح من الخلاف.
-
وأما إذا تعمد الجاني قتل الجنين بضرب رأس أمه، فالراجح أنه تجب الدية عليه، كتعمده بضرب يدها، أو رجلها. والحاصل أن في ضرب البطن، والظهر، والرأس خلافاً، فقال أبن القاسم يجب القصاص بقسامة، وقال أشهب: لا قود فيه، بل يجب الدية في مال الجاني بقسامة أيضا،