الشرط الثاني: أن يكون الإجماع صادرا من جميع مجتهدي العصر
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 8142 to 8177
-
2/512/51
وهذا يعني أنه إذا خالف واحد أو اثنان فإن اتفاق الباقين غير معتبر.
-
وقد اختلف العلماء في هذا الشرط على قولين، هما (١) :
-
القول الأول: أنه لا بد من اتفاق الجميع على المسألة، وهذا قول جماهير العلماء (٢) (٣) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الدليل الأول: الأدلة السابقة التي في حجية الإجماع، وهي دالة على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على الجميع، وليس على الأكثر،
-
ولا يطلق عليه إلا بقرينة.
-
الدليل الثاني: وقوع اتفاق الأكثر في زمن الصحابة مع مخالفة الأقل لهم، فقد سوغوا لهم الاجتهاد بلا نكير،
-
فلو كان اتفاق الأكثر إجماعا يلزم غيرهم أن يأخذوا به لأنكروا عليهم، وبادروا بتخطئتهم، كما وقع في مخالفة ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- في بعض مسائل الربا والفرائف،
-
وأما ما يوجد منهم من الإنكار في هذه الصورة فلم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة في المأخذ، ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون منقولا إلى زماننا، بل ربما ظهر أن ما ذهب إليه الأقل هو
-
2/522/52
المعوَّل عليه فيما بعد، كما وقع في قتال الردة (١) .
-
القول الثاني: أن مخالفة الواحد والاثنين لا تؤثر في الإجماع. وهذا قول ابن جرير الطبري، وأبي بكر الجصاص (٢) ، وبعض المعتزلة (٣) ، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (٤) .
-
واستدلوا بعدة أدلة، منها:
-
الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأمة على مبايعة أبي بكر -رضي اللَّه عنه- بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك،
-
ومن المعلوم أن بعض الصحابة خالف في ذلك،
-
فلو لم يكن اتفاق الأكثر إجماعا لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع.
-
وأجيب عن هذا الدليل: بعدم التسليم بما ذكر، حيث إن خلافة أبي بكر وقعت باتفاق الصحابة، فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم ينكر ذلك، وما نُقل عن تأخر بعضهم إنما كان لعذر خاص،
-
ثم نقل عنه المبايعة صراحة.
-
الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد الإجماع أصلا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه (٥) .
-
الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ وذلك لقوة أدلته،
-
2/532/53
وضعف أدلة القول الثاني.
-
الشرط الثالث: أن يكون المجمعون عدولًا:
-
والعدالة، هي: ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (١) .
-
وقد اختلف العلماء في اشتراط هذا الشرط على قولين، بعد اتفاقهم على أن الكافر الأصلي لا عبرة بمخالفته أبدا (٢) :
-
القول الأول: أن العدالة شرط في الإجماع،
-
فلا يقبل قول الفاسق مطلقا. وهو قول الجمهور (٣) .
-
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
-
الدليل الأول: أن الأدلة على حجية الإجماع تتضمن العدالة، خاصة قوله تعالى:
-
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (٤) إذ معنى الوسط هو: العدل.
-
الدليل الثاني: أن غير العدل أوجب اللَّه التوقف في أخباره بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (٥) واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فيجب التوقف في قوله،
-
وإذا وجب التوقف في قبول إخباره، لم يحكم بقبول خبره (٦) .
-
القول الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين إذا بلغوا درجة الاجتهاد. وهو
-
2/542/54
مذهب الجويني (١) ، والإسفراييني، والشيرازي (٢) ، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب الحنبلي (٣) (٤) .
-
ودليلهم، قالوا: إن أدلة حجية الإجماع عامة، ولم تشترط عدالة المجتهد، فاشتراطها تخصيص بلا دليل.
-
وأجيب عن ذلك: بأن الأدلة قد اشترطت ذلك وإن لم يكن هذا صراحة،
-
ثم هذا الفاسق لا يؤمن عصيانه في الإجماع كما يعصي في غيره (٥) .
-
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني والإجابة عليها.