Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

المبحث الثالث شروط الإجماع

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 27759 to 27802

  1. 5/355/35

    ينعقد الإجماع بتوفر عدد من الشروط، ولقد اخترت منها ما هو أكثر صلة بموضوع الدراسة، ومن تلك الشروط:

  2. الشرط الأول: اتفاق الأكثر: اختلف العلماء في شرط أن يكون الاتفاق في الإجماع واقعًا من كل المجتهدين، إذا كان المقصود بيان الحكم الشرعي لمسألة ما على قولين:

  3. القول الأول: أنه لا بد من اتفاق الجميع على المسألة، بحيث إذا خالف في الحكم واحد أو أكثر فإن الإجماع لا ينعقد،

  4. وإن كان القائلون هم الأكثر (١) .

  5. وقد استدل أصحاب هذا القول بأمرين هما: الدليل الأول: إن الأدلة الدالة على حجية الإجماع جاءت بألفاظ دالة على العموم والاستغراق كلفظ المؤمنين في قول اللَّه -تعالى-: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} (٢) ، والأمة في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّه لَا يجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ" (٣) (٤) .

  6. وإذا استعملا في الأكثر فذلك بطريق التجوز،

  7. ولا يُصار إلى ذلك إلا بقرينة،

  8. ولا قرينة مع هذه النصوص (٥) .

  9. الدليل الثاني: أن الأدلة الدالة على عصمة الأمة مثل قول اللَّه -تعالى-: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ} . إنما شهدت بالعصمة لمجموع الأمة، ومجموع الأمة ليس بحاصل مع خلاف الواحد والاثنين (٦) .

  10. 5/365/36

    القول الثاني: أن مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر في الإجماع، وهو قول الطبري، والجصاص (١) ، وبعض المعتزلة، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (٢) .

  11. وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّه لَا يَجْمَعُ أمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّه مع الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٣) .

  12. • وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن الأكثر هم الجماعة مع وجود المخالف، فقد جعل اللَّه الحق مع الأكثر. وأجيب عنه: بأن المراد بالجماعة في الحديث الكل، والذين شذوا خالفوا بعد الموافقة (٤) .

  13. الدليل الثاني: اعتمدت الأمة في خلافة أبي بكر -رضي اللَّه عنه- على أنه إجماع، فقد اتفق عليه الأكثرون، وخالف في ذلك جماعة، كعلي بن أبي طالب، وسعد بن عبادة، ولولا أن قول الأكثر حجة مع مخالفة الأقل لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالإجماع (٥) وأجيب عنه: برجوع علي وسعد -رضي اللَّه عنهما- إلى المبايعة، كما أن الإمامة لا يلزم انعقادها حصول الإجماع، بل تكفي بيعة الأكثر (٦) .

  14. الدليل الثالث: ما رواه أنس -رضي اللَّه عنه-، قال سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ على ضَلَالَةٍ، فإذا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأعْظَمِ" (٧) .

  15. 5/375/37

    • وجه الدلالة: يدل ظاهر الحديث على أن الحق مع السواد الأعظم،

  16. وأن المنفرد بقوله مخطئ (١) وأجيب عن ذلك: بحمل السواد الأعظم أو الجماعة على الكل حقيقة، ويرجّح ذلك ما ورد في حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-:

  17. "وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٢) ، أي: من خرج عن رأي الكل،

  18. ولو لم يكن إجماعًا وحجة لما استحق المخالف لذلك النار؛ لأن الاتفاق واقع على أن المجتهد مأجور وليس مأزورًا (٣) .

  19. الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لقوة أدلة القائلين به وقوة مناقشتهم لأدلة أصحاب القول الثاني.

  20. الشرط الثاني: استناد الإجماع إلى دليل: وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا بد للإجماع من مستند (٤) .

  21. وخالف في ذلك بعض المتكلمين (٥) ، فقالوا: يجوز أن ينعقد الإجماع عن طريق الإلهام فيحصل لهم تبخيتًا، وهذا قول ساقط وخلاف لا يعتد به، ولذلك أسقطه بعض أهل العلم ولم يحكه، كالغزالي، والشيرازي (٦) ، بل وصفه الآمدي بالشذوذ (٧) .

  22. 5/385/38

    الشرط الثالث: أن يكون المجمعون من العلماء المجتهدين: واختلفوا في شرط المعتبر موافقتهم في الإجماع -العلماء أم جميع الأمة- على قولين: القول الأول: أنه لا يعتبر قول العوام في الإجماع، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم (١) ، بل قال بعضهم: لا يعتبر قولهم بالاتفاق (٢) .

  23. واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بإجماع الصحابة رضي اللَّه عنهم،

  24. فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه (٣) .

  25. وقد أجيب عن ذلك: بأنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم؛ لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم مشروطًا بموافقة العامة لهم،

  26. وإن لم يكن ذلك شرطًا في وجوب اتباع العامة لهم فيما يفتون به (٤) .

  27. ويُجاب عن هذا الجواب بأنه إذا سلّم أن العامي يجب عليه تقليد العالم، سقط قول العامي؛ لأن العالِم هو المتصرف فيهم (٥) .

  28. الدليل الثاني: أن العامي بالنسبة إلى فهم الأدلة وطرق الاجتهاد كالصبيان، فقوله إذًا بغير مستند، وهو خطأ، والخطأ لا عبرة به (٦) .

  29. القول الثاني: يعتبر قول العوام في الإجماع. ودليلهم في ذلك: أن العوام من الأمة، فيتناولهم لفظ الأدلة،

  30. فلا تقوم الحجة بدونهم (٧) .

  31. 5/395/39

    الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح، وذلك لقوة أدلته، وضعف دليل القول الثاني.

  32. الشرط الرابع: هو عدالة المجمعين: وبهذا الشرط يستبعد الفاسق من المجمعين، سواء كان فسقة بالكذب، أو شرب الخمر، أو الزنا، أو تعاطي الربا، أو غير ذلك من المعاصي القادحة في العدالة (١) .

  33. وقد ذكر أبو حامد الغزالي أن شرط العدالة إنما هو لجواز الاعتماد على أقوال المجتهد، أما هو في نفسه فله أن يجتهد، إن كان عالمًا ويؤخذ باجتهاده، أما العدالة عنده فهي شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد (٢) .

  34. الشرط الخامس: أن يكون المجمعون أحياء وموجودين: المعتبر في الإجماع أهل عصره من المجتهدين الأحياء الموجودين، فيبطل الالتفات إلى الماضين كما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين، ولولا ذلك لما تُصوِّر إجماعٌ بعد موت واحد من المسلمين في زمان الصحابة والتابعين، وقد اعترفوا بصحة إجماع الصحابة بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبعد موت من مات بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يُعتبر والمستقبل لا يُنتظر.

  35. أما اعتبار جميع مجتهدي الأمة في جميع العصور فغير ممكن؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الانتفاع بالإجماع إلى يوم القيامة (٣) .

  36. ويدخل تحت هذا الشرط مسألة: انقراض العصر. وقد اختلف العلماء في انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أولا؛ فذهب بعضهم إلى اعتباره شرطًا. ومنهم من فصَّل وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا يكون انقراض العصر شرطًا،

  37. وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وسكت الباقون عن الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط (٤) .

  38. 5/405/40

    وذهب جمهور العلماء إلى أن انقراض العصر ليس شرطًا في صحة الإجماع (١) وأن المعتبر في إجماع مجتهدي عصر من العصور اتفاقهم ولو في لحظة واحدة.

  39. وهذا هو المختار، فلا يُشترط أن ينقرض عصر المجمعين، أو يمضي زمن طويل على اتفاقهم، بل متى اتفقوا واستقر قولهم، وعلم ذلك منهم، انعقد الإجماع؛ لأن اشتراط انقراض عصر المجمعين يؤدي إلى تعذر وقوع الإجماع؛ لتلاحق المجتهدين.

  40. ولعل من اشترط انقراض العصر أراد بذلك زيادة التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، والاطلاع على أحوالهم للعلم باستقرارهم على أقوالهم.

  41. ويُجاب عن ذلك: بأنه إذا حصل التأكد من وقوع الاتفاق والعلمُ بموافقة جميع المجتهدين،

  42. ولو في لحظة واحدة،

  43. فلا يُلتفت بعد حصول الإجماع إلى مخالفة من خالف، سواء كان من أهل الإجماع أو من غيرهم.

  44. أما إذا نُقِل الاتفاق دون التأكد من استقرار جميع المجتهدين على أقوالهم، فالإجماع المنقول لا يكون صحيحًا، سواء انقرض العصر أو لم ينقرض.