Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

القسم الثاني: إجماع الصحابة

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 40 to 83

  1. 1/351/35

    لا شك أن أولى من يعتبر إجماعهم هم صحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذين شهدوا الوحي وعاصروه، وهم أعلم الناس بالحلال والحرام وجميع أحكام الدين -رضوان اللَّه عليهم.

  2. ولذلك يقول الزركشي: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية الإجماع، وهم أحق الناس بذلك" (١) .

  3. ويقول الإمام الشوكاني: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف" (٢) .

  4. وقد اختلف العلماء في إجماع من بعد الصحابة هل هو حجة؛ أو لا؟ على قولين:

  5. • الأول: أن الإجماع إجماع الصحابة دون من بعدهم.

  6. وروي هذا القول عن الإمام أحمد رحمه اللَّه في إحدى الروايتين عنه، وعليه سار بعض الحنابلة والظاهرية (٣) .

  7. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: "الذي أنكره أحمد: دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين" (٤) .

  8. • دليل هذا القول: أن الإجماع يشترط فيه اتفاق الكل، وتحقق العلم بذلك، وهذا لا يحصل إلا بالمشاهدة،

  9. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان المجمعون محصورين، كما هو الحاصل في عصر الصحابة دون من بعدهم، حيث من المُحال حصر العلماء المجتهدين في العالم، ومعرفة رأي كل واحد منهم، فيبقى أن الإجماع هو إجماع

  10. 1/361/36

    الصحابة دون من بعدهم (١) .

  11. • القول الثاني: أن الإجماع حجة في كل العصور.

  12. وهذا قول الجمهور من علماء الأمة، وهو الأقرب إلى الصواب واللَّه أعلم، وعليه درج العلماء حتى علماء الحنابلة إجمالًا، وكل أدلة حجية الاحتجاج بالإجماع دالة عليه.

  13. ويمكن أن يوجه قول الإمام أحمد رحمه اللَّه بأنه يقصد أن الإجماع مراتب؛ أعلاها إجماع الصحابة،

  14. ثم من يليهم (٢) .

  15. وحمله القاضي أبو يعلى على أنه يقصد إذا انفرد تابعيٌ أو تابعه؛

  16. فإن الإنسان مخير في ذلك -أي في الأخذ بذلك القول أو رده (٣) .

  17. وقال الطوفي الحنبلي بأن الرواية الأخرى للإمام أحمد رحمه اللَّه وهي الموافقة للجمهور -هي المشهورة عنه، وهي التي رجحها الطوفي نفسه (٤) .

  18. وقال في "مختصره للروضة" الذي شرحه: "لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصرٍ حجة" (٥) .

  19. وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي - بعد ذكره للرواية المذكورة والخلاف في المسألة: "ولنا -وهذه عبارة تدل على اختياره لهذا القول - ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع من غير تفريق بين عصر وعصر" (٦) .

  20. • دليل الجمهور: أن الأدلة الشرعية الواردة في حجية الإجماع لم تفرق بين إجماع الصحابة ومن بعدهم، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل، والدليل غير موجود، فيبقى أن الإجماع حجة، وليس حجة في عصر دون عصر (٧) .

  21. 1/371/37

    وعلى هذا فالإجماع حجة في أي عصر كان، ولكن يمكن أن يقال بأن إجماع الصحابة أقوى درجة من إجماع من بعدهم بلا شك، فإجماعهم يدل على ثبات هذا القول وقوته أكثر مما لو اجتمع العلماء بعد عصرهم.

  22. القسم الثالث: إجماع أهل المدينة (١)

  23. والمقصود بهذا الإجماع: هو إجماع أهل المدينة في القرون المفضلة بعد عصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيما إذا خالفهم آخرون في أمر من أمور الاجتهاد (٢) .

  24. واشتهر الإمام مالك رحمه اللَّه بالقول بهذا النوع من الإجماع، وأكْثَرَ من الاستدلال به في الفروع الفقهية (٣) .

  25. وأحصى العلامة ابن القيم رحمه اللَّه ما ورد عنه في الاستدلال بإجماع أهل المدينة بنيِّف وأربعين مسألة (٤) .

  26. وقد قسم ابن القيم رحمه اللَّه عمل أهل المدينة إلى ثلاثة أقسام:

  27. أحدها: أن لا يُعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم.

  28. والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم.

  29. والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم (٥) .

  30. فأما الأول: فهو بلا شك حجة؛ لأنه إما أن يكون إجماعًا لفظيًّا أو سكوتيًّا عند من يقول به.

  31. وأما الثاني: فهو محل النقاش والخلاف بين المالكية والجمهور.

  32. وأما الثالث: فليس بشيء؛ إذ أن قول البعض ليس بحجة على الآخرين.

  33. 1/381/38

    وهناك قسم قد يتوهم أن يكون نوعًا رابعًا لإجماع أهل المدينة، ولم يذكره ابن القيم رحمه اللَّه، وهو ما لو كان عمل أهل المدينة موافقًا لما كان عليه العمل في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعرفنا ذلك بطريق صحيح، فهو بهذا يرتفع ليصبح سنة تقريرية للمصطفى عليه الصلاة والسلام (١) .

  34. فتبين أن الخلاف فيما إذا أجمع أهل المدينة على قولٍ خالفهم فيه آخرون.

  35. والصحيح -واللَّه أعلم- هو قول الجمهور، فيما اختلفوا فيه مع ما نسب إلى المالكية؛ إذ لا دليل على ما ادّعوه، بل هو قول المحققين من علماء المالكية أيضًا.

  36. • أدلة الجمهور: أولًا: قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: الآية ١١٥] .

  37. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين، وأطلق المؤمنين، بمعنى كل المؤمنين، وأهل المدينة ليسوا كل المؤمنين،

  38. فلا يوجد إجماع إذًا (٢) .

  39. ثانيا: أن من شروط الإجماع التي تجعله حجة شرعية غير متوفرة في إجماع أهل المدينة، فالاتفاق بين علماء الأمة لم يحصل، لمخالفة علماء الأمصار (٣) .

  40. • دليل المالكية: أن أهل المدينة أقوى اجتهادًا من غيرهم؛ لمشاهدتهم أحوال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعرفتهم بالوحي، وقربهم منه (٤) .

  41. • وجوابه: أن المدينة لو كانت جامعة للمجتهدين من الأمة لكان إجماعهم صحيحًا، وليست كذلك، وقول بعض الأمة ليس حجة على الآخرين (٥) .

  42. ومن علماء المالكية من قال: إنما أراد الإمام مالك بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

  43. ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفتهم.

  44. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٦) .