المبحث السادس: ألفاظ الإجماع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 17509 to 17552
-
3/573/57
• للإجماع ألفاظ عدة، عبر العلماء بها للدلالة عليه، ويمكن ترتيب هذه الألفاظ حسب قوتها من حيث الدلالة على الإجماع إلى أقسام (١) :
-
القسم الأول: ما كان صريحًا في حكاية الإجماع من مادة الفعل "أجمع" (٢) وما تصرف منه، مثل: أجمع العلماء، أجمعوا، إجماع، الإجماع، بالإجماع، أجمعت الأمة، أجمع أهل العلم، أجمع المسلمون، بإجماع بين أهل العلم، إجماعهم، مجمع عليه، مجمعون عليه.
-
• فهذه العبارات تدل صراحة على الإجماع، ما لم تأتِ قرينة تصرفه من الإجماع العام إلى الإجماع الخاص بمذهب، أو ببلد، أو إجماع أشخاص معينين؛ كأن يقال: إجماع أهل المدينة، أو إجماع أهل الكوفة، أو أجمع الخلفاء الأربعة، أو أجمع علماء مذهب ما.
-
القسم الثاني: التعبير بلفظ الاتفاق، وما تصرف منه من الألفاظ، مثل: اتفق العلماء، اتفق أهل العلم، اتفقوا، بالاتفاق، متفق عليه، باتفاق بين العلماء، باتفاقهم، ونحو ذلك.
-
القسم الثالث: التعبير بنفي الخلاف، وهذا التعبير يأتي في المرتبة الثالثة بعد عبارة الإجماع، والاتفاق، مثل: لم أجد فيه خلافًا، من دون خلاف بينهم، لم يسمع في ذلك خلاف، لم يقل عن أحد خلاف في ذلك، ونحو ذلك من الألفاظ.
-
القسم الرابع: التعبير بنفي النزاع،
-
ومن ألفاظه: لا نزاع فيه، لم أجد فيه نزاعًا، لم ينازع فيه أحد، من دون منازع. والتعبير بهذه الألفاظ قليل جدًّا، ومع ذلك إن وجدت شيئًا منه فإنني أذكره.
-
• ومن خلال جمع مسائل هذه الرسالة اتضح لي ما يلي:
-
أولًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبلفظ الاتفاق في المسألة نفسها تارة أخرى.
-
3/583/58
ثانيًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة ذاتها.
-
ثالثًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الاتفاق تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة بعينها.
-
رابعًا: أن من العلماء من حكى في بعض المسائل إجماع العلماء نقلًا عن عالم سبقه، وعند الرجوع إلى ما ذكره ذلك العالم المنقول عنه، يتبين أن ذلك العالم حكى الاتفاق أو نفى الخلاف.
-
• وفي هذا دليل على أن هناك من العلماء من لم يفرق بين هذه الألفاظ في الدلالة على الإجماع.
-
• وهذه أمثلة على ذلك:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (أجمع أهل العلم على أن للزوجة نفقتها، وكسوتها بالمعروف) (١) . وقال أيضًا: (وقد اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات إذا كانوا جميعًا بالغين، إلا الناشز منهن الممتنعة، فنفقة الزوجة ثابتة في الكتاب والسنة والاتفاق " (٢) .
-
٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في حال الحيض، فإجماع متيقن مقطوع به،
-
ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه" (٣) . وقال في مراتب الإجماع: (واتفقوا على أن الحائض لا تصلي، ولا تصوم، أيام حيضها، ولا يطؤها زوجها " (٤) .
-
• وقال أيضًا: (اتفقوا أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (٥) . وقال أيضًا: (لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام " (٦) .
-
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (أجمع هؤلاء الفقهاء أنه لا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها إذا استبرأها" (٧) . وقال أيضًا: (وقد اتفق هؤلاء الفقهاء كلهم
-
3/593/59
على أنه لو زنى بها جاز له أن يتزوجها " (١) . وقال أيضًا: (وأجمع العلماء على أنه إذا طلقها في طهر مسها فيه، لم يجبر على رجعتها" (٢) .
-
• وقال أيضًا: (لم يختلف العلماء كلهم أن الرجل إذا طلق في طهر قد مس فيه، أنه لا يجبر على الرجعة " (٣) . وقال أيضًا: (لم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لم يجبر على رجعتها" (٤) .
-
٤ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال:
-
(فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع " (٥) . وقال أيضًا: (ولا خلاف في أن طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة" (٦) .
-
٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال:
-
(ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (٧) .
-
ثم أخذ يذكر الأدلة من السنة على ذلك،
-
ثم قال: "وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه" (٨) . وقال أيضًا في وجوب العدة والصداق بمجرد الخلوة بالمرأة المعقود عليها: (عن عمر، وعلي، وعن سعيد بن المسيب، وعن زيد بن ثابت: عليها العدة، ولها الصداق كاملًا، وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان إجماعًا " (٩) . والتعبير بالإجماع عن الصحابة عند عدم العلم بالمخالف منهم كثير عند ابن قدامة وغيره.
-
٦ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: (أجمع المسلمون أن من لم يخف القسط في اليتامى، له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين أو ثلاثا، أو أربعًا" (١٠) . وقال أيضًا: (وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعًا وإن خاف ألا يعدل " (١١) .
-
• وقال أيضًا: (ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز نكاح مجوسية،
-
ولا وثنية" (١٢) . وقال أيضًا: (وأما المجوس: فالعلماء مجمعون على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم" (١٣) .
-
3/603/60
٧ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (قال ابن حزم في كتاب الإجماع: وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز عتق غير بني آدم من الحيوان " (١) . بينما قال ابن حزم: (واتفقوا أن عتق حيوان غير بني آدم لا يجوز" (٢) .
-
٨ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال:
-
(فإن طلقها وهي حائض، أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها، فهذا طلاق محرّم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين " (٣) . وقال في موضع آخر: (إذا طلقها في الحيض ولم تكن سألته الطلاق، فإن هذا الطلاق حرام باتفاق المسلمين" (٤) .
-
٩ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (حرمة الجمع بين الأختين، بلا خلاف " (٥) . وقال أيضًا: (ثبتت الحرمة في الجمع نصًّا وإجماعًا" (٦) .
-
١٠ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: (قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه في الأم: لا نعلم خلافًا في وجوب دخول المرفقين في الوضوء، وهذا منه حكاية للإجماع " (٧) .
-
١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (قال ابن المنذر: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة، والإجماع" (٨) . بينما قال ابن المنذر: (نفقة الزوجة واجبة بالكتاب، والسنة، والاتفاق " (٩) .
-
على أن من العلماء من فرّق بين لفظ "الإجماع "، ولفظ " الاتفاق "، فعبر بلفظ " الإجماع " عن اتفاق أهل العلم في شتى المذاهب، وبلفظ " الاتفاق " عن اتفاق علماء المذهب خاصة.
-
• ومن العلماء من لم يرَ أن نفي الخلاف يدل على الإجماع، ومن هؤلاء العلماء:
-
أولًا: من فرّق بين لفظ الإجماع، ولفظ الاتفاق:
-
١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (فيه نظر؛ لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع" (١٠) .
-
3/613/61
٢ - الحطاب (٩٥٤ هـ) ، حيث قال: (والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب, وبالإجماع إجماع العلماء) (١) .
-
ثانيًا: من رأى أن نفي الخلاف لا يدل على الإجماع:
-
• وهذا القول منسوب للإمام الشافعي في أحد القولين, وللصيرفي (٢) من الشافعية (٣) ، وللإمام أحمد في إحدى الروايتين (٤) .