الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 16326 to 16493
-
2/7752/775
مشروعية الصلح]
-
• المراد بالمسألة: الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، التي هي المسالمة، وهي خلاف المخاصمة (١) .
-
• وفي الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين (٢) .
-
وهو أنواع مختلفة، والمقصود به هنا: الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهو مما أجمعت عليه الأمة في الجملة.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [والأصل في جواز الصلح: الكتاب والسنة والأثر والاتفاق. . .،
-
وأما الاتفاق: فهو إجماع المسلمين على جواز الصلح، وإباحته في الشرع] (٣) .
-
• ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول لما ذكر حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني (٤) عن أبيه عن جده: [فقد روي من طرق عديدة، ومقتضى القرآن،
-
2/7762/776
وإجماع الأمة على لفظه ومعناه] (١) (٢) .
-
• العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [الأصل في جواز الصلح: الكتاب، والسنة، والإجماع. . .،
-
وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٣) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها] (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا] (٥) .
-
• الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة] (٦) .
-
• الحداد (٨٠٠ هـ) يقول بعد أن ذكر أصله من الكتاب والسنة: [وأجمعت الأمة على جوازه] (٧) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [وهو ثابت بالإجماع] (٨) .
-
• الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول:
-
[وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٩) .
-
• زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول بعد أن ذكر أنواعه: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (١٠) .
-
• الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول بعد أن ذكر تعريفه: [وأصله قبل الإجماع. . .] (١١) .
-
2/7772/777
• الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (١) .
-
• الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (٢) .
-
• البهوتي (١٠٥١ هـ) يقول لما ذكر تعريف الصلح: [وهو جائز بالإجماع] (٣) .
-
• الرحيباني (١٢٤٣ هـ) يقول لما ذكر أهمية الصلح: [وهو ثابت بالإجماع] (٤) .
-
• علي حيدر (١٣٥٣ هـ) يقول: [وقد انعقد إجماع الأمة على جواز الصلح] (٥) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول بعد ذكر تعريف الصلح: [وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {وَالْصُّلْحُ خَيْرٌ} (٨) .
-
• وجه الدلالة: أن الآية صريحة في بيان خيرية الصلح الذي جاء على وفق
-
2/7782/778
الكتاب والسنة، وهي وإن وردت على أمر خاص، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويشهد لهذا: العدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في الآية (١) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين القاعدة في الصلح عموما، وهو أنه على الإباحة، إلا ما استثني، ويدخل فيه الصلح بين المتخاصمين في الأموال.
-
الثالث: وهو دليل عقلي: أنه إذا طلب صاحب الحق جميع حقه، وأنكره المدعى عليه، وأقام المدعي البينة،
-
فإن ذلك يكون باعثا على النزاع، وسببا لتهييج الفتن، وزيادة العداوة والبغضاء بينهما، مما يستلزم فسادا عريضا (٣) ، ولذا قال عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-: [ردوا الخصوم حتى يصطلحوا،
-
فإن فصل القضاء يورث القوم الضغائن] (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم المصالحة على بعض الحق الذي عليه بعد اعترافه به]
-
• المراد بالمسألة: من اعترف بحق، وصالح على بعضه، وهو ممتنع عن الأداء إلا بالمصالحة، فهذا ليس بصلح صحيح، ويعد صاحبه مقترفا للحرام، باتفاق العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (٥) .
-
2/7792/779
• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: من علم أن عليه حقا وصالح على بعضه، يكون قد هضم حق غيره، فيعد آكلا لأموال الناس بالباطل (٤) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون عند شروطهم" (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن من صالح على بعض الحق الذي عليه وهو عالم به، يكون قد أحل ما حرم اللَّه عليه.
-
الثالث: أنه عالم بالحق، قادر على إيصاله إلى مستحقه، معتقد أنه غير محق، فيكون فعله محرما (٦) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
بطلان الصلح مع الإنكار والسكوت والمدعي معتقد الحق معه]
-
• المراد بالمسألة: الصلح على الإنكار أو السكوت هو: أن يدعي عليه عينا في يده، أو دينا في ذمته، فينكر المدعى عليه أو يسكت، ثم يصالحه بمال.
-
2/7802/780
والمقصود هنا: إذا كان المدعي يعلم أنه كاذب في دعواه، أو كان المدعى عليه يعلم صدق المدعي لكنه أنكر جاحدًا الحق،
-
فإن الصلح باطل، بلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [الصلح على الإنكار، وعلى السكوت، لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون الطالب طالب حق، والمطلوب مانع حق، أو مماطلا لحق، أو يكون الطالب طالب باطل،
-
ولا بد من أحدهما.
-
فإن كان الطالب محقا، فحرام على المطلوب، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام أن يمنعه حقه، أو أن يمطله وهو قادر على إنصافه، حتى يضطره إلى إسقاطه بعض حقه، أو أخذ غير حقه. . .،
-
وإن كان الطالب مبطلا، فحرام عليه الطلب بالباطل، وأخذ شيء من مال المطلوب بغير حق، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن المدعي إذا كان كاذبا في دعواه، فما يأخذه من مال صاحبه
-
2/7812/781
يعد أكلا للمال بالباطل، لا عوضا عن حق له، فهو حرام عليه.
-
وإن كان صادقا، والمدعى عليه يعلم صدقه وثبوت حقه، ويجحده لينتقص حقه، أو يرضيه عنه بشيء، فهو هضم للحق، وأكل مال بالباطل (١) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن طلب المدعي الكاذب أو جحد المدعى عليه، يعد من الصلح الذي أحل الحرام.
-
الثالث: أن أخذه للمال الذي لا يستحقه، يعد ظلما للطرف الآخر، واعتداء على ماله بغير حق، وكذبا وافتراء عليه، وكلُّها محرمة في الشرع (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
٤] بطلان المصالحة عن الحدود في حقوق اللَّه:
-
• المراد بالمسألة: من شروط المصالح عنه: أن يكون مملوكا للمصالِح،
-
فإذا صالح على حق من حقوق اللَّه - وهي: الحقوق العامة التي يعود نفعها للعموم، وليست خاصة بشخص معين (٤) - فالصلح عنها باطل، بلا خلاف بين العلماء، كالزنا والسرقة وشرب الخمر.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة] (٥) .
-
• ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [وفيه - أي: حديث زيد بن خالد (٦) في قصة العسيف الذي في مستند الإجماع- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في
-
2/7822/782
الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر] (١) . والمقصود بالفداء هو: المصالحة على إسقاط الحد عنه بمال.
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (ولا يجوز) أي: الصلح (من دعوى حد. . .) صورته: أخذ زانيا أو شارب خمر، فصالح على مال أن لا يرفعه إلى الحاكم فهو باطل،
-
ولا نعلم فيه خلافا] (٢) .
-
• الزرقاني (١١٢٢ هـ) يقول: [وفيه - أي: حديث زيد بن خالد في قصة العسيف- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والشرب، والحرابة] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني -رضي اللَّه عنهما- أنهما قالا: أن رجلا من الأعراب أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه. فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وأذن لي.
-
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قل" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام،
-
وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب اللَّه، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس (٥) إلى امرأة هذا، فإن
-
2/7832/783
اعترفت فارجمها " قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرجمت (١) .
-
• وجه الدلالة: أن الرجل أراد المصالحة عن إقامة الحد على ابنه، فردها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
ولو كانت جائزة لقبلها (٢) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن الصلح على إسقاط الحد يعد من الصلح الذي أحل الحرام (٤) .
-
الثالث: أن الحد حق اللَّه تعالى، وليس ملك للآدمي، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز (٥) .
-
النتيجة: الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز العوض في الصلح عن الجناية]
-
• المراد بالمسألة: إذا وقعت جناية تستوجب قصاصا، سواء كانت عمدا أو خطأ،
-
فإن للجاني أن يصالح المجني عليه، أو أولياءه، على مال يدفعه إليهم، على حسب ما يتفقون عليه، سواء قَلَّ هذا المال عن دية الخطأ لو كان خطأ، أم كان أكثر من مقدار الدية، بإجماع العلماء.
-
2/7842/784
• من نقل الإجماع:
-
• الإسبيجابي (حدود سنة: ٤٨٠ هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قل من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] . نقله عنه الشلبي (١) .
-
• الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قَلَّ من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] . نقله عنه الشلبي (٢) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ (ويصح عن جناية العمد والخطأ)
-
وكذا عن كل حق بجواز أخذ العوض عنه بلا خلاف] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (٥) .
-
• وجه الدلالة: ذكر بعض المفسرين أن المراد بالعفو هنا الصلح عن دم العمد، ومعناها: من بُذِل له بدل أخيه المقتول مال، فليتبع ذلك فهو من المعروف (٦) .
-
الثاني: عن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: كَسَرَت الربيِّع (٧) ثنية جارية من الأنصار، فطلب
-
2/7852/785
القوم القصاص، فاتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقصاص، فقال أنس بن النضر (١) -عم أنس بن مالك-: لا واللَّه لا تكسر سنها يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أنس! كتاب اللَّه القصاص" فرضي القوم، وقبلوا الأرش، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره" (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن هذه جناية أوجبت القصاص من الربيع، ولما عفا القوم ورضوا بالأرش، أقرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه.
-
الثالث: عن أبي شريح الكعبي (٣) -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ". . . إنكم معشر خُزَاعة (٤) قتلتم هذا القتيل من هذيل (٥) ، وإني عاقله، فمن قُتِل له قتيلٌ بعد اليوم، فاهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" (٦) .
-
2/7862/786
• وجه الدلالة: أن العقل المراد به: مصالحة أولياء الدم عن القتل إلى المال يأخذونه بدلا عنه (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
المصالحة عن قيمة المتلفات]
-
• المراد بالمسألة: المصالحة عن الحق المالي، لا تخلو من حالتين:
-
الحالة الأولى: أن تكون على متلف، وتكون من غير جنس المصالح عنه، وهذه الحالة على قسمين:
-
الأول: أن تكون على نقود: كأن يصالح كَرَّ حِنطة على ريالات معينة،
-
فإن هذه جائزة، سواء كانت أكثر من القيمة أو مثلها أو أقل.
-
الثاني: أن تكون على طعام موصوف في الذمة حالا، ويقبضه قبل الافتراق، فيجوز.
-
الحالة الثانية: أن تكون العين قائمة لم تتلف،
-
فإن الصلح جائز أيضًا على أكثر من قيمة العين المصالح عنها.
-
وإذا قضى القاضي بالقيمة على غاصب، فإنه لا يجوز الصلح على أكثر من القيمة التي حكم بها. وكل هذه المسائل مجمع عليها بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول:
-
[ولو وقع الصلح على عرْض، جاز في جميع ما ذكرنا من المقدرات؛ لأنه ليس عين الواجب، وإنما هو بدل عنه، بالإجماع] (٢) .
-
• الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [لو قضى القاضي بقيمة المغصوب على الغاصب،
-
ثم صالح على أكثر من القيمة، لا يجوز بالاتفاق] . نقله عنه الشلبي (٣) .
-
2/7872/787
• البابرتي (٧٨٦ هـ) لما ذكر مسألة غصب الثوب الذي قيمته أقل من مائة،
-
ثم استهلكه، وأراد مصالحته على مائة، بيَّن الخلاف فيها،
-
ثم ذكر محترزاتها فقال: [وقيد بالقيمي احترازا عن المثلي،
-
فإن الصلح عن كر حنطة على دراهم أو دنانير، جائز بالإجماع، سواء كانتا أكثر من قيمته أو لا. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن المغصوب إذا كان قائما، جاز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله من النقود؛ لأنه لو صالح على طعام موصوف في الذمة حالا، وقبضه قبل الافتراق، جاز بالإجماع] (١) .
-
نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ [داماد أفندي] (٢) .
-
• العيني (٨٥٥ هـ) لما ذكر مسألة الغصب السابقة، ذكر محترزاتها، فقال: [وقيد بالثوب احترازا عن غصب المثلي،
-
فإن الصلح فيه بالدراهم والدنانير بالزيادة، يجوز بالإجماع. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن الثوب إذا كان قائما يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله على مائة درهم لأنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالة، وقبضه قبل الافتراق عن المجلس، جاز بالإجماع.
-
. .، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (٣) .
-
• الشلبي (٩٤٧ هـ) يقول: [قيد بالإتلاف حتى لو كان قائما، يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع،
-
ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (٤) .
-
• ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) يقول: [لو كان - أي: المغصوب- مثليا، فهلك، فالمصالح عليه إن كان من جنس المغصوب، لا تجوز الزيادة اتفاقا،
-
وإن كان من خلاف جنسه جاز اتفاقا، وقيد بالهلاك إذ لو كان قبله، يجوز اتفاقا] (٥) .
-
2/7882/788
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن العلة من المنع عن المصالحة بأكثر من القيمة إذا كانت من جنسها هي خشية الربا، وتنتفي العلة إذا كانت من غير الجنس، كما هو الحال في صور المسألة، فيرجع الحكم إلى الأصل وهو الإباحة (٢) .
-
الثاني: أما إذا كان المغصوب قائما غير مستهلك فالصلح على أكثر من القيمة جائز؛ لأنه يعد مبايعة، والمبايعة تصح على أَيِّ قيمة كانت (٣) .
-
الثالث: أما المنع من المصالحة على أكثر من القيمة بعد حكم القاضي؛ فلأن الحق قد انتقل إلى القيمة بعد حكمه،
-
فلا يجوز له حينئذ الاعتياض عن حقه في العين على أكثر من قيمتها (٤) ، ولأن حكم القاضي يعد ملزما، ورافعا للنزاع، فلا تجوز مخالفته.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها.
-
الأجل في الاستصناع الذي لا يتعامل به يجعل العقد سلما]
-
• المراد بالمسألة: الاستصناع في اللغة: مصدر استصنع الشيء، إذا دعا إلى صنعه، يقال: اصطنع فلان خاتما، إذا سأل رجلا أن يصنع له خاتما (٥) .
-
• وفي الاصطلاح: عقد على مبيع في الذمة، شُرِط فيه العمل (٦) .
-
2/7892/789
وصورته: إذا قاول شخص خياطا على صنع جُبة، وقماشها وكل لوازمها من الخياط، فيكون قد استصنعه الجبة، أما لو كان القماش من المستصنع، وقاوله على صنعها فقط، فيكون العقد إجارة (١) .
-
إذا تعاقدا عقدَ استصناع يصنع له سلعة معينة، وكان ذلك فيما لا يتعامل فيه الناس عادة من الثياب والقمصان، وحدد أجلا للصناعة على وجه الاستمهال لا الاستعجال، وذلك أن يمهله قدر شهر أو نحوه،
-
فإن العقد ينقلب سلما، بإجماع العلماء،
-
ويشترط فيه شروط السلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول بعد أن ذكر أحوال ضرب الأجل في الاستصناع الذي يتعامل الناس فيه: [. . .
-
ولو ضرب الأجل فيما لا تعامل فيه، ينقلب سلما، بالإجماع] (٢) .
-
• علي حيدر (١٣٥٣ هـ) يقول: [. . . أما في الأشياء التي لم يجر التعامل بها،
-
فإذا بُيِّنت فيها المدة على وجه الاستمهال، كان العقد عقد سلم بالإجماع] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن الاستصناع يتعذر فيما لا يجري فيه التعامل؛ لأنه لا يكون إلا فيما يتعامل فيه الناس، فيلزم جعل هذا العقد سلما (٥) .
-
الثاني: أن العبرة في العقود بالدلائل والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذا
-
2/7902/790
العقد بهذه الصفة يعد سلما، فيأخذ أحكامه.
-
الثالث: الأصل أن إعمال الكلام أولى من إهماله، والعاقد وإن قصد بالعقد عقدا، فإنه إن أمكن حمله على عقد آخر، كان أولى من إهمال كلامه وعدم إعماله.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.