Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

المبحث الثالث موارد ومصارف بيت المال

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 28057 to 28100

  1. 5/4765/476

    وفيه مطلبان:

  2. المطلب الأول: موارد بيت المال: تنقسم موارد بيت المال في الدولة الإسلامية إلى عدة موارد ومصادر تحت القاعدة الأصولية العامة: "إن الأصل في الأموال التحريم، ما لم يتحقق السبب المبيح" (١) .

  3. وهي القاعدة المستفادة من قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا. . . " (٢) .

  4. وموارد بيت المال كثيرة، أجملها الماوردي بقوله: "كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، فهو من حقوق بيت المال" (٣) .

  5. وفيما يلي تفصيل هذه الموارد:

  6. أولًا: الفيء: هو كل مال أُخذ من المشركين عفوًا من غير قتال،

  7. ولا إيجاف خيل، ولا ركاب (٤) . ويشمل أنواعًا كثيرة، منها: الجزية، والخراج، والعشور، وغيرها.

  8. قال ابن قدامة: "الفيء: وهو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالذي تركوه فزعًا من المسلمين وهربوا، والجزية، وعشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا إلينا تجارًا، ونصف عشر تجارات أهل الذمة، وخراج الأرضين، ومال من مات من المشركين ولا وارث له" (٥) .

  9. 5/4775/477

    ويلحق بالفيء: ما صولح عليه الحربيون من مالٍ يؤدونه إلى المسلمين، ومال المرتد إذا قُتل أو مات، ومال الزنديق إذا قُتل أو مات،

  10. فلا يروث مالهما، بل هو فيء -وللأحناف في مال المرتد تفصيل- ومال الذمى إذا مات ولا وارث له، وما فضل عن وارثه، فهو فيء كذلك (١) .

  11. قال القاضي أبو يوسف: "وقد سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قسمة ما أفاء اللَّه عليهم من العراق والشام، وقالوا: اقسم الأرضين بين الذين افتتحوها، كما تقسم غنيمة العسكر. فأبى عمر ذلك عليهم، وتلا عليهم هذه الآيات -آيات الفيء في سورة الحشر- وقَالَ: " قد أشرك اللَّه الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء،

  12. فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعيَ بصنعاء نصيبُه من هذا الفيء ودمه في وجهه" (٢) .

  13. فجعل عمر -رضي اللَّه عنه- على هذه الأرض مقدارًا معينًا من المال يُدفع كل عام، وهو ما عرف بالخراج. والأرض الخراجية تنقسم إلى نوعين (٣) :

  14. ١ - التي فتحت عنوة، وبقي عليها أهلها دون أن يدخلوا في الإسلام، يفلحونها لحاجة الدولة لخبراتهم، على أن يدفعوا خراجها، وينتفعوا بالباقي مقابل عملهم في الأرض.

  15. ٢ - التي فتحت صلحًا، واتفق المسلمون مع أهلها على أداء خراجها، مقابل أن تبقى في أيديهم يتوارثونها، طالما يدفعون خراجها، وليس لأحد أن ينزعها منهم.

  16. ثانيًا: سهم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من الغنيمة: وذلك بعد وفاته -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو المذكور في

  17. 5/4785/478

    قول اللَّه -تعالى-: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (١) .

  18. ثالثًا: خمس الخارج من الأرض من المعادن: من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها،

  19. وقيل: مثلها: المستخرج من البحر من لؤلؤ، وعنبر، وسواهما.

  20. قال أبو يوسف: "كل ما أصيب في المعادن، من الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، فإن في ذلك الخمس -في أرض العرب كان أو في أرض العجم- وخمسه الذي يوضع فيه مواضع الصدقات.

  21. وفيما يستخرج من البحر من حلية وعنبر، فالخمس يوضع في مواضع الغنائم، عَلَى ما قَالَ اللَّه -عز وجل- في كتابه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (٢) .

  22. رابعًا: الهبات والتبرعات والوصايا: التي تقدم لبيت المال للجهاد، أو لغيره من المصالح العامة (٣) .

  23. خامسًا: تركات المسلمين: التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يُرد (٤) عليه، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم (٥) .

  24. 5/4795/479

    سادسًا: الأموال الضائعة التي لم يُعرف أصحابها: من لقطة، أو وديعة، أو رهن، وما يوجد مع اللصوص مما لا طالب له، فكل ذلك يورد إلى بيت المال (١) .

  25. قال القرافي: "الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا علمت أربابها رُدت إليهم، وإلا فهي من أموال بيت المال تُصرف في مصارفه الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص، على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام، أو نوابه، أو من حصل ذلك عنده من المسلمين" (٢) .

  26. سابعًا: زكاة الأموال الظاهرة: كالسوائم، والزروع، والثمار، من حقوق بيت المال -عند من يرى ذلك- (٣) .

  27. المطلب الثاني: مصارف بيت المال: مما سبق يتبين أن موارد بيت المال متنوعة المصادر، وهي كذلك متنوعة المصارف، إلا أن بعضها عُين له جهة لصرفه فيها،

  28. ولا يجوز صرفه في غيرها، ولأجل ذلك احتاج العلماء إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها؛ لأجل سهولة التصرف فيها.

  29. قال أبو يوسف: "لا ينبغي أن يُجمع مال الخراج إِلَى مال الصدقات والعشور؛ لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى اللَّه -عز وجل- في كتابه. فإذا اجتمعت الصدقات من الإبل والبقر والغنم، جُمع إِلَى ذلك ما يؤخذ من المسلمين من العشور -عشور الأموال- وما يمر به عَلَى العاشر من متاع وغيره؛ لأن موضع ذلك كله موضع الصدقة. فيُقسم ذلك أجمع لمن سمى اللَّه -تبارك وتعالى- في كتابه. . . " (٤) .

  30. وقال الزيلعي: "وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتًا يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض؛ لأن لكل نوع حكمًا يختص به، فإن لم يكن في

  31. 5/4805/480

    بعضها شيء فللإمام أن يستقرض عليه من النوع الآخر، ويصرفه إلى أهل ذلك،

  32. ثم إذا حصل من ذلك النوع شيء رده في المستقرض منه، إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو من خمس الغنيمة على أهل الخراج، وهم فقراء، فإنه لا يرد فيه شيئًا؛ لأنهم مستحقون للصدقات بالفقر،

  33. وكذا في غيره إذا صرفه إلى المستحق " (١) .

  34. وفيما يلي بيان أنواع مصارف بيت المال (٢) :

  35. أولًا: أرزاق الولاة، والقضاة، وموظفو الدولة، والعمال في المصلحة العامة،

  36. ومن هؤلاء: أمير المؤمنين أو الخليفة نفسه.

  37. ثانيًا: رواتب الجند والعسكر، ولم يكن هناك في حياة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرتبات معينة للجند؛ لأنه لم يكن هناك جيش نظامي بالمعنى المعروف، وكان الجميع يأخذ من أربعة أخماس الغنائم والخراج، ولما ولي أبو بكر -رضي اللَّه عنه- ساوى بين الناس في الأعطيات، فلما جاء عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قسم العطاء مفضلًا الأسبق فالأسبق.

  38. فلما كثر الناس عن حاجة الغزو والجهاد، ولدواعي قيام الحضارة العمرانية، اشتغل كثير من الأمة بغير الجهاد من الصنائع، فلجأت الدولة للجيش النظامي، وأصبح هناك دواوين خاصة بالجند ينالون منها الرواتب" الخاصة بهم على رأس كل سنة.

  39. ثالثًا: تجهيز الجيوش، وآلات القتال؛ من سلاح وذخائر وخيل، وما يقوم مقامهما.

  40. رابعًا: إقامة المشروعات العامة؛ من جسور، وسدود، وتمهيد الطرق، والمباني العامة، ودور الاستراحة، والمساجد.

  41. خامسًا: مصروفات المؤسسات الاجتماعية، مثل: المستشفيات،

  42. 5/4815/481

    والسجون، وغير ذلك من مرافق الدولة.

  43. سادسًا: توزيع الأرزاق على الفقراء، واليتامى، والأرامل، وكل من لا عائلة له، فالدولة تعوله وتكفله.

  44. ويبقى بعد هذه الموارد والمصارف كلها أنه قد تُفاجئ الدولة كارثة، أو مجاعة، أو قحط شديد، أو وباء قاتل، وهنا يكون ندب الأغنياء من المسلمين من غير إكراه للصدقة والعطاء؛ لإنقاذ جمهور المسلمين، كما فعل عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- مع المجاعة في عهد أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- عندما تصدق بأموال طائلة لنجدة المسلمين، وكما فعل عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه-أيام عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، وأمثال ذلك كثير عبر التاريخ الإسلامي مما يضمن استمرارية تدفق الأموال على بيت مال المسلمين دون إكراه أو مصادرة أو إجبار.