المبحث الثالث: شروط إقامة الحد
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 36962 to 36990
-
9/279/27
الحدود عند الفقهاء على قسمين:
-
الأول: قسم مجمع عليه أنه حد، وهذا يشمل حد الزنا، والسرقة، والحرابة، والقذف.
-
الثاني: قسم مُختلف فيه، وهذا يشمل البغي، وشرب الخمر، والردة، ولكل حد شروط تخصه، وفي بعض تلك الشروط خلاف بين أهل العلم، لكن المراد هنا هو بيان شروط إقامة الحد فيما يتعلق بمن يقام عليه الحد، ويمكن إجمال ذلك في أربعة شروط هي كما يلي:
-
الشرط الأول: التكليف: والمراد به أن يكون من وجب عليه الحد عاقلًا بالغًا، وهذا الشرط محل إجماع بين أهل العلم، كما حكاه الشافعي (١) ، وابن حزم (٢) ، وابن عبد البر (٣) ، وابن قدامة (٤) ، وغيرهم (٥) .
-
الشرط الثاني: الاختيار: فإن كان من يجب عليه الحد فعل ما فعله مُكرهًا فلا حد عليه، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء على قولين:
-
القول الأول: أن الاختيار شرط لإقامة الحد. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية (٦) ،
-
9/289/28
والمالكية (١) ، والشافعية (٢) ، ورواية عند الحنابلة (٣) ، اختارها ابن قدامة (٤) ، وبه قال الظاهرية (٥) ، وابن المنذر (٦) واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
-
الدليل الأول: قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (٧) .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يؤاخذ من كفر مُكرهًا، وهو أعظم الذنوب، فغيره من المعاصي من باب أولى (٨) .
-
الدليل الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٩) .
-
9/299/29
• وجه الدلالة: الحديث صريح في رفع الحرج عن المُكره، وهو يدل على
-
9/309/30
عدم مؤاخذته بما فعله بموجب الإكراه (١) .
-
الدليل الثالث: أن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة فتدرأ بها الحدود (٢) .
-
القول الثاني: أن الاختيار ليس شرطًا في جميع الحدود. وأصحاب هذا الرأي قد يرون الإكراه شرطًا في بعض الحدود، لكنهم لا يرونه عامًا في جميع الحدود، من جهة أن بعض الحدود لا يُتصور فيها الإكراه،
-
ومن ذلك حد الزنا في حق الرجل، حيث ذهب الحنابلة إلى أن الرجل إن أكره على الزنا فعليه الحد (٣) ، وهو قول لبعض المالكية (٤) ، وقول للشافعية (٥) ، وبه قال أبو ثور (٦) .
-
واستدلوا لذلك بـ: أن الزنا من الرجل لا يُمكن تحصيله إلا عن انتشار، والانتشار لا يكون إلا عن اختيار (٧) ونوقش بأمرين.
-
الأول: عدم التسليم بأن الانتشار لا يكون إلا عن قصد واختيار، بدليل أن النائم قد تنتشر آلته من غير قصد منه، وإنما انتشار الآلة دليل على فحولة الرجل (٨) .
-
الثاني: أن الانتشار فطرة فطرها اللَّه تعالى في الرجل عند إثارة شهوته سواء قصد الزنا ذلك الوقت أم لا، وتكليفه عدم انتصاب الذكر قد يكون من تكليف ما لا يُطاق (٩) .
-
9/319/31
وكذا في حد السرقة ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن شرط الاختيار غير معتبر في حد السرقة،
-
فمن سرَق مكرَهًا وجب إقامة الحد عليه.
-
وهو قول عند الشافعية (١) ، ورواية عن الإمام أحمد (٢) .
-
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- رجحان القول الأول بأن الاختيار شرط لإقامة الحدود؛ لقوة أدلته، ومناقشة القول الثاني.
-
الشرط الثالث: انتفاء الشبهة: يشترط لإقامة الحد على الشخص ألا يكون له شبهة في ارتكابه لما يوجب الحد،
-
ومن الأدلة على هذا الشرط:
-
الدليل الأول: عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم،
-
فإن كان له مخرج فخلوا سبيله،
-
فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٣) .
-
9/329/32
الدليل الثاني: عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (١) .
-
وهذا الشرط متفق عليه بين المذاهب الفقهية الأربعة على اختلاف بينهم في الصور المندرجة تحتها، وحكاه جمع من أهل العلم إجماعًا منهم ابن المنذر (٢) ، وابن الهمام (٣) ، وغيرهم (٤) ، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية حيث ذهبوا إلى أن الحد لا يدرأ بالشبهات (٥) .