الفصل الرابع: مسائل الإجماع في أبواب الوقف
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 29716 to 30486
-
8/1638/163
جواز الوقف في الجملة]
-
• المراد بالمسألة: الوقف لغة: مصدر وقف، بمعنى: الحبس (١) .
-
• والوقف اصطلاحًا: حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره، على مصرف مباح موجود -أو بصرف ريعه على جهة بر وخير- تقربًا إلى اللَّه سبحانه وتعالى (٢) .
-
• والمراد بالمسألة: أن الوقف جائز من حيث الأصل، وهو من القرب، وممن يجري ثوابه على صاحبه في حياته وبعد وفاته،
-
فإذا أوقف المرء شيئًا مما يصح وقفه لزم، ولا يجوز نقض.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) قال: [والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك] (٣) .
-
8/1648/164
٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) قال:
-
(فإذا وقف شيئا زال ملكه عنه بنفس الوقف،
-
فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة،
-
ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه وليس من شرطه لزوم القبض ولا حكم الحاكم وهو قول الفقهاء أجمع) (١) .
-
٣ - الجويني (٤٧٨ هـ) قال: (وأجمع المسلمون على أصل الوقف وإن اختلفوا في التفصيل) (٢) .
-
٤ - السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال: (فقد أجمع العلماء أن من وقف أرضه أو داره مسجدا بأن قال جعلت هذه الأرض مسجدا يصلى فيه الناس، أنه جائز) (٣) .
-
٥ - الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [لا خلاف بين العلماء في جواز الوقف في حق وجوب التصدق بالفرع ما دام الوقف حيًا] (٤) .
-
٦ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذو مقدرة إلا وقف وهذا إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعًا] (٥) .
-
٧ - القرطبي (٦٧١ هـ) قال:
-
[فإن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابر كلهم أوقفوا الأوقاف] (٦) .
-
٨ - الموصلي (٦٨٣ هـ) قال: أجمعت الأمة على جواز أصل الوقف (٧) .
-
8/1658/165
٩ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: [أوقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه جمهور العلماء] (١) .
-
• وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٢) ، والصنعاني (٣) .
-
قال ابن حزم رحمه اللَّه: (والتحبيس وهو الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها وفي الأرحاء وفي المصاحف والدفاتر ويجوز أيضًا في العبيد والسلاح والخيل في سبيل اللَّه عز وجل في الجهاد فقط لا في غير ذلك) (٤) .
-
قال الصنعاني: (قال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل الفقه خلافًا في جواز وقف الأرضين) (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: (أصاب عمر -رضي اللَّه عنه- أرضًا بخيبر فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أصبت أرضًا أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. .) (٦) .
-
• وجه الاستدلال: أن عمر -رضي اللَّه عنه- وقف بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وإقراره له؛ فدل على جواز الوقف.
-
الثاني: عن أبي هريرة -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٧)
-
8/1668/166
• وجه الاستدلال: أن عمل الإنسان ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة، ومنها: الصدقة الجارية، وهي: الوقف. ويشعر أيضًا بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه،
-
ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة.
-
الثالث: اشتهار الوقف بين أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أصبح كل من عنده قدرة من الصحابة على الصدقة يبادر إلى الوقف (١) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: شريح القاضي (٢) ، وأبو حنيفة، وزفر (٣) ، فانكروا تحبيس الأصل على التمليك وتسبيل الغلة والثمرة، وهي الأحباس المعروفة بالمدينة (٤) .
-
• دليلهم: ووجه ما ذهبوا إليه ما يلي:
-
الأول: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمر -رضي اللَّه عنه-: (حبس أصلها) (٥) قالوا: فلا يلزم
-
8/1678/167
التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره (١) .
-
الثاني: عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: لما نزلت سورة النساء، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا حبس بعد سورة النساء) (٢) . قالوا فهذا دليل على نسخ الوقف (٣) . يقول الماوردي:
-
فأما الجواب عن حديث ابن عباس فمن وجهين:
-
١ - أنه أراد حبس الزانية، وذلك قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) } ، وقد بيّن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السبيل فقال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
-
٢ - أنه أراد به ما ينبه في آخر وهو قوله: "إن اللَّه أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" ، فكأنه قال: لا يحبس عن وارث شيء جعله اللَّه له (٤)
-
الثالث: عن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: (لولا أني ذكرت صدقتي لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرددتها") (٥) .
-
8/1688/168
• وجه الاستدلال: قالوا فهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه،
-
وأن الذي منع عمر -رضي اللَّه عنه- من الرجوع كونه ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره.
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز الوقف في الجملة ولزومه، وذلك لانعقاد إجماع الصحابة المتقدم،
-
ولا يعرف لهم مخالف (١) .
-
صفة الوقف الصحيح]
-
• المراد بالمسألة: أن الوقف الصحيح هو ما كان معلوم الابتداء والانتهاء، مثل أن يجعل نهايته إلى جهة لا تنقطع؛ كأن يجعل آخره على المساكين، أو طائفة منهم، فإنه يمتنع بحكم العادة انقراضهم،
-
وإن قال: وقفت شيئًا على شخص معين لمدة سنة،
-
ثم على الفقراء صح الوقف أيضًا لأنه غير منقطع.
-
8/1698/169
• من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملة ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف في صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع مثل أن يجعل على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن حزم من الظاهرية (٥) ، وابن تيمية (٦) .
-
قال الكاساني: (يصح مضافًا إلى ما بعد الموت فيصح منجزًا
-
وكذا لو اتصل به قضاء القاضي يجوز) (٧) .
-
قال ابن الهمام: (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره لجهة لا تنقطع أبدًا كالمساكين ومصالح الحرم والمساجد،
-
بخلاف ما لو وقف على مسجد معين ولم يجعل آخره لجهة لا تنقطع لا يصح لاحتمال أن يخرب الموقوف عليه) (٨) .
-
قال القرافي: (متى كان الوقف على قربة صح، أو معصية بطل. . .
-
فإن عرا عن المعصية ولا ظهرت القربة صح، لأن صرف المال في المباح مباح، وكرهه مالك، لأن الوقف باب معروف فلا يعمل غير معروف) (٩) .
-
قال الدردير: (لا يباع عقار حبس أي لا يجوز بيعه ولا يصح وإن خرب وصار لا ينتفع به وسواء كان دارًا أو حوانيت أو غيرها ولو بغيره من جنسه كاستبداله بمثله غير خرب،
-
فلا يجوز، ولا يجوز بيع نقضه من أحجار أو أخشاب،
-
فإن تعذر عودها فيما حبست فيه جاز نقلها في مثله، هذا في الوقف الصحيح) (١٠) .
-
8/1708/170
قال الجويني: (ومذهب الإمام الشافعي أن الوقف إذا استجمع شرائطه صحيح لازم، لا يتوقف لزومه على تسجيل من جهة قاض،
-
ويصح منجزه في الحياة ومنفذه في الوصية بعد الوفاة) (١) .
-
قال الشيرازي: (ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح) (٢) .
-
قال ابن حزم: (الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها وفي الأرحاء وفي المصاحف والدفاتر ويجوز أيضًا في العبيد والسلاح والخيل في سبيل اللَّه عز وجل في الجهاد فقط لا في غير ذلك) (٣) .
-
قال ابن تيمية: (ويصح الوقف بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا كجعل أرضه مسجدًا أو الإذن للناس بالصلاة فيه، أو أذن فيه وأقام، ونقله أبو طالب وجعفر وجماعة عن أحمد، أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، ونص عليه أحمد أيضًا،
-
ومن قال: قريتي التي بالثغر لمواليّ الذين بها ولأولادهم: صح وقفًا) (٤) .
-
• مستند الإجماع: يمكن أن يستدل لهذا الإجماع بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: (أصاب عمر -رضي اللَّه عنه- أرضًا بخيبر فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. .) (٥)
-
• وجه الاستدلال: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر عمر -رضي اللَّه عنه- بتحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وجعلها في أقاربه.
-
الثاني: أن معنى الوقف هو التحبيس على جهة فيها بر وطاعة، فلا يتفق
-
8/1718/171
أن يقال في صفة الوقف التأقيت، أو إلى جهة منقطعة.
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن صفة الوقف الصحيح هو ما كان معلوم الابتداء والانتهاء،
-
وأن يكون إلى جهة لا تنقطع (١) .
-
كون الوقف من الطاعات]
-
• المراد بالمسألة: أن الوقف يجب أن يكون من الطاعات، لا من المحرمات، لأنها صدقة جارية، يرجو الواقف الثواب من وراء وقفه، وهذا لا يكون إلا في ما هو من قبيل الطاعات فلا يجوز وقف الخمر، والخنزير، والجواري للغناء، وضابط المسألة أن ما صح بيعه صح وقفه.
-
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [. . وهو على أهل الأعمال التي يتقرب بها إلى اللَّه تعالى والوصية لأهلها والنذر لهم،
-
وأن تلك الأعمال لا بد أن تكون من الطاعات التي يحبها اللَّه ورسوله،
-
فإذا كانت منهيًا عنها لم يجز الوقف عليها،
-
ولا اشتراطها في الوقف باتفاق المسلمين] (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
قال الكاساني: (الوقف صدقة جارية في سبيل اللَّه) (٦) .
-
قال القرافي: (وهو من أحسن أبواب القرب) (٧) .
-
قال الجويني: (قال العلماء: الصدقة الجارية هي الوقف على وجوه الخير) (٨) .
-
8/1728/172
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: قول اللَّه سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
-
• وجه الاستدلال: فيه حرمة التعاون على الإثم والعدوان والوقف على المعصية من هذا الجنس، واللَّه سبحانه وتعالى نهى عن المحرمات، والتعاون عليها (١) .
-
الثاني: أن المقصود من الوقف القربة، والواقف يرجو النفع من وراءه (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أن الوقف يجب أن يكون من الطاعات، لا من المحرمات (٣) .
-
لا وقف على ما ليس بطاعة]
-
• المراد بالمسألة: تنازع أهل العلم في جواز الوقف على جهة مباحة، كالوقف على الأغنياء على قولين مشهورين، إلا أنهم اتفقوا على عدم جوازه على المعصية ولا اشتراطها فيه مطلقًا، سواء كان على معين، واحدًا أو جماعة؛ كجعل غلته في ثمن خمر لفلان، أو كان على جهة معصية؛ ككنيسة ونحوها.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [. .
-
فإذا كانت منهيًا عنها لم يجز الوقف عليها ولا اشتراطها في الوقف: باتفاق المسلمين] (٤) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملة ذلك أن الوقف لا يصح. . على معصية؛ كبيت النار والبيع والكنائس والإنجيل وكتب التوراة والإنجيل؛
-
8/1738/173
لأن ذلك معصية. . وسواء كان الواقف مسلمًا أو ذميًا. . وهذا مذهب أحمد والشافعي ولا نعلم فيه خلافًا] (١) .
-
٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) قال:
-
[فإن الوقف لا يصح إلا في قربة، وطاعة اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
فلا يصح الوقف على مشهد،
-
ولا قبر يسرج عليه ويعظم، وينذر له، ويحج إليه، ويعبد من دون اللَّه سبحانه وتعالى، ويتخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم] (٢) .
-
٤ - المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [والوقف على قناديل البيعة أو معابد البوذيين أو دور الهندوك. . باطل.
-
ولا نعلم فيه خلافًا] (٣)
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) .
-
قال القرافي: (متى كان الوقف على قربة صح، أو معصية بطل كالبيع وقطع الطريق لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) } ،
-
فإن عرا عن المعصية ولا ظهرت القربة صح، لأن صرف المال في المباح مباح، وكرهه مالك، لأن الوقف باب معروف فلا يعمل غير
-
8/1748/174
معروف) (١) .
-
وقال الدردير: (وبطل الوقف من كافر لمسجد ورباط ومدرسة من القرب الإسلامية،
-
وأما وقف الذمي على كنيسة فإن كان على مرمتها أو على المرضى بها فالوقف صحيح معمول به،
-
فإن ترافعوا إلينا حكم بينهم بحكم الإسلام أي من إمضائه وإن كان على عبادها حكم ببطلانه كذا نقل عن ابن رشد) (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: قول اللَّه سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
-
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الوقف على المعصية يعد من التعاون على الإثم والعدوان، فكان منهيًا عنه.
-
الثاني: أن المقصود من الوقف القربة، والمعصية نقيضها (٣) .
-
الثالث: أن الوقف يراد به نفع الموقوف عليه، والمعصية ليست نفعًا بل يزداد بها عقابًا (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في عدم جواز الوقف على ما ليس بطاعة (٥) .
-
الشروط الباطلة المخالفة للعقيدة الإسلامية لا تصح في الوقف ولا في غيره]
-
• المراد بالمسألة: إذا اشترط الواقف شروطًا تخالف ما شرعه اللَّه لعباده بحيث تتضمن الأمر بما نهى اللَّه عنه، أو النهي عما أمر اللَّه به، أو تحليل ما
-
8/1758/175
حرمه، أو عكسه فهذه الشروط لا يجوز اعتبارها، وتقع باطلة.
-
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [. . بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى اللَّه عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود، الوقف وغيره] (١) .
-
• الموافقون للاتفاق: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) .
-
قال السرخسي: (واشتراط الخيار في العتق باطل والعتق صحيح،
-
وكذلك في المسجد اشتراط الخيار باطل واتخاذ المسجد صحيح، فكذلك في الوقف. . . وما يتعلق بالجائز من الشرط الفاسد فالفاسد من الشروط يبطله) (٥) .
-
قال القرافي: (لو شرط في الوقف الخيار في الرجوع بطل شرطه ولزم الوقف، لأن الأصل في العقود اللزوم) (٦) .
-
قال الخطيب الشربيني: (ومقابل الصحيح يصح الوقف ويلغو الشرط كما لو طلق على أن لا رجعة له) (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عائشة -رضي اللَّه عنها-، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب اللَّه فهو باطل،
-
وإن كان مائة شرط، كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق) (٨) .
-
8/1768/176
• وجه الاستدلال: عموم الحديث في جميع العقود بالاتفاق، فليس مخصوصًا بباب منها دون آخر فيدخل فيه الوقف (١) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا) (٢) .
-
• وجه الاستدلال: أن ما كان من الشروط يحل حرامًا أو يحرم حلالًا فإنه لا يصح ولا يلزم أحدًا (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في عدم صحة الوقف المتضمن شروطًا باطلة مخالفة للعقيدة الإسلامية الصحيحة، وذلك لعدم المخالف فيها.
-
وجوب أخذ أبناء النصارى المسلمين أوقاف آبائهم النصارى الموقوفة على البيعة]
-
• المراد بالمسألة: أن أولاد النصارى إذا أسلموا وكان آباؤهم قد أوقفوا أموالًا على الكنائس،
-
فإن لهؤلاء الأولاد الحق في أخذ هذه الأموال.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٨٢ هـ) قال: [قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعًا كثيرة، وماتوا ولهم أبناء نصارى، فأسلموا والضياع بيد النصارى: فلهم أخذها، وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم. وهذا مذهب الشافعي.
-
ولا نعلم فيه خلافًا] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) .
-
8/1778/177
قال الدسوقي: (وإن كانوا نصارى أي أقارب جهتيه نصارى أي فلا فرق بين المسلم والكافر لصدق اسم القرابة عليه) (١) .
-
قال الرملي: (وإن وقف مسلم أو ذمي على جهة معصية كعمارة نحو الكنائس المقصودة للتعبد وترميمها وإن مكناهم منه كما قاله السبكي والأذرعي وغيرهما أو قناديلها أو كتابة نحو التوراة فباطل لكونه إعانة على معصية، نعم ما فعله ذمي لا نبطله إلا إن ترافعوا إلينا وإن قضى به حاكمهم لا ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة فلا نبطله بل نقره حيث نقرها) (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه، لا يصح من الذمي؛ كالوقف على غير معين،
-
وكذلك الوقف ليس بملك معاوضة (٣) .
-
الثاني: أن المسلم أولى بالمال الموقوف على الكنيسة، خاصة إن كان المسلم فرعًا للواقف، كما في مسائل الصدقة.
-
النتيجة: صحة الإجماع في وجوب أخذ أبناء النصارى المسلمين أوقاف آبائهم النصارى الموقوفة على البيعة.
-
لا يجوز إكراء الوقف لمن يضر به]
-
• المراد بالمسألة: أن الوقف عمل خيري دائم، والمحافظة عليه واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
-
ومن ذلك عدم تأجيره -إن كان مما يؤجر- ممن يضر به، سواء بنفسه، أو بحرفته.
-
• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [لا يجوز إكراء الوقف لمن يضر به باتفاق المسلمين، بل ولا يجوز إكراء الشجر بحال، وإن سوقي
-
8/1788/178
عليها بجزء حيلة لم يجز بالوقف باتفاق العلماء] (١) .
-
• الموافقون للاتفاق: الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) .
-
قال المرغيناني: (ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى وإن لم يبين ما يعمل فيها، لأن العمل المتعارف فيها السكنى فينصرف إليه، وأنه لا يتفاوت فصح العقد، وله أن يعمل كل شيء للإطلاق، إلا أنه لا يسكن حدادًا ولا قصارًا ولا طحانًا لأن فيه ضررًا ظاهرًا، لأنه يوهن البناء فيتقيد العقد بما وراءها دلالة) (٥) .
-
قال الدسوقي: (وفسخت الإجارة بموت مستحق وقف آجر ذلك الوقف في حياته مدة ومات قبل تقضيها وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته أو لمن يليه ولو ولده ولو بقي منها يسيرًا على الأصح) (٦) .
-
قال الخطيب الشربيني: (ولو تعدى المستأجر بأن ضرب الدابة أو كبحها فوق العادة أو أركبها أثقل منه أو أسكن حدادًا أو قصارًا وهما أشد ضررًا مما استأجر له ضمن العين أي دخلت في ضمانه لتعديه) (٧) .
-
• مستند الاتفاق: يستند الاتفاق إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار) (٨) .
-
8/1798/179
• وجه الاستدلال: فيه حرمة الإضرار، وتأجير الوقف لمن يضر به محرم.
-
الثاني: ويمكن أن يستدل للجمهور بما هو ظاهر، من كون المحافظة على الوقف واجبة،
-
وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
-
ومن هذا عدم جواز تأجيره على من يضر به، لما يؤدي إليه من تلف الوقف، وقد اتفق الفقهاء على تضمين الناظر إذا أجر الوقف بأقل من أجرة المثل، فعدم جواز تأجيره بمن يضر به أولى (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في عدم جواز تأجير الوقف لمن يضر به، وذلك لعدم المخالف (٢) .
-
المسجد الموقوف ليس ملكًا لمعين
-
• المراد بالمسألة: وقع الخلاف في الوقف هل هو حبس الرقبة على ملك اللَّه سبحانه وتعالى؟ أم على ملك الموقوف وإن كان ملكًا ضعيفًا؟ أما وقفُ المسجد فإنه ليس ملكًا لواقفه ولا لأحد من الناس، بل هو ملك للَّه سبحانه وتعالى، ولذلك لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه؛
-
إلا إذا تعطل، فقد اختلف الفقهاء في جواز بيعه أو التصرف فيه للأصلح.
-
• من نقل الاتفاق: القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [واتفق العلماء في المساجد أن وقفها إسقاط ملك؛ كالعتق فلا ملك لمخلوق فيها] (٣) .
-
8/1808/180
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١) ، الشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
قال السرخسي: (وقد وجدنا لهذا الطريق أصلًا في الشرع وهو الكعبة فتلك البقعة للَّه تعالى خالصة متحرزة عن ملك العباد فألحقنا سائر المساجد بها) (٥) .
-
قال الشيرازي: (وإن وقف مسجدًا فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك، ولم يجز له التصرف فيه، لأن ما زال الملك فيه لحق اللَّه تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال) (٦) .
-
قال البهوتي: (وينتقل الملك فيها إلى اللَّه تعالى إن كان الوقف على مسجد ونحوه، كمدرسة ورباط وقنطرة وخانكاه وفقراء وغزاة وما أشبه ذلك،
-
وكذا بقاع المساجد والمدارس والقناطر والسقايات وما أشبهها، قال الحارثي: بلا خلاف) (٧) .
-
قال ابن حزم: (الحبس ليس إخراجًا إلى غير مالك، بل إلى أجل المالكين وهو اللَّه تعالى كعتق العبد) (٨) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: قوله سبحانه وتعالى:
-
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) } .
-
• وجه الاستدلال: أن كل شيء للَّه، فكان فائدة هذه الإضافة اختصاصه به وانقطاع حق كل من سواه عنه (٩) .
-
8/1818/181
الثاني: لأن الجمعة والجماعات تقام في المساجد بصفة مستمرة، وهي لا تقام في المملوكات (١) .
-
الثالث: أن المسجد لو خرب لا يعود لمالكه.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية في قول، وهو ظاهر مختصر خليل، وحكاه الدسوقي عن صاحب النوادر.
-
وقال: (والملك للواقف لا الغلة، فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه)
-
وكذا حكاه صاحب منح الجليل، ونقل نص صاحب النوادر: (والمساجد والأحباس لم يخرجها مالكها إلى ملك أحد، وهي باقية على ملكه وأوجب تسبيل منافعها إلى من حبست عليه) ورجح هذا القول في الفواكه الدواني (٢) .
-
• دليلهم: واستدل المالكية لخلافهم بأن لواقف المسجد منع الغير من التصرف فيه، ومنع التصرف ثمرة الملك. وأيضًا إنه وإن كانت الجماعات تقام فيها وهي لا تقام في المملوكات فإن المملوك الذي لا تصح فيه الجمع غير الموقوف مسجدًا، أما هو فتصح فيه (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في كون المسجد ملكًا للَّه سبحانه وتعالى، وليس ملكًا لأحد،
-
وأما الخلاف الوارد فهو ضعيفٌ مصادم للإجماع الصريح والقوي (٤) .
-
لا يجوز بيع الوقف]
-
• المراد بالمسألة: أن من وقف شيئًا وزال ملكه عنه سواء بنفس الوقف -
-
8/1828/182
كما عند الجمهور- أو بالقبض -عند محمد بن الحسن والمالكية- أو بحكم حاكم -عند أبي حنيفة- والوقف غير خرب ولا غيره أفضل منه، وليس هناك مصلحة راجحة في بيعه؛ فإنه لا يجوز للواقف ولا لورثته ولا للموقوف عليه ولا للناظر التصرف فيه ببيع ولا هبة ونحوهما (١) .
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) قال:
-
[وإذا صح الوقف. . . لم يجز بيعه ولا تمليكه. . . باجماع الفقهاء] (٢) .
-
٢ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) قال:
-
[ولا يملك الوقف بإجماع الفقهاء] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
قال الدردير: (لا يباع عقار حبس أي لا يجوز بيعه ولا يصح وإن خرب وصار لا ينتفع به وسواء كان دارًا أو حوانيت أو غيرها ولو بغيره من جنسه كاستبداله بمثله غير خرب فلا يجوز،
-
ولا يجوز بيع نقضه من أحجار أو أخشاب،
-
فإن تعذر عودها فيما حبست فيه جاز نقلها في مثله، هذا في الوقف الصحيح،
-
وأما الباطل كالمساجد والمدارس التي بناها الملوك والأمراء بقرافة مصر ونبشوا مقابر المسلمين وضيقوا عليهم فهذه يجب هدمها قطعًا ونُقضها محله بيت المال يصرف في مصالح المسلمين) (٨) .
-
قال الجويني: (من وقف دارًا فأشرفت على الخراب، وعرفنا أنها لو
-
8/1838/183
انهدمت، عسر ردها وإقامتها، فهل نحكم والحالة هذه بجواز بيعها؟ اختلف الأئمة فيه: فذهب الأكثرون إلى منع البيع، وجوز المجوزون البيع،
-
فإن منعنا البيع، أدمنا الوقف وانتظرنا ما يكون،
-
وإن جوزنا البيع، فالأصح صرف الثمن إلى جهة وقف) (١) .
-
قال ابن قدامة: (وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية لكن قلّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر رد على أهل الوقف، لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع، مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع،
-
وإن قل ما يضيع المقصود، اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعًا، فيكون وجود ذلك كالعدم) (٢) .
-
قال ابن حزم: (ومن حبس وشرط أن يباع ان احتيج صح الحبس لما ذكرنا من خروجه بهذا اللفظ إلى اللَّه تعالى، وبطل الشرط لأنه شرط ليس في كتاب اللَّه تعالى) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمر -رضي اللَّه عنه-: (تصدق بأصلها، لا يباع ولا يوهب ولا يورث) (٤) .
-
• وجه الاستدلال: أن الأصل في الوقف أنه لا يباع ولا يملك (٥) .
-
الثاني: أن الأصل هو تحريم بيع الوقف، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف من الضياع (٦) .
-
الثالث: أنه باللزوم خرج عن ملك الواقف وبلا ملك لا يتمكن من البيع ولا التمليك بوجه آخر (٧) .
-
8/1848/184
الرابع: أن بيع الوقف وتمليكه مناف لمقصوده الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز بيع الوقف (٢) .
-
يجوز استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه]
-
• المراد بالمسألة: إذا تعطلت منافع الوقف، فإنه يجوز التصرف فيه بما فيه مصلحة راجحة، إما بيعه وجعل ثمنه في مثله، أو استبداله بآخر،
-
ولو لم يكن شرط من الواقف بذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ولنا ما روي أن عمر -رضي اللَّه عنه- كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة، أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعًا] (٣) .
-
٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) قال: [وفي زيادات أبي بكر بن حامد: أجمع العلماء على جواز بيع بناء الوقف وحصيره إذا استغنوا عنه] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن تيمية (٥) .
-
قال الدردير: (ورجع الوقف في التحبيس على كقنطرة ومسجد ومدرسة خربت ولم يرج عودها في مثلها، حقيقة إن أمكن، فيصرف في قنطرة أخرى
-
8/1858/185
أو مسجد آخر أو مدرسة أخرى،
-
فإن لم يمكن ففي مثلها نوعًا، أي في قربة،
-
ومن ذلك مدارس مصر ومساجدها التي كانت بالقرافة) (١) .
-
قال الخطيب الشربيني: (والأصح جواز بيع حصر المسجد الموقوفة إذا بليت وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك ولم تصلح إلا للإحراق لئلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة، فتحصيل نذر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها،
-
ولا تدخل بذلك تحت بيع الوقف، لأنها صارت في حكم المعدومة، وعلى هذا يصرف ثمنها في مصالح المسجد. . .
-
ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته لم يبع بحال) (٢) .
-
قال ابن تيمية: (وإذا خرب مكان موقوف فتعطل نفعه بيع وصرف ثمنه في نظيره، أو نقلت إلى نظيره،
-
وكذلك إذا خرب بعض الأماكن الموقوف عليها -كمسجد ونحوه- على وجه يتعذر عمارته، فإنه يصرف ريع الوقف عليه إلى غيره، وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره، أو مصلحة المسلمين من أهل ناحيته، ولم يحبس المال دائمًا بلا فائدة، وقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم كسوة الكعبة بين الحجيج، ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ونحوها، وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقًا) (٣) .
-
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: لأنه لا يجوز وقف ما لا نفع فيه ابتداء؛
-
فلا يجوز استدامة وقفه، والقاعدة أن ما كان شرطا لابتداء الوقف كان شرطًا لاستدامته؛ كالمالية (٤) .
-
الثاني: أن ما لا يرجى نفعه يكون بيعه أولى من تركه (٥)
-
8/1868/186
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية في الأصح عندهم (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، فذهبوا إلى منع بيعها.
-
• ودليلهم: واحتجوا لما ذهبوا إليه بما يلي:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث) (٥)
-
• وجه الاستدلال: نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الوقف من غير تفريق بين تعطله من عدمه.
-
الثاني: بقاء أحباس السلف دائرة ولم تبع،
-
فلو كان بيعها جائزا ما أغفله من مضى (٦) .
-
الثالث: لأنه يمكن الانتفاع به وإن خرب، كصلاة واعتكاف في أرض المسجد، وطبخ جص وآجر له بحصره وجذوعه (٧) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز بيع الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه وجعل ثمنه في مثله أو استبداله بآخر، وذلك لوجود الخلاف القوي (٨) .
-
8/1878/187
جواز بيع الفرس الحبيس إذا تعطلت منافعها]
-
• المراد بالمسألة: إذا كبرت الفرس الحبيس على الغزو في سبيل اللَّه أو ضعفت فلم تصلح للجهاد جاز بيعها.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [قال أبو بكر. . . لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت، فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو.
-
نص عليه أحمد] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والشافعية (٤) ، وابن تيمية (٥) .
-
قال الكاساني: (ولا يجوز وقف الكراع والسلاح في سبيل اللَّه تعالى
-
8/1888/188
عند أبي حنيفة لأنه منقول وما جرت العادة به، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز،
-
ويجوز عندهما بيع ما هرم منها أو صار بحال لا ينتفع به، فيباع ويرد ثمنه في مثله) (١) .
-
قال ابن الهمام: (وفي الخلاصة قال محمد في الفرس إذا جعله حبيسا في سبيل اللَّه فصار بحيث لا يستطاع أن يركب يباع ويصرف ثمنه إلى صاحبه أو ورثته كما في المسجد وإن لم يعلم صاحبه يشتري بثمنه فرس آخر يغزى عليه) .
-
فالأحناف يرون جواز بيع الوقف إذا خرب فيدخل فيه بيع الفرس الحبيس فإنهم لم يفرقوا في جواز بيع الوقف بين العقار والمنقول) (٢) .
-
قال القرافي: (في الكتاب ما بلي من الثياب حتى لا ينتفع به أو ضعف من الدواب بيع واشترى بثمن الدواب فرس أو برذون أو هجين،
-
فإن لم يبلغ أعين به في فرس،
-
وكذلك الفرس يكلب أو يخبث يباع ويشترى به فرس) (٣) .
-
قال الرملي: (لو وقف فرس على الغزو فكبر ولم يصلح حيث جاز بيعه) (٤) .
-
قال ابن تيمية: (كالفرس الحبيس الذي يباع ويشترى بقيمته ما يقوم مقامه إذا كان محبوسًا على ناس ببعض الثغور،
-
ثم انتقلوا إلى ثغرٍ آخر، فشراء البدل بالثغر الذي هو فيه مضمون أولى من شرائه بثغر آخر،
-
وإن كان الفرس حبيسًا على جميع المسلمين فهو بمنزلة الوقف على جهة عامة كالمساجد والوقف على المساكين) (٥) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: ما مر من أدلة على جواز بيع الوقف عموما إذا تعطلت منافعه.
-
8/1898/189
الثاني: عدم إمكان الانتفاع به حالًا (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز بيع الفرس الحبيس إذا تعطلت منافعها.
-
يجوز وقف المشاع]
-
• المراد بالمسألة: أن من أراد أن يوقف جزءًا مشاعًا من عين له؛ كنصف، أو سهم من عين، مما يحتمل القسمة صح وقفه بالجملة.
-
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن وقف المشاع جائز] (٢) .
-
• الموافقون على الاتفاق: الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، وابن حزم من الظاهرية (٦) .
-
قال ابن حزم: (وهو جائز في المشاع وغير المشاع فيما ينقسم وفيما لا ينقسم) (٧) .
-
قال الشيرازي: (وما جاز وقفه جاز وقف جزء منه مشاع، لأن عمر -رضي اللَّه عنه- وقف مائة سهم من خيبر بإذن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأن القصد بالوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة، والمشاع كالمقسوم في ذلك) (٨) .
-
قال السرخسي: (ولو وقف نصف أرض أو نصف دار مشاعًا على الفقراء فذلك جائز في قول أبي يوسف) (٩) .
-
قال القرافي: (في الجواهر يصح وقف الشائع) (١٠) .
-
8/1908/190
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
-
الأول: حديث عمر -رضي اللَّه عنه- في وقفه مائة سهم بخيبر (١) .
-
• وجه الاستدلال: أن وقف عمر -رضي اللَّه عنه- كان مشاعًا غير مقسوم، وكان ذلك بإقرار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
-
الثاني: عن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- قال: لما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: (يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا، فقالوا لا واللَّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه سبحانه وتعالى) (٣)
-
• وجه الاستدلال: أن وقف بني النجار من الأنصار كان مشاعًا وقد أقرهم عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولو كان غير جائز ما أقرهم عليه (٤) .
-
الثالث: ولأنه عقد يجوز على بعض الجملة مفرزًا فجاز عليه مشاعًا؛ كالبيع.
-
الرابع: أنه لا ينافي مقصود الوقف الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع كحصوله في المفرز (٥) .
-
الخامس: القياس على العتق:
-
فإن العبد يعتق جزؤه مشاعا ويجوز ذلك (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: محمد بن الحسن الشيباني في المشاع الذي يقبل القسمة، فذهب إلى أنه لا يصح وقفه (٧) .
-
8/1918/191
• دليله: ووجه ما ذهب إليه ما يلي:
-
الأول: بناء على أصلهم فى الامتناع من إجارة المشاع.
-
الثاني: هو أن كل جزء من المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين، فيلزم منع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين، مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكًا وعدم الصحة إلى كونه موقوفًا، فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز وقف المشاع.
-
وأما ما ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني فالجواب عنه من وجهين:
-
الأول: أنه رأي ضعيف لم يوافقه فقهاء الحنفية (٢) .
-
الثاني: اعتذر له بعض فقهاء الشافعية بأنه أراد ما يمكن قسمته (٣) .
-
وقف ما لا يحتمل القسمة]
-
• المراد بالمسألة: لو وقف عينًا مشاعة لا تحتمل القسمة، بحيث لو طلب الشريك القسمة لم يجبر الواقف عليها لعدم قبولها للقسمة؛ كالمقبرة والبئر،
-
فإن ذلك لا يمنع صحة الوقف، بل هو صحيح لازم (٤) .
-
8/1928/192
• من نقل الاتفاق: ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) قال: [وأبو يوسف لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع، والخلاف فيما يقبل القسمة، أما ما لا يقبلها كالحمام والبئر والوحى فيجوز اتفاقًا؛ إلا في المسجد والمقبرة] (١) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق: المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وابن حزم من الظاهرية (٥) ، والشوكاني (٦) .
-
قال الماوردي: (وقف المشاع يجوز) (٧) .
-
قال ابن حزم: (وهو جائز في المشاع وغير المشاع فيما ينقسم وفيما لا ينقسم) (٨) .
-
قال المرداوى: (ويصح وقف المشاع، هذا المذهب) (٩) .
-
قال الحطاب: (وسأل ابن حبيب ابن الماجشون عمن له شرك في دور ونخل مع قوم، فتصدق بحصته من ذلك على أولاده أو غيرهم صدقة محبسة، ومنها ما ينقسم ومنها ما لا ينقسم ومن الشركاء من يريد القسم، قال: يقسم بينهم ما انقسم، فما أصاب المتصدق منها فهو على التحبيس، وما لا ينقسم بيع، فما أصاب المتصدق من الثمن في حصته اشترى به ما يكون صدقة محبسة في مثل ما سبلها فيه المتصدق) (١٠) .
-
قال الشوكاني: (وهذا ظاهر في جواز وقف المشاع) (١١) .
-
8/1938/193
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع إلى ما سبق من أدلة في جواز وقف المشاع، فإنه يستدل بها هنا، حيث إن من أجاز وقف المشاع، أطلق من غير تفريق بين ما ينقسم وما لا ينقسم. واللَّه أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: اللخمي من المالكية (١) ، فذهب إلى عدم صحة وقف المشاع الذي لا يحتمل القسمة.
-
• دليله: نفي الضرر عن الشريك؛ لأن الشريك لا يقدر على بيع جميعها،
-
وإن فسد فيها شيء لم يجد من يصلحه معه (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في جواز وقف المشاع الذي لا يقبل القسمة، وذلك لضعف الخلاف الوارد فيه (٣) .
-
يجب أن يكون الوقف دائمًا
-
• المراد بالمسألة: من شروط صحة الوقف أن يكون دائمًا بدوام الموقوف،
-
فلا يجوز تأقيته بمدة معينة.
-
• من نقل الإجماع: المرغيناني (٥٩٣ هـ) قال: [أن موجب الوقف زوال الملك بدون التمليك وأنه تأبيد كالعتق. .
-
وقيل: إن التأبيد شرط بالإجماع] (٤) .
-
8/1948/194
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية (١) ، والحنابلة (٢) .