Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

المطلب الثاني: حقيقة النكاح عند الفقهاء

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 17716 to 17775

  1. 3/793/79

    • وقع الخلاف بين الفقهاء أيضًا، في لفظ النكاح، هل يحمل على الحقيقة أو على المجاز؟ ولعل سبب اختلاف الفقهاء مبني على الخلاف عند أهل اللغة، ويمكن حصر أقوال الفقهاء فيما يأتي:

  2. القول الأول: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وهو قول الجمهور (٢) ، وصححه النووي من الشافعية (٣) ، والمرداوي من الحنابلة (٤) ، والشوكاني (٥) .

  3. • أدلة هذا القول: أولًا: أن لفظ النكاح بمعنى عقد التزويج هو المشهور الذي جاءت به الآيات والأخبار عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فمن ذلك:

  4. ١ - قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} . أي: بولاية أربابهن وإذنهم (٦) .

  5. ٢ - قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} ، الخطاب هنا للأولياء بأن يزوجوا من لا زوج له؛ فإنه طريق للتعفف (٧) . وعلى هذا فالنكاح هنا بمعنى التزويج.

  6. ٣ - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٨) .

  7. 3/803/80

    • قال أصحاب هذا القول في توجيه استدلالهم: الوطء إنما يجوز بالعقد، وليس بالإذن المجرد عنه، بل قالوا: إنه لم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج (١) .

  8. • وقال الراغب الأصفهاني (٢) : "أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه" (٣) .

  9. ثانيًا: أنه يصح نفي النكاح عن الوطء، فيقال في الزنى سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز (٤) .

  10. ثالثًا: أن الذهن لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فاشتهر استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف (٥) .

  11. رابعًا: أن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر (٦) .

  12. • قالوا: ولا ينتقض بما ورد في قوله تعالى:

  13. {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ،

  14. فإن معناه حتى تتزوج أي: يعقد عليها (٧) . وقد ثبت مفهوم

  15. 3/813/81

    الوطء في هذه الآية عن طرق السنة في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى تذوقي عسيلته" (١) .

  16. القول الثاني: إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو مذهب الحنفية (٢) ، وبه قال القرافي من المالكية (٣) ، ووجه عند الشافعية (٤) ، وقال به أبو الخطاب، وأبو يعلى الصغير (٥) من الحنابلة (٦) .

  17. • أدلة هذا القول: أولًا: أن الوطء هو الأصل في استعمال لفظ النكاح لغة -كما صرّح بذلك الأزهري وغيره- والأصل عدم النقل (٧) .

  18. ثانيًا: جاء القرآن والسنة بلفظ النكاح، ويراد به الوطء (٨) ، فمن ذلك:

  19. ١ - قوله تعالى:

  20. {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .

  21. ٢ - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (٩) . قال ابن الهمام: يصح حمل النكاح

  22. 3/823/82

    في هذا الحديث على العقد،

  23. وإن كانت الولادة بالذات من الوطء (١) .

  24. ٣ - وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: فيما يحل للرجل من امرأته الحائض: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (٢) .

  25. • قال ابن الهمام في إرادة هذا الحديث للوطء: يلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى، وإلا فسد المعنى، إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد (٣) .

  26. ٤ - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (٤) .

  27. ٥ - قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ملعون من نكح يده" (٥) .

  28. • قالوا: وما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر، مثل: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} ،

  29. فإن الخطاب هنا للأولياء.

  30. • ومعنى النكاح في قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} ، أي: بإذن أوليائهن؛

  31. فإن معنى النكاح في هاتين الآيتين انصرف لقرينة صرفته (٦) .

  32. 3/833/83

    القول الثالث: إنه مشترك بينهما، يعني: حقيقة في كل واحد منهما بانفراده.

  33. • وهو وجه عند الشافعية (١) ، قال ابن حجر: "وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد" (٢) . وهو قول لبعض الحنابلة (٣) ، قالوا: هو ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد (٤) .

  34. وقال المرداوي: وعليه الأكثر (٥) . وقال في "الفروع" : والأشهر أنه مشترك (٦) ، وقالوا: والأشبه بأصولنا ومذهبنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا (٧) .

  35. • دليل هذا القول: أنه ثبت في اللغة وفي الشرع استعمال لفظ النكاح بمعنى العقد والوطء، والأصل في الإطلاق الحقيقة (٨) .

  36. القول الرابع: إنه حقيقة فيهما معًا،

  37. فلا يقال حقيقة على أحدهما بانفراده؛ بل على مجموعهما، فهو من الألفاظ المتواطئة (٩) .

  38. • وبهذا قال بعض الحنفية (١٠) ، وبعض الحنابلة (١١) . قال ابن رزين (١٢) من الحنابلة: والأشبه أنه حقيقة في كل واحد باعتبار الضم (١٣) .

  39. • دليل هذا القول: أن التواطؤ خير من الاشتراك والمجاز، لأنهما على خلاف الأصل (١٤) . ونقل المرداوي عن الشيخ ابن تيمية: "هو في الإثبات لهما، وفي النهي لكلٍ منهما، بناءً أنه إذا نهى عن شيء نهى عن بعضه، والأمر به أمر بكله في الكتاب والسنة والكلام. فإذا قيل مثلًا: أنكح ابنة عمّك. كان المراد العقد والوطء، وإذا

  40. 3/843/84

    قيل: لا تنكحها. تناول كل واحد منهما (١) .

  41. • والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة،

  42. بخلاف المتواطئ؛ فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير (٢) .

  43. • هذا أهم ما قيل في حقيقة النكاح عند أهل اللغة، وعند الفقهاء، ويلاحظ أن كلام الفقهاء لم يخرج عن المدلول اللغوي لحقيقة النكاح.

  44. • الترجيح: والذي يمكن أن يقال في خلاصة هذا المبحث أن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهو قول الجمهور؛ لما يلي:

  45. ١ - أن قول الحنفية ومن وافقهم، بأنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، واستدلالهم باللغة في كثرة استعماله، فيقال فيه هنا: ما ذهبتم إليه صحيح، وقد ورد كلا الاستعمالين في اللغة، إلا أنه قد كثر استعماله حقيقة في العقد دون الوطء، فيحمل على ما كثر استعماله وهو العقد (٣) .

  46. ٢ - أما قول من يرى أنه مشترك، أو أنه من الألفاظ المتواطئة، فهذا مردود؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل (٤) .

  47. ٣ - أن استعمال لفظ النكاح على العقد هو الأشهر في القرآن والسنة وعُرف الصحابة، وأشعار العرب (٥) ، ويكفي هذا دليلًا لترجيحه.

  48. ٤ - أن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة، كان النكاح بمنزلته؛ لاشتراكهما في المعنى (٦) .

  49. ٥ - لو قُدِّر كونه مجازًا في العقد لكان اسمًا عرفيًّا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء العرفية (٧) .

  50. ٦ - أن النكاح يسمى في حق من لا يستطيع الوطء عقدًا؛ كالعنين، والكبير، والصغير، ونحو ذلك.

  51. 3/853/85

    • ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في:

  52. ١ - موطوءة الأب من الزنى. قال تعالى:

  53. {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} .

  54. فمن جعل النكاح حقيقة في العقد -وهم الجمهور- لم يثبتوا التحريم بوطء الزنى،

  55. ومن جعله حقيقة في الوطء حلالًا أم حرامًا -وهم الحنفية- أثبت التحريم به (١) .

  56. ٢ - لو علق الطلاق على النكاح، كأن يقول رجل لامرأته: إن نكحت فلانة فأنت طالق، فهل تطلق أم لا؟ .

  57. • خلاف مبني على الخلاف في حقيقة النكاح،

  58. فمن حمله على العقد فأنها تطلق،

  59. ومن حمله على الوطء فلا تطلق إلا بالوطء، هذا إذا لم ينو شيئًا،

  60. فإن نوى انصرف اللفظ إلى ما نواه (٢) .