الفصل الخامس: مسائل الإجماع في الشروط في النكاح
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 19902 to 20248
-
3/2753/275
تحريم نكاح الشغار وبطلانه]
-
نقل الإجماع على تحريم نكاح الشغار (١) وبطلانه جمع من أهل العلم؛
-
وأن النهي الوارد فيه لا يتعلق بالبنات فقط؛ بل تدخل فيه غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث قال: "لا خلاف عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في النهي عنه" (٢) . أي: عن نكاح الشغار.
-
٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "فهذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف، يفسخ هذا النكاح، ويقول: " إنه الذي نهى عنه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- " (٣) . أي: نكاح الشغار.
-
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وكلهم ذكر عن مالك في تفسير الشغار: أنه الرجل يزوج ابنته أو وليته من آخر، ويزوجه الآخر ابنته، ويكون بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى دون صداق، وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه؛ أنه الشغار المنهي عنه " (٤) .
-
وكذا قال في الاستذكار (٥) . ونقله عنه ابن حجر (٦) ، والشوكاني (٧) .
-
٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن صفته هو أن ينكح الرجل وليته رجلًا آخر، على أن ينكحه الآخر وليته، ولا صداق بينهما؛ إلا بضع هذه ببضع
-
3/2763/276
الأخرى، واتفقوا على أنه نكاح غير جائز لثبوت النهي عنه " (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .
-
٥ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على أنه منهي عنه " (٣) . وقال أيضًا: " وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا " (٤) . ونقله عنه ابن حجر (٥) ، والشوكاني (٦) ، وابن قاسم (٧) .
-
٦ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "السبب الأول: الشغار. . وهو حرام إجماعًا " (٨) .
-
وقال أيضًا: "واتفق الجميع على المنع ابتداءً، والخلاف بعد " (٩) .
-
٧ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل أخته أو ابنته، على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته، فكيف إذا زوجه على إن أنصفها أنصف الآخر، وإن ظلمها ظلم الآخر زوجته، فإن هذا محرَّم بإجماع المسلمين " (١٠) .
-
٨ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "نكاح الشغار، وهو باطل إجماعًا " (١١) .
-
٩ - الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث قال: "الشغار لا خلاف في منعه " (١٢) .
-
١٠ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "وفسَّره أحمد بأنه فرج بفرج، وكما لا تورث ولا توهب، فلأن لا تعاوض ببضع أولى، وأجمعوا على تحريمه " (١٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم نكاح الشغار، هو قول إسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد (١٤) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الشغار. والشغار: أن يزوج الرجل ابنته، على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (١٥) .
-
٢ - عن عمران بن الحصين -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا جلب (١٦)
-
3/2773/277
ولا جنب (١) ،
-
ولا شغار في الإسلام،
-
ومن انتهب نهبة (٢) فليس منا " (٣) .
-
• وجه الدلالة: دل الحديثان على النهي عن نكاح الشغار، وأنه لا يجوز.
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية إلى أن نكاح الشغار جائز، وللمرأة مهر مثلها (٤) . وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري (٥) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - أن كلًّا من الزوجين سمى في نكاح الشغار ما لا يصلح أن يكون صداقًا، كمن يعقد على خمر أو خنزير (٦) .
-
٢ - أن البضع لا يصح أن يكون صداقًا، فلم يتحقق الاشتراك، فبقي الشرط فاسدًا، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة (٧) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن نكاح الشغار باطل، وأنه محرم لا يجوز؛ لخلاف الحنفية ومن معهم بأنه صحيح، ويكون لكل من المرأتين مهر المثل.
-
تحريم نكاح التحليل]
-
إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا،
-
فلا تحل له إلا من بعد زوج؛
-
فإذا تزوجها رجل بقصد تحليلها لزوجها الأول، أو شرط عليه في العقد أن يحلَّها لزوجها الأول،
-
فإن هذا النوع من النكاح محرَّم، ونقل الإجماع على تحريمه جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل
-
3/2783/278
العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد اللَّه ابن عمرو، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين " (١) . ونقله عنه ابن قدامة (٢) ، والقرطبي (٣) ، وابن القيم (٤) ، والصنعاني (٥) .
-
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملته أن نكاح المحلل حرام وباطل، وهو قول من سمينا (٦) من الصحابة، ولا مخالف لهم، فيكون إجماعًا " (٧) . ونقله عنه ابن قاسم (٨) .
-
٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "أجمعوا على تحريم نكاح المحلل. . . واتفق أئمة الفتوى على أنه إذا شرط التحليل كان باطلا " (٩) . ونقله عنه ابن قاسم (١٠) . وقال أيضًا: " نكاح المحلل حرام بإجماع الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم -رضي اللَّه عنهم- " (١١) .
-
وقال أيضًا: " لو نوى التحليل كان ذلك مما اتفق الصحابة على النهي عنه، وجعلوه من نكاح المحلل " (١٢) . وقال أيضًا: " وبأن الصحابة أبطلوا هذه العقود، ففرقوا بين الزوجين في نكاح الشغار، وجعلوا نكاح التحليل سفاحًا، وتوعدوا المحلل بالرجم. . . فتبين بالنصوص وإجماع الصحابة فساد هذه الأنكحة " (١٣) .
-
وقال أيضًا: " وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلا " (١٤) .
-
٤ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "ونكاح المحلل لم يُبَحْ في ملة من الملل قط، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم" (١٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة من الإجماع على تحريم نكاح
-
3/2793/279
التحليل وبطلانه إن وقع، وافق عليه أبو يوسف من الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية في الجديد (٣) ، وابن حزم (٤) . وقال به عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، والحسن، وبكر المزني (٥) ، والنخعي، وقتادة، والليث (٦) ، وإسحاق، وأبو عبيد (٧) ، والثوري، والأوزاعي في إحدى الروايتين عنهما (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: "لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المُحِلَّ والمُحلَّل له" (٩) .
-
٢ - عن عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " ، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "فهو المحلِّل، لعن اللَّه المحلِّل والمحلَّل له" (١٠) .
-
٣ - عن علي -رضي اللَّه عنه- قال: "لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المحلِّل والمحلَّل له" (١١) .
-
3/2803/280
• وجه الدلالة: دلت الأحاديث على تحريم التحليل؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فاعل المحرَّم، وكل محرَّم منهي عنه (١) .
-
٤ - خطب عمر -رضي اللَّه عنه- فقال: واللَّه لا أوتى بِمُحِلٍّ ولا محلَّل له إلا رجمتهما (٢) .
-
٥ - قال رجل لابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: امرأة تزوجتُها؛ أُحلها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم. قال: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكها،
-
وإن كرهتها فارقها. قال:
-
وإن كنا نعده على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سفاحًا، قال:
-
ولا يزالان زانيين، وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم أنه يريد أن يحلها (٣) .
-
٦ - جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، أيحلها له رجل؟ قال: من يخادع اللَّه يخدعه (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: يرى الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر (٥) ، والإمام الشافعي في القديم (٦) ، ورواية عن الإمام أحمد (٧) ، أن نكاح المحلل صحيح، مع الكراهة. ومنع محمد بن الحسن عودتها للأول (٨) ؛
-
وقال به ابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي في رواية عنهما (٩) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .
-
• وجه الدلالة: أباح اللَّه سبحانه وتعالى النكاح من الزوج الثاني بعد طلاق الأول، من غير فصل بين ما إذا شرط الإحلال أو لا، فكان النكاح مع شرط الإحلال صحيحًا (١٠) .
-
3/2813/281
٢ - من مقاصد النكاح السكن والتوالد والتعفف،
-
ولا يكون ذلك إلا ببقاء الحياة الزوجية واستمرارها، وعلى هذا يحمل القول بكراهته، لما ألحقه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من اللعن على المحلل والمحلل له (١) .
-
٣ - أن شرط التحليل شرط فاسد، فيفسد به الصداق،
-
ويصح به النكاح، كما لو شرط ألا يسافر بها (٢) .
-
٤ - أما قول محمد بن الحسن من منع عودتها للأول؛ فلأن النكاح عقد مؤبد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره اللَّه تعالى لغرض الحل، فيعاقب بالمنع، كقتل المورث (٣) .
-
ثانيًا: إذا نوى الزوج التحليل، ولم يشترطه الزوج السابق، أو أي من أولياء المرأة؛ خلاف على قولين:
-
• القول الأول: يكون النكاح صحيحًا عند الإمام أبي حنيفة، ومحمد، وزفر (٤) ، والشافعية (٥) ، ورواية عن الإمام أحمد (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
وقال به عروة بن الزبير، وسالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعطاء والشعبي، والليث بن سعد، وأبو ثور (٨) .
-
• دليل هذا القول: روي عن عمر -رضي اللَّه عنه- ما يدل على إجازته إذا وقع بهذه الصورة؛ فقد روى ابن سيرين أن رجلًا من أهل المدينة طلق امرأته ثلاثًا، وندم، وبلغ ذلك منه ما شاء اللَّه، فقيل له: انظر رجلًا يحلها لك، وكان في المدينة رجل من أهل البادية له حسب أقحم إلى المدينة، وكان محتاجًا ليس له شيء يتوارى به إلا رقعتين؛
-
رقعة يوارى بها فرجه، ورقعة يوارى بها دبره، فأرسلوا إليه، فقالوا له: هل لك أن نزوجك امرأة، فتدخل عليها فتكشف عنها خمارها،
-
ثم تطلقها ونجعل لك على ذلك جعلًا؟
-
3/2823/282
قال: نعم. فزوجوه، فدخل عليها، وهو شاب صحيح. فلما دخل على المرأة فأصابها فأعجبها، فقالت له: أعندك خير؟ قال: نعم، هو حيث تحبين، جعله اللَّه فداءها. قالت: فانظر لا تطلقني بشيء،
-
فإن عمر لن يكرهك على طلاقي. فلما أصبح لم يكد أن يفتح الباب حتى كادوا أن يكسروه، فلما دخلوا عليه قالوا: طلق؛ قال: الأمر إلى فلانة. قال: فقالوا لها: قولي له أن يطلقك. قالت: إني أكره أن لا يزال يدخل عليّ.
-
فارتفعوا إلى عمر بن الخطاب فأخبروه، فقال له: أتطلق امرأتك؟ قال: لا، واللَّه لا أطلقها، فقال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط (١) .
-
• وجه الدلالة: أن عمر -رضي اللَّه عنه- صحح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه (٢) .
-
• القول الثاني: أن النكاح بهذه الصورة باطل، وهو قول أبي يوسف (٣) ، والمالكية (٤) ،
-
والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٥) . وسبق ذكر من قال بمنعه مطلقًا بكل صوره.
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع في تحريم نكاح التحليل؛ لخلاف الحنفية، والإمام الشافعي في القديم، والإمام أحمد في رواية عنه بأنه صحيح مع الكراهة.
-
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على بطلان نكاح المحلل، إذا نوى الزوج التحليل، ولم يأمره أحد بذلك، للخلاف الوارد في ذلك.
-
لا يقع التحليل إلا بعقد نكاح فيه وطء]
-
لا تحل المرأة لزوجها الأول الذي طلقها، إلا بعد أن يطأها زوجها الثاني؛ ولم
-
3/2833/283
يشترطوا في الوطء سوى التقاء الختانين،
-
وإن لم ينزل، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنها لا تحل له إلا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" (١) .
-
٢ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على أن تغييب الحشفة في قبلها، كافٍ في ذلك، من غير إنزال المني" (٢) .
-
٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "وما يذكر عن ابن المسيب من عدم اشتراط الوطء، فذاك قول شاذ، صحت السنة بخلافه، وانعقد الإجماع قبله وبعده" (٣) .
-
٤ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المرأة لا تحل لزوجها الذي طلقها، إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره،
-
ولا بد في ذلك النكاح من الوطء، وافق عليه الحنفية (٥) ، والمالكية (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، ومسروق، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وأبي عبيد (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا بد أن تنكح المرأة المطلقة زوجًا غير الذي طلقها حتى تحل له،
-
ولا بد أن يجتمع العقد والوطء؛ لأنه لو عقد عليها دون وطء لا تحل للأول،
-
وإن وطئها دون عقد لا تحل للأول أيضًا، قال الطبري: لإجماع الأمة جميعًا،
-
فلا بد من العقد والوطء (٩) .
-
3/2843/284
٢ - أن امرأة رفاعة (١) لما تزوجت عبد الرحمن بن الزبير (٢) ، أتت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: إن زوجي أبتّ طلاقي، وقد تزوجتُ عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة (٣) الثوب، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك" (٤) .
-
• وجه الدلالة: دل الحديث على أن المرأة لا تحل لزوجها الذي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره، فيطأها وطءًا صحيحًا.
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: نقل عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير؛ أنهما قالا: يجوز أن ترجع المرأة إلى زوجها الأول إذا طلقها الثاني،
-
وإن لم يمسها، ولا يشترط في ذلك سوى العقد (٥) . وهو قول الخوارج (٦) .
-
• دليل هذا القول: قال اللَّه تعالى:
-
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} . .
-
• وجه الدلالة: دلت الآية على أن للزوج أن يعود لزوجته إذا طلقها زوجها الثاني، وليس هناك ذكر للمسيس في هذا الموضع (٧) .
-
ثانيًا: ذهب الحسن البصري إلى القول بأن المرأة لا تحل لزوجها الأول حتى يطأها زوجها الثاني،
-
ولا بد فيه من الإنزال (٨) .
-
3/2853/285
• دليل هذا القول: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك" .
-
• وجه الدلالة: أن المرأة لا تحل للزوج إلا بذوق العسيلة،
-
ولا يتحقق ذلك إلا بعد وطء فيه إنزال (١) .
-
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع في أن الزوجة تحل لزوجها الأول بعد أن يعقد عليها زوج آخر، ويطأها بذلك العقد؛ لأن اشتراط الحسن البصري الإنزال، لا يكون إلا بوطء.
-
ثانيًا: لا ينظر لخلاف سعيد بن المسيب، وابن جبير في قولهما أنه يكفي مجرد العقد،
-
ولا يشترط الوطء؛ لما يأتي:
-
١ - لعل سعيد بن المسيب، وابن جبير لم يبلغهما حديث العسيلة، أو لم يصح عندهما، فأخذا بظاهر القرآن (٢) .
-
٢ - أن هذا القول لم يقل به أحد إلا الخوارج؛ كما قال ابن المنذر (٣) .
-
٣ - أنه قول شاذ، صحت السنة بخلافه، وانعقد الإجماع قبله وبعده (٤) .
-
٤ - من عقد نكاحًا على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي فسخه،
-
ولا يعتبر فيه خلافه؛ لأنه خارج عن إجماع العلماء (٥) .
-
٥ - ما ورد عن سعيد بن جبير لم يوجد مسندًا عنه في كتاب، إنما نقله أبو جعفر النحاس (٦) في "معاني القرآن" (٧) .
-
3/2863/286
٦ - أن العسيلة التي لا بد من ذوقها بين الزوجين هي مجرد التقاء الختانين بينهما، أما الإنزال فيسمى "الدبيلة" ،
-
فإن الرجل لا يزال في لذة من الملاعبة، حتى إذا أولج فقد عسَّل،
-
ثم يتقاطر منه ما فيه عناء نفسه، وإتعاب أعضائه، فالإنزال أقرب إلى الحنظلية منه إلى العسيلية؛ لأنه يبدأ بلذة، ويختم بألم (١) .
-
المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيه:
-
كانت المتعة مباحة في أول الإسلام، وكان لها أحكام تختص بها.
-
فمن هذه الأحكام: أنه لا إشهاد فيها،
-
ولا ولي، وكانت نكاحًا إلى أجل،
-
فإذا انتهى الأجل تقع الفرقة بلا طلاق، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن المتعة نكاح لا إشهاد فيه، ولا ولي، وأنه نكاح إلى أجل تقع الفرقة فيه بلا طلاق، ولا ميراث" (٢) .
-
وقال أيضًا: "لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق، وليس هذا من حكم الزوجة عند أحد من المسلمين" (٣) .
-
٢ - القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث قال:
-
"ولا خلاف بين العلماء أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيه" (٤) .
-
٣ - النووي (٦٧٦ هـ) ، فذكره كما قال القاضي عياض (٥) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر، والقاضي عياض من المالكية، والنووي من الشافعية، من أن المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيه، وافق عليه الحنفية (٦) ، والحنابلة (٧) ، وابن حزم (٨) . وهو قول علي، وابن مسعود، وأبي هريرة -رضي اللَّه عنهم-، وابن المسيب (٩) .
-
3/2873/287
وهؤلاء جميعًا يقولون بتحريم نكاح المتعة -كما سيأتي في المسألة التالية- ومن ثم منْع كل ما يترتب عليها من أحكام.
-
• مستند الإجماع: كانت المتعة مباحة أول الأمر،
-
ومن الأحكام التي اختصت بها: أنه لا ولي،
-
ولا شهود، ولا ميراث فيها،
-
وأن الفرقة تقع بانتهاء الأجل دون طلاق، وبعد أن حُرِّمت المتعة تبعها في التحريم الأحكام التي تختص بها (١) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع في أن المتعة قبل أن تُحرَّم كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيها،
-
ولا ولي، ولا شهود،
-
وأن الفرقة تقع بانتهاء الأجل دون طلاق،
-
ثم لمَّا حرمت تناول التحريم جميع أحكامها.
-
تحريم نكاح المتعة]
-
كانت المتعة مباحة في أول الإسلام،
-
ثم حُرِّمت إلى يوم القيامة، وما ورد فيها من إباحة فقد نسخ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال:
-
"ولا أعلم أحدًا يجيز اليوم نكاح المتعة إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف القائلُ به الكتابَ والسنة" (٢) .
-
٢ - الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث قال: "فهذا عمر -رضي اللَّه عنه- نهى عن متعة النساء بحضرة أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم ينكر عليه منهم منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه من ذلك، وفي إجماعهم على النهي في ذلك عنها دليل على نسخها وحجة" (٣) .
-
٣ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "نكاح المتعة مفسوخ، والمسألة عندنا إجماع أنه لا يجوز، وبه قال عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير -رضي اللَّه عنهم-، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والفقهاء بأسرهم، والأوزاعي، والثوري" (٤) .
-
٤ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: ". . . ولأنه إجماع (٥) الصحابة، روي ذلك عن
-
3/2883/288
أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير، وأبي هريرة، وابن عمر " (١) . وقال أيضًا: " فإن قيل: قد خالفهم ابن عباس، ومع خلافه لا ينعقد الإجماع، قيل: قد رجع ابن عباس عن إباحتها، وأظهر تحريمها. . .
-
فصار الإجماع برجوعه منعقدًا، والخلاف به مرتفعًا، وانعقاد الإجماع بعد ظهور الخلاف أوكد؛ لأنه يدل على حجة قاطعة، ودليل ظاهر " (٢) .
-
٥ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "اتفق أئمة علماء الأمصار من أهل الرأي والآثار؛ منهم: مالك وأصحابه من أهل المدينة، وسفيان، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، والشافعي ومن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد من أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، والطبري على تحريم نكاح المتعة؛ لصحة نهي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عندهم عنها " (٣) .
-
ونقله عنه ابن قدامة (٤) . وقال أيضًا: " وأما سائر العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وفقهاء المسلمين، فعلى تحريم المتعة " (٥) .
-
٦ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على تحريم نكاح المتعة، وهو كالإجماع بين المسلمين، وروي عن ابن عباس شيء من الرخصة للمضطر إليه بطول العُزبة، ثم رجع عنه حيث بلغه النهي " (٦) .
-
٧ - القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل. . . ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء، إلا الروافض، وكان ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه " (٧) .
-
وقال أيضًا: " وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه، سواء كان قبل الدخول، أو بعده " (٨) . ونقله عنه النووي (٩) ، وابن حجر (١٠) .
-
٨ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك" (١١) .
-
3/2893/289
٩ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال:
-
"وأما الإجماع: فإن الأمة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة، مع ظهور الحاجة لهم إلى ذلك" (١) .
-
١٠ - المرغيناني (٥٩٣ هـ) حيث قال: "قلنا ثبت النسخ بإجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما- صح رجوعه إلى قولهم فتقرر الإجماع" (٢) .
-
١١ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال:
-
"وأما نكاح المتعة: فإنه وإن تواترت الأخبار عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بتحريمه، إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم. . . وأكثر الصحابة، وجميع فقهاء الأمصار على تحريمه" (٣) .
-
١٢ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها فانعقد الإجماع على تحريمها" (٤) .
-
١٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "قال المازري (٥) : ثبت أن نكاح المتعة كان جائزًا في أول الإسلام، ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة - المذكورة هنا - أنه نسخ، وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المستبدعة" (٦) .
-
١٤ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك. . .، وما ورد في إباحته منسوخ بإجماع العلماء قديمًا وحديثًا بأسرهم" (٧) .
-
١٥ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أبطل سواء
-
3/2903/290
كان قبل الدخول أم بعده " (١) . وقال أيضًا: " قال الخطابي (٢) : تحريم المتعة كالإجماع، إلا عن بعض الشيعة،
-
ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صح عن علي أنها نسخت " (٣) .
-
١٦ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ادعى غير واحد من العلماء الإجماع على تحريم نكاح المتعة " (٤) . وقال أيضًا: " ثم أجمعت الصحابة على أن المتعة قد انتسخت في حياة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- " (٥) .
-
١٧ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "قلنا: قد ثبت النسخ بإجماع الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، هذه عبارة المصنِّف (٦) " (٧) .
-
١٨ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) ، حيث نقل إجماع الصحابة على تحريمها عن المرغيناني صاحب الهداية (٨) .
-
١٩ - الشعراني (٩٧٣ هـ) فذكره بنحو ما قال قاضي صفد (٩) .
-
٢٠ - ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث قال: "وذكر في "الفتح" (١٠) أدلة تحريم نكاح المتعة، وأنه كان في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا خلاف فيه بين الأئمة وعلماء الأمصار" (١١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم نكاح المتعة،
-
3/2913/291
وافق عليه ابن حزم (١) ، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير، وأبي هريرة، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والطبري، وداود (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور على تحريم نكاح المتعة، وافق عليه ابن حزم، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير، وأبي هريرة، وابن عمر -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والطبري، وداود.
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قال تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} .
-
• وجه الدلالة: النكاح الذي بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك (٣) .
-
٢ - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) } .
-
• وجه الدلالة: حرّم اللَّه سبحانه وتعالى الفروج إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين، وليست المتعة نكاحًا صحيحًا،
-
ولا ملك يمين، فوجب أن يكون فاعلها ملومًا، ويكون من العادين (٤) .
-
٣ - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (٥) .
-
٤ - عن سبرة بن معبد الجهني (٦) -رضي اللَّه عنه- قال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن المتعة،
-
3/2923/292
وقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئًا فلا يأخذه" (١) .
-
٥ - عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل الطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت (٢) .
-
٦ - وعنه -رضي اللَّه عنه- قال: نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة، ونسخت الأضحية كل ذبح (٣) .
-
٧ - وقال ابن مسعود: المتعة منسوخة؛ نسخها الطلاق، والعدة، والميراث (٤) .
-
٨ - قيل لابن عمر: إن ابن عباس يرخص في متعة النساء، فقال: ما أظن ابن عباس يقول هذا. قالوا: بلى، واللَّه إنه ليقوله. قال: أما واللَّه ما كان ليقول هذا في زمن عمر،
-
وإن كان عمر لينكل بكم عن مثل هذا، وما أعلمه إلا السفاح (٥) .
-
٩ - قال ابن الزبير: المتعة هي الزنا الصريح (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب زفر من الحنفية إلى أن نكاح المتعة صحيح،
-
ويبطل شرط التوقيت (٧) . وذكر المجد ابن تيمية (٨) أنه يتخرج على قول الإمام أحمد:
-
3/2933/293
أنه يصح، ويلغو الشرط (١) .
-
• دليل هذا القول: أن النكاح قد ذكر هنا، وشرط فيه شرط فاسد، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، فيبطل الشرط، ويبقى النكاح صحيحًا (٢) .
-
ثانيًا: ورد عن الإمام أحمد رواية بالصحة مع الكراهة (٣) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - قال تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} .
-
وفي قراءة ابن مسعود: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن} (٤) . وهذه صفة المتعة (٥) .
-
٢ - روي عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنا أحرمهما وأنهى عنهما، متعة النساء، ومتعة الحج (٦) .
-
• وجه الدلالة: أخبر أن المتعة كانت جائزة على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما نهى عمر عنها، ونهيه لا يؤثر فيما كان مباحًا في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٧) .
-
ثالثًا: أنها مباحة لا حرمة فيها. ونقل ذلك عن أسماء بنت أبي بكر (٨) ، وأبي سعيد
-
3/2943/294
الخدري، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عباس، وعمرو بن حريث (١) ، ومعاوية، وسلمة (٢) ومعبد ابني أمية بن خلف. وعليه أكثر أصحاب عطاء وطاوس، وبه قال ابن أبي مليكة (٣) ، وابن جريج (٤) (٥) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} .
-
• وجه الدلالة: الأمر بالنكاح على عمومه في المتعة المقدرة، والنكاح المؤبد (٦) .
-
٢ - وقال تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} . وفي قراءة ابن مسعود: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن} (٧) .
-
• وجه الدلالة: هذا نص في إباحتها، وقراءة ابن مسعود أبلغ في الإباحة (٨) .
-
٣ - عن جابر -رضي اللَّه عنه- وسلمة بن الأكوع -رضي اللَّه عنه- قالا: خرج منادي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني: متعة النساء (٩) .
-
3/2953/295
٤ - عن عطاء قال: جاء جابر بن عبد اللَّه معتمرًا، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء،
-
ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وعمر (١) .
-
• وجه الدلالة من هذه الأحاديث: هذه نصوص قد تضافرت في إباحة نكاح المتعة (٢) .
-
٥ - روي عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنا أحرمهما وأنهى عنهما، متعة النساء، ومتعة الحج (٣) .
-
• وجه الدلالة: أخبر عمر -رضي اللَّه عنه- عن إباحتها على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما ثبت إباحته بالشرع، لم يكن له تحريمه بالاجتهاد (٤) .
-
ثالثًا: أن المتعة تباح عند الضرورة فقط، كما يحتاج المضطر لأكل الميتة والدم. وهذا مروي عن ابن عباس (٥) .
-
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على تحريم نكاح المتعة؛ للخلاف الوارد عن السلف في ذلك.
-
ثانيًا: لا يعني القول بعدم تحقق الإجماع أنها مباحة؛ لما يأتي:
-
١ - الاستدلال بقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} على إباحة المتعة، وأنه يدخل فيه النكاح المؤبد، والنكاح المؤقت، قول مردود، حيث إن المتعة غير داخلة في النكاح؛ لأن اسم النكاح يطلق على ما اختص بالدوام، وعلى سبيل التأبيد (٦) .
-
٢ - يجاب عن الاستدلال بقراءة ابن مسعود على إباحة المتعة بما يأتي:
-
الأول: أن عليًّا وابن مسعود رويا أنها نسخت بالطلاق والعدة والميراث (٧) .
-
الثاني: أنها محمولة على الاستمتاع بهن في النكاح، وقول ابن مسعود: إلى أجل مسمى؛ يعني به المهر دون العقد (٨) .
-
3/2963/296
الثالث: قراءة ابن مسعود هذه شاذة؛ لا يحتج بها قرآنًا،
-
ولا خبرًا، ولا يلزم العمل بها (١) .
-
٣ - ما ورد عن جابر وسلمة بن الأكوع، وغيرهما في إباحتها منسوخ بما ذكر من النصوص الدالة على التحريم، ولعله لم يبلغهم نهي عمر عنها (٢) .
-
٤ - ما ورد عن جابر فهو معارض بمثله، فقد أخرج مسلم عنه أنه قال: فعلناها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
ثم نهانا عنها عمر، فلم نعد إليها (٣) .
-
٥ - قد ورد في حديث سبرة الجهني تحريمها إلى يوم القيامة، وما حُرِّم إلى يوم القيامة فقد أمنَّا نسخه (٤) .
-
٦ - ما ورد عن عمر -رضي اللَّه عنه- في النهي عنها، وافقه عليه أكابر الصحابة، وإنما كان إمامًا فاختص بالإعلان والتأديب، ولم يكن بالذي يقدم على التحريم بغير دليل،
-
ولو فعل لما سكت عنه الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، ونهي عمر لم يكن عن اجتهاد، بل كان مستندًا إلى نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها (٥) .
-
٧ - أما ما ورد عن ابن عباس في إباحتها، فقد قال له عروة بن الزبير: أهلكت نفسك، قال: وما هو يا عروة؟ ! قال: تفتي بإباحة المتعة، وكان أبو بكر وعمر ينهيان عنها، فقال: أعجبُ منك! أُخبر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتخبرني عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: إنهما أعلم بالسنة منك، فسكت (٦) .
-
٨ - ثبت النص الصريح الصحيح بتحريمها إلى يوم القيامة، مما يجعل الخلاف فيها مخالفًا للسنة.
-
٩ - ما ورد عن ابن عباس بالقول بإباحتها، فقد ثبت عنه الرجوع (٧) .
-
١٠ - جميع من روى عن ابن عباس حلها، فلم تكن رواياتهم إلا معلولة، أو قاصرة عن الدلالة (٨) .
-
3/2973/297
١١ - أن في ثبوت ما نقل عن بعض الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من الإباحة نظرًا (١) .
-
اشتراط الإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان]
-
الحياة الزوجية قائمة على المعاشرة بالمعروف بين الزوجين،
-
فإذا شُرط في عقد النكاح أن على الزوج أن يمسك زوجته بمعروف أو يسرحها بإحسان، كان ذلك الشرط مما يجب الوفاء به، وإلا فللمرأة الفسخ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إن شرط أن لا يضارّها في نفسها ولا في مالها، أنه شرط صحيح، ولا يضر النكاح بشيء" (٢) .
-
٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "الشروط في النكاح مختلفة؛ فمنها: ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر اللَّه به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (٣) .
-
٣ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن على الزوج الوفاء بما يحتمل أن يكون ما شرط على الناكح مما أمر اللَّه تعالى به، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب الوفاء بشرط الإمساك بالمعروف، أو التسريح بإحسان، وافق عليه المالكية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أحق الشروط أن يوفى به، ما استحللتم به الفروج" (٧) .
-
٢ - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا" (٨) .
-
3/2983/298
• وجه الدلالة: تم عقد النكاح بين الزوجين بشرط الاحسان، فيجب الوفاء بذلك الشرط؛ لأنه مما استحل به الفرج، وهذا الشرط ليس بحرام، ولم يحل به حرام.
-
٣ - أن مثل هذا الشرط يقتضيه العقد،
-
فإن الأصل أن النكاح يقوم على الإحسان بالمعروف، أو التسريح بالإحسان عند عدم استقامة الحياة الزوجية (١) .
-
النتيجة: تحقق الإجماع على أنه إذا شرط الإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان لزم الوفاء به، وإلا فللمرأة حق فسخ النكاح؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
-
اشتراط المرأة طلاق أختها]
-
إذا اشترطت المرأة طلاق امرأة زوجها السابقة،
-
فإن هذا شرط لا يلزم الوفاء به، ونُقل الاتفاق على ذلك.
-
• من نقل الاتفاق:
-
١ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "ومنها (٢) : ما لا يُوفَّي به اتفاقًا، كسؤال طلاق أختها" (٣) .
-
٢ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) ، فذكره كما قال ابن حجر (٤) .
-
٣ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) ، فذكره كما قال ابن حجر (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن حجر من الشافعية وغيره من الاتفاق على أن المرأة إذا اشترطت طلاق أختها،
-
فإن هذا الشرط لا يلزم الوفاء به، وافق عليه الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والحنابلة في رواية (٨) ، وابن حزم (٩) .
-
• مستند الاتفاق: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحل لامرأة تسأل
-
3/2993/299
طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدر لها " (١) .
-
• وجه الدلالة: النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وعلى هذا لا يلزم الزوج الوفاء بمثل هذا الشرط (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وعليها أكثر الحنابلة، إلى أن المرأة إذا اشترطت طلاق أختها،
-
فإن هذا الشرط لازم، يجب الوفاء به (٣) .
-
• دليل هذا القول: مثل هذا الشرط لا ينافي العقد، وللمرأة فيه مصلحة، فأشبه ما لو شرطت عليه ألا يتزوج عليها (٤) .
-
النتيجة: عدم تحقق الاتفاق في أنه لا يجوز للمرأة أن تشرط طلاق ضرتها؛ لوجود خلاف في المذهب الحنبلي يرى لزوم هذا الشرط (٥) .
-
إذا شرط الزوج ألا يخرج زوجته من دارها أو بلدها، أو ألا يتزوج عليها]
-
نقل الإجماع على أنه ليس للزوج أن يخرج زوجته من بلدها أو دارها، وليس له أن يتزوج عليها إذا شرط ذلك لها،
-
فإن فعل فلها فسخ النكاح، ونُقل الإجماع على ذلك.
-
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: ". . . مثل أن يشترط لها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فهذه يلزمه الوفاء بها، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح، يروى هذا عن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن العاص (٦) -رضي اللَّه عنهم-، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفًا في عصرهم، فكان
-
3/3003/300
إجماعًا " (١) .
-
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن قدامة (٢) من إجماع الصحابة على أن الرجل إذا شرط لامرأته، ألّا يخرجها من دارها، أو لا يتزوج عليها، هو قول عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن العاص -رضي اللَّه عنهم-، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر ابن زيد، وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق (٣) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - عن عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أحق الشروط أن يوفى به، ما استحللتم به الفروج" (٤) .
-
٢ - أن رجلًا تزوج امرأة وشرط لها دارها،
-
ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: إذا تطلقين، فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط (٥) .
-
• الخلاف في المسألة: يرى الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، أن مثل هذه الشروط باطلة،
-
ولا تؤثر في العقد. وقال به علي -رضي اللَّه عنه-، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وربيعة الرأي، وأبو الزناد (٩) ، وهشام بن عروة (١٠) ، والليث، والثوري،
-
3/3013/301
والزهري، وقتادة (١) .
-
• أدلة هذا القول:
-
١ - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط" (٢) .
-
• وجه الدلالة: مثل هذه الشروط ليست في كتاب اللَّه؛ لأن الشرع لا يقتضيه (٣) .
-
٢ - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا" (٤) .
-
• وجه الدلالة: مثل هذه الشروط تحرِّم الحلال الذي أباحه اللَّه؛ وهو التزويج، والتسري، والسفر (٥) .
-
٣ - قال علي -رضي اللَّه عنه-: شرط اللَّه قبل شرطها. قال الترمذي: كأنه رأى للزوج أن يخرجها،
-
وإن كانت اشترطت على زوجها أن لا يخرجها (٦) .
-
النتيجة: عدم تحقق الإجماع الذي ذكره ابن قدامة عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في أنه إذا شُرط على الزوج ألا يخرج زوجته من دارها أو بلدها أنه يلزمه؛ وذلك لسببين:
-
الأول: اضطراب الرواية عن عمر -رضي اللَّه عنه- في ذلك، فقد ورد عنه أنه ألزم به مرَّة، وأبطله مرة (٧) ، قال أبو عبيد: تضادت الروايات عن عمر في هذا (٨) .
-
الثاني: ما ورد عن علي -رضي اللَّه عنه-، فقد رأى أن هذا الشرط لا يلزم (٩) .
-
إذا شرطت المرأة ألا يطأها زوجها]
-
إذا شرطت المرأة على زوجها ألا يطأها،
-
فلا يلزم الوفاء بهذا الشرط، ونقل
-
3/3023/302
الإجماع على أنه لا يجب الوفاء به جمع من أهل العلم.
-
• من نقل الإجماع:
-
١ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله، والضمين، والرهن به، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلو من المهر، ونحو ذلك" (١) .
-
٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "قال أبو عبيد: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه ألا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط" (٢) .