المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 213 to 362
-
1/621/62
سأتحدث في هذا المبحث عن مناهج العلماء الذين التزمت بكتبهم في بحث مسائل الإجماع في باب الطهارة، وهم من أهم العلماء الذين يعتنون بحكاية الإجماع والاهتمام به.
-
وقبل البدء بالمناهج الخاصة بكل عالم، هناك ملاحظات عامة، تنبهت لها أثناء البحث، ومنها:
-
١ - أن الإجماعات التي تأتي في سياق الاستدلال والنقاش للخلاف الفقهي غالبًا ما تكون تعبيرًا عن قول الجمهور، ويظهر هذا جليًّا لدى ابن عبد البر (١) ، والنووي (٢) ، وابن تيمية (٣) .
-
٢ - أن الكتب المذهبية تستخدم عبارة الاتفاق ونفي الخلاف، وتقصد بذلك المذهب الفقهي الخاص، وسيأتي نقاش لهذا في ثنايا الحديث عن مناهج العلماء.
-
٣ - أن كثيرًا من الإجماعات المبثوثة في الكتب إنما ترجع إلى عددٍ قليل من العلماء الكبار، الذين يعتنون بحكاية الإجماع، كالترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن رشد، والنووي، وابن تيمية، وأغلب الحكايات للإجماع لا تخرج عن هؤلاء رحمهم اللَّه تعالى، وأحيانا يُذكر ذلك عند النقل، وقد لا يُذكر، وتوصّلت إلى هذا بالتتبع، وسوف يأتي مزيد بيان لهذا في الحديث عن المناهج.
-
أما مناهج العلماء في حكاية الإجماع؛ فسأتحدث عن كل عالم وحده، في الشيء الذي لاحظته من خلال كتابه الذي اعتمدته،
-
ولا أذكر إلا ما تميز به، وسأتحدث عنهم بالترتيب حسب الوفاة:
-
1/631/63
[١ - الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) من خلال كتابه "الأم" ]
-
لم أجد له إلا القليل من العبارات، وقد ورد عنه عدم اعتماده لعبارة نفي العلم بالخلاف، مع أنه استخدمها في كل عباراته التي وجدتها إلا واحدة (١) ، وهذا لا يعني أنه يعتبرها إجماعًا، وسبق نقاش ذلك (٢) ، ولم أجده حكى إجماعًا واحدًا بلفظ الإجماع أو الاتفاق.
-
[٢ - الإمام الترمذي (٢٧٩ هـ) من خلال كتابه "السنن" ]
-
الترمذي كثيرًا ما يستخدم عبارة: (والعمل على هذا عند أهل العلم) ، وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، إلا أنني وجدته استخدم عبارة الإجماع في موضع (٣) ، وعبارة (عامة) أحيانًا.
-
وأقوى عباراته: الإجماع، ثم لفظ (عامة) حيث أكده بنفي الخلاف بعده، فقال في موضع: "وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء؛ لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (٤) .
-
وقال أيضًا: "وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك، بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد" (٥) .
-
[٣ - الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) من خلال كتابه "جامع البيان" ]
-
غالبًا ما يستخدم عبارة الإجماع، بل لم أجده استخدم غيرها، وهو من العلماء المتقدمين الذين يعتنون بنقل الإجماع، وكثيرًا ما ينقل عنه المتأخرون حكاياته للإجماع كما سيأتي.
-
[٤ - الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ) من خلال كتابه "الإجماع" ]
-
الإمام ابن المنذر رحمه اللَّه من أشهر العلماء الذين يحكون الإجماع، وهو أول من صنف فيه كتابًا في الفروع الفقهية، وهو لا يستخدم فيه غالبًا إلا عبارة الإجماع،
-
1/641/64
واستخدم في موضعٍ من كتابه "الأوسط" عبارة (كالإجماع) (١) ، إلا أنها لا تعني الإجماع؛ لأن الإجماع يفتقر إلى الجزم (٢) .
-
وابن المنذر يعتبر من المتساهلين في حكاية الإجماع، ولذا يقول الإمام ابن القيم: "وهذه عادة ابن المنذر؛ أنه إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعًا" (٣) .
-
[٥ - الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ) من خلال كتابيه "مراتب الإجماع" ، و "المحلى" ]
-
ابن حزم أحد أكثر العلماء شهرة في هذا المجال، حيث إنه قد صنف كتابًا في الإجماعات الفقهية، وهو مراتب الإجماع، سار فيه على أبواب الفقه كلها، يذكر ما وجده من اتفاقات فقهية فرعية.
-
وقد بيّن كثيرًا من منهجه في مقدمة كتابه الآنف الذكر.
-
وقد وجدت أنه في مسألةٍ حكى فيها الاتفاق في المراتب،
-
ثم خالف هو هذا الاتفاق في "المحلى" (٤) ، وهذا لا شك أنه وهم منه رحمه اللَّه أو نسيان، وهو مما يتعرض له البشر بطبيعتهم.
-
ثم إن ابن حزم له منهج غريب في حكاية الاتفاق في كتابه "المراتب" ، وقد قسم الإجماع إلى طرفين:
-
الأول: وهو الإجماع المعروف.
-
الثاني: "هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه؛ فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب؛ أو لم يأثم، فسمى هذا القسم الإجماع الجازي" (٥) .
-
وفي هذا القسم الثاني إشكال، فهو يحكي الاتفاق على مسألة، بقيود أكثر من المسألة الأصلية،
-
ثم يقول: إن من فعل هذا فقد أدى ما عليه، ومنهجه في هذه القيود أنه يستثني بكل قيدٍ قولًا في المسألة؛ حتى يخرج خلافه منها، فهي أشبه بحكاية الخلاف في المسائل المستثناة أكثر منه حكايةً للإجماع.
-
1/651/65
وقد أحصيت مسألة ذكر فيها ستة وأربعين قيدًا (١) ، كل قيد منها يشكّل مسألة مستقلة، وأكثر ما يقال عن هذه الاتفاقات التي يحكيها رحمه اللَّه أنها نوع من الإجماع على أقل ما قيل في المسألة، ولكن دون الوصف الثاني لهذا النوع من الإجماع، وهو نفي الزيادة،
-
ومن هذا الوجه تختلف عن الإجماع على أقل ما قيل، الذي يبحثه الأصوليون.
-
وفي رسالتي هذه لم أعتمد هذه الاتفاقات، حيث إنها في الحقيقة حكاية للخلاف في الاستثناءات لا للإجماع.
-
والإمام ابن حزم رحمه اللَّه من أكثر العلماء اطلاعًا على الخلاف، ولذا فإن إجماعاته التي بلفظ الإجماع قليلًا ما تخطئ، وهذا يدل على تفريقه بين اللفظين، ولذلك يقول: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (٢) ، إلا أنني وجدته في مسألة استخدم العبارتين فيها (٣) .
-
ومما يُذكر هنا أنه سبقت الإشارة إلى أن ابن حزم لا يعتبر قول المبتدعة ناقضًا للإجماع في حال مخالفتهم (٤) .
-
[٦ - الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) من خلال كتابه "الاستذكار" ]
-
الإمام ابن عبد البر من العلماء الكبار، العارفين بالخلاف والاجماع، وهو ممن اشتهر عنه حكاية الإجماع، وكثيرًا ما ينقل العلماء عنه حكاياته للإجماع.
-
ومما تميز به ابن عبد البر أن له عبارات خاصة به، واختيارات أصولية بنى عليها منهجه في ألفاظه وحكاياته للإجماع، فهو كثيرًا ما يستخدم لفظ (اجتمع العلماء) أو (مجتمع عليه) ، وهي لفظة لا تدل على الإجماع الأصولي على الأظهر، فهي تدل على قول الجمهور.
-
فقد عبر بعدها في موضعٍ بلفظ الإجماع في نفس المسألة، مما يدل على أنهما
-
1/661/66
مختلفتان عنده، حيث يقول: "واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع" (١) .
-
وكثيرًا ما يصف قول الجمهور بالإجماع، أو يقول (أجمع الجمهور) ، وهذا مبني على اختياره أن قول الجمهور نوع من الإجماع.
-
ففي مسألة الغسل من التقاء الختانين، والخلاف فيها بين الصحابة معروف، يقول: "ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين" (٢) .
-
وسبق الإشارة إلى أن ابن عبد البر إذا حكى الإجماع في سياق الاستعراض للأقوال، والاستدلال للمسائل والنقاش لها؛ فغالبًا ما يكون إجماعه في السياق حكاية عن قول الجمهور (٣) .
-
وقد يحكي الإجماع في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه المالكي (٤) .
-
وسبق ذكر كونه يستخدم عبارة نفي الخلاف والإجماع في نفس المسألة، مما يدل على اعتداده بعبارة نفي الخلاف للإجماع.
-
[٧ - الإمام البغوي (٥١٦ هـ) من خلال كتابه "شرح السنة" ]
-
وجدت للإمام البغوي أربع عشرة عبارة في مجال رسالتي، عشرٌ منها بلفظ الاتفاق، وأربع بلفظ (عامة) وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، وقد بحثتها اعتضادًا لا استقلالًا.
-
وأغلبها كانت في المسائل المشهورة، التي اشتهر فيها الاتفاق، واللَّه تعالى أعلم.
-
[٨ - الإمام ابن العربي (٥٤٣ هـ) من خلال كتابه "عارضة الأحوذي" ]
-
العلامة ابن العربي من العلماء المتفننين في علوم شتى، وهو ممن يحفظ الخلاف
-
1/671/67
والإجماع، غير أنني لم أجد له سوى تسعة عشر إجماعًا في باب الطهارة، منها أحد عشر لم أجد فيها مخالفًا، وكانت حكايته متحققة، وثمانية حكاياتٍ لم يتحقق فيها ما ادعاه. وقد سبق رأيه في خلاف الظاهرية.
-
[٩ - الإمام ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) من خلال كتابه "الإفصاح" ]
-
ابن هبيرة رحمه اللَّه من المشهورين بحكاية الإجماع لدى الفقهاء، ولكن الصحيح أنه لا يحكي الإجماع الاصطلاحي، الذي هو حجة لا تجوز مخالفته، وذلك لأنه ينقل إجماع الأئمة الأربعة فقط،
-
وإذا حكى الخلاف فإنه يقتصر على خلافهم فقط.
-
ويدل لذلك منهجه في حكاية الإجماعات، فهو لا يذكر غيرهم،
-
ثم إنه صرح بذلك في مقدمة كتابه فقال: "رأيت أن أجعل ما أذكره من إجماع مشيرًا به إلى إجماع هؤلاء الأربعة، وما أذكره من خلاف مشيرًا إلى الخلاف بينهم" (١) .
-
وقد يطلق الإجماع، ويكون في مذهبه هو خلاف (٢) .
-
ويبدو أنه لا يفرق بين الإجماع والاتفاق، ولذا نجده يذكر الإجماع ثم يستثنيه، فيقول: أجمعوا على كذا إلا أبا حنيفة، أو اتفقوا على كذا إلا مالكًا، مما يدل على عدم تفريقه بينهما (٣) .
-
وقد بحثت له ستًّا وستين مسألة -مشتركًا مع غيره ومنفردًا- ذكرها في باب الطهارة، خمسون مسألة كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية كانت غير متحققٍ فيها الإجماع.
-
[١٠ - الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ) من خلال كتابه "بدائع الصنائع" ]
-
يلاحظ على الكاساني رحمه اللَّه أنه كثيرًا ما يعبر بالإجماع وهو يريد الإجماع المذهبي فيما يظهر، حيث إنه أحيانًا يتحدث عن الخلاف داخل المذهب، دون أي ذكر لغيره، في سياق حكاية الإجماع، وأحيانًا يكون يتحدث عن مسائل دقيقة، يستحيل معرفة الإجماع الصريح فيها،
-
ثم يحكي فيها الإجماع؛ مما يدل على أنه يريد المذهب (٤) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
1/681/68
وهذا الأمر يتكرر في بعض كتب الحنفية، واللَّه تعالى أعلم.
-
وقد بحثت له إحدى وعشرين مسألة، ثمان مسائل كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية لم يتحقق؛ مما يؤكد ما سبق ذكره؛ من أنه يريد بالإجماع المذهبَ، واللَّه تعالى أعلم.
-
وتعبيره رحمه اللَّه بنفي الخلاف يقصد به المذهب بلا إشكالٍ عندي، واللَّه تعالى أعلم (١) .
-
ومن الملاحظ على الإمام الكاساني رحمه اللَّه؛ أنه لا يذكر خلاف الإمام أحمد إلا نادرًا، ففي كتاب الطهارة كاملًا لم يذكره إلا مرة واحدة، وعدَّه من أصحاب الحديث لا من الفقهاء (٢) ، مما يدل على أنه لا يهتم بمعرفة رأيه في المسائل، وأن إجماعاته مذهبية.
-
وسبق ذكر رأي الكاساني في خلاف المبتدعة (٣) .
-
[١١ - الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ) من خلال كتابه "المغني" ]
-
اشتهر ابن قدامة رحمه اللَّه بورعه في ذكر الإجماع، فهو غالبًا لا يعبر بلفظ الإجماع، بل يعبر بعبارة: (لا أعلم فيه خلافًا) ، وكثيرًا ما ينقلها عنه علماء المذهب الحنبلي.
-
وفي باب الطهارة، وجدت أنه استخدم لفظ الإجماع قليلًا (٤) .
-
وأحيانًا ينفي الخلاف في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه (٥) .
-
وعندما يستخدم عبارة (بلا خلاف) ، غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، فيظهر أنها في المذهب،
-
ولا يريد بها النفي العام (٦) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
1/691/69
وقد استقصيت نصف مسائل الرسالة، فوجدت أنني بحثت له ثمانٍ وخمسين مسألة، ستٌّ وثلاثون منها كانت النتيجة تحقق الإجماع فيها، والبقية فيها خلاف، والسبب في كثرة المسائل التي وُجد فيها الخلاف؛ هو أنني أوردت كل ألفاظه في البحث، بما فيها عبارة (لا خلاف) غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، مما جعل المسائل الخلافية كثيرة، واللَّه تعالى أعلم.
-
[١٢ - الإمام القرطبي (٦٧١ هـ) من خلال كتابه "التفسير" ]
-
القرطبي رحمه اللَّه كثيرًا ما ينقل إجماعات غيره، بإشارة أحيانًا، ودونها أخرى، فينقل عن ابن عبد البر كثيرًا، ودون إشارة غالبًا (١) ، وينقل عن ابن المنذر (٢) ، وعن ابن جرير (٣) ، ودون إشارة أيضًا.
-
[١٣ - الإمام النووي (٦٧٦ هـ) من خلال كتابه "المجموع" ]
-
تكاد تكون رسالتي هذه في النووي رحمه اللَّه، فهو يعتني بالإجماع كثيرًا في كتابه "المجموع" ،
-
وإن لم يحكِ أو ينقل إجماعًا في المسألة،
-
فلا يخلو الأمر غالبًا من أن يفيد في المسألة بخلاف أو عدمه.
-
وهو عالم متبحر في الخلاف والاستدلال له، استفدت منه كثيرًا رحمه اللَّه.
-
وقد سبق إشارة إلى منهجه في بعض المسائل، كخلاف المبتدعة، والظاهرية، وعدم جعْله نفي العلم بالخلاف إجماعًا، واعتداده
-
بخلاف الواحد ناقضًا للإجماع،
-
وأن إجماعاته إذا كانت في سياق الاستدلال للخلاف غالبًا ما تكون قول الجمهور.
-
أما عبارات النووي بنفي الخلاف؛ أو الاتفاق المجرد من قرينة العموم، فإنها مذهبية (٤) ، أما إذا قيد عبارته بأنه لا خلاف بين العلماء أو الفقهاء؛ أو باتفاق العلماء، فهو يعني الإجماع (٥) .
-
وللتدليل على الكلام السابق، فقد قال النووي:
-
"ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه
-
1/701/70
قبوله -أي للتيمم- بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه " (١) ، قالها بعد أن تحدث عن المذهب.
-
وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق " (٢) ، فيدل السياق أنه يريد المذهب.
-
وانظر مسألة: (الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه) (٣) ، حيث حكى الاتفاق في المسألة، وخالفه الجمهور.
-
ونفى الخلاف في المسألة في "شرح مسلم "،
-
ثم وجدت أنه في " المجموع " ينقل الخلاف فيها، مما يؤكد أنه يقصد المذهب فقط.
-
فقد قال عن التثليث في غسل البدن:
-
"فإذا استحب فيه -الوضوء- الثلاث؛ ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهذا شاذ متروك " (٤) .
-
وظاهر من كلام النووي أنه يريد بعدم الخلاف أي في المذهب الشافعي، ويؤكد ذلك أنه لم يذكر شيئًا من ذلك عند بحثه للمسألة في "المجموع "، بل قال: " المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، . . " (٥) ،
-
ثم ذكر مسألتنا، وهذا لفظ صريح بوجود الخلاف،
-
ثم أخذ ينقل عن فقهاء المذهب الشافعي، ولم يتطرق لغيرهم، إلا أن ابن حجر (٦) ، والشوكاني (٧) لم يتنبَّها لهذا المعنى، ولم يريَا كلامه هذا، ونقلا نفي الخلاف في المسألة، واللَّه أعلم.
-
كما إنه نقل الإجماع في موضع،
-
ثم حكى الخلاف في موضع آخر (٨) .
-
1/711/71
وقد بحثت عددًا من المسائل التي حكى فيها النووي الاتفاق، وتركتها إثراء للبحث، ولأنني بحثتها قبل أن أتوصل إلى هذه النتيجة، وبعض هذه الاتفاقات كانت في الآداب، ولم أجد فيها مخالفًا، كما في باب الاستنجاء مثلًا.
-
وكذا بعض عبارات نفي الخلاف، مثل مسألة: (طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة) .
-
[١٤ - الإمام القرافي (٦٨٤ هـ) من خلال كتابه "الذخيرة" ]
-
القرافي رحمه اللَّه من أئمة الفقه المالكي، ولم يعتنِ في كتابه المذكور بالخلاف المقارن، إلا أنه يشير إليه أحيانًا.
-
وقد بحثت له ثمانِ عشرة مسألة، منها خمس لم يتحقق فيها الإجماع.
-
[١٥ - الإمام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) من خلال كتبه التالية]
-
" نقد مراتب الإجماع" لابن حزم؛ "مجموع الفتاوى" ؛ "جامع الرسائل" ؛ "مجموعة الرسائل والمسائل" ؛ "مختصر الفتاوى المصرية" (١) .
-
شيخ الإسلام ابن تيمية هو من أفراد زمانه في العلم ومعرفة الخلاف والوفاق، وأهم كتاب له في هذا الباب هو "نقد مراتب الإجماع لابن حزم" ، فقد نقد على ابن حزم المسائل التي رأى أن حكايته للاتفاق أو الإجماع فيها غير صحيحة.
-
وابن تيمية يستخدم عبارة (بلا نزاع) أحيانًا، والذي يظهر أنه يريد بها المذهب الحنبلي (٢) .
-
وقد سبق ذكر منهجه في إجماعاته التي تكون في سياق الخلاف والاستدلال له، حيث غالبًا ما تكون قول الجمهور.
-
ولذا؛ فقد وجدته حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف،
-
ثم خالف فيه هو رحمه اللَّه (٣)
-
1/721/72
وقد بحثت له اثنتين وسبعين مسألة، منها عشرون لم يثبت فيها الإجماع، واللَّه تعالى أعلم (١) .
-
[١٦ - الإمام ابن القيم (٧٥١ هـ) من خلال كتابيه "زاد المعاد" ، و "إعلام الموقعين" ]
-
ابن القيم رحمه اللَّه من بحور العلم الزاخرة، وكنت آمل أن أجد له حكايات كثيرة؛ إلا أنني لم أجد له سوى ثنتين في "إعلام الموقعين" ، كانت نتيجتهما تحقق الإجماع.
-
[١٧ - الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) من خلال كتابه "فتح الباري" ]
-
ابن حجر من العلماء الكبار، والحفاظ المتقنين، وهو من المطلعين على الخلاف والوفاق أيضًا، وكثيرًا ما ينقل الإجماع عن غيره، فنقل عن غيره ستًّا وثلاثين إجماعًا، بينما لم يحكِ سوى أربعة عشر إجماعًا كانت نتيجتها تحقق الإجماع، وثمانِ إجماعات لم يتحقق الإجماع فيها، فالمجموع هو اثنان وعشرون.
-
ثم هو ينقل أحيانًا إجماعات النووي دون أن يشير لذلك (٢) .
-
[١٨ - الإمام العيني (٨٥٥ هـ) من خلال كتابه "البناية" ]
-
العيني من علماء الحنفية الكبار، وهو من حفاظ الحديث أيضًا، ولكن كتابه "البناية" في الفقه الحنفي المذهبي، ويذكر الخلاف غالبًا، ويستدل له وينقاش.
-
ومن منهجه أنه يفرق بين الإجماع والاتفاق في الاستعمال، فمثلًا؛ يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع؛ نوع طاهر بالإجماع، . .، ونوع نجس بالاتفاق" (٣) ، فوصف الأول بأنه مجمع عليه، والثاني بأنه متفق عليه، فدل على تمييزه بينهما، والذي يظهر من خلال كتابه؛
-
أنه يريد بالأول الإجماع الاصطلاحي، والثاني الاتفاق المذهبي.
-
ويؤكد ذلك عبارته الآتية: "لو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحال. . " (٤) ، فقد حكى الخلاف بعد ذكر الاتفاق في نفس السياق، ذكر ذلك بعد نقله خلافًا بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف.
-
1/731/73
وهو يستفيد من النووي في كتابه هذا، وينقل عنه كثيرًا، دون أن يصرح (١) .
-
وقد سبق ذكر رأيه في خلاف الظاهرية.
-
بحثت له في رسالتي سبعًا وثلاثين مسألة، منها إحدى عشرة مسألة لم يثبت فيها الإجماع.
-
[١٩ - الإمام ابن الهمام (٨٦١ هـ) من خلال كتابه "فتح القدير" ]
-
وجدت أن ابن الهمام يعبر بالإجماع أحيانًا، ويظهر أنه يريد به المذهب بدليل السياق، فهو يناقش الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في المسألة،
-
ثم ينقل صورة أخرى قريبة ويحكي فيها الإجماع، ويبدو أنه يريد الإجماع منهم (٢) .
-
ووجدته ينقل حكاية الإجماع عن غيره أحيانًا دون إشارة (٣) .
-
بحثت له ثمان مسائل، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع.
-
[٢٠ - الإمام ابن نجيم (٩٧٠ هـ) من خلال كتابه "البحر الرائق" ]
-
قد يستخدم ابن نجيم مصطلح الإجماع ويريد به المذهب، ولذلك وجدته عبر به في مسألة خلافية مشهورة، حكى الإجماع فيها وحده، بينما عبر عدد من علماء الحنفية بالاتفاق، ويريدون به المذهب مما يقوّي كونه يستخدم لفظ الإجماع في المذهب (٤) .
-
وينقل إجماعات النووي دون إشارة (٥) ،
-
وكذا ينقل عن ابن حجر (٦) ، وابن الهمام دون إشارة أيضًا (٧) .
-
وسبق ذكر رأي ابن نجيم في مخالفة المبتدعة.
-
1/741/74
[٢١ - الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ) من خلال كتابه "مغني المحتاج" ]
-
لا يكاد الشربيني يذكر إجماعًا إلا وقد حكاه النووي، وينقله دون إشارة، ولم أجده انفرد بشيء من الإجماعات عن النووي، وكتابه مذهبيٌّ في الفقه الشافعي، والإجماع فيه نادر.
-
بحثت له عشرين مسألة، منها خمس مسائل لم يتحقق فيها الإجماع.
-
وينقل أحيانًا عن ابن المنذر، والمتولي، والماوردي، خصوصًا إذا نقله عنهم النووي.
-
[٢٢ - الإمام الصنعاني (١١٨٢ هـ) من خلال كتابه "سبل السلام" ]
-
بحثت له إحدى وعشرين مسألة، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع، ولم أجده ينقل عن غيره كثيرًا.
-
[٢٣ - الإمام الشوكاني (١٢٥٠ هـ) من خلال كتابه "نيل الأوطار" ]
-
الشوكاني رحمه اللَّه كثيرًا ما ينقل إجماعات النووي، ولكنه لا يشير غالبًا (١) ، وينقل كثيرًا عن ابن حجر أيضًا، ودون إشارة غالبًا (٢) .
-
وقد يحكي إجماعات خاصة به، لم أجد من حكاها غيره.
-
وسبق ذكر رأي الشوكاني في خلاف الظاهرية.
-
[٢٤ - الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) من خلال "حاشيته على الروض المربع" ]
-
ابن قاسم رحمه اللَّه لم يكن له إجماعات مستقلة، بل أغلب ما يذكره من الإجماعات هي منقولة عن غيره، وكثيرًا ما ينقل إجماعات ابن المنذر، وابن هبيرة، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، والشوكاني.
-
وكثيرًا ما ينقل إجماعات "الشرح الكبير" ويترك "المغني" ؛ وذلك لأن ترتيب "الشرح" و "الروض" واحد، وأنا أعتبر نقله هذا عن ابن قدامة صاحب "المغني" ، حيث إنه من المعلوم أن صاحب "الشرح" قد وضع "المغني" على "المقنع" ، ونقله بعد
-
1/751/75
استئذان صاحب "المغني" ، وكل ما فيه فهو كلام صاحب "المغني" إلا زيادات قليلة، واللَّه تعالى أعلم.
-
وقد يقع في الوهم رحمه اللَّه، فمثلًا؛ نقل حكاية النووي (١) الإجماع على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهو وهْمٌ منه، بل حكاه في مسألتين قريبتين، وهما: (جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد) ، ومسألة: (فضل وضوء الرجل طاهر) (٢) .
-
وقد ينقل ولا يشير رحمه اللَّه (٣) .