Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

المبحث الثاني: عقوبة الزنا

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 37013 to 37087

  1. 9/2639/263

    كان حد الزاني في صدر الإسلام الحبس في حق الثيب حتى الموت، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ في حق البكر،

  2. وقيل: الحبس هو في حق النساء، والأذى في حق الرجال،

  3. وقيل: الحبس في حكم الزنا، والأذى في حكم اللواط (١) ، ودليل ذلك قول اللَّه تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) } (٢) .

  4. ثم نُسخ ذلك الحكم برجم المحصن وجلد البكر، وأجمع أهل العلم على ذلك (٣) ، وإنما اختلفوا في طريق نسخه، فقيل بأنه نُسخ بالسنة فيما رواه عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٤) .

  5. وقيل: نسخُ ذلك كان بالقرآن، أما في حق المحصن فكان نسخ حكمه بآية الرجم التي نُسخ رسمها وبقي حكمها، وهي: "والشيخ والشيخة إذا زنيا

  6. 9/2649/264

    فارجموهما البته "، وأما البكر فكان نسخه بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) } (١) .

  7. وبعد هذا العرض يمكن بيان عقوبة الزنا على قسمين:

  8. القسم الأول: أن يكون الزاني محصنًا، فهذا عقوبته الرجم بالحجارة حتى يموت، ويدل على ذلك ما يلي:

  9. الدليل الأول: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي -رضي اللَّه عنه- أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا) ، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيّ العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به،

  10. ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرُجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إِمَّا لا فاذهبي حتى تلدي) ، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه) ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين،

  11. ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث" (٢) .

  12. الدليل الثاني: عن عمران بن حصين -رضي اللَّه عنه-: أن امرأة من جهينة أتت نبي اللَّه

  13. 9/2659/265

    -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي حبلى من الزنا فقالت يا نبي اللَّه أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وليها فقال (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها) ، ففعل، فأمر بها نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشكت عليها ثيابها،

  14. ثم أمر بها، فرجمت،

  15. ثم صلى عليها، فقال له عمر -رضي اللَّه عنه-: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ فقال: (لقد ثابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى) (١) .

  16. الدليل الثالث: عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرجمت" متفق عليه (٢) .

  17. الدليل الرابع: عن البراء بن عازب -رضي اللَّه عنه- (٣) قال: مُرّ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيهودي

  18. 9/2669/266

    محمَّمًا (١) مجلودًا، فدعاهم -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) ، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه،

  19. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرُجم. . . الحديث (٢) .

  20. الدليل الخامس: إجماع أهل العلم على أن الزاني المُحصن حدُّه الرجم وممن حكى الإجماع عليه ابن المنذر (٣) ، وابن بطال (٤) ، والماوردي (٥) ، وابن حزم (٦) ، وابن عبد البر (٧) ، والمرغيناني (٨) (٩) ، والقاضي عياض (١٠) ، وابن

  21. 9/2679/267

    رشد الحفيد (١) ، وابن قدامة (٢) ، والنووي (٣) ، وابن الهمام (٤) ، وشمس الدين ابن قدامة (٥) ، وابن تيمية (٦) ، وغيرهم (٧) .

  22. القسم الثاني: أن يكون الزاني غير محصن، فهذا عليه عقوبتان:

  23. العقوبة الأولى: جلد مائة: وهذه العقوبة محل إجماع بين أهل العلم كما حكاه ابن بطال (٨) ، وابن حزم (٩) ، وابن عبد البر (١٠) ، وابن رشد الحفيد (١١) ، والنووي (١٢) ، وابن حجر (١٣) ، وغيرهم (١٤) .

  24. العقوبة الثانية: التغريب لمدة عام: وقد اختلف الفقهاء في هذه العقوبة على أقوال ثلاثة أذكرها على سبيل الإجمال:

  25. القول الأول: النفي ليس عقوبة على الزاني غير المحصن، وإنما هو من باب السياسة الشرعية للإمام أن ينفيه وله ألا ينفيه، وهو مذهب الحنفية (١٥) .

  26. القول الثاني: أن النفي عقوبة على الزاني غير المحصن الذكر، أما الأنثى

  27. 9/2689/268

    فلا تغريب عليها، وهو مذهب المالكية (١) .

  28. القول الثالث: النفي عقوبة على الزاني المحصن ذكرًا كان أو أنثى، وهو مذهب الشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وابن حزم (٤) .

  29. وسيأتي بيان الأقوال في المسألة والأدلة مفصلّة ضمن مسائل هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى (٥) .

  30. ولإتمام هذه المسألة أختم بضابط الإحصان في حد الزنا:

  31. المحصن في حد الزنا هو من اجتمعت فيه الشروط التالية:

  32. الأول: أن يكون بالغًا،

  33. فمن وطء وهو غير بالغ، فإنه لا يكون محصنًا، وهذا الشرط محل إجماع بين أهل العلم، كما حكاه ابن عبد البر (٦) ، والكاساني (٧) ، وغيرهما (٨) .

  34. الثاني: أن يكون عاقلًا،

  35. فمن وطء وهو مجنون،

  36. فلا يكون محصنًا، وهذا الشرط محل إجماع بين أهل العلم، كما حكاه ابن عبد البر (٩) ، والكاساني (١٠) ، وغيرهما (١١) .

  37. 9/2699/269

    الثالث: أن يكون حرًا، فالرقيق لا يكون محصنًا،

  38. ولا يُقام عليه حد الرجم.

  39. وهذا الشرط عليه الجمهور من الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) (٥) .

  40. الرابع: أن يطأ في نكاح صحيح،

  41. فإن وطء بغير نكاح كزنا، أو ملك يمين، أو وطئ امرأة يظنها زوجته فبانت بخلافه،

  42. فلا يكون محصنًا، وهذا محل إجماع بين أهل العلم وسيأتي بيانه (٦) .

  43. وكذا لو عقد على امرأة لكنه لم يطأها فإنه لا يكون محصنًا؛ لعدم حصول الوطء منه، وهذا محل إجماع بين أهل العلم وسيأتي بيانه (٧) .

  44. وكذا لو وطء في نكاح لكنه نكاح فاسد، كنكاح المتعة،

  45. فلا يكون صاحبه محصنًا، وهذا قول الجمهور من الحنفية (٨) ، والمالكية (٩) ، والشافعية (١٠) ،

  46. 9/2709/270

    والحنابلة (١) (٢) .

  47. الخامس: أن يكون الوطء في القبل،

  48. فإن وطء في غير القُبل كالدبر، أو الفم، أو بين الفخذين، ونحوه فلا يكون محصنًا (٣) .

  49. السادس: أن يكون مسلمًا، فالكافر كالذمي ونحوه لا يكون محصنًا،

  50. ولا يُقام عليه حد الرجم، وهذا الشرط محل خلاف بين أهل العلم على قولين أذكرهما على سبيل الإجمال:

  51. القول الأول: الإسلام ليس شرطًا في الإحصان،

  52. فإذا وطئ الذمي البالغ العاقل امرأته في نكاح صحيح،

  53. ثم زنى، فإنه يُقام عليه حد الرجم.

  54. وهو قول الشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .

  55. القول الثاني: الإسلام شرط للإحصان،

  56. فلا يقام حد الرجم على الذمي لو زنى، لعدم إحصانه. وهو قول الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) .

  57. وسيأتي بيان المسألة بأدلتها مفصلة في مسألة مستقلة (٨) .

  58. السابع: أن تتوفر في كليهما شروط الإحصان،

  59. فلو وطئ العاقل امرأته الصغيرة في نكاح صحيح لم يكن محصنًا، وقد اختلف أهل العلم في هذا

  60. 9/2719/271

    الشرط على قولين:

  61. القول الأول: لا يشترط توفر شروط الإحصان في الزوجين.

  62. وهو قول المالكية (١) ، والشافعية في الصحيح (٢) ، ووجه عند الحنابلة (٣) .

  63. وعللوا ذلك بأنه حر مكلف وطئ في نكاح صحيح، فلم يؤثر نقص الموطوءة (٤) .

  64. القول الثاني: يشترط توفر شروط الإحصان في الزوجين.

  65. وهو قول الحنفية (٥) ، والحنابلة (٦) .

  66. وعللوا ذلك بأنه وطء لم يُحصن أحد الزوجين فلا يُحصن الآخر، قياسًا على التسري (٧) .

  67. ولأن من شرط الإحصان الوطء، والوطء هنا غير كامل، لعدم توفر الشرط في الزوج الآخر (٨) .

  68. وبناء على ما سبق من الشرط السابع والثامن فإن من تزوج بامرأة كتابية ووطئها في نكاح صحيح وهما حران عاقلان بالغان، فإحصانهما على ثلاثة أقوال:

  69. القول الأول: يكون الزوجان محصنين، الرجل المسلم والمرأة الكتابية،

  70. 9/2729/272

    وهو قول الشافعية والحنابلة, لأنهم لا يشترطون الإسلام في الإحصان.

  71. القول الثاني: يكون الزوج محصنًا، والمرأة غير محصنة، وهو قول المالكية, لأنهم يشترطون الإسلام في الإحصان، والمرأة كتابية فلا تكون محصنة،

  72. ولا يشترطون توفر شروط الإحصان في الطرفين فعلى ذلك يكون الرجل محصنًا.

  73. القول الثالث: لا يكون أحد من الزوجين محصنًا, لأن من شرط الإحصان الإسلام، والمرأة كتابية غير مسلمة،

  74. ومن شرطه أيضًا توفر الشروط في كلا الزوجين، والمرأة هنا لم تتوفر فيها جميع الشروط،

  75. فلا يكون الزوج محصنًا.