الباب التاسع: مسائل الإجماع في باب التيمم
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 5137 to 5983
-
1/4721/472
مشروعية التيمم]
-
إذا أراد إنسان فعل شيء يجب له الوضوء، ولم يكن لديه ماء، فإنه يشرع له التيمم بدلًا عن الماء، وعلى هذا إجماع المسلمين.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول:
-
"وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (١) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (٢) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، مريضٌ؛ أو مسافر، وسواء كان جنبًا؛ أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (٣) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء أو الخوف من استعماله" (٤) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائزٌ، عُرف جوازه بالكتاب والسنة والإجماع" (٥) .
-
وقال بعدها: "وعليه إجماع الأمة" (٦) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وهو -التيمم- جائز بالكتاب والسنة والإجماع" (٧) .
-
1/4731/473
وقال بعدها: "وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة" (١) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٢) .
-
ابن الملقن (٨٠٤ هـ) حيث يقول: "وهو ثابت بالكتاب والسنة الشهيرة والإجماع" (٣) .
-
ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول في سياق استدلال له:
-
"ولا يَرِد كون مسح الخف بدلًا عن غسل الرجل؛ لأن الرخصة فيه - أي: التيمم- ثبتت بالإجماع" (٤) .
-
الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وانعقد الإجماع على مشروعيته" (٥) .
-
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (٦) إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع " (٧) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع" (٨) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى:
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر في الآية الكريمة أن من لم يجد الماء؛ فعليه بالتيمم، وهذا يدل لمسألتنا بالمطابقة.
-
وأما من السنة؛ فالأحاديث كثيرة جدًّا، سيأتي عدد منها في المسائل القادمة، وهي تدل لتلك المسائل، ولمسألتنا بدلالة التضمّن.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
التيمم يكون بالوجه واليدين]
-
أعضاء التيمم التي لا يجزئ التيمم إلا بها هي الوجه واليدان، وعليه حُكي
-
1/4741/474
الإجماع (١) .
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن مسحَ بعض الوجه غيرِ معين، وبعضِ الكفين كذلك، بضربة واحدة في التيمم فرضٌ" (٢) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين" (٣) ، أي: في التيمم.
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين، سواء تيمم عن الحدث الأصغر؛ أو الأكبر، سواء تيمم عن كل الأعضاء؛ أو بعضها" (٤) . ونقل عبارته ابن قاسم دون إشارة (٥) .
-
ابن الملقن (٨٠٤ هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولكنه لم يُشِرْ لذلك (٦) .
-
الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولم يُشِرْ لها أيضًا (٧) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "مسح اليدين فرض إجماعًا" (٨) ، أي في التيمم.
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩) ، والمالكية (١٠) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى:
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر عند التيمم بمسح الوجه واليدين، وهذا يدل على مسألتنا بالمطابقة.
-
٢ - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت؛ فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة،
-
ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك،
-
1/4751/475
فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" ،
-
ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة،
-
ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عندما وصف التيممَ لعمار -رضي اللَّه عنه-؛ لم يُعمِل سوى يديه ووجهه؛ فدل على أنهما عضوا التيمم، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
عدم مسح الكفين إلى الزندين في التيمم غير جائز]
-
الزند: عظمات الساعد، وهو ما انحسر عنه اللحم من الذراع (٢) .
-
فاليدان في التيمم هي من الكفين إلى الزندين،
-
ولا يجوز التقصير عن ذلك في المسح، كما قال ابن جرير.
-
• من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول: "والصواب من القول في ذلك أن الحد الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزندين؛ لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز" (٣) .
-
ثم قال: "وقد أجمع الجميع على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ" (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية على المشهور (٥) ، والمالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} .
-
1/4761/476
• وجه الدلالة: أن الباء في {بِوُجُوهِكُمْ} زائدة، فصار كأنه قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه، فيجب تعميمهما، كما يجب تعميمهما بالغسل؛ لقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (١) .
-
٢ - أن الأمر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه واليد، وأنه يعم الكل، ولأن التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الركن، فكذا في البدل، فوجب استيعاب الكل، وعدم الاقتصار على أقل من الكف كاملًا (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف سليمان بن داود، وابن حزم (٣) ، فقالوا: بعدم وجوب الاستيعاب للكفين.
-
قالوا: لأن الأمر لا يقتضي لغةً الاستيعاب، فيجزئ الاقتصار على البعض.
-
وخالف أبو حنيفة في رواية (٤) ، فقال بأنه إذا يمم الأكثر من اليد جاز.
-
ووجهه: أن هذا مسح،
-
فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس (٥) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
مسح الأذنين غير لازم في التيمم]
-
إذا أراد المسلم أن يتيمم، فإنه لا يلزمه مسح الأذنين في التيمم، وعليه حكى النووي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ولأن الإجماع منعقد على أن المتيمم لا يلزمه مسحهما -الأذنين-" (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧) ، والمالكية (٨) ، والحنابلة (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
• مستند الإجماع: حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة
-
1/4771/477
فأجنبت؛ فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة،
-
ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" ،
-
ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة،
-
ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وصف التيمم لعمار، وليس فيه مسح الأذنين، مما يدل على عدم لزومه، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
جواز التيمم عن الحدث الأصغر]
-
إذا أحدث المسلم حدثًا أصغر، ولم يجد ماء، فإنه يجوز له أن يتيمم.
-
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول:
-
"وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (٢) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (٣) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، . . .، وسواء كان جنبًا أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (٤) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائزٌ، عُرف جوازه بالكتاب والسنة والإجماع" (٥) .
-
والحدث ينصرف على الأقل على الأصغر.
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن هذه الطهارة -التيمم- هي بدلٌ من هذه الطهارة الصغرى" (٦) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول في سياق استدلال له: "وذلك لأن التيمم للحدث
-
1/4781/478
ثابت بالنص والإجماع " (١) . ونقله عنه العيني (٢) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فيجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع " (٣) .
-
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: "يجوز التيمم للحدث الأصغر بغير خلاف علمناه؛ إذا وجدت الشرائط " (٤) .
-
• مستند الإجماع: قوله تعالى:
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر من الأسباب المبيحة للتيمم الغائطَ، وهو موجب للحدث الأصغر، فدل على أن التيمم يجوز للحدث الأصغر، واللَّه تعالى أعلم.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
التيمم عن الفريضة يجزئ عن النافلة]
-
إذا تيمم المسلم عن الفريضة، فإنه يجوز له أنه يصلي بتيممه هذا النافلة، سواء كانت بعدها أو قبلها.
-
• من نقل الاتفاق: البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل قبلها وبعدها" (٥) .
-
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٦) ، والشافعية على الصحيح (٧) ، والحنابلة على المذهب (٨) .
-
• مستند الاتفاق: أن فعل النافلة تطوع، فيباح له فعلها إذا نوى الفرض تبعًا، كالسنن الراتبة، وكما أنه يباح له التنفل بعد الفرض، فقبلها أيضًا (٩) .
-
1/4791/479
• الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجه (١) ، بأنه لا يستبيح النافلة بهذا مطلقًا.
-
ولم يذكروا دليلًا لهذا؛ إلا أنه يمكن أن يقال: بأن نية التيمم كانت للفرض، وهو عن بدل وهو الوضوء، وليس أصلًا، فلم يبح بهذه النية إلا ما نُوي لها.
-
وخالف المالكية (٢) ، والشافعية في قول (٣) ، وأحمد في رواية (٤) ، فقالوا: لا يتطوع قبل الفريضة بنافلة إلا الراتبة.
-
واستدلوا بأن النفل تبع للفرض،
-
فلا يتقدم المتبوع (٥) .
-
وخالف الحنابلة في وجه (٦) ، فقالوا: بأن كل نافلة تحتاج إلى تيمم.
-
ولم يذكروا دليلًا لهذا؛ إلا أنه يمكن أن يقال فيه ما قيل في دليل القول الأول.
-
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة،
-
ومن العجيب أن البغوي شافعي والخلاف فى مذهبه أشهر، ولكن لعلها سهو منه رحمه اللَّه، واللَّه تعالى أعلم.
-
بطلان طهارة التيمم بوجود الماء]
-
إذا تيمم المسلم، ثم وجد الماء، فإنه ينتقض تيممه ويلزمه حينئذ الوضوء بالماء.
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة؛ أن طهارته تُنقض، وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي" (٧) .
-
وقال: "وأجمعوا على أنه إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت؛ فلم يصلّ، ثم صار إلى مكان فيه ماء؛ أن عليه أن يعيد (الطهارة) (٨) ؛ لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت
-
1/4801/480
طهارته " (١) . ونقله النووي عنه (٢) ، والشربيني (٣) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء أن من تيمم بعد أن طلب الماء؛ فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة؛ أن تيممه باطل، لا يجزيه أن يصلي به، وأنه قد عاد بحاله قبل التيمم " (٤) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المحدث إذا تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة؛ أنه يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء قبل الدخول " (٥) .
-
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"فإن وجده -الماء- قبل الشروع في الصلاة؛ انتقض تيممه عند عامة العلماء " (٦) .
-
وقال: "ولو ظن أن ماءه قد فني، فتيمم وصلى، ثم تبين له أنه قد بقي، لا يجزئه بالإجماع؛ لأن العلم لا يبطل بالظن، فكان الطلب واجبًا " (٧) .
-
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول أثناء استدلالٍ له: "فنظيره؛ إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه " (٨) ، أي بطلان التيمم. ونقله عنه ابن قاسم بلفظ الإجماع (٩) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة؛ بطل تيممه، وعليه استعمال الماء " (١٠) .
-
وقال في أثناء استدلالٍ له: "بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء، وإن لم يُحْدث " (١١) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد ثبت بالنص والإجماع، أنه يبطل بالقدرة على استعمال الماء" (١٢) .
-
1/4811/481
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (١) ، وابن حزم (٢) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى عندما أباح التيمم؛ اشترط عدم وجود الماء، فدل على عدم جواز البدل بوجود الأصل المبدل منه.
-
٢ - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل حِلَّ التيمم بعدم وجود الماء، مما يدل على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٥) ، والشعبي (٦) ؛ فقال: لا يبطل التيمم بوجود الماء؛ ما دام أنه عندما تيمم لم يكن لديه ماء،
-
فإن رآه في أثناء التيمم بطل.
-
ويقول ابن حزم: "وبإحداث الغسل والوضوء يقول جمهور المتأخرين" (٧) ، يعني: أنهم يوجبون استعمال الماء عند وجوده، وهذا يدل على أنه لا يرى وجود الإجماع في المسألة.
-
ونسب ابن رشد القول الأول للجمهور، وهذا القول إلى قوم، واستدل لهم (٨) .
-
واستُدلّ لهذا القول بأن الطهارة بعد صحتها لا تنقض إلا بالحدث، ووجود الماء ليس بحدث (٩) .
-
1/4821/482
النتيجة: أن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة بعد زمن الخلاف، فلم أجد من وافق أو تابع أبا سلمة والشعبي على قولهما هذا، والمسألة من باب الاتفاق بعد الخلاف، وقد سبق التعرض لهذه المسألة كثيرًا، واللَّه تعالى أعلم.
-
التيمم يبطل بتذكر مكان الماء بعد النسيان النادر]
-
إذا كان لدى المسلم ماء، سواء كان معه على رأسه أو ظهره. . . أو كان في نحو مقدم رحله أو مؤخرته،
-
ثم تيمم ناسيًا وجود الماء، فإنه لا يجزئه ذلك التيمم.
-
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول:
-
"ولو كان على رأسه أو ظهره ماء، أو كان معلقًا في عنقه، فنسيه فتيمم، ثم تذكر، لا يجزئه بالإجماع؛ لأن النسيان في مثل هذه الحالة نادر" (١) .
-
ونقل الزيلعي نفس العبارة دون الإشارة لصاحبها (٢) .
-
ويقول الكاساني أيضًا: "وإن كان -الماء- في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر" (٣) ، أي: لا يجوز التيمم.
-
ويقول: "وهو أنه إن كان -الماء- في مؤخر الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأنه يراه، ويبصره، فكان النسيان نادرًا" (٤) ، أي: لا يجوز التيمم.
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور (٥) ، والشافعية (٦) ، والحنابلة على المذهب (٧) .
-
• مستند الإجماع: أن الطهارة بالماء تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان، كما لو صلَّى ناسيًا لحدثه،
-
ثم تذكر، أو صلى الماسح،
-
ثم بانَ له انقضاءُ مدة المسح قبل صلاته،
-
وكذا من تذكر وجود الماء معه، فإنه يجب عليه إعادة الوضوء،
-
ولا يجزئه ذلك التيمم لصلاته (٨) .
-
1/4831/483
• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (١) ، والحنابلة في رواية (٢) ، فقالوا: يجزئه تيممه ذلك.
-
واستدلوا بأنه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء، فهو كالعادم للماء (٣) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
التيمم لا يرفع الحدث ولا الجنابة]
-
إذا تيمم المسلم من الحدث أو الجنابة،
-
ثم وجد الماء، فإن حدثه أو جنابته لا ترتفع، وعليه حُكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن الطهارة بالتيمم لا ترفع الجنابة، ولا الحدث إذا وجد الماء، إلا شيء روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" (٤) . نقله عنه ابن قدامة (٥) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم لا يرفع الحدث على الاستمرار، وفائدته؛ أن المتيمم إذا رأى الماء قبل الدخول في الصلاة؛ بطل تيممه، ولزمه استعمال الماء" (٦) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن المتيمم لهما إذا وجد الماء عاد؛ جنبًا كما كان أو محدثًا" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨) ، والشافعية (٩) ، وابن حزم (١٠) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب
-
1/4841/484
طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جعل جواز التيمم بما لم يجد الماء،
-
فإذا وجده لزمه الماء،
-
ولو كان يرفع الحدث والنجاسة؛ لما لزمه التطهير من جديد (٢) .
-
٢ - أن المتيمم لو وجد الماء؛ لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم، إن كان جنبًا، أو محدثًا، أو امرأة حائضًا،
-
ولو رفع الحدث؛ لاستوى الجميع فيما يلزمهم من التطهير؛ وذلك لأنهم قد تطهروا بالتيمم، مما يدل على بقاء الحدث مع إباحة العبادة (٣) .
-
٣ - أن التيمم طهارة ضرورة، فلم ترفع الحدث؛ كطهارة المستحاضة (٤) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف أبو سلمة بن عبد الرحمن (٥) ، فقال: يرفع الحدث الأصغر والأكبر.
-
وحجته: أن التيمم طهارة مشروعة عن الحدث تبيح الصلاة، فترفع الحدث؛ كطهارة الماء، ما لم يحدث أو يجد الماء (٦) .
-
خالف الزهري، وابن المسيب، والحسن (٧) ، فقالوا: يرفع الحدث الأصغر.
-
ولم يذكروا له دليلًا.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد زمن المخالفين، فلم أجد من تابعهم من أصحاب المذاهب، أو غيرهم من العلماء، مما يدل على أن هذا القول المخالف قد اندرس، واللَّه تعالى أعلم.
-
وجوب استعمال الماء للمتيمم إذا وجده]
-
إذا وجد المتيمم الماء، فإنه يجب عليه أن يغتسل أو يتوضأ لما يستقبل.
-
وهي قريبة من المسألة الماضية (٨) ، إلا أن بينهما فرقًا، وهو أن السابقة في حصول النقض بوجود الماء، وفي مسألتنا هذه حصول الأمر بالطهارة -غسلًا أو وضوءًا-
-
1/4851/485
بوجود الماء لما يستقبل، والتفريق بينهما ظاهر في كلام ابن المنذر (١) .
-
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا تيمم للمكتوبة في أول الوقت؛ فلم يصلّ، ثم صار إلى مكان فيه ماء؛ أن عليه أن يعيد الطهارة (٢) ؛ لأنه حين وصل إلى الماء انتقضت طهارته" (٣) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد غلط بعض الناس في هذا المعنى عن ابن مسعود، فزعم أنه كان يرى الجنب إذا تيمم، ثم وجد الماء؛ لم يغتسل، ولا وضوء عليه حتى يحدث، وهذا لا يقوله أحد من علماء المسلمين، ولا روي عن أحد من السلف، ولا الخلف فيما علمت، إلا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولا يعرف عنه، والمحفوظ عن ابن مسعود ما وصفنا عنه" (٤) .
-
وقال معلقًا على قول أبي سلمة:
-
"وأما سائر العلماء، الذين هم الحجة على من خالف جميعهم؛ فقالوا في الجنب إذا تيمم، ثم وجد الماء: إنه يلزمه الغسل لما يستقبل" (٥) .
-
ويقول في سياق استدلال له: "بدليل الإجماع على أن الجنب إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء؛ لزمه الغسل، وأن المتيمم غير الجنب، يلزمه الوضوء إذا وجد الماء" (٦) . ونقله عنه القرافي (٧) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول:
-
"وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله، ومن بعده، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة، في أمره عليه الصلاة والسلام للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء" (٨) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "فإنه قد ثبت بالنص والإجماع، أنه إذا قدر على
-
1/4861/486
استعمال الماء استعمله، وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابةٌ ثانية،
-
بخلاف الماء " (١) .
-
ابن الملقن (٨٠٤ هـ) حيث نقل نحو عبارة النووي دون إشارة كما هي عادة المتقدمين (٢) .
-
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "فصار الأصل أنه متى قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم إجماعًا " (٣) . ونقله عنه ابن عابدين (٤) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول:
-
"وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما يُحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره -صلى اللَّه عليه وسلم- للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء " (٥) .
-
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن الماء: "لكن إذا وجده الجنب وجب عليه الاغتسال إجماعًا " (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧) ، وابن حزم (٨) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث عمران بن الحصين -رضي اللَّه عنه-، قال: كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر. . . "، وفيه: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بالناس، فلما انفتل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من صلاته؛
-
إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: " ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ ". قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: " عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك "،
-
ثم قال: وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: " اذهب فأفرغه عليك" (٩) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى المتيمم ماءً ليتوضأ؛ بعد أن تيمم،
-
ولو كانت الطهارة بالماء بعد التيمم غيرَ واجبة؛ لما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام (١٠) .
-
1/4871/487
٢ - حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-، وفيه:
-
"فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بأن يمس بشرته بالماء عندما يجده، والأمر يقتضي الوجوب، قال ذلك بعد أن أباح التيمم لعادم الماء (٢) .
-
• الخلاف في المسألة: الخلاف هنا كما هو في المسألة السابقة، فأبو سلمة يرى أن التيمم لا يبطل بوجود الماء مطلقًا، ولذا لا حاجة للطهارة بعد وجودها، والزهري وابن المسيب والحسن يرون عدم بطلان طهارة التيمم من الحدث الأصغر، وسبقت المناقشة هناك.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، مع ملاحظة ما قيل في نتيجة المسألة السابقة، واللَّه تعالى أعلم.
-
التيمم يبيح العبادة المتيمَّم لها:
-
إذا تيمم المسلم، فإنه يباح له الإقدام على العبادة، وعليه حكى القرافي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول:
-
"وإن كان المراد الثاني -المنع الشرعي من الإقدام على العبادة حتى التطهر- فقد ارتفع بالضرورة - أي: بالتيمم- فإن الإباحة ثابتة إجماعًا" (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .
-
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمرنا بالتيمم لعدم الماء، وهذا فيه إباحة للعبادة به، وأنه يقوم مقام الوضوء.
-
٢ - حديث أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب طهور المسلم، ولو
-
1/4881/488
إلى عشر حجج؛ ما لم يجد الماء" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن التراب طهور المسلم مع عدم الماء، وهذا فيه إباحة وزيادة.
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه المسألة أشبه بالإجماع على أقل ما قيل،
-
فمن قال بأن التيمم رافع للحدث مطلقًا -وهو أبو سلمة ومن معه- (٢) يقول بالإباحة وزيادة،
-
ومن قال بأن التيمم يبطل بوجود الماء؛ فقد قال بمسألتنا أيضًا،
-
ولا يخالف فيها أي من الطرفين، واللَّه تعالى أعلم.
-
رؤية الماء أثناء التيمم تبطله]
-
إذا شرع مسلم بالتيمم، وفي أثنائه رأى الماء، فإنه يبطل تيممه، وعليه أن يتوضأ بالماء.
-
• من نقل الإجماع: القاضي أبو الطيب الطبري (٤٥٠ هـ) حيث نقل الإجماع على أنه إذا رأى الماء أثناء التيمم بطل تيممه. نقله عنه النووي (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وابن حزم (٧) .
-
• مستند الإجماع: يستند في هذه المسألة بما تستند إليه مسألة وجوب استعمال الماء إذا وجد، وقد سبقت، إلا أنه يضاف هنا أنه برؤيته الماء قبل إنهائه التيمم، فهو قد رآه قبل إتمام الطهارة، وإحداثه للتيمم مع وجود الماء غير جائز، وبهذا يبطل ما استدل به المخالفون هناك -أبو سلمة ومن معه- ويدخلون في هذه المسألة من الموافقين، واللَّه تعالى أعلم (٨) .
-
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.
-
مشروعية التيمم للجنب]
-
إذا أجنب المسلم، وتحققت فيه شروط جواز التيمم، فإنه يشرع له أن يتيمم، وعليه
-
1/4891/489
حُكي الإجماع.
-
• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء، تيمما وصليا" (١) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول:
-
"وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (٢) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (٣) .
-
وهذا وإن كان ظاهره أنه يحكي الإجماع؛ إلا أنه بعد التأمل ليس فيه حكاية، إذ أنه قيده بمن يقول بهذه الأغسال، فهو يقصد إجماع القائلين، وليس إجماع العلماء، واللَّه أعلم (٤) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب، فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهورُ كل مسلم، مريضٌ؛ أو مسافر، وسواء كان جنبًا؛ أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك" (٥) .
-
ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "قال بعضهم: وقد حكي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه لا يجوز -تيمم الجنب- وانعقد الإجماع بعد ذلك على جوازه بهذه النصوص (٦) " (٧) .
-
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول عن التيمم: "وأجمعوا على أنه يجوز للجنب بشرطه؛ كما يجوز للمحدث" (٨) .
-
ونقل نحو عبارته ابن قاسم دون إشارة (٩) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين،
-
1/4901/490
سواء تيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر، سواء تيمم عن كل الأعضاء أو بعضها " (١) .
-
وقال: "وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار، ومن قبلهم، على جوازه للجنب والحائض، والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا أحد من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحُكي مثله عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي، وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عنه " (٢) .
-
ونقله عنه العيني (٣) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وكان هو -يعني عمر بن الخطاب- وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما عمار، وأبو موسى، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء؛ لما كان معهم الكتاب والسنة " (٤) .
-
ابن الملقن (٨٠٤ هـ) حيث نقل عبارة النووي السابقة، ولكنه لم يُشِرْ (٥) .
-
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث (٦) يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء؛ من غير فرق بين الجنب وغيره، وقد أجمع على ذلك العلماء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا من السلف؛ إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عن ذلك" (٧) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وأبو موسى، وعمار -رضي اللَّه عنهم-، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر (٨) ، والحنفية (٩) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قول اللَّه تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى قوله تعالى:
-
{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ، ثم قال تعالى:
-
1/4911/491
-
• وجه الدلالة: أن قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا} عائد إلى المحدث والجنب جميعًا، بدليل السياق (١) .
-
٢ - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت؛ فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة،
-
ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" ،
-
ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة،
-
ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (٢) .
-
• وجه الدلالة: أن عمار -رضي اللَّه عنه- أخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان جنبًا،
-
ثم أخبره عليه الصلاة والسلام أنه كان يكفيه التيمم بضربة اليد إلى آخره، فدل على مشروعية التيمم للجنب (٣) ، واللَّه تعالى أعلم.
-
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة عمر، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والأسود (٤) ، فقالوا: إن الجنب لا يتيمم (٥) .
-
وقيل إن عمر وابن مسعود رجعا، وقد سبق (٦) .
-
وحكى ابن رشد الخلاف في المسألة، وقال عن القول الأول: "وبه قال عامة الفقهاء" (٧) .
-
وقال ابن عبد البر: "ولم يقل بقول عمر وعبد اللَّه - يعني: ابن مسعود- في هذه المسألة أحدٌ من فقهاء الأمصار، من أهل الرأي وحملة الآثار" (٨) .
-
وهو غير صحيح، حيث ورد القول عن غيرهم.
-
واستدلوا: بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} .
-
فأوجب التطهر، وقال تعالى:
-
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
-
1/4921/492
الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ، وحملوا الملامسة على ما دون الجماع، وقالوا: ذكر اللَّه تعالى هنا الحدث الأصغر فقط (١) .
-
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في عصر الصحابة ولا التابعين؛ لوجود المخالف في المسألة، ولكن بعد البحث لم أجد من تابعهم من الأئمة بعدهم،
-
ولا من أرباب المذاهب، ولذا فالأظهر أن المسألة من باب الاتفاق بعد الخلاف، فهي متفق عليها بين العلماء بعد عصر التابعين، واللَّه تعالى أعلم.
-
مشروعية التيمم للحيض]
-
إذا طهرت الحائض وانقطع دمها، ولم تجد ماء،
-
فإن التيمم يجوز لها بالإجماع، كما حكاه عدد من العلماء، وهذا ما تناقشه مسألتنا.
-
• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء، تيمما وصليا" (٢) .
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول:
-
"وأما كون عمل التيمم للجنابة، وللحيض، وللنفاس، ولسائر ما ذكرنا (٣) كصفته لرفع الحدث؛ فإجماع لا خلاف فيه، من كل من يقول بشيء من هذه الأغسال، وبالتيمم لها" (٤) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "سئل مالك عن الحائض تطهر، فلا تجد ماء أتتيمم؟ قال: نعم، فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد الماء تيمم، وهذا إجماع كما قال مالك، لا خلاف فيه، والحمد للَّه" (٥) .
-
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول:
-
"وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار، ومَن قبلهم، على جوازه -التيمم- للجنب والحائض، والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف، ولا أحد من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحُكي مثله
-
1/4931/493
عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي،
-
وقيل: إن عمر وعبد اللَّه رجعا عنه " (١) . ونقله عنه العيني (٢) .
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣) ، والحنابلة (٤) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - حديث عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنهما-، الذي فيه؛ أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له بعد تمرغه بالتراب وهو جنب: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" (٥) ،
-
ثم وصف له التيمم.
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أباح له التيمم وهو جنب، والجنابة والحيض كلاهما حدث أكبر، فيقاس الحيض على الجنابة، واللَّه تعالى أعلم.
-
٢ - أن الحيض بعد انقطاع دمه حدث، يمكن رفعه بالغسل كالجنابة، والجنب إذا لم يجد الماء تيمم للصلاة، وغيرها من موانع الجنابة؛ فكذلك الحائض إذا لم تجد الماء تتيمم (٦) .
-
• الخلاف في المسألة: خالف في مسألتنا مَن خالف في مسألة تيمم الجنب، فالمخالفون خالفوا في التيمم من الحدث الأكبر؛ كالجنابة، والحيض، والنفاس، فالخلاف هناك يجري هنا، فليراجع هناك (٧) .
-
النتيجة: أن الإجماع -كما سبق في مسألة الجنب- غير متحقق في العصر الأول؛ لوجود المخالف فى المسألة، ولكن الأظهر أنه تحقق بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
-
مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء]
-
إذا أراد المسافر الوضوء، ولم يجد الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم.
-
• من نقل الإجماع: ابن الحارث (٣٦١ هـ) حيث نقل عنه الموّاق (٨) والحطاب (٩)
-
1/4941/494
حكايته الاتفاق على جواز تيمم المسافر الذي لم يجد الماء.
-
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة، إذا لم يقدر على ماء أصلًا، وليس بقربه ماء أصلًا؛ أن له أن يتيمم بدل الوضوء للصلاة فقط" (١) .
-
وقال: "وأجمعوا أن المسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا، ولا يجد ماء ولا نبيذًا؛ فإن التيمم له بالتراب الطاهر جائز في الوضوء للصلاة، الفريضة خاصة" (٢) .
-
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت، أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مسلم؛ مريض أو مسافر" (٣) .
-
وقال: "التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع" (٤) .
-
وقال: "وفي هذا الحديث التيمم في السفر، وهو أمر مجمع عليه" (٥) .
-
الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول:
-
"ولا خلاف في وجوب ذلك -التيمم- في السفر وإجزائه" (٦) .
-
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين؛ للمريض وللمسافر إذا عدما الماء" (٧) .
-
ابن الحاجب (٦٤٦ هـ) حيث نقل عنه الحطاب أيضًا حكايته الاتفاق على جواز تيمم المسافر الذي لم يجد الماء (٨) .
-
القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا" (٩) .
-
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى إلى أن يجد الماء" (١٠) .
-
1/4951/495
وقال: "لا نزاع بين المسلمين أنه إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت؛ لم يجز له تأخير الصلاة، ليصليها بعد الوقت بوضوء أو غسل، بل هو الفرض" (١) . ونقله عنه ابن قاسم (٢) .
-
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول عن المسافة في السفر: "والبعيدة غير مانعة بالإجماع" (٣) ، أي: غير مانعة للتيمم.
-
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤) ، والشافعية (٥) .
-
• مستند الإجماع:
-
١ - قوله تعالى: