الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميComparativemasa’il 15934 to 16157
-
2/7412/741
مشروعية المساقاة]
-
• المراد بالمسألة: المساقاة في اللغة: مأخوذة من السقي، وهو: إشراب الشيء الماء وما أشبهه (١) .
-
• وفي الاصطلاح: دفع شجر مغروس معلوم، ذي ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء شائع معلوم من ثمره (٢) .
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .،
-
وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بالشطر،
-
ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي،
-
ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (٣) .
-
2/7422/742
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .،
-
وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بالشطر،
-
ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي،
-
ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] (١) واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (٢) .
-
• زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول: [والأصل فيها - أي: المساقاة - قبل الإجماع. . . .] (٣) .
-
• ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٤) .
-
• الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (٥) .
-
• الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٧) .
-
2/7432/743
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع " (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تعامل مع أهل خيبر بالمزارعة والمساقاة، فدل على جوازهما (٢) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قالت الأنصار للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: "لا" فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (٣) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرهم على هذه المعاملة وهي أن يكفوهم مؤونة الزرع من سقي ونحوه مما يحتاجه، ولهم جزء من الثمرة، وهذه صورة المساقاة (٤) .
-
الثالث: المعنى يدل على جوازها،
-
فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارتها وسقيها،
-
ولا يمكنهم الاستئجار عليها، وكثير من الناس لا شجر لهم، ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة الفئتين، فجاز ذلك، كالمضاربة بالأثمان (٥) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: أبو حنيفة وزفر، فقالا: لا تجوز المساقاة (٦) .
-
وقال بكراهتها: الحسن وإبراهيم (٧) .
-
2/7442/744
ويستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو:
-
أن هذا العقد يعتبر عقد إجارة، وقد اشتمل على عدة محاذير كلها لا تجوز، منها: أن الأجرة مجهولة معدومة،
-
وكذلك في وجودها خطر، وكل واحد من المعنيين يمنع صحة الاستئجار؛ لأن الاستئجار بما يكون على خطر الوجود، في معنى تعليق الإجارة بالخطر، والاستئجار بأجرة مجهولة بمنزلة البيع بثمن مجهول، وكلاهما منهي عنه.
-
وقد جاء في حديث أبي سعيد -رضي اللَّه عنه- "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره" (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل الذين حكوا الإجماع من العلماء قصدوا أن مخالفة من خالف تعد شاذة لا اعتبار لها، وقد نص على ذلك ابن المنذر (٢) ،
-
ولا يقال بأن العذر أنهم لم يطلعوا على الخلاف في المسألة؛ لأنه خلاف مشتهر ومعروف، ويتناقله العلماء حتى الشافعية في كتبهم.
-
تحريم المساقاة على ما لا ثمر له]
-
• المراد بالمسألة: الشجر: منه ما له ثمرة، ومنه ما ليس له ثمرة، والذي له ثمرة: منه ما ثمرته مقصودة، ومنه ما ثمرته غير مقصودة، والمساقاة لا تجوز في كل ما لا ثمرة له كالصفصاف والحور ونحوها، أو له ثمرة لكنها غير مقصودة كالصنوبر والأرز ونحوها، بلا خلاف بين العلماء.
-
ويستثنى من هذا الضابط ما يقصد ورقه أو زهره كالورد والياسمين ونحوها.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز (٣) ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز، فلا تجوز
-
2/7452/745
المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي،
-
ولا نعلم فيه خلافا] (١) . نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والبهوتي (٢) .
-
• شمس الدين ابن قدمة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز،
-
فلا تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي،
-
ولا نعلم فيه خلافا] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (٥) .
-
• وجه الدلالة: أن الشجر الذي لا ثمر له ليس منصوصا عليه،
-
ولا في معنى المنصوص عليه،
-
فلا تحل المساقاة عليه.
-
الثاني: أن المساقاة قائمة على جعل المعاوضة في الثمرة،
-
فإذا لم تكن ثمة ثمرة فقد اختل ركن من أركان العقد (٦) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: الحنفية، وأبو ثور، فقالوا: تجوز المساقاة على
-
2/7462/746
الشجر مطلقًا، سواء كان له ثمر أم لا (١) .
-
واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو:
-
أن الشجر الذي له ثمر يحتاج إلى رعاية وحفظ وسقي، ومثل هذه الأمور تجوز المعاقدة عليها (٢) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
تحريم المساقاة فيما لا تزيد به الثمرة]
-
• المراد بالمسألة: الثمرة إذا بلغت حدا لا تزيد معه بعد بدو صلاحها كالجذاذ والحصاد ونحوهما، لم تجز المساقاة عليها، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [. . .
-
فإن بقي - أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز - أي: العقد- بغير خلاف] (٣) . نقله عنه البهوتي (٤) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . .
-
فإن بقي - أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز - أي: العقد- بغير خلاف] (٥) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول:
-
[فإن بقي ما لا تزيد به كالجداد، لم يجز بغير خلاف] (٦) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٧) .
-
2/7472/747
• مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع بدليل من المعقول، وهو:
-
أن العامل لا يستحق الأجر إلا بالعمل، والعمل قد ذهب معظمه بعد تناهي الثمرة وإدراكها، فيكون العقد قد اختل جزء من أجزائه وهو العمل،
-
فلا يصح (١) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
فساد اشتراط اشتراك المتساقيين في الأرض والشجر]
-
• المراد بالمسألة: إذا وقع عقد المساقاة بين طرفين، دفع أحدهما الأرض إلى الآخر، على أن تقع المشاركة بينهما في الشجر والأرض جميعا، فالعقد فاسد بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[وإن دفعها - أي: الأرض - على أن الأرض والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٢) . نقله عنه البهوتي، والرحيباني (٣) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول:
-
[فأما إن دفعها - أي: الأرض- على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد،
-
ولا نعلم فيه مخالفا] (٤) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول:
-
[فلو دفعها إليه على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، بغير خلاف نعلمه] (٥) .
-
2/7482/748
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أن صاحب الأرض يكون مشتريا لنصف الثمرة من العامل بنصف الأرض، والثمرة مجهولة ومعدومة،
-
فلا يجوز العقد على مثل هذا.
-
الثاني: القياس على ما إذا استأجر أجيرا ليجعل أرضه بستانا بآلات الأجير، على أن تكون أجرته نصف البستان الذي يظهر بعمله، فكما أنه لا يجوز هذا العقد فكذلك معنا، بجامع جهالة الثمن في كلًّ منهما (٢) .
-
الثالث: القياس على مسألة من دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، فإنه لا يجوز مثل هذا، والجامع بين المسألتين: أن كلا منهما شرط المشاركة في الأصل، وهذا يفسد العقد (٣) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: المالكية، فقالوا: يجوز أن يكون الطرفان شريكين في الأرض والشجر (٤) .
-
واستدلوا بدليل من المعقول، وهو:
-
2/7492/749
القياس على المساقاة: فكما أنها جائزة بنص السنة، فكذلك هذه المسألة (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
بطلان المزارعة على جزء معين من الزرع]
-
• المراد بالمسألة: المزارعة في اللغة: مأخوذة من الزرع، وأصل الكلمة يدل على تنمية الشيء (٢) ، يقال: العبد يحرث، واللَّه يزرع، أي: ينبت وينمي، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) } (٣) .
-
وزرع الزارع الأرض من إسناد الفعل إلى السبب مجازا (٤) .
-
• وفي الاصطلاح: معاقدة على الزرع بين صاحب الأرض وبين المزارع، على أن يقسم الحاصل بينهما بالحصص التي يتفقان عليها وقت العقد (٥) .
-
إذا دفع أرضه إلى من يزرعها ويعمل عليها، واشترط على العامل أن يكون له جزء معين من الزرع، مثل: أن يشترط جهة من الزرع كالجهة الشمالية ونحوها، أو ما يكون على السواقي والجداول ونحوها، فالعقد فاسد، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [هذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث - أي: حديث رافع- لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز] (٦) .
-
• الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [. . .
-
فأما الضرب الذي أجمعوا على فساده: فهي أن تكون حصة كل واحد منهما من زرع الأرض مفردة عن حصة صاحبه، مثل
-
2/7502/750
أن يقول: قد زارعتك على هذه الأرض على أن ما زرعت من هرن (١) كان لي، وما زرعت من أفل (٢) كان لك، أو على ما نبت من الماذيانات (٣) كان لي، وما نبت على السواقي والجداول كان لك، أو على أن ما سقي بالسماء فهو لي، وما سقي بالرشاء فهو لك، فهذه مزارعة باطلة، اتفاق الفقهاء على فسادها] (٤) .
-
• العمراني (٥٥٨ هـ) يقول:
-
[فإن دفع رجل إلى رجل أرضا ليزرعها، على أن يكون لرب الأرض أو للعامل زرع موضع بعينه، مثل: أن يقول: زارعتك على هذه الأرض، على أن لك ما ينبت على السواقي وما أشبه ذلك، والباقي لي، فهذا باطل بالإجماع] (٥) .
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه، وللعامل زرعا بعينه، مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية، وللآخر زرع أخرى، أو يشترط أحدهما ما على السواقي والجداول، إما منفردا، أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (٦) . نقله عنه البهوتي (٧) .
-
• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [لو شرط لأحدهما (دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة) أو يشترط لأحدهما ما على الجداول، إما منفردا أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (٨) .
-
2/7512/751
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [والذي نهى عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المخابرة وكراء الأرض، قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص والإجماع] (١) . ويقول أيضًا: [.
-
. . وما أعلم فيه مخالفا، أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما ثمرة شجرة بعينها،
-
ولا مقدارا محدودا من الثمر،
-
وكذلك لا يشترط لأحدهما زرع مكان معين،
-
ولا مقدارا محدودا من نماء الزرع،
-
وكذلك لا يشترط لأحدهما ربح سلعة بعينها،
-
ولا مقدارا محدودا من الربح] (٢) .
-
• برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [. . . (أو شرطا لأحدهما قفزانا معلومة. . .، أو دراهم معلومة. . .، أو زرع ناحية من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة) بإجماع العلماء] (٣) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن حنظلة بن قيس الأنصاري (٥) قال: سألت رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- عن
-
2/7522/752
كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به" (١) .
-
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهاهم عما كانوا يتعاملون به، وهو اشتراط جزء معين من الزرع في المزارعة، فدل ذلك على تحريمه.
-
الثاني: أن اشتراط جزء معين من الزرع، لا يؤمن عليه التلف، فيقع الحيف والجور في المعاملة؛ لاحتمال انفراد أحدهما بالغلة دون صاحبه (٢) .
-
الثالث: أن المزارعة فيها معنى المشاركة، واشتراط جزء معين يؤدي إلى قطع المشاركة بينهما في الريع مع حصوله؛ لجواز أن يحصل الريع في الناحية المشروطة لأحدهما دون الآخر، فصار كما لو اشترط جزءا معلوما من الربح في المضاربة (٣) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
تحريم اشتراط منفعة على العامل في المزارعة]
-
• المراد بالمسألة: إذا وقع العقد بين طرفين على المزارعة، واشترط رب الأرض على العامل شرطا خارجا عن مقتضى العقد، يكون فيه منفعة له، مثل: أن يشترط عليه استعارة دوابه، أو رعي ماشيته، أو يزرع له أرضا أخرى غير التي وقع عليها العقد، وما أشبه ذلك، فهذا الشرط محرم، بلا نزاع من العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [يشترط أحدهما على الآخر، أن يزرع له أرضا أخرى، أو يبضعه بضاعة يختص ربها بربحها، أو يسقي له شجرة أخرى، ونحو
-
2/7532/753
ذلك مما قد يفعله كثير من الناس،
-
فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه في قالب آخر، فيضاربه، ويبضعه بضاعة، أو يعامله على شجر وأرض، ويستعمله في أرض أخرى، أو في إعانة ماشية له، أو يشترط استعارة دوابه، أو غير ذلك،
-
فإن هذا لا يجوز شرطه، بلا نزاع أعلمه بين العلماء] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: القياس على اشتراط جزء معين في المزارعة؛ لأنه إذا اشترط عليه منفعة معينة مع العمل، فإنه يكون قد اختص أحدهما باستيفاء هذه المنفعة، وقد لا يحصل نماء للزرع، أو يحصل دون ما ظنه، فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل، وقامره وراباه،
-
فإن فيه ربا وميسرا، وكلها محرمة (٣) .
-
الثاني: أن هذا شرط يخالف حكم اللَّه ورسوله؛ لاشتماله على المحرم شرعا، وكل شرط محرم شرعا لا يجوز اشتراطه.
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز اشتراط استئجار الأرض وزراعة ما شاء فيها]
-
• المراد بالمسألة: إذا استاجر أرضا، وشرط عليه المستأجر أن يزرع فيها ما
-
2/7542/754
يشاء، أو يغرس فيها ما يشاء، من غير أن يحدد زرعا أو غرسا معينا،
-
فإن هذا الشرط جائز، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [لو استأجرها - أي: الأرض- ليزرع فيها ما شاء، أو يغرس ما شاء، يجوز بالإجماع] (١) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
وافق على هذا الإجماع: المالكية في قول عندهم، وهو الأصح عند جمهور الشافعية،
-
وكذا الصحيح من مذهب الحنابلة (٢) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: أنه أطلق له في العقد، وجعل له ما شاء من الزرع، فيجوز له استئجارها لأكثر الزرع ضررا،
-
ويباح له جميع الأنواع، بناء على الإطلاق الذي بُني عليه العقد (٣) .
-
الثاني: أن الجهالة في الإطلاق هنا غير مفضية للنزاع؛ وذلك لوجود الشرط الذي وقع عليه التراضي (٤) .
-
• المخالفون للإجماع:
-
خالف في هذه المسألة: المالكية في المشهور عنهم، والشافعية في وجه عندهم،
-
وكذلك الحنابلة في وجه أيضًا عندهم، وابن حزم من الظاهرية، فقالوا: بعدم جواز استئجار الأرض، واشتراط زراعة ما شاء فيها (٥) .
-
2/7552/755
واستدل هؤلاء: بالقياس على ما لو باعه عبدا من عبيده، بجامع الجهالة في كل منهما، والتفاوت في النوع الواحد، فالعبيد مختلفون،
-
وكذلك الزراعة تختلف باختلاف نوعها (١) .
-
النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
-
جواز استئجار الأرض التي لها ماء دائم للزرع والغرس]
-
• المراد بالمسألة: استئجار الأرضِ له مشارب مختلفة،
-
فمن استأجرها من أجل الغرس والزرع، وكان لها ماء دائم - وهو: إما نهر لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا يؤثر في الزرع، أو عين نابعة، أو بركة يجتمع فيها مياه الأمطار ثم يسقى به، أو بئر يقوم بكفاية الزرع، أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض وقرب الماء الذي فيها - فإن الإجارة صحيحة، بلا خلاف بين العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول:
-
[ويصح استئجارها - أي: الأرض التي يكون لها ماء دائم- للغرس والزرع، بغير خلاف علمناه] (٢) . نقله عنه البهوتي، والرحيباني (٣) .
-
• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول:
-
[وإن كان لها ماء دائم، من نحو: نهر، أو بئر، صح الاستئجار للغرس والزرع، بلا خلاف] (٤) .
-
• الموافقون على الإجماع:
-
2/7562/756
وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (١) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو:
-
أن المنفعة معلومة، مقدور على تسليمها، والمستأجر قد تمكن من استلامها حقيقة، فتصح الإجارة عليها (٢) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.
-
جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة]
-
• المراد بالمسألة: الأرض البيضاء التي لا شيء فيها، يجوز لمالكها إجارتها بالنقدين الذهب والفضة، إذا توفرت فيها شروط الإجارة، بإجماع العلماء.
-
• من نقل الإجماع:
-
• الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) يقول: [ما اختلفوا في الذهب والورق] . نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة (٣) .
-
• الطبري (٣١٠ هـ) يقول: [واختلفوا في كراء الأرض البيضاء، بشيء من جنس المكترى له، بعد إجماعهم على أنها إذا اكتُريت بالذهب والورق، فجائز] (٤) .
-
• ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض، وقتا معلوما، جائز بالذهب والفضة. . .، وأجازه كل من نحفظ عنه من
-
2/7572/757
أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (١) . نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر، والعيني، والشوكاني (٢) .
-
• ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [اتفق العلماء على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة] (٣) . نقله عنه ابن حجر، والشوكاني (٤) .
-
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
-
الأول: عن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها" ، فسأله عن كرائها بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس بكرائها بالذهب والورق" (٥) .
-
الثاني: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المزابنة والمحاقلة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أخاه أرضا فهو يزرع ما منح منها، ورجل اكترى بذهب أو فضة" (٦) .
-
• وجه الدلالة من الحديثين: هذان الحديثان صريحان في جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وهو مقيد للتحريم المطلق عن كراء الأرض.
-
2/7582/758
• المخالفون للإجماع:
-
نُقل الخلاف في المسألة عن جمع من الصحابة والتابعين أنهم قالوا بالنهي عن كراء الأرض بالذهب والفضة، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، ورافع بن خديج، ومجاهد، والحسن، وطاوس، وعكرمة، والقاسم بن محمد (١) ، وابن سيرين، وعطاء، ومكحول، ومسروق، ونصر هذا القول ابن حزم من الظاهرية (٢) .
-
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
-
الأول: عن رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كراء الأرض" (٣) .
-
الثاني: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" (٤) .
-
الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المزابنة والمحاقلة" . المحاقلة: كراء الأرض (٥) (٦) .
-
أما الأقوال عن الصحابة والتابعين فلم أجد من نقل هذا عنهم غير ابن حزم إلا ما نقل عن طاوس والحسن وعطاء فقط (٧) ، والبقية قد انفرد ابن حزم بذكر القول
-
2/7592/759
عنهم.
-
ولا شك أن هذا الانفراد في النقل عن هؤلاء الأئمة يدعو إلى الريبة والشك، ويتطلب أخذ الحيطة والحذر في الجزم بالنسبة إليهم.
-
ويجاب عما نقله ابن حزم عنهم بما يلي:
-
أولًا: أن عامة هذه النقول جاءت عامة في النهي عن كراء الأرض، وقد جاء استثناء الذهب والفضة في نصوص أخرى، كما جاء ذلك في الأحاديث التي وردت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
فلا يمكن فصل هذه النصوص بعضها عن بعض، والذين ورد عنهم النهي المطلق، لا يدل على عدم التقييد عندهم (١) .
-
ثم إن هذه النقول عن هؤلاء، لا تخفى على العلماء، ولم يُنقل أن واحدا منهم نقل هذا النقول التي انفرد بأكثرها ابن حزم، فدل على أنهم فهموا غير ما فهمه ابن حزم منها، وأنها ليست على إطلاقها، ومما يتأيد به هذا الكلام، نَقْل ابن المنذر الإجماع عن الصحابة، وإقرار ابن حجر والعيني له على ذلك.
-
ثانيًا: أن النهي الذي جاء عنهم محمول على ما يكون فيه غرر وجهالة، تفضي إلى النزاع والشقاق، وهو منتف في كراء الأرض بالذهب والفضة، ويدل على هذا المعنى ما جاء في حديث رافع، وفيه: "كُنَّا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أَخرجت ذه، ولم تُخرج ذه، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" .
-
وفي لفظ له أيضًا "فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهينا عن ذلك، ولم نُنْه عن الوَرق" (٢) .
-
ثالثًا: من هذه الآثار ما يغلب على الظن تراجع أصحابها عنها، كما هو الحال في قول طاوس -وهو الذي اشتهر عنه القول به- فقد جاء عنه كراهة كراء الأرض بالذهب والفضة صريحا، وقد نص بعض العلماء على أن هذا هو أحد قوليه (٣) .
-
ومن العلماء من شكك في نسبة هذا القول إليه وإلى الحسن، ومن هؤلاء: القاضي
-
2/7602/760
عبد الوهاب حيث قال:
-
[ولا أظن الحكاية ثابتة] (١) .
-
رابعًا: من الآثار ما يغلب على الظن أن أصحابها قالوها تورعا وتركوها احتياطا، كما ورد عن ابن عمر (٢) ، ويدل لهذا ما أخبر به سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يكري أراضيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد اللَّه، فقال: يا ابن خديج ماذا تُحدث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في كراء الأرض؟
-
قال رافع بن خديج لعبد اللَّه: سمعت عَمّيَّ -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل الدار أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض، قال عبد اللَّه: لقد كنت أعلم في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الأرض تكرى،
-
ثم خشي عبد اللَّه أن يكون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض (٣) . فخشْيَة ابن عمر تدل على تورعه كما هو معروف عنه،
-
ولا يمكن أن يجزم بأن هذا رأي له. ولذا جاء في رواية أنه كان إذا سئل عن ذلك؟ قال: زعم رافع أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ذلك. وأصرح من هذا ما رواه نافع عنه قال: كان ابن عمر يُكري أرضه فأخبر بحديث رافع بن خديج فأخبره، فقال: قد علمت أن أهل الأرض يعطون أراضيهم على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
-
ويشترط صاحب الأرض أن لي الماذيانات، وما سقى الربيع،
-
ويشترط من الجرين (٤) شيئًا معلوما، قال: فكان ابن عمر يظن أن النهي لما كانوا يشترطون (٥) . وهذا يدل على أن النهي إنما هو إذا كان شرط بين المتعاقدين على أن له شيء محدد من الأرض، وهذا فيه جهالة وضمان، وكلها فاسدة لا تجوز.
-
خامسًا: أن الذين ورد عنهم النهي، لعل مردَّه إلى ما قاله رافع بن خديج -رضي اللَّه عنه-، وإنما هو فَهْم فهمه على غير وجهه، كما يدل على ذلك ما جاء عن زيد بن ثابت حين قال: يغفر اللَّه لرافع بن خديج!
-
أنا -واللَّه- أعلم بالحديث منه، إنما كانا
-
2/7612/761
رجلين اقتتلا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع" فسمع قوله: "لا تكروا المزارع" (١) .
-
ثم إن من العلماء من أنكر ذلك على رافع، منهم: سالم بن عبد اللَّه بن عمر فقد حدث عنه ابن شهاب أنه قال: سألت سالما عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: [لا بأس بذلك] ، قال فقلت: أرأيت الحديث الذي يُذكر عن رافع بن خديج؟
-
فقال: [أكثر رافع بن خديج،
-
ولو كانت لي أرض أكريتها] (٢) .
-
وقد ثبت عن رافع أنه أجاز كراء الأرض بالذهب والفضة حين سئل عن ذلك، فقال: [لا بأس بكرائها بالذهب والورق] (٣) .
-
على أن من العلماء من ضعف حديث رافع، وحكم عليه بالاضطراب، كما جاء عن الإمام أحمد أنه قال: [حديث رافع ألوان] وقال: [حديث رافع ضروب] وقال ابن القيم قبل أن ينقل ذلك عن الإمام أحمد: [حديث رافع في غاية الاضطراب والتلون] (٤) .
-
النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وما ذكر من الأقوال فما كان ثابتا صحيحا وهو قليل، فإنه يعتبر شاذ لا يُعْتد به، خاصة وأن ممن حكى الإجماع الإمام أحمد، وهو الذي عرف عنه شدة تورعه عن حكاية الإجماع، ومما يؤكد ذلك أن ابن المنذر نص على عدم الخلاف بين الصحابة في ذلك، فالإجماع في المسألة قديم.